في ظل العد العكسي لحكم ميركل... ألمانيا إلى أين؟

تحت ثقل الأخطاء والفضائح المتراكمة

في ظل العد العكسي لحكم ميركل... ألمانيا إلى أين؟
TT

في ظل العد العكسي لحكم ميركل... ألمانيا إلى أين؟

في ظل العد العكسي لحكم ميركل... ألمانيا إلى أين؟

تبدو الأشهر الأخيرة في الحياة السياسية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أشبه بانهيار ثلجي. بدأ صامتاً صغيراً، لكنه أخذ يتعاظم كلما تدحرج أكثر. في النهاية، لا أحد يعرف بعد كم سيكون حجم هذا الانهيار، ولا مدى الأضرار التي سيتسبب بها. والحقيقة أن الفوضى الكبيرة التي باتت تحيط بميركل، بدأ البعض يشبهها بالأيام الأخيرة لحكم هيلموت كول، المستشار الألماني الذي قاد البلاد إلى وحدتها، وبقي يقود ألمانيا لـ16 سنة، وهي المدة نفسها التي ستكون ميركل قد أمضتها في الحكم في نهاية ولايتها في سبتمبر (أيلول) المقبل. ولكن كول سقط في النهاية سقوطاً مدوياً، ولم يأت سقوطه إلا على يد «فتاته» كما كان يسميها، ميركل نفسها.
ذلك أن أنجيلا ميركل هي التي «انقلبت» على الرجل الذي كان سبب صعودها، وساعدها على إيجاد قدم لها داخل حزب محافظ كان يطغى الرجال عليه. ولقد كتبت حينذاك، في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1999، مقالاً تاريخياً في صحيفة «فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ» دعت فيه كول، الذي كان يُنظر إليه كبطل وحد البلاد، إلى الاستقالة. وجاء مقالها على خلفية فضيحة فساد لفت حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي آنذاك، تتعلق بقبول كول لهبات مالية ضخمة للحزب في مخالفة للقوانين، ورفضه الإفصاح عن أسماء مانحيها.
وبالفعل، هزت تلك الفضيحة شعبية الحزب آنذاك. ولكن، مع ذلك، لم يتجرأ أحد على دعوة كول الاستقالة، باستثناء «آنجي» الشابة الفتية التي كانت تجلس إلى يمين المستشار.
جرأتها، يومذاك، قسمت حينها الحزب والبلاد، بين مؤيد وداعم لها، ومع ذلك دخلت التاريخ، وكان سبب صعودها إلى قمة السلطة. لكنها اليوم، بعد أكثر من 20 سنة، تجد نفسها في موقف لا يختلف كثيراً عما عاشه كول. فهي محاطة بالفضائح والأخطاء التي تتزايد يوماً بعد يوم، في حزب تتدهور شعبيته، ومنقسم على نفسه. بيد أن الفارق هنا أن مَن يمكن أن يتحداها بقوة داخل الحزب غير موجود.

