«في ضوء ما نعرفه» للبنغلاديشي ضياء رحمن... عين ثالثة لرؤية العالم

«الهوامش الثقافية» تحقق إنجازات روائية نوعية غير مسبوقة

ضياء حيدر رحمن
ضياء حيدر رحمن
TT

«في ضوء ما نعرفه» للبنغلاديشي ضياء رحمن... عين ثالثة لرؤية العالم

ضياء حيدر رحمن
ضياء حيدر رحمن

يمكن للقارئ المتمرس في قراءة خريطة الرواية العالمية أن يلحظ حقيقة أحسبها صارت واضحة تماماً؛ وهي أن الروائيين المنتمين إلى بلدان تُوسَم في العادة بأنها «هوامش ثقافية» (طبقاً للنظرية الكولونيالية الكلاسيكية)، صاروا يحققون إنجازات روائية نوعية غير مسبوقة حتى بالنسبة لأهم روائيي المراكز الثقافية للعالم الأول. ولهذه الظاهرة أسبابها الكثيرة؛ لعل أهمها ثراء الخبرات البشرية التي يكتسبها الكُتّاب المنتمون لهوامش ثقافية؛ بسبب مؤثرات المنفى، واللغة، ومخزون الذاكرة المتفاعل مع بيئات جديدة.
أحدُ هؤلاء الروائيين ضياء حيدر رحمن؛ البنغلاديشي الذي يصف نفسه بأنه وُلدَ في «ركن من أحد الأركان القَصيّة المنسية في العالم». هاجرت عائلة رحمن إلى بريطانيا وهو لم يزل صغيراً بعدُ؛ حيث سكنت أول الأمر في مبنى صغير مهجور، وعمل أبوه سائق حافلة في حين عملت أمه خياطة. يصف رحمن حياته في مطلع شبابه في بريطانيا بقوله: «نشأتُ في الفقر وسط أسوأ الظروف التي يتخيلها المرء في بلد يوصف اقتصاده بالمتقدم». أبدى رحمن تفوقاً واضحاً في دراسته؛ الأمر الذي أهّله للالتحاق بكلية «باليول» في جامعة «أكسفورد»؛ ومنها حصل على مرتبة الشرف الأولى في الرياضيات، ثم واصل دراسته المتقدمة في الرياضيات والاقتصاد والقانون في جامعات «ييل» و«ميونيخ» و«كامبردج»... عمل بعدها لفترة وجيزة في قطاع الاستثمار بمصرف «غولدمان ساكس» في نيويورك، قبل أن ينصرف للعمل محامياً للشركات المالية، ثم في حقل حقوق الإنسان العالمية، وركز في هذا الحقل على موضوعة الفساد المتفشي في أفريقيا.
نشر رحمن روايته الأولى «في ضوء ما نعرفه (In The Light of What We Know)» عام 2014، ونُشرت ترجمتها العربية حديثاً عن «دار الجمل» بترجمة أنيقة أنجزها الدكتور علي عبد الأمير صالح؛ المعروف بغزارة ترجماته وتنوعها وانفتاحها على أطياف واسعة من الموضوعات، وشمولها جغرافيات متنوعة من عالمنا. ربما علينا الإشارة إلى أن هذه الرواية تُرجمت إلى لغات عديدة، كما لقيت إطراءً نقدياً من جانب نقاد مميزين، أذكر منهم: الناقد جيمس وود الذي كتب عنها في مطبوعة الـ«نيويوركر»، والروائية جويس كارول أوتس التي تناولت هذه الرواية بمادة نقدية ممتازة في مراجعة «نيويورك» للكتب.
رواية «في ضوء ما نعرفه» رواية ضخمة تقاربُ الستمائة صفحة، ويمكن وصفها - بطريقة الاستعارة المجازية - بأنها «رواية كل شيء»؛ فهي نزهة فكرية تستلهم مقولة كيركيغارد: «الحياة لا يمكن فهمها إلا بالنظر إلى تاريخنا؛ لكن المعضلة فيها هي وجوب عيش ما سيأتي منها»، وواضح من هذه المقولة أنها تستبطن ثنائية متعارضة: فهم الحياة المعيشة لا يأتي في اللحظة الراهنة؛ بل يأتي من الماضي، وربما وحدهم الرؤيويون أو أصحاب المواهب الخاصة هم من يستطيعون فهم المقبل بطريقة مؤثرة.
يقوم هيكل الرواية على مقاربة مباشرة، لكنها معقّدة في الوقت ذاته: يصلُ بطل الرواية (وهو ضياء نفسه، كما تدل شواهد الرواية) إلى منزل السارد في كينسنغتون عام 2008، وهو محبط، مفلس، ليس له إلا قصة خاصة به ليحكيها. كان الصديقان القادمان من جنوب شرقي آسيا قد وطّدا أواصر الصداقة بينهما عندما كانا طالبَي رياضيات في «أكسفورد»، وهناك (أي في «أكسفورد») تلاشت التشابهات بينهما، في حين انبثقت الاختلافات بدرجة كبيرة.
