دونا شتاين... الجندي المجهول في متحف طهران للفن المعاصر

إمبراطورة إيران فرح ديبا ساعدت في تأسيسه

دونا شتاين المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين 1975 و1977 ساهمت في تكوين المتحف (نيويورك تايمز)
دونا شتاين المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين 1975 و1977 ساهمت في تكوين المتحف (نيويورك تايمز)
TT

دونا شتاين... الجندي المجهول في متحف طهران للفن المعاصر

دونا شتاين المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين 1975 و1977 ساهمت في تكوين المتحف (نيويورك تايمز)
دونا شتاين المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين 1975 و1977 ساهمت في تكوين المتحف (نيويورك تايمز)

على حافة حديقة شاسعة في طهران أقيم هيكل خرساني بتصميم يعرف بـ«العمارة القاسية» بلون الرمال، بداخله أحد أرقى مجموعات الفن الغربي الحديث في العالم.
يدخل الزائر إلى «متحف طهران للفن المعاصر» من خلال ردهة تدور بشكل حلزوني نحو الأسفل وكأنه نسخة مقلوبة من «متحف غوغنهايم» لفرانك لويد رايت، لتجد صور آية الله الخميني، والد ثورة 1979 الإيرانية، وآية الله علي خامنئي، الذي خلفه في منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، تتصدر المكان.
تحت الأرض ستجد في انتظارك سلسلة من صالات العرض حيث لا شيء يضاهي الشعور بالوقوف وجهاً لوجه لأول مرة أمام أكثر التحف الفنية إثارة، وهي لوحة جدارية لجاكسون بولوك تعود لعام 1950 تحمل عنوان «جدارية على أرض حمراء»، وهي لوحة من القماش بطول 6 أقدام وعرض 8 أقدام، رُسمت باللون الأحمر الصدئ وبها طبقات سميكة من الطلاء المقطر، وتعتبر أحد أفضل أعمال الرسام في تلك الفترة المهمة.
يضم المتحف أعمالاً لفنانين مثل مونيه، وبيسارو، وتولوز لوتريك، وديغا، ورينوار، وغوجان، وماتيس، وشاغال، وكليي، وويسلر، ورودين، وفان جوخ، وبيكاسو، وكندنسكي، وماغريت، ودالي، وميرو.
تولت تصميم المتحف الإمبراطورة فرح ديبا بهلوي، زوجة الشاه محمد رضا بهلوي، وافتُتح لينال شهرة دولية في عام 1977. غير أنه بعد 15 شهراً فقط غادر الزوجان البلاد إثر انتفاضة شعبية ضخمة فيما اعتبر لاحقاً يوم «عطلة» رسمية في البلاد بعدما استبدلت الثورة النظام الملكي بجمهورية إسلامية في غضون أسابيع.
كان بإمكان النظام الجديد بيع أو تدمير روائع الفن الغربي. وبدلاً من ذلك، أُغلق المتحف وأخفيت كنوزه في قبو خرساني، وجرى الحفاظ على قصور الشاه وتحويلها في النهاية إلى متاحف. ولسنوات عديدة، ظلت المجموعة الفنية التي جرى شراؤها بأقل من 100 مليون دولار، محمية ولكنها غير مرئية، حسب بعض التقديرات، وتبلغ قيمتها في الوقت الحالي 3 مليارات دولار.
ومؤخراً كتبت دونا شتاين، المنسقة الأميركية التي عاشت في طهران بين عامي 1975 و1977 ولعبت دوراً صغيراً لكنه مهم في الحصول على تلك المجموعة، مذكرات بعنوان «أنا والإمبراطورة: كيف جمعت الإمبراطورية القديمة الفن الحديث ورفضته ثم أعادت اكتشافه».
تروي المذكرات قصتين متشابكتين: قصة بيروقراطية تحركها قواعد هرمية، لكنها مختلة وظيفياً في كثير من الأحيان والتي اشترت الفن الغربي بأسعار زهيدة بشكل عجيب. الصورة الأخرى تعرض الحياة اليومية لشابة أميركية غير متزوجة عاشت في نظام طهران القديم.
تشعر شتاين، التي تبلغ من العمر الآن 78 عاماً، والتي عملت في السابق مديرة لمتحف ويندي في لوس أنجليس والمتقاعدة حالياً، أن ما يجري حالياً ليس سوى تصفية حسابات.
وكتبت في مقدمة مذكراتها: «لأنني كنت أجنبية أعمل إلى حد كبير في السر، فإن دوري القيادي في تشكيل المجموعة الوطنية لم يجرِ الاعتراف به بشكل كامل»، مضيفة أن رؤساءها الذكور «استحوذوا بجرأة على الفضل في اختياراتي الجمالية». وبالتالي كتبت المذكرات تحت عنوان، «الإمبراطورة وأنا» لتصحيح التاريخ.
اختارت فرح ديبا بهلوي ابن عمها، كامران ديبا، مهندس معماري، مديراً مؤسساً للمتحف الجديد الذي ستملأه بالفن الإيراني والغربي الحديث. وعملت شتاين خلف الكواليس باحثة ومستشارة لكريم باشا بهادوري، رئيس موظفي المشروع وصديق الطفولة للإمبراطورة.
بدأت شتاين العمل بالتدريج، وذلك برسم سياسة الاقتناء، وبناء مكتبة وتحديد الرسومات والصور والمطبوعات للشراء من خلال دراسة كتالوجات البيع بالمزادات والمعارض الخاصة.
وسرعان ما شرعت شتاين في تنظيم حملات استكشافية وصياغة مذكرات مفصلة حول الأعمال الكبرى التي تأمل في الحصول عليها للمجموعة. وساعدت في إقامة علاقات مع التجار وهواة الجمع والقيمين وأصبحت همزة وصل بينهم وبين رؤسائها. وفي مقابلة عبر الهاتف من «التادينا» في لوس أنجليس، حيث تعيش مع زوجها هنري جيمس كورن، المتخصص المتقاعد في إدارة الفنون، قالت شتاين: «كنت بمثابة الفلتر للجودة، واستخدمت هذا الفلتر بقوة لعمل سجل للتاريخ والسياق والجودة والندرة. كانت تلك فقط هي المعايير، وليس التكلفة المادية. ولذلك كان هذا العمل هو وظيفة أحلامي».
بدأت شتاين العمل بينما كانت لا تزال تعيش في نيويورك. وخلال موجة شراء استمرت 10 أيام في مايو (أيار) 1975. عاد فريق الاقتناء بالمتحف إلى إيران ومعه 125 عملاً قالت إنها حددتها للشراء. تضمنت قطعاً مهمة لبيكاسو مثل تلك اللوحة التكعيبية بعنوان «نافذة مفتوحة على شارع بينتييفر في باريس»؛ ولوحة «أسرار وإلهام»، وتمثال من البرونز بعنوان «بابون ويونغ».
وخلال رحلاتها، اختارت شتاين أيضاً عمل الفنان ألكساندر كالدر «السمكة البرتقالية»، وذلك عقب محادثة مع كلاوس بيرلس، مالك معارض «يبرلس غالاريز» والوكيل الرئيسي لشركة «غلادر» في الولايات المتحدة. كذلك زارت شتاين وزملاؤها أيضاً الدور العلوي لـ«متحف الفن الحديث»، الذي يشرف عليه أمين المتحف ويليام روبين، لدراسة لوحة الفنان بولوك بعنوان: «جدارية على الأرض الهندية الحمراء» قبل شرائها.
* خدمة «نيويورك تايمز»