خلال سنوات حكم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي بدأت عام 2000، اعترفت الزعيمة المحافظة بأخطائها أكثر من مرة. إلا أنه لم يسبق لها أن جاءت اعترافاتها بالشكل الدراماتيكي الذي شهده الألمان لدى إقرارها بـ«خطأ» إعلان حكومتها إغلاقاً تاماً لمدة خمسة أيام خلال عطلة عيد الفصح. فبعد أقل من 24 ساعة على قرار الإقفال، خرجت ميركل لتعلن التراجع عن قرارها... وتقول إنه «ارتُكِب خطأ»، وطلبت «المسامحة» من مواطنيها.
هذا التراجع، الذي رحب به البعض ووصفه آخرون بأنه دليل على ضعفها، جاء نتيجة الارتباك الكبير الذي تسبب به قرار إعلان الإغلاق التام، والتخوف من دعاوى قضائية قد ترفع على الحكومة. واختصاراً، كان من المستحيل من الناحية القانونية تطبيق قرار الإغلاق. إذ كانت ثمة تساؤلات كثيرة عالقة حول اعتبار أيام الفرصة التي أعلنتها ميركل عطلاً رسمية أم أيام عمل مدفوعة. وتجدر الإشارة إلى أن العطل الرسمية تقر عادة في البرلمان، وهو ما لم تدعُ إليه ميركل قبل اتخاذ قرارها ودفع رؤساء حكومات الولايات الألمانية الـ16 للقبول به.
- أضحت «بطة عرجاء»؟!
وهكذا عندما استنتجت ميركل ذلك، بعد ساعات قليلة على إعلانها الإغلاق التام لمدة خمسة أيام، وتسميتها فترة الإغلاق هذه بـ«أيام راحة»، فإنها سرعان ما عادت لتعلن تراجعها وتقدم اعتذارها. ولم تنتظر صحيفة «بيلد» الشعبية الأكثر انتشاراً في البلاد طويلاً، إذ نشرت آراء مختلفة لكتابها حول اعتذار ميركل. ووصلت الأمور بأحدهم إلى حد وصف المستشارة بـ«البطة العرجاء»... في حين قال غيره إن تقديم الاعتذار كان «قراراً راقياً» ويجب قبوله.
من جهته، كتب الصحافي غابور شتاينغارت، رئيس التحرير السابق لمجلة «هاندسبلات» المالية، يقول بأن اعتذار ميركل «ليس إلا هروباً من تحمل المسؤولية». وعدد، من ثم، المشاكل التي تحيط بميركل وحكومتها الائتلافية في التعامل مع جائحة «كوفيد - 19»، مشيراً إلى أن «النظام الصحي الأميركي الذي يتعرض لانتقادات كبيرة نجح في إعطاء أكثر من 130 مليون جرعة لقاح خلال الفترة نفسها التي بدأت ألمانيا فيها التلقيح، وهي لم تنجح في تلقيح 10 في المائة من هذا الرقم». وبالنسبة للكاتب، فإن ميركل رغم تقديمها الاعتذار، فهي لم تقل ما الذي تعلمته من هذا الدرس، وما إذا كان سيكون هناك تغيير في سياسة التعاطي مع الجائحة.
أما مجلة «فوكس» فقالت بأن هذه الفوضى «أضرت بسلطة ميركل بشكل كبير». ووصفت ما حدث بأنه «النقطة الأدنى في حكم ميركل قبل 6 أشهر على انتهاء ولايتها». وبالفعل، كانت ميركل نفسها قد اعترفت قبل بضعة أشهر بأن إدارة أزمة «كوفيد - 19» هي أصعب ما واجهته خلال فترة حكمها حتى الآن، وليس أزمة اللاجئين الذي سمحت لهم بالدخول ما تسبب بصعود اليمين المتطرف بشكل غير مسبوق في البلاد منذ هزيمة النازيين.
أكثر من هذا، أخذت بعض الأصوات تتصاعد مطالبة باستقالة ميركل وطرح التصويت على حكومتها. وعلى هذه الأصوات ردت المستشارة المُحرجة بالقول «لا حاجة إلى ذلك، لقد ارتكبت خطأ وصححته».
- الانتقادات من اليسار واليمين
مع هذا، فإن الدعوات المناوئة والمطالبة بالاستقالة لم تتوقف. ولقد صدرت أولاً عن حزب «دي لينكا» اليساري المتشدد. ولم يلبث أن حذا حذوه حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف. ثم تبعهما حزب الليبراليين الوسطي. وبالتالي، فإن الحزب الوحيد في المعارضة الذي لم يدع لاستقالة ميركل ولا لطرح الثقة بحكومتها، كان حزب «الخضر» البيئي الذي رأى أن تراجع ميركل عن قرار الإغلاق الشامل، مقبول بالنسبة إليه. ولعل، سبب هذا الموقف كما يرى بعض المراقبين، أن حزب «الخضر» قد يكون بصدد التحضير منذ الآن للمشاركة في الحكم بعد الانتخابات المقبلة، ولذا ربما ارتأى تحاشي قطع الجسور لأنه سيكون عليه - على الأرجح - الدخول في حكومة ائتلافية مع حزب ميركل الديمقراطي المسيحي المحافظ.
الواقع أن هذا ليس الخطأ الأول الذي تقع به ميركل منذ بدء أزمة جائحة «كوفيد - 19»، مع أن أداء إدارة ميركل عملية التعامل مع الجائحة وتداعياتها كان جيداً عند بداية الأزمة في شهر مارس (آذار) من العام الماضي. وحقاً نجحت القرارات التي اتخذتها الحكومة الألمانية بإبقاء أعداد الإصابات والوفيات منخفضة نسبياً في البداية. وانعكس هذا النجاح في استطلاعات الرأي التي أظهرت ارتفاعاً كبيراً في شعبية المستشارة، حتى بدأت تظهر دعوات لها تطالبها بالتراجع عن قرارها التقاعد، وتناشدها الترشح لولاية جديدة في الانتخابات المقبلة.
- من النجاح... إلى الفشل
إلا أن هذه النجاحات المبكرة تحولت بعد بضعة أشهر إلى فشل كبير في إدارة الأزمة. وهكذا دخلت ألمانيا في دوامة إغلاقات لا تنتهي، ومن دون أفق، حتى بعد توافر لقاح ضد الفيروس، صنعته شركة ألمانية أولاً. ورغم أن ميركل كان تقول بأن أزمة الجائحة لن تنتهي إلا بعد إيجاد لقاح، فإنه حتى اللحظة لا يبدو أن هناك ضوءاً واضحاً في نهاية النفق حتى الآن.
ولعل بين أسوأ وجوه الإخفاق، أن عمليات التطعيم، أو التلقيح، تسير بشكل بطيء للغاية، وبشكل أساسي بسبب النقص الحاصل في كميات الجرعات اللازمة من اللقاحات. وهنا يلوم البعض اعتماد ألمانيا على الاتحاد الأوروبي لإدارة عمليات التلقيح لكل دول الاتحاد، وهي عملية أساءت رئيس المفوضية أورسولا فون دير لاين – الوزيرة الألمانية السابقة، وهي أيضاً طبيبة – إدارتها بصورة مؤسفة. وبلغ الأمر ببعض