تقود الحياة المميزة - المطبوعة بخصيصة كوسموبوليتية - السارد (الذي نشأ وسط عائلة باكستانية أكاديمية) إلى بيئات أكاديمية نخبوية: «إيتون»، «برينستون»، أكسفورد، ثم إلى عالم المشتقات المالية والتعامل مع الرهون العقارية عالية المخاطر في مصرف استثماري، وقاده النجاح الصاروخي في هذه المهنة ليكون مثالاً للنجاح في عصر السياسات المالية المستحدثة في العالم النيوليبرالي المتغوّل، ثمّ صار المثالَ الكريه للسقوط المدوّي إبان الأزمة المالية العالمية عام 2008.
صديق السارد؛ بطل الرواية «ظفار»، نشأ في كنف والدَين مسلمين في عائلة بنغلاديشية ذات أصول فلاحية هاجرت لبريطانيا، ثمّ صار ظفار رياضياتياً لامعاً، ومكّنته قدراته الرياضياتية التحليلية الرفيعة من شقّ طريقه إلى «وول ستريت»، ومن ثَم العمل القانوني الخاص بحقوق الإنسان.
الرواية - على ضخامتها - في جوهرها سرد للملاحظات التي سجلها السارد، والتي نجمت عن مناقشات مستفيضة استمرت ثلاثة أشهر أتيح فيها للسارد معاينة دفاتر يوميات «ظفار» التي طفحت بشعور الاغتراب والغضب واليأس؛ وبهذا يمكن حسبان الرواية توليفة كولاجية من حكايات واستطرادات متشظية وتأمّلات. نقرأ في الرواية عن موضوعات المنفى والوطن... الاجتثاث من الجذور، والانتماء إلى مكان النشأة الأولى... الاستعمار وما بعد الاستعمار... الرياضيات والفن... الإيمان والشك... الشرق والغرب... الجغرافية السياسية والاقتصاد النيوليبرالي... أميركا وأفغانستان... الأغنياء والفقراء... المحرومين والأقوياء المتمكّنين... المهاجر الذي صار بريطانياً والبريطاني الأصلي... واشنطن وكابل... لكنّ الموضوعة (الثيمة) التي تتقدم على كل شيء وتطغى على كل شيء هي العِرْق والطبقة. تكشف لنا هذه الخريطة الفكرية لموضوعات الرواية جانبها الملحمي وأنها «رواية أفكار (Novel of Ideas)»، وقد ساهم الجهد الدؤوب للروائي في تعزيز الرواية بتضمينات من «المُعْتَمَد (Canon)» الثقافي الغربي، فضلاً عن الشروحات والهوامش المستفيضة في تأكيد أنها «رواية أفكار» مميزة.
جاءت رواية «في ضوء ما نعرفه» مصداقاً لرواية مدهشة تفتحُ أمام العقل الغربي نافذة لرؤية عالم جديد، وهي بهذا التوصيف تؤكد ملاحظة الروائي «في. إس. نيبول»، الحائز جائزة «نوبل» في الأدب، عندما كتب أن الأدب الهندي (وأدب جنوب شرقي آسيا بعامة) المكتوب بالإنجليزية أدب يبعث على الإدهاش؛ إذ لم يحصل في التاريخ الأدبي أن كتب روائي رواية عن شعبه لكي يقرأها شعب آخر (أي بمعنى لكي يقرأها الغربيون). الحق أن هذه الرواية بمثابة عين ثالثة نرى بها العالم؛ سواءً أكان القراء غربيين أم سواهم. إنها تجربة تخص الوجود البشري أينما كان.
رواية «في ضوء ما نعرفه» عمل يجعلنا قادرين على فهم العقد الماضي من القرن الحادي والعشرين بكل صراعاته الجغرافية - السياسية، والكيفية التي اختبر بها الأفراد ضعيفو المقدرة هذه الصراعات وآثارها المعقدة في حيواتهم. أظن أن تجربة رحمن الحياتية تتماثل إلى حد بعيد مع تجربة إدوارد سعيد؛ الذي كان هو الآخر أحد المفكرين اللامنتمين لرهط الإنتلجنسيا العالمية، ويكمن عنصر المماثلة الفكرية بين الاثنين (رحمن وسعيد) في أنهما عاشا تجربة منفى فريدة؛ فقد كان كل منهما يفكر بلغة ويكتب بأخرى.
هذه الرواية تتطلب عقلاً شغوفاً بالأفكار وملتحماً بالمعضلات الوجودية الكبرى في العالم، وأعتقد أننا سنشهد في السنوات المقبلة سيلاً مُتعاظماً لهذا النوع الأدبي من الروايات.



