في ظل العد العكسي لحكم ميركل... ألمانيا إلى أين؟

تحت ثقل الأخطاء والفضائح المتراكمة

في ظل العد العكسي لحكم ميركل... ألمانيا إلى أين؟
TT

في ظل العد العكسي لحكم ميركل... ألمانيا إلى أين؟

في ظل العد العكسي لحكم ميركل... ألمانيا إلى أين؟

تبدو الأشهر الأخيرة في الحياة السياسية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أشبه بانهيار ثلجي. بدأ صامتاً صغيراً، لكنه أخذ يتعاظم كلما تدحرج أكثر. في النهاية، لا أحد يعرف بعد كم سيكون حجم هذا الانهيار، ولا مدى الأضرار التي سيتسبب بها. والحقيقة أن الفوضى الكبيرة التي باتت تحيط بميركل، بدأ البعض يشبهها بالأيام الأخيرة لحكم هيلموت كول، المستشار الألماني الذي قاد البلاد إلى وحدتها، وبقي يقود ألمانيا لـ16 سنة، وهي المدة نفسها التي ستكون ميركل قد أمضتها في الحكم في نهاية ولايتها في سبتمبر (أيلول) المقبل. ولكن كول سقط في النهاية سقوطاً مدوياً، ولم يأت سقوطه إلا على يد «فتاته» كما كان يسميها، ميركل نفسها.
ذلك أن أنجيلا ميركل هي التي «انقلبت» على الرجل الذي كان سبب صعودها، وساعدها على إيجاد قدم لها داخل حزب محافظ كان يطغى الرجال عليه. ولقد كتبت حينذاك، في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1999، مقالاً تاريخياً في صحيفة «فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ» دعت فيه كول، الذي كان يُنظر إليه كبطل وحد البلاد، إلى الاستقالة. وجاء مقالها على خلفية فضيحة فساد لفت حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي آنذاك، تتعلق بقبول كول لهبات مالية ضخمة للحزب في مخالفة للقوانين، ورفضه الإفصاح عن أسماء مانحيها.
وبالفعل، هزت تلك الفضيحة شعبية الحزب آنذاك. ولكن، مع ذلك، لم يتجرأ أحد على دعوة كول الاستقالة، باستثناء «آنجي» الشابة الفتية التي كانت تجلس إلى يمين المستشار.
جرأتها، يومذاك، قسمت حينها الحزب والبلاد، بين مؤيد وداعم لها، ومع ذلك دخلت التاريخ، وكان سبب صعودها إلى قمة السلطة. لكنها اليوم، بعد أكثر من 20 سنة، تجد نفسها في موقف لا يختلف كثيراً عما عاشه كول. فهي محاطة بالفضائح والأخطاء التي تتزايد يوماً بعد يوم، في حزب تتدهور شعبيته، ومنقسم على نفسه. بيد أن الفارق هنا أن مَن يمكن أن يتحداها بقوة داخل الحزب غير موجود.

خلال سنوات حكم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي بدأت عام 2000، اعترفت الزعيمة المحافظة بأخطائها أكثر من مرة. إلا أنه لم يسبق لها أن جاءت اعترافاتها بالشكل الدراماتيكي الذي شهده الألمان لدى إقرارها بـ«خطأ» إعلان حكومتها إغلاقاً تاماً لمدة خمسة أيام خلال عطلة عيد الفصح. فبعد أقل من 24 ساعة على قرار الإقفال، خرجت ميركل لتعلن التراجع عن قرارها... وتقول إنه «ارتُكِب خطأ»، وطلبت «المسامحة» من مواطنيها.
هذا التراجع، الذي رحب به البعض ووصفه آخرون بأنه دليل على ضعفها، جاء نتيجة الارتباك الكبير الذي تسبب به قرار إعلان الإغلاق التام، والتخوف من دعاوى قضائية قد ترفع على الحكومة. واختصاراً، كان من المستحيل من الناحية القانونية تطبيق قرار الإغلاق. إذ كانت ثمة تساؤلات كثيرة عالقة حول اعتبار أيام الفرصة التي أعلنتها ميركل عطلاً رسمية أم أيام عمل مدفوعة. وتجدر الإشارة إلى أن العطل الرسمية تقر عادة في البرلمان، وهو ما لم تدعُ إليه ميركل قبل اتخاذ قرارها ودفع رؤساء حكومات الولايات الألمانية الـ16 للقبول به.