حيث قالت في مذكراتها: «لم أكن من عثرت على اللوحة، لكنني أحببتها بشدة».
في إيران، ذكرت لبهادوري، الذي وصفته بـ«البعيد»، أنها بإمكانها أن تمضي أشهر دون أن تراه، وتقول إنه لا يعرف شيئاً عن الفن، «فقد كنت أشعر خلال كل اجتماع معه أن وظيفتي هي أن أعلمه تاريخ الفن».
في النهاية اكتسبت قدراً من الشجاعة وحثته على شراء لوحات جريئة مثل «المرأة الواقفة 1» لألبرتو جياكوميتي، و«الرجل الماشي»، ولوحة مارك روثكو بعنوان «سينا»، ولوحة «برتقالي وأسود على بني غامق»، و«المركز الأصفر»، ولوحة «روتو برويل» لروي ليشتنشتاين، ومطبوعات مثل «صورة شخصية» لادفارد مونك. وشجعته على شراء أعمال عند طرحها في المزاد منها «رجل متكئ على منحوتة» لفرانسيس بيكون، و«آخر كائن»، وهي منحوتة فريدة من نوعها.
لكن بهادوري كان الوجه العام للفريق حيث أُجبرت شتاين على البقاء في الظل. وكتبت شتاين تقول إن شكوكها في أنه «سرق الفضل في عملي الشاق زاد بمرور الوقت». وتدهورت مكانتها في المتحف عندما تم تعيين ديبا مديرة، وقالت: «لقد أصبحت محور ضغط الجميع من أجل السلطة، وفي النهاية تجردت من أي دور».
غادرت شتاين إيران في منتصف عام 1977 وعادت في زيارة قصيرة عندما افتتح المتحف في أكتوبر (تشرين الأول).
ورغم أنها قررت تأطير الكتاب حول فرح ديبا بهلوي التي أشارت إليها في الكتاب على أنها «صديقة»، قالت شتاين إنها التقت في ثلاث مناسبات قصيرة فقط مع الإمبراطورة في إيران وكان لقاءها الوحيد معها وجهاً لوجه بعد مقابلة في نيويورك عام 1991.
وفي رد بالبريد الإلكتروني على أسئلة مكتوبة، قالت فرح ديبا بهلوي: «كانت دونا شتاين شخصية محترفة ومجتهدة حققت نتائج. ولقد وثقت برأيها ولدينا علاقة ودية ونتواصل عبر الهاتف، وإن لم يكن كثيراً».
وأضافت أن «شتاين أسست مجموعة كبيرة من المقتنيات في جميع وسائل الإعلام كأساس لمجموعة وطنية جادة من الفن الحديث والمعاصر».



مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بوصفها أكبر منصة رقمية وتفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن المنصة أداة ذكية للتحقق من المعلومات، وتعزيز إتاحة الحقيقة من مصدرها الرسمي.

ووفق ما ذكره مركز المعلومات على صفحته، الاثنين، «تمثل المنصة أداة متكاملة لرصد الشائعات والتحقق منها والرد عليها، اعتماداً على منهج مؤسسي يضمن إتاحة المعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب».

وتضم المنصة 4 أقسام رئيسية، هي: «ركن الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين».

وتعتمد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بالسياق الزمني والمعلوماتي الصحيح، بما يساعد على اكتشاف المحتوى المضلل والتلاعب بالمعلومات مبكراً، وفق ما نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، مؤكداً أنه تم إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني على المنصة حتى الآن، بالإضافة إلى التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام.

وتعتمد المنصة على التكامل والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والهيئات والمحافظات، من خلال نظام عمل لا مركزي يتيح لكل جهة رسمية إدراج البيانات والمعلومات المعتمدة الخاصة بها وفقاً لاختصاصاتها، بما يضمن سرعة تصحيح المعلومات المتداولة.

ووفق المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي فإن «منصة Chat Egypt لمكافحة الشائعات التي أطلقها المنتدى خطوة مهمة نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة الوعي ودعم التحقق من المعلومات، ومواجهة المحتوى المضلل، وتعزيز قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات أكثر دقة وموثوقية».

وتضيف فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المعركة الحقيقية مع الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، بل قبل ذلك من خلال بناء مناعة معرفية ورقمية لدى الجمهور؛ لأن حماية الوعي تبدأ من حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعة تبدأ بمُواطن يعرف كيف يسأل ويتحقق قبل أن يصدق أو يشارك المعلومة، فيتحول هنا المواطن إلى مدقق معلومات بصورة استباقية بدلاً من تورطه في نشر الشائعة».

وتعد منصة «شات EGYPT» خطوة جديدة نحو سرعة رصد الشائعات، والتحقق منها، والرد عليها، بما يحد من انتشارها قبل اتساع نطاق تداولها، وفق ما ذكره مركز المعلومات.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» محمد فتحي أن منصة «شات EGYPT» خطوة مهمة لمواجهة الشائعات، ونقل الأمر من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق الإتاحة الفورية للمعلومة الرسمية، في بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع من التصحيح.

مركز معلومات مجلس الوزراء يبرز منصة مكافحة الشائعات (فيسبوك)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح المنصة مرهون بعدة عوامل، أولها الدقة والتحديث المستمر، وكذلك الشفافية، وذكر المصدر في كل معلومة، والاعتراف بحدود ما تعرفه المنصة بدلاً من التخمين لمجرد الرد والاستجابة، وأيضاً سرعة الاستجابة نفسها وكذلك الانتشار والتوعية؛ فالمنصة لن تكون مفيدة ما لم تصل إلى الشباب على المنصات التي يستخدمونها بالفعل، كما أن مواجهة الشائعات لا تقتصر على الأدوات التقنية، بل تحتاج إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وإلى سياسة اتصال حكومي تتيح المعلومات استباقياً، فالمنصة أداة قوية، لكنها جزء من منظومة».

وكان مجلس الوزراء قد ناقش في ديسمبر (كانون الأول) ضرورة أن تكون هناك وحدات رصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها؛ حتى يتم وضع حد مبكر لانتشارها.

وعدّت صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي هذه المنصة «خطوة مهمة؛ لأنها تنقل مواجهة الشائعات من ردود الفعل المتأخرة إلى التحقق السريع، وتمنح المواطن طريقاً مباشراً إلى المعلومة الموثوقة من مصدرها». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختبار الحقيقي لهذه المنصة لن يكون مع إطلاقها بل عند أول شائعة كبرى تنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على الرد عليها».

وأضافت الوراقي: «التحدي الحقيقي هو أن تقدم المنصة للمواطن (الحقيقة من مصدرها) بصورة سريعة، واضحة، ومسنودة بالأدلة، لا أن تكتفي بنفي ما يتم تداوله، كما أن مواجهة الشائعات لا تعني مطاردة كل منشور كاذب، فالأهم هو معالجة البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للتصديق والانتشار، وفي مقدمتها غياب المعلومة أو تأخرها أو غموضها».

وتناول الاجتماع المشار إليه آنفاً لمجلس الوزراء «العمل على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات امتثالاً لحكم المادة (68) من الدستور، بما يحقق التوازن بين تحقيق الشفافية، وتوافر المعلومات والبيانات والإحصاءات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وبين تحقيق الردع والتصدي الفعال للشائعات والأخبار الكاذبة».


«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال. ومن خلال بطلة تتوسل العنف لحماية نفسها، يفتح المخرج زيد أبو حمدان أسئلة عن الوصم والانتماء وحدود الخيارات المتاحة للنساء في بيئة اجتماعية تضيق فيها فرص الحماية والاستقلال، متتبعاً صراعها حين توقظ علاقتها بطفلين حاجتها إلى العائلة، وتضعها أمام مسؤولية الرعاية بعدما اعتادت مواجهة الحياة وحيدة.

وتؤدي الممثلة ركين سعد شخصية تحمل آثار الإقصاء في علاقتها بنفسها وبالآخرين؛ إذ نشأت من دون اسم عائلة يوفر لها الحماية، في بيئة يرتبط فيها الاعتراف الاجتماعي بالنسب وشبكات القرابة. ويصبح البحث عن مكان داخل هذا المجتمع معركة مستمرة، وتغدو قدرتها على فرض حضورها تعويضاً عن غياب السند. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تحكم حياتها: كلما اتسعت مساحة نفوذها، ظل إحساسها بالأمان مهدداً، وبقي عليها أن تثبت قوتها من جديد.

وتدور أحداث الفيلم في أحياء مهمّشة من عمّان، حيث تعيش بومة داخل عالم تتداخل فيه الجريمة مع تدبير شؤون الحياة اليومية، وتتحكم في علاقاته المصالح والخوف. وتبني لنفسها نفوذاً في مواجهة رجال العصابات وتجار المخدرات، قبل أن يدخل طفلان إلى حياتها، فتجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأمومة والانتماء. وبالتزامن مع هذه العلاقة، تصعد قوة إجرامية أكثر تنظيماً تهدد موقعها، وتدفعها إلى المفاضلة بين الحفاظ على سلطتها وحماية المقربين منها.

وتنبع صعوبة وضعها من أن العنف الذي تستخدمه يحفظ لها مكانتها، لكنه يربطها أيضاً بمصدر الخطر. فقد تعلّمت قواعد الشارع وتبنّت أساليب الرجال المسيطرين عليه، حتى أصبحت القسوة جزءاً من الطريقة التي تقدم بها نفسها وتتعامل بها مع محيطها. ولهذا تبدو قدرتها على المواجهة محمّلة بثمن نفسي، فهي مطالبة بإخفاء ضعفها باستمرار.

ويمنح دخول الطفلين إلى حياتها هذا الصراع وجهاً أكثر خصوصية؛ إذ يضعها أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها بمجرد فرض النفوذ. فالرعاية تقتضي الصبر والثقة والقدرة على الاقتراب، وهي أمور يصعب على امرأة تشكّلت خبرتها عبر الخذلان أن تمنحها بسهولة. وتصبح علاقتها بهما اختباراً لما تستطيع تقديمه خارج حدود الحماية بالقوة، ويكتسب التفكير في المستقبل معنى مختلفاً بعدما صار لقراراتها أثر مباشر في حياة طفلين يعتمدان عليها.

ويرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن المخرج زيد أبو حمدان راهن في فيلم «بومة» على شخصية استثنائية، تفرض قانونها الخاص على المكان الذي تعيش فيه، وتستمد سلطتها من قدرتها على إخضاع الآخرين لقواعدها، بعيداً عن القانون العام الذي يُفترض أن ينظم حياة الجميع.

صُوِّر الفيلم في مواقع أردنية عدَّة (حساب ركين سعد على «فيسبوك»)

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، بينما تأتي خصوصية المعالجة من إسناد هذه القوة المفرطة إلى امرأة تمارس سطوتها على محيطها».ويؤكد أن «ركين سعد تعاملت مع الشخصية بجدية واضحة»، مشيراً إلى أن الخط الإنساني يمثل جانباً مهماً في بنائها؛ لأنه يكشف مواضع الضعف داخل امرأة تبدو قادرة على السيطرة وفرض إرادتها. ويلفت إلى أن الجانب العاطفي الكامن فيها يجعلها تفقد قدراً من سطوتها، ويمنح الصراع بُعداً يتصل بما يحدث داخل الشخصية حين تصبح مشاعرها مؤثرة في قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بنفوذها.

ومع تبدّل موازين القوة حولها، تتكشف هشاشة الموقع الذي انتزعته بسنوات من المواجهة؛ فالنفوذ الشخصي يصبح معرّضاً للتراجع أمام منظومة إجرامية أوسع تنظيماً، بينما يضاعف ارتباطها بالطفلين إحساسها بالخطر. وتزداد المفاضلة تعقيداً لأن التخلي عن السلطة قد يعيد إليها شعورها القديم بالعجز، في حين أن التشبث بها يطيل بقاءها داخل دائرة التهديد. أما احتمال الرحيل، فيحمل سؤالاً عما تستطيع أن تكونه بعيداً عن المكان الذي صنع اسمها.

ويأخذ الشناوي على الفيلم «ارتفاع حدة التعبير على مستويات متعددة؛ فالموسيقى والأداء والأحداث، إلى جانب الصوت والصورة، تتضافر في صناعة حالة متواصلة من الصخب». ويؤكد أنه كان يتمنى مساحة أكبر من الهدوء الدرامي تسمح بتخفيف هذه الحدة، «لأن رسالة الفيلم وصلت بالفعل، لكن كان بالإمكان إيصالها بدرجة أقل من الصخب، مع الحفاظ على مضمونها وتأثيرها الإنساني».

فيلم «بومة» من تأليف زيد أبو حمدان وإخراجه، وبطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، ومجد عيد، ونبيل الراعي، وفرح بسيسو، وحنان حلو.


قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
TT

قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)

جددت لفتة من مسؤول تركي دبلوماسية كرة القدم، بإهدائه رئيس الوزراء المصري قميص نادي طرابزون التركي الذي يلعب لصالحه قائد منتخب مصر محمد صلاح.

وتجسدت دبلوماسية كرة القدم في مواقف عدة وأحداث سابقة ربطت بين كرة القدم والسياسة، كان من بينها أنباء نشرتها صحف تركية قبل شهر عن ترحيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بلقاء محمد صلاح في القصر الرئاسي بأنقرة، بعد استقراره في النادي التركي، وفق ما ذكره رئيس النادي، دون تحديد موعد محدد للَّقاء المرتقب.

وفي الأيام الماضية، خطف الاهتمام مشهد مسؤول بالجناح التركي في معرض «تراثنا» الذي يقام في القاهرة وتشارك فيه دول كثيرة، وهو يهدي رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، نسخة من قميص نادي طرابزون سبور التركي، وقد كُتب عليها اسم محمد صلاح، في لفتة طريفة حظيت باهتمام وانتشار واسع في وسائل الإعلام التركية والعربية.

جاء ذلك على هامش افتتاح مدبولي الدورة الثامنة لمعرض «تراثنا 2026» لدعم الحرف اليدوية والتراثية، تحت شعار «أصل الحكاية»؛ إذ تفقَّد الجناح التركي بالمعرض في مشهد حظي باهتمام لافت؛ خصوصاً مع ظهور علامات السعادة على وجه مدبولي ومرافقيه من الوزراء والمسؤولين، لدى تسلمه القميص المميز للفريق التركي الذي يحمل اسم قائد منتخب مصر محمد صلاح.

يذكر أن المعرض المقام في مركز مصر الدولي للمعارض، خلال الفترة من 17 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي يحظى بمشاركة تركية هي الأولى من نوعها.

كما زار مدبولي جناح المملكة المغربية (ضيف شرف المعرض)، وجناح دولة الإمارات العربية المتحدة، وجناح جمهورية الجزائر. ولدى تفقده الجناح التركي اطَّلع مدبولي على جانب متميز من الحرف والفنون التي تعكس عراقة التراث التركي، بينما أكد القائمون على الجناح أهمية معرض «تراثنا» كنافذة إقليمية ودولية ملهمة لإبراز هذه الفنون والتقاليد الأصيلة، ومد جسور التواصل والتقارب الثقافي.

ويرى الناقد الرياضي المصري أيمن أبو عايد أن «العلاقات المصرية التركية قديمة وممتدة خلال عصر الدولة المصرية الحديثة، وهناك علاقات مصاهرة كثيرة بين البلدين امتدت عقوداً طويلة. وكان الاستقبال الأسطوري الذي حظي به صلاح بعد انتقاله إلى الدوري التركي معبراً عن عمق تلك العلاقات، مكرراً ما حظي به من قبل في ليفربول مع الجماهير الإنجليزية. ولفتة المسؤول التركي أكدت أن الرياضة وصلاح من أدوات قوة مصر الناعمة التي تساعد في امتداد علاقاتها وتجديدها».

محمد صلاح في نادي طرابزون التركي (فيسبوك)

ومنذ انتقاله إلى صفوف طرابزون سبور في أغسطس (آب) الماضي، يحظى اللاعب المصري محمد صلاح باهتمام إعلامي واسع في تركيا، وأشار البعض إلى إمكانية انعكاس هذا الاهتمام على شعبية النادي، وعلى مكانة المدينة وتأثيرها على مستوى الرياضة والسياحة.

ويضيف أبو عايد لـ«الشرق الأوسط»: «طبعاً المسؤول التركي يعلم أهمية صلاح وشعبيته الكبيرة في مصر، وإهداء قميصه إلى رئيس الوزراء يعد تعبيراً عن سعادة تركيا، مسؤولين وجماهير، بانتقال صلاح للَّعب في طرابزون سبور التركي؛ حيث كان لوجوده دور في الدعاية والترويج للمدينة».

وامتد الاهتمام بصلاح في تركيا إلى الإعلان عن إطلاق اسمه على الشارع الذي يقيم فيه، كما شهدت مدينة طرابزون رسم جدارية ضخمة تحمل صورته بقميص النادي.