«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
TT

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث «غزة في القلب» الذي افتُتح، الخميس، في مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد كبير من الكُتَّاب والفنانين المصريِّين والعرب، خصوصاً من فلسطين.

الجدارية الأولى، وهي عبارة عن 30 متراً متصلة، تشغل مساحة حائطين بمركز الهناجر، أما الجدارية الثانية فتصل مساحتها إلى 16 متراً وتضم 8 قطع، طول كل قطعة متران، وفق الفنان عبد الرازق عكاشة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «الجدارية الصغيرة تعبِّر عن يوميات منفصلة، كل لوحة تحكي عن حدث أو حالة معينة. هناك مشهد لشاب وشابة يتزوجان، وفي النشرة التالية وجدتهما قد استُشهدا، وهي لوحة مؤثرة جداً؛ لذلك اخترتها لغلاف كتاب المعرض».

«جدارية غزة» تضمنت مشاهد إنسانية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «اللوحة الثانية مشهد لجنازة الشهيد التي تتكرَّر كل يوم، وفي هذه الجنازة هناك نور يخرج من داخل اللوحة، وهناك كثير من المشاهد التي تؤكد أنَّ غزة قضية إنسانية مهمة جداً في ضمير العالم اليوم».

أمام لوحة «على باب مستشفى المعمدان» وقف الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد يتأمل العمل، وكتب معلقاً عليه: «هل تتذكر ما يوحي به اسم المعمدان، هو الملاك المُرسَل قبل المسيح ليمهِّد له الأرض، هو رمز الطهارة والنقاء، مهما نزل به من كوارث»، مضيفاً على صفحته بـ«فيسبوك»: «لوحة تجسِّد جلوس الحزانى، بألوان بين الأسود والأزرق والأحمر، والمزج بين الأزرق والأحمر في لون البنفسج، ونظرات الأعين الصغيرة البارزة وسط الظلام، مؤكدة الأمل».

الروائي إبراهيم عبد المجيد أمام لوحة «مستشفى المعمدان» (صفحته على «فيسبوك»)

وحول الدفقة الشعورية في الأعمال التي اتسمت بالتلقائية الشديدة والحرية والانطلاقة، يؤكد الفنان أنَّ هذه الأعمال جاءت متأثرة بشكل مباشر بالأحداث التي وقعت في غزة وتابعها بحزن شديد، موضحاً: «كنت أشاهد الأخبار المحزنة والمأساوية في غزة وأنا أرسم، ولا أستطيع منع دموعي من النزول على علب الألوان التي أعمل بها».