- أضحت «بطة عرجاء»؟!
وهكذا عندما استنتجت ميركل ذلك، بعد ساعات قليلة على إعلانها الإغلاق التام لمدة خمسة أيام، وتسميتها فترة الإغلاق هذه بـ«أيام راحة»، فإنها سرعان ما عادت لتعلن تراجعها وتقدم اعتذارها. ولم تنتظر صحيفة «بيلد» الشعبية الأكثر انتشاراً في البلاد طويلاً، إذ نشرت آراء مختلفة لكتابها حول اعتذار ميركل. ووصلت الأمور بأحدهم إلى حد وصف المستشارة بـ«البطة العرجاء»... في حين قال غيره إن تقديم الاعتذار كان «قراراً راقياً» ويجب قبوله.
من جهته، كتب الصحافي غابور شتاينغارت، رئيس التحرير السابق لمجلة «هاندسبلات» المالية، يقول بأن اعتذار ميركل «ليس إلا هروباً من تحمل المسؤولية». وعدد، من ثم، المشاكل التي تحيط بميركل وحكومتها الائتلافية في التعامل مع جائحة «كوفيد - 19»، مشيراً إلى أن «النظام الصحي الأميركي الذي يتعرض لانتقادات كبيرة نجح في إعطاء أكثر من 130 مليون جرعة لقاح خلال الفترة نفسها التي بدأت ألمانيا فيها التلقيح، وهي لم تنجح في تلقيح 10 في المائة من هذا الرقم». وبالنسبة للكاتب، فإن ميركل رغم تقديمها الاعتذار، فهي لم تقل ما الذي تعلمته من هذا الدرس، وما إذا كان سيكون هناك تغيير في سياسة التعاطي مع الجائحة.
أما مجلة «فوكس» فقالت بأن هذه الفوضى «أضرت بسلطة ميركل بشكل كبير». ووصفت ما حدث بأنه «النقطة الأدنى في حكم ميركل قبل 6 أشهر على انتهاء ولايتها». وبالفعل، كانت ميركل نفسها قد اعترفت قبل بضعة أشهر بأن إدارة أزمة «كوفيد - 19» هي أصعب ما واجهته خلال فترة حكمها حتى الآن، وليس أزمة اللاجئين الذي سمحت لهم بالدخول ما تسبب بصعود اليمين المتطرف بشكل غير مسبوق في البلاد منذ هزيمة النازيين.
أكثر من هذا، أخذت بعض الأصوات تتصاعد مطالبة باستقالة ميركل وطرح التصويت على حكومتها. وعلى هذه الأصوات ردت المستشارة المُحرجة بالقول «لا حاجة إلى ذلك، لقد ارتكبت خطأ وصححته».
- الانتقادات من اليسار واليمين
مع هذا، فإن الدعوات المناوئة والمطالبة بالاستقالة لم تتوقف. ولقد صدرت أولاً عن حزب «دي لينكا» اليساري المتشدد. ولم يلبث أن حذا حذوه حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف. ثم تبعهما حزب الليبراليين الوسطي. وبالتالي، فإن الحزب الوحيد في المعارضة الذي لم يدع لاستقالة ميركل ولا لطرح الثقة بحكومتها، كان حزب «الخضر» البيئي الذي رأى أن تراجع ميركل عن قرار الإغلاق الشامل، مقبول بالنسبة إليه. ولعل، سبب هذا الموقف كما يرى بعض المراقبين، أن حزب «الخضر» قد يكون بصدد التحضير منذ الآن للمشاركة في الحكم بعد الانتخابات المقبلة، ولذا ربما ارتأى تحاشي قطع الجسور لأنه سيكون عليه - على الأرجح - الدخول في حكومة ائتلافية مع حزب ميركل الديمقراطي المسيحي المحافظ.
