«سحر الأبوين»... دليل تربوي للطفولة الناجحة

«سحر الأبوين»... دليل تربوي للطفولة الناجحة

النرويجية هيدفيج مونتغمري ترسم صورة للسعادة الأسرية
الخميس - 18 شعبان 1442 هـ - 01 أبريل 2021 مـ رقم العدد [ 15465]

بعد أكثر من عشرين عاماً قضتها في البحث ومتابعة وتشخيص المشكلات الأسرية وتربية الأطفال واكتساب الخبرات العلمية، قدمت عالمة النفس النرويجية هيدفيج مونتغمري كتابها «سحر الأبوين» الصادر حديثاً عن «دار الترجمان للنشر والتوزيع»، بترجمة أيمن شرف، وهو الكتاب الأول من نوعه في سلسلة كتب خصصتها المؤلفة للحياة الأسرية وكيفية تربية الأطفال.
يتضمن الكتاب الكثير من الحِكم والنصائح والمسائل المثيرة للتفكير والأساليب الذكية في التعامل مع الطفل في مراحله العمرية المختلفة. وتنحِّي المؤلفة فكرة التحليل النفسي، والصياغات التنظيرية المتخصصة جانباً، متجهةً مباشرةً إلى جوهر ما يحتاج إليه الآباء من معرفة لتحقيق السعادة الكاملة في العلاقة بين الآباء وبين أطفالهم.
مفاهيم خاطئة


وتقدم مونتغمري سبع خطوات لمساعدة الآباء على تحقيق هدف الأسرة السعيدة، من خلال إجابات علمية بسيطة وسلسة عن أسئلة مثل: كيف تجعل طفلك سعيداً؟ كيف تعزز الثقة بينكما وثقته بنفسه؟ كيف تعد الطفل لأشياء محزنة قادمة؟ وإلى أي مدى يُسمح لك بالغضب؟ وما الأخطاء الأكثر شيوعاً بين الآباء؟ وما أهم وظيفة للوالدين في أثناء الطفولة والمراهقة؟
وتشير المؤلفة إلى أن رحلة تنشئة الأطفال تبدو مخادعة في كثير من الأحيان، حيث تختلف الحياة الواقعية تماماً عن الصورة المثالية. من هنا يهدف الكتاب بشكل رئيسي إلى مساعدة الوالدين على معرفة سبل المحافظة على هدوئهم، والتعامل مع المواقف الصعبة التي تحدث بشكل طبيعي داخل أي منزل.
وعلى مدى أقسام الكتاب، والتي جاءت في صورة سبع خطوات، تؤكد مونتغمري أن الوالد أو المربّي الناجح يحتاج إلى مشروع طويل الأمد، وأن أول التحديات التي يواجهها الآباء الجدد تتركز في صعوبة أن يكونوا مثاليين كما يتمنون لأطفالهم، وتشير إلى أن فكرة الوالد المثالي لا وجود لها في الواقع، كما أن الطفولة المثالية يمكن أن نقرأ عنها فقط في القصص الخيالية.
تقول المؤلفة: «لكي يصبح مَن نربّيهم أشخاصاً مستقلين واثقين بأنفسهم وسعداء ويتمكنون من التعامل جيداً داخل المجتمع، علينا أن نبدأ بالتواصل مع أطفالنا وأن ننشئ صيغة جماعية للتعامل داخل الأسرة، من أجل تعزيز رابطة عاطفية تصمد في كل الأحوال، وخلال الليالي التي يتعذر فيها النوم أو حين يصاب الطفل بنوبة إنفلونزا، وأيضاً خلال اللحظات السحرية التي نشاهد فيها أولى خطواته، وأول يوم يذهب فيه إلى المدرسة، وأولى حالات ولعه وأول انكسارات قلبه».
وهي تشير إلى أن الآباء المثاليين لا يُولدون هكذا، بل يتحققون من خلال التجربة والخطأ، ومعظم الناس يمكنهم أن يصبحوا آباء جيدين، كما أن لدى كل شخص فرصة لكي يُحسِّنَ من نفسه. إن الوالد الصالح يتطلب معرفة وحكمة وشجاعة وقدراً معقولاً من الاستبطان، وهو أمر قد يستغرق أحياناً أكثر مما يتوقع، وهو يحتاج إلى بذل جهد إضافي، لكنه على أي حال يبدأ بخلق رابطة بين الوالد وبين أفراد أسرته التي يسعى دائماً لحمايتها، وهو عمل ينبغي أن يستمر ويُعتنى به جيداً، فهي المهمة الأهم التي يجب أن يقوم بها على الإطلاق.