حالة من المشاعر المتدفقة التي ترصد مأساة غزة، وآثار الحرب، وقصص الناجين من هذه الحرب بطريقة فنية مفعمة بالشجن تُجسِّدها لوحات المعرض، التي تنتقل بين التفاصيل المختلفة للبيوت والوجوه، وحتى الصور الشخصية الخاصة بحياة البسطاء في غزة.

جانب من افتتاح المعرض (صفحة الفنان على «فيسبوك»)

ويلفت الفنان إلى أنَّ غزة بالنسبة له حالة إنسانية، مطالباً بتصحيح المفاهيم والخطاب الذي يُروِّجه البعض عن غزة بوصفها قضيةً لها علاقة بالدين، قائلاً: «أتعامل مع قضية غزة بوصفها قضيةً إنسانيةً، خصوصاً وأنا أوجِّه خطابي للغرب، فمنذ 1993 وأنا أعيش في فرنسا، وأكرس جزءاً كبيراً من أعمالي للتعبير عن القضية الفلسطينية».

جنازة الشهيد مشهد متكرِّر في غزة رصده الفنان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «غزة قطعة صغيرة من فلسطين العظيمة بما تمثله من عمق حضاري آشوري وكنعاني تشبه الحضارة المصرية العريقة بالضبط، ففلسطين أرض الحضارة ومهد للديانات، ولكنها أيضاً وطن للإنسانية. الحضور الإنساني في فلسطين هو الجانب الأهم الذي أحب التركيز عليه دوماً».

اللوحات حملت كثيراً من المعاني المُعبِّرة عن مأساة غزة (فيسبوك)

وأشار الفنان إلى ردود فعل كثيرة لمسها من زائرين أجانب من أميركا وفرنسا، وأفراد من البعثة الدبلوماسية اليابانية بمصر، عبَّروا له عن شعورهم بمعنى اللوحات، وما تمثله من تعبير عن مأساة مفجعة للإنسانية، مؤكداً أنَّ الفنَّ قادرٌ على توصيل المعنى والشعور الحقيقي لما حدث ويحدث في غزة، وما يعانيه أهلها من آلام وأوجاع، في مقابل ما تقدمه وسائل الإعلام بشكل غير حقيقي أحياناً.

وهنا يشير الفنان إلى إشكالية مهمة مفادها بأن «الفن ليس قوى ناعمة كما يقولون عنه، ولكنه قوى موازية قادرة على التعبير عن الواقع ورصده، مُحمَّلاً بالمشاعر والأحاسيس الصادقة».


مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
TT

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

أكّد المخرج السويسري مارسيل فايس أنّ فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج، عبر متابعة المعالجين والمرضى من مسافة آمنة، لكن صعوبة العثور على أشخاص مستعدّين للظهور في لحظات ضعف شديدة دفعته إلى إعادة صياغة الفكرة بالكامل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ التحوّل الحقيقي جاء بالتوازي مع أزمة شخصية عميقة عاشها بعد وفاة شقيقه، حيث سيطر عليه خوف شديد من الموت وشعور مستمرّ بعدم الاستقرار النفسي، مؤكداً أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل في الأفلام الوثائقية المليئة بمشاعر البوح، شعر أنّ الوقت حان ليضع نفسه في قلب التجربة.

يرصد فيلم «أفتح عقلي» رحلة شخصية عميقة يخوضها فايس بعد وفاة شقيقه، إذ يجد نفسه غارقاً في دائرة من الخوف والقلق، لا سيما الخوف من الموت، إلى جانب ضغوط متزايدة في حياته العائلية.

وتدفعه هذه الأزمة إلى البحث عن طرق غير تقليدية للعلاج، فيقرّر خوض تجربة العلاج باستخدام مواد مؤثّرة على الوعي في إطار علمي وروحي، ويوجّه الكاميرا نحو نفسه لتوثيق هذه الرحلة بكلّ ما تحمله من هشاشة وصدق.

مخرج الفيلم وبطله (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج أنّ علاقته بفكرة الموت كانت في البداية قائمة على تصور قاسٍ ومجرَّد، وهو ما خلق لديه حالة من الهلع تكاد تشبه الاختناق، مشيراً إلى أنه أدرك لاحقاً أنّ هذا الخوف لم يكن نابعاً فقط من الفقد، بل من الصمت الذي أحاط بموضوع الموت داخل عائلته، حيث لم يكن يُناقش أو يُواجه بشكل مباشر.

وأوضح: «إحدى التجارب التي خضتها في مدينة بازل شكّلت لحظة مفصلية، إذ شعرت خلالها أنّ كلّ الحواس تتجمَّع في نقطة واحدة، في إحساس يُشبه ضوءاً أبيض كثيفاً. ورغم صعوبة وصفه بالكلمات، فإنه منحني شعوراً بالاكتمال والهدوء، وجعلني أنظر إلى الموت بصورة مختلفة».

وقال مارسيل فايس إن «العلاج باستخدام هذه المواد ليس تجربة سهلة أو خالية من المخاطر، إذ يتطلَّب تقييماً دقيقاً قبل الدخول فيه، خصوصاً فيما يتعلّق بالتاريخ النفسي للفرد، مثل وجود حالات ذهان أو فصام، سواء لدى الشخص نفسه أو في العائلة».

ولفت إلى أنّ «الخطّ الفاصل بين الشفاء والخطر يظلُّ هشاً للغاية، وهذه المواد لا تُقدّم حلولاً مباشرة، بل تفتح أبواباً، وما يُفتَح ليس دائماً مريحاً، فقد يكون مخيفاً ومربكاً»، مؤكداً أنّ العامل الحاسم يكمن في السياق، لجهة الإعداد المسبق، وطبيعة البيئة، والدعم المقدَّم، وما يحدث بعد التجربة من عملية استيعاب ودمج.

وأشار إلى أنّ شقيقه الراحل كان حاضراً في كلّ تفاصيل الفيلم، ليس فقط على شكل ذكرى، بل جزء من رؤيته للعالم، وفي مخاوفه وتساؤلاته، موضحاً أنّ هذه المواد كانت بالنسبة إليه مرتبطة بالفقد والدمار، خصوصاً بعد تجربته السابقة في تصوير فيلم عن إدمان شقيقه خلال دراستهما، وهو ما ترك أثراً عميقاً داخله.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح المخرج السويسري أنه واجه خلال رحلته لحظات شعر فيها بأنه قد يفقد السيطرة تماماً، خصوصاً خلال تجربة العلاج في الأمازون، إذ عَلِقَ في دائرة من الأفكار المتكرّرة التي لم يستطع الخروج منها، وهو ما بدأ بشكل عابر ثم تحوَّل إلى شعور بالتهديد والذعر، حتى راوده خوف حقيقي من ألا يعود كما كان، أو أن يفقد قدرته على رعاية أطفاله، لافتاً إلى أنّ التجربة الداخلية كانت شديدة القسوة.

وأكد أن استخدام الرسوم المتحرّكة في الفيلم جاء من الحاجة إلى التعبير عن حالات داخلية لا يمكن تصويرها بالكاميرا التقليدية، موضحاً أنه لم يكن يرغب في تصوير التجربة بشكل مباشر، بل في نقل الإحساس بها، ولذلك عمل مع فريق الرسوم على تحويل مشاعر مثل الخوف والقلق والتوتّر إلى أشكال بصرية محسوسة، بحيث يصبح ما هو غير مرئي قابلاً للإدراك.

وأشار إلى أن «الكاميرا كانت في بعض الأحيان عنصراً مزعجاً، خصوصاً في التجارب الأولى، حيث كنت أشعر بأنها تعوق اندماجي الكامل في التجربة، لكنها في مراحل لاحقة أصبحت أقل حضوراً، بل وأحياناً مصدراً للإحساس بالثبات».

وختم المخرج السويسري بالتأكيد أنه واجه تساؤلات أخلاقية عميقة خلال صناعة الفيلم، لا سيما بما يتعلق بحدود الكشف عن الحياة الشخصية، موضحاً أنه صوَّر كثيراً من المواد التي لم تُستخدم لاحقاً، مثل تلك المتعلّقة بأطفاله، في محاولة لإيجاد توازن بين الصدق والحماية.


دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
TT

دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)

أظهرت تجربة سريرية عالمية نتائج واعدة لدواء جديد مبتكر لعلاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، أحد أكثر أنواع سرطان الثدي عدوانية وصعوبة في العلاج.

وأوضح الباحثون، بقيادة «المركز الوطني للسرطان» في سنغافورة، أن الدواء الجديد تفوَّق بشكل ملحوظ على العلاج الكيميائي التقليدي في تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة وإبطاء تقدُّم المرض، ونُشرت النتائج، الخميس بدورية «Annals of Oncology».

ويُطلق على سرطان الثدي ثلاثي السلبية هذا الاسم؛ لأنَّه يفتقر إلى 3 مستقبلات رئيسية توجد عادة في أنواع أخرى من سرطان الثدي، وهي مستقبلات هرمون الإستروجين، ومستقبلات هرمون البروجستيرون، وبروتين «HER2». ويجعل هذا الغياب المرض غير مستجيب للعلاجات الهرمونية أو العلاجات الموجهة، ما يحدُّ من خيارات العلاج المتاحة ويجعل العلاج الكيميائي الخيار التقليدي الأساسي. ويتميَّز هذا النوع بسرعة النمو والانتشار، وبارتفاع احتمالية عودته بعد العلاج.

وأُجريت الدراسة ضمن تجربة سريرية دولية متعددة المراكز شملت 644 مريضاً من دول عدة حول العالم، من بينها الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا؛ بهدف تقييم فاعلية الدواء الجديد الذي يحمل اسم «داتوبوتاماب ديروكستيكان» (Dato-DXd).

ويعمل الدواء عبر استهداف بروتين يُعرف باسم «TROP2»، وهو موجود بكثرة على سطح كثير من الخلايا السرطانية. ويرتبط الدواء بهذا البروتين ثم يدخل إلى الخلية السرطانية، حاملاً مادة كيميائية قوية تقتلها من الداخل، مما يتيح توجيه العلاج مباشرة إلى الورم وتقليل الضرر على الخلايا السليمة في الجسم، وبالتالي تحسين الفاعلية، والحد من بعض الآثار الجانبية مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.

وأظهرت النتائج أنَّ الدواء الجديد حقَّق تفوقاً واضحاً على العلاج الكيميائي، حيث بلغ متوسط البقاء دون تطوُّر المرض 10.8 شهر مقارنة بـ5.6 شهر مع العلاج الكيميائي. وارتفع متوسط البقاء الكلي إلى 23.7 شهر مقابل 18.7 شهر في مجموعة العلاج التقليدي.

كما سجَّل الدواء معدل استجابة للعلاج بلغ 63 في المائة مقارنة بـ29 في المائة فقط مع العلاج الكيميائي، بينما استمرَّت الاستجابة لمدة أطول بلغت 12.3 شهر مقابل 7.1 شهر.

ومن حيث الأمان، كانت الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً مع الدواء الجديد تشمل التهاب الفم، والغثيان، وتساقط الشعر، وانخفاض خلايا الدم البيضاء، إلا أنَّ نسبة المرضى الذين اضطروا إلى إيقاف العلاج كانت أقل بنسبة 4 في المائة مقارنة بالعلاج الكيميائي 7 في المائة.

ويشير الباحثون إلى أنَّ هذه النتائج تُمثِّل تقدماً مهماً في علاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، وهو نوع يرتبط بمعدلات انتكاس مرتفعة واستجابة محدودة للعلاجات التقليدية، خصوصاً لدى المرضى غير المؤهلين للعلاج المناعي أو العلاجات الموجهة.