الواقع أن هذا ليس الخطأ الأول الذي تقع به ميركل منذ بدء أزمة جائحة «كوفيد - 19»، مع أن أداء إدارة ميركل عملية التعامل مع الجائحة وتداعياتها كان جيداً عند بداية الأزمة في شهر مارس (آذار) من العام الماضي. وحقاً نجحت القرارات التي اتخذتها الحكومة الألمانية بإبقاء أعداد الإصابات والوفيات منخفضة نسبياً في البداية. وانعكس هذا النجاح في استطلاعات الرأي التي أظهرت ارتفاعاً كبيراً في شعبية المستشارة، حتى بدأت تظهر دعوات لها تطالبها بالتراجع عن قرارها التقاعد، وتناشدها الترشح لولاية جديدة في الانتخابات المقبلة.
- من النجاح... إلى الفشل
إلا أن هذه النجاحات المبكرة تحولت بعد بضعة أشهر إلى فشل كبير في إدارة الأزمة. وهكذا دخلت ألمانيا في دوامة إغلاقات لا تنتهي، ومن دون أفق، حتى بعد توافر لقاح ضد الفيروس، صنعته شركة ألمانية أولاً. ورغم أن ميركل كان تقول بأن أزمة الجائحة لن تنتهي إلا بعد إيجاد لقاح، فإنه حتى اللحظة لا يبدو أن هناك ضوءاً واضحاً في نهاية النفق حتى الآن.
ولعل بين أسوأ وجوه الإخفاق، أن عمليات التطعيم، أو التلقيح، تسير بشكل بطيء للغاية، وبشكل أساسي بسبب النقص الحاصل في كميات الجرعات اللازمة من اللقاحات. وهنا يلوم البعض اعتماد ألمانيا على الاتحاد الأوروبي لإدارة عمليات التلقيح لكل دول الاتحاد، وهي عملية أساءت رئيس المفوضية أورسولا فون دير لاين – الوزيرة الألمانية السابقة، وهي أيضاً طبيبة – إدارتها بصورة مؤسفة. وبلغ الأمر ببعض الصحافيين الألمان أن شبهوا إدارة فون دير لاين، التي كانت وزيرة الدفاع في حكومة ميركل قبل انتقالها إلى المفوضة الأوروبية في بروكسل، بإدارتها وزارة الدفاع... أي بنصيب كبير من قلة الفاعلية. وللعلم، كانت فون دير لاين قد غادرت منصبها السابق في الحكومة الألمانية من دون أن تحقق الكثير على صعيدي تطوير معدات الجيش الألماني المهترئة وتحديثها، وأيضاً من دون التعاطي بشكل حازم مع فضائح التطرف اليميني الذي تزايد داخل صفوف الجيش والقوات التابعة لها.
وتضاف إلى هذا كله قضايا فساد لم تتمكن من تبييض صفحتها كلياً قبل مغادرتها برلين.
- مشاكل وأخطاء أخرى
ثم أنه، إضافة للنقص في الجرعات الموجودة، فإن بطء عملية التلقيح لها أسباب أخرى، منها البيروقراطية الألمانية الكبيرة والقليلة المرونة. فكثيرون من السكان يتلقون رسائل من السلطات الصحية المحلية تبلغهم بأن دورهم جاء لتلقي اللقاح، وتطلب منهم حجز موعد باستخدام رقم خاص أرسل إليهم. إلا أن الآلاف يشكون من صعوبة حجز مواعيد، ومن أنهم لا يتلقون ردوداً على أرقام الهواتف المذكورة. كذلك، هناك مشكلة رفض الحكومات المحلية توزيع اللقاحات على عيادات الأطباء، وحصرها بدلاً من ذلك في مراكز تلقيح خاصة. وهو أمر زاد من بطء عملية التلقيح التي ما زالت في المرحلة الأولى، أي أنها محصورة بمن هم فوق سن الثمانين وأفراد الأطقم الطبية.