تَحْدث أينما كنت


إن الأبوة والأمومة، كما تقول المؤلفة، هي ما يحدث يوماً بعد يوم في المنزل والمدرسة والحضانة، وهي مجمل ردود الأفعال وجميع القواعد الصغيرة التي يتعلمها الأطفال عندما تسير الحياة بسلاسة، وما يحدث خلال تلك الأيام العادية في كل جانب من جوانب الحياة اليومية، كما تكمن في الحوار حول مائدة العشاء، وفي الطريقة التي ينظر بها أحد الوالدين إلى الآخر، وكيف يعدّ له مشروب الصباح، وكيف يلقي التحية على الغرباء في المتجر، وفيما يفعله الوالدان في كل لحظة. والأهم، أن يُظهر الآباء لأطفالهم أنهم يقدّرونهم، وأن يعَلِّموهم أن العالم مكان رائع للعيش فيه.
لكن ما الأسرة، حسب رأي مونتغمري؟ تجيب الكاتبة عن ذلك في جانب مهم من كتابها، مشيرةً إلى أنه إذا بدأ الشخص بالنظر إلى ما ينقص أسرته فإنه في الغالب سوف يَغفل عمّا هو موجود، وإذا كانت الأسرة كبيرة أو صغيرة فهذا لا يعني شيئاً بالنسبة إلى الطفل ما دام لديه شخص بالغ يقدم مساهمة جيدة له، وليس مهماً ما إذا كان هذا الشخص امرأة أو رجلاً. إن جميع الأسر تحتاج إلى والد واحد جيد، أما وجود اثنين فيمثل نوعاً من الرفاهية، ومن المهم للجميع، بغضّ النظر عن شكل وحدة الأسرة الأساسية، أن تتم الاستفادة منها في اجتذاب الأصدقاء وإقامة العلاقات والسماح لهم بأن يصبحوا جزءاً من الحياة اليومية، فالأطفال يحتاجون إلى التفاعل مع كثير من الأشخاص ليكتشفوا أن هناك طرقاً مختلفة في التعامل مع التحديات التي تلقيها الحياة في طريقهم.


ترف الحماية الزائدة


وترى مونتغمري أن قضية حماية الأطفال من كل سوء لا يمكن تحقيقها أبداً، وهي ليست مستحيلة فقط، بل لا تصلح أن تكون هدفاً، فمع مرور الوقت يحتاج الأطفال إلى مواجهة النكسات، والفشل في المدرسة، والمشاجرات في أثناء اللعب، والوقوع في الحب والشعور بالحسرة وانكسار القلب، وهذا كله جزء من الحياة.
من الطبيعي تماماً أن تكون سلامة الطفل ذات أهمية قصوى لدى الآباء، لكن المشكلة أن هناك كثيراً من طرق الحماية في العصر الحالي أصبحت زائدة عن اللزوم. وهناك سببان يحتّمان علينا ألا نبالغ في ذلك؛ أولهما أن الأطفال يحتاجون إلى تحديات ويعتمد نموهم تماماً على قدرتهم على تمديد أجنحتهم، وتوسيع دوائرهم، وتحقيق الأهداف والشعور بالنجاح لاكتشاف أنهم أكْفاء بما فيه الكفاية، ويمكنهم التعامل مع تلك التحديات. ويجب على الوالد أن يضع في اعتباره أنه يُلحق الأذى بطفله في كل مرة يفعل له شيئاً كان بإمكانه أن يفعله بنفسه. أما العامل الآخر فيكمن في تجنب تسليط الضوء أو الاهتمام على الطفل طوال الوقت، فهذا قد يسبب له الضيق والملل.
وتخلص مونتغمري إلى القول إن الآباء لا يمكنهم أن يقرروا كيف سيكون طفلهم، والحقيقة القاسية التي ينبغي أن يتقبلوها تكمن في أن الأمر لن يكون بأيديهم، وعلى الآباء أن يتصالحوا مع هذه الحقيقة، وأن ينظروا إلى أطفالهم كما هم وليس إلى فكرتهم عما يريدونهم أن يكونوا.


كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة