وصفة مؤلف «صواب / خطأ» لأوقاتنا المستقطبة: التواضع والغفران

عالم المستقبليات المكسيكي الأميركي يقدم سرداً تاريخياً لتدعيم نظريته

خوان إنريكيز
خوان إنريكيز
TT

وصفة مؤلف «صواب / خطأ» لأوقاتنا المستقطبة: التواضع والغفران

خوان إنريكيز
خوان إنريكيز

يتملك معظم البشر شعور وثيق بمعرفة الصواب من الخطأ، ولا يمتنعون عن اتخاذ مواقف صريحة بشأن القضايا الأخلاقية، والتعبير عن آرائهم ربما لدرجة الاشتباك مع الآخرين أحياناً. لكن أغلبنا، وهو يقع في فخ الاستقطاب هذا، ينسى أننا بحكم تكويننا الثقافي والعقلي لا نمتلك أي حقائق أبدية، ويغيب عن أذهاننا أن القيم الأخلاقية تغيرت دائماً وتتغير مع مرور الوقت.
«صواب/ خطأ: كيف تغير التكنولوجيا قيمنا الأخلاقية»، الصادر حديثاً عن دار النشر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يقدم فيه خوان إنريكيز عالم المستقبليات المكسيكي الأميركي المعروف سرداً تاريخياً ممتعاً لتدعيم نظريته في أن تطور الابتكارات والتكنولوجيا كان دائماً أحد أهم محركات تغيير المفاهيم الأخلاقية، ووفر عبر مختلف الحقب التاريخية محفزات غيرت بشكل جذري تصورات البشر لعلاقتهم وموقعهم من العالم، وبالضرورة فهمهم لما هو صواب وخطأ، طارحاً بذلك ظلالاً كثيرة على قيمة المواقف الأخلاقية التي قد ينحاز إليها الأفراد والمجتمعات في لحظة ما من تعاقب الأزمنة.
ويؤكد إنريكيز مبكراً عبر نصه أن الغرض من «صواب/ خطأ» ليس الوصول إلى إجابات محددة حول المسائل والمعضلات التي نواجهها في وقتنا الحاضر بقدر التأكيد على أهمية أن يكون لدينا استيعاب أفضل للطرق التي يمكن للتكنولوجيا المتسارعة بشكل غير مسبوق أن تغير بها جذرياً ما نراه أخلاقياً اليوم، بغض النظر عن معتقداتنا الحالية والجانب من الطيف السياسي الذي نتماهى معه. كما يحول بحرفية حكواتي عتيق موضوعاً جافاً مملاً إلى سردية قصصية ممتعة عابقة بالطرافة والبصيرة حول جرأة كل جيل على ادعاء معرفة الصواب من الخطأ.
لقد آمن الملايين، لمئات السنوات، بأن تقديم الأضحيات البشرية كان ممارسة طبيعية لاسترضاء الآلهة، وإلا فلن يأتي المطر، ولن تشرق الشمس؛ الإعدامات العلنية كانت شائعة عادية قانونية، وكانت العائلات تصطحب أطفالها لمشاهدة قطع الرؤوس في الأماكن العامة أو إحراق الضالين أو الساحرات. العبودية والسخرة كانت كذلك أمراً مألوفاً مقبولاً لآلاف السنين، ولا شك أن الأفراد الذين لم يقبلوا بهذه الترهات كان يعدون من قبل الأغلبية مهرطقين خاطئين، ولربما دفع بعضهم حياته أو خسر علاقاته الاجتماعية ثمناً لذلك.
يقول إنريكيز إن السجلات التاريخية تظهر أن 99 في المائة من أديان العالم الوثنية قد انقرضت بالفعل، بعد أن كانت في وقت ما مرجعية الحياة لدى كثيرين، وطريقتهم في النظر إلى العالم حولهم، وأن المتاحف متخمة بتماثيل الآلهة الميتة زيوس (الإغريق) ونبتون (الرومان) وأوزيريس (مصر) وتموز (سوريا والعراق) وأوكو (إله السماء والرعد في فنلندا القديمة) وميثرا (فارس). وحتى في الأديان السماوية، فإن كل جيل وكل جغرافيا كانت لها نسخ متفاوتة من كلمة الله الواحد، واختلفت رؤيتهم حول الصواب والخطأ، مع أنهم يقرأون في الكتاب ذاته. وحتى بالنسبة للملحدين، فإن نظام معتقداتهم البديل قد يتعرض لهزة كبيرة لو تبين مستقبلاً أن هنالك على سبيل المثال حياة ذكية على كواكب أخرى.
وتبدو مساحة العلاقات الجنسية والتناسل بالذات منطقة يظهر فيها تقلب المواقف الأخلاقية بين الأجيال والجغرافيات والطبقات والحقب التاريخية في أقصاه، ويقترح هنا إنريكيز ألا نذهب بعيداً، بل أن نقابل ثقافة أجدادنا ممن عاشوا في الأربعينيات والخمسينيات مع طريقة تفكير الأجيال الشابة اليوم، سواء حول طبيعة الزواج وطرق التعارف والعلاقات الجنسية والحمل والإنجاب والجينات الوراثية. المسافة شاسعة بالتأكيد، ونحن نتحدث عن فجوة عدة عقود فحسب. وهو يدعونا إلى تصور ما قد يراه أحفادنا بالمستقبل عندما يتسنى لهم الاطلاع على طريقة تفكيرنا من خلال تراثنا المتراكم على مواقع التواصل الاجتماعي التي تحصي علينا الأنفاس، ولا تترك شاردة ولا واردة إلا ترصدها؛ سنكون أول جيل من البشر يتسنى للأجيال اللاحقة قراءة مواقفه ومعاييره (المتحجرة بمقياسهم ربما)، لا سيما أن معاني الكلمات والتعابير تتغير مع مرور الوقت، وهو لا يرى بداً من تعرضنا لسوء فهم، وتحولنا إلى مصدر للتهكم والسخرية.
ويضيف في «صواب/ خطأ» زاوية مهمة بشأن دور التكنولوجيات الحديثة، لا سيما مذ انطلاق الثورة الصناعية من بريطانيا القرن الثامن عشر، في تحسين أنماط الحياة اليومية للبشر على نحو أمكن لمزيد من التسامح والسخاء تجاه الآخرين. فمحرك طائرة نفاثة اليوم يغني عن طواقم تجديف 320 ألف سفينة من النوع الذي كان ينبغي للسجناء التعساء عند قبائل الفايكنغ إفناء حياتهم فيه، ولم تعد المزارع الكبرى بحاجة لآلاف العبيد، كما في مزارع السكر بالكاريبي، بعدما أصبحت الآلات أعلى كفاءة بما لا يقاس، وهنالك اليوم بالفعل من السعرات الحرارية ما يكفي ويزيد لإطعام الجميع على هذا الكوكب، ولذا فإن الأخلاقيات التي تبناها بعض البشر في وقت ما لتبرير سلوكيات كامنة تتعلق بالصراع للتحكم بالموارد الشحيحة تتراجع الآن، مقابل مواقف مستجدة بشأن عدالة التوزيع وتقليص فجوة الدخل بين فئات المجتمع.
وعلى هذا النسق المتماسك يتحدى الكاتب سلسلة من المعضلات الأخلاقية المعاصرة التي تتقاطع بشكل مباشر مع التطور الأحدث للتكنولوجيا، مثل تغير المناخ، ووسائل التواصل الاجتماعي، والسجون الجماعية، والتربح من تصنيع الأسلحة الفتاكة، والذكاء الاصطناعي وتقنيات المراقبة والتتبع. ويذكرنا باستمرار بأنه مع التقدم التكنولوجي ومرور الوقت، تستمر المقاييس الأخلاقية للمجتمع، وبالتالي عقم الاعتقاد بأن ما هو مقبول اليوم سيكون مقبولاً غداً. على سبيل المثال، نحن جيل في أغلبه يأكل اللحوم، ولكن من المرجح أن يأخذ أحفادنا نظرة قاتمة عن كيفية ذبحنا كل تلك الحيوانات، وعرضها مقطعة في المتاجر من أجل القوت، بينما ستتوفر لديهم بدائل أكثر.
بالنسبة لإنريكيز، فإن التكنولوجيا تغير من الطرائق التي نتفاعل بها بعضنا مع بعض بشكل حاسم، فيقول إن تقنيات جديدة مثل المدفع الرشاش غيرت تماماً طبيعة القتال في الحرب العالمية الثانية، فأصبحت المعارك تخاض من الخنادق، بدلاً من المواجهات المباشرة. وبعكس المتوقع، فإن المدافع الرشاشة في وقتنا الراهن هي وسائل الإعلام الاجتماعي التي خلقت في مناخ الاستقطابات خنادق متقابلة ينبغي لدخول اللعبة أن تكون في أحدهما دون الآخر، فتتعرض لإطلاق نار كثيف كلما حاولت الخروج من خندقك، وربما من الجهتين معاً، دون أي فرصة لبناء حلول وسطى بين المتناطحين. فبعضهم في الولايات المتحدة يقول «حياة السود مهمة»، فيما يقول آخرون: «نحن ندعم الشرطة»، لكن الحقيقة لا تستقيم بالإصرار على تناقض الحالين، واستحالة تزامنهما، فـ«حياة السود مهمة»، وهذا لا يتعارض مع ضرورة «دعم الشرطة».
وصفة مؤلف «صواب/ خطأ» لأوقاتنا المستقطبة هذه إحياء كلمتين نادراً ما يتم تداولهما: التواضع والغفران. فكما أصدر أسلافنا في ظل ظروف ومناخات معينة أحكاماً أخلاقية ربما نعدها اليوم لا إنسانية مغرقة بالجهل، قد يأتي وقت يرى فيه أحفادنا -مع تطور معارفهم- أحكامنا أيضاً بالنظرة ذاتها، لذا لا بأس بشيء من التواضع عند صياغة المواقف. وأيضاً الغفران: لا يمكنك إلغاء شخص لاختلاف أحكامه بشأن مسائل قائمة، أو لأنه اتخذ موقفاً ما في زمن صار في الوراء، فالبشر تتغير أحكامهم دائماً باختلاف الإطار الكلي والظروف اللحظية التي يعيشونها، وهذه الأطر والظروف قد لا تتقاطع كثيراً بين الأفراد لأسباب كثيرة. الغفران يسمح لنا بتجنب السقوط في فخ العداوات المستدامة التي لا تبني مجتمعات.
* الكتاب «صواب/ خطأ: كيف تعيد التكنولوجيا صياغة قيمنا الأخلاقية» (Right-Wrong: How Technology Transforms Our Ethics).
* المؤلف: خوان إنريكيز (Juan Enriquez).
* الناشر: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press, 2020).


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.