ثم جاء الجدل حول لقاح «أسترازينيكا» وقرار الحكومة تعليق إعطاء اللقاح لبضعة أيام، ليضيف إلى فوضى التلقيح. وللعلم، كانت الحكومة الألمانية، قبل تعليقها استخدام هذا اللقاح، قد أطلقت حملة دعائية كبيرة لإقناع الألمان بفاعليته. ثم، بعد بضعة أيام من إطلاق الحملة، جاء قرار تعليق إعطائه بحجة «تسببه» بجلطات لـ13 شخصاً في ألمانيا من بين أكثر من مليون ونصف المليون شخص تلقوه. وهكذا، دخلت البلاد في فوضى التلقيح، وتوقفت فعلياً إعطاء الجرعات لأن لقاح «أسترازينيكا» هو الأكثر توافراً حالياً. ولم تعد الحكومة قادرة على إعطاء التطمينات للمواطنين بفاعلية اللقاح أو أمانه. وباتت تنتظر قرار وكالة الأدوية الأوروبية حياله، وهو لم يصدر إلا بعد أيام كانت خلاله سمعة اللقاح قد تضررت كثيراً.
ومع أن الحكومة حاولت إعادة الثقة به، ما زال من غير الواضح ما إذا كانت قد نجحت في ذلك. ففي العاصمة برلين وحدها، ذكر تقرير لصحيفة «تاغس شبيغل» أن أكثر من 600 ألف شخص أرسلت لهم رسائل لحجز مواعيد لكنهم لم يفعلوا ذلك، من دون تحديد أي لقاح عرض عليهم. وحتى الآن، فإن أكثر من 300 ألف شخص بقليل تقدموا لتلقي اللقاح في برلين من أصل قرابة مليون دعوة أرسلتها الهيئة الصحية.
على صعيد آخر، الفضائح تلف حزب ميركل من كل الجهات، تضاف إليها الإدارة السيئة لأزمة «كوفيد - 19»، والإغلاق - وإن كان جزئياً - في البلاد منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لأصحاب المطاعم والفنادق. وهناك مَن يقول بأن كل هذا لأن ميركل باتت «متعبة» وما عاد بإمكانها الحكم بشكل صحيح. كذلك ثمة مَن يعتبر أن غياب مرشح واضح لخلافتها يزيد من قلة الثقة بالحزب ويسهم بتدهور شعبيته. فرغم أن لاشيت اختير ليكون زعيم الحزب، ولكن لم يتم اختياره أو اختيار أي شخص آخر، ليكون المرشح الرسمي لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وشقيقه البافاري، لمنصب المستشار. ثم إن استطلاعات الرأي لا تعطي الكثير من الثقة بلاشيت، ولا بوزير الصحة ينس شبان الذي يطمح أيضاً للترشح للمنصب.
بقي إضافة إلى هؤلاء، واحد لم تطله أي فضائح بعد، ويبدو أنه المفضل في استطلاعات الرأي: ماركوس زودر، زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري ورئيس ولاية بافاريا. زودر لم يعلن ترشحه رسمياً للمنصب، ولكن الحزبين الشقيقين سيجتمعان بعد عطلة عيد الفصح ليختارا مرشحهما. والآن يبدو زودر الخيار الأفضل، مع أن اختياره لن يكون سهلاً. فلو حصل ذلك، هي ستكون المرة الأولى التي يرشح فيه الاتحاد لمنصب المستشار زعيم الحزب البافاري الشقيق.
في مطلق الأحوال، يبدو حزب ميركل في منزلق شديد نحو الهاوية. وما لم تنجح المستشارة بانتشاله قبل أن يصل إلى القعر، عبر إدارة أزمة «كوفيد - 19» والتلقيح بشكل أفضل، فإن سقوط الحزب قد يكون مخيفاً في انتخابات سبتمبر المقبلة. وقد يضطر الحزب لمغادرة السلطة حينها، عندما تغادر ميركل نفسها السلطة وتتقاعد من العمل السياسي.
- فضائح فساد تكمل صورة فوضى الأشهر الأخيرة
في خضم كل الفوضى المطبقة على الأشهر الأخيرة من حكم المستشارة أنجيلا ميركل، تلف حزبها فضيحة فساد لم تنته فصولها بعد، تورط بها حتى وزير الصحة يانس شبان.
الفضيحة أدت حتى الآن إلى استقالة 3 نواب من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الشقيق، الاتحاد الاجتماعي المسيحي في ولاية بافاريا. إذ تبين أن النواب الثلاثة حققوا أرباحاً غير مشروعة عبر عقد صفقات بيع كمامات، وتحقيق أرباح خاصة لهم من الصفقات، إحداها وصلت أرباحها إلى 600 ألف يورو. ويبدو أن أكثر من 10 نواب متورطين بصفقات مماثلة، ولكن لم تكشف أسماؤهم جميعاً بعد.
زعيم الحزب أرمين لاشيت، الذي يطمح لخلافة ميركل في منصب المستشار، حاول تلقف الفضيحة ليعلن عن «تعهد أخلاقي» على كل عضو في الحزب أخذه قبل الترشح لمنصب عام. وهذا التعهد يضمن تخلي الشخص المعني عن الكشف عن الأرباح المادية التي يحققها خارج عمله، «ما يضمن الشفافية»، حسب لاشيت.
غير أن «فضائح الكمامات» هذه أفقدت الحزب الحاكم أصواتاً كثيرة، وألحقت به خسائر تاريخية مُني بها في الانتخابات المحلية بولايتي بادن فورتمبيرغ وبالاتينية الراين. ولم تكد تمر هذه الانتخابات، حتى ظهرت فضيحة وزير الصحة المشار إليها. هذا، ونشرت مجلة «دير شبيغل» تقريراً يؤكد شراء وزارة الصحة كميات كبيرة من الكمامات من شركة يرأس مكتبها في برلين دانيال فونكه شريك الوزير شبان. ومع أن الشركة أكدت أن فونكه لم يكن على علم ولا على علاقة بالصفقة، فإن الضرر لا يمكن عكسه.
ويضيف هذا إلى عدد من المشاكل الأخرى التي تلاحق وزير الصحة الذي ما زال يطمح هو أيضاً لأن يرشحه حزب ميركل لمنصب المستشار. وهو مثل ميركل، حقق ارتفاعاً كبيراً في شعبيته مع بداية الأزمة، لكنها تراجعت لسوء إدارته للجائحة، ولأسباب أخرى شخصية مثل شرائه مع شريكه منزلاً ضخماً في منطقة راقية ببرلين بمليارات اليوروهات، في عز محنة الجائحة. وبالفعل، وجهت الصحافة انتقادات شديدة لشبان بعد شرائه منزلاً باهظ الثمن بينما يخسر المواطنون أعمالهم بالآلاف بسبب الفيروس القاتل. وصورته الصحف على أنه «فاقد للاتصال بالواقع». بل، ولم يساعده أنه أصيب أيضاً بالفيروس، بعدما حضر سهرة كان يشارك فيها ما يزيد على الـ30 شخصاً، وهو الذي كان يحث المواطنين على تجنب التجمعات وتحاشي لقاء الأصدقاء لتجنب العدوى. وساءت صورة شبان أكثر عندما تبين لاحقاً أنه طلب أسماء الصحافيين الذين كانوا يستفسرون عن المنزل الذي اشتراه، وأجرى بحثاً عنهم لغرض ما.
بالمناسبة، «فضيحة الكمامات» لم يسلم منها حتى زعيم الحزب المنتخب لاشيت، رغم أنها لم تؤثر على قرار الحزب انتخابه. ولكن الناخبين قد قرروا العكس، واستنتجوا أن لاشيت غير جدير بالثقة. وهو أيضاً عقد صفقة كمامات ضخمة مع شركة ألبسة يعمل ابنه الشاب معها، ويعرض ثيابها على صفحته على «إنستغرام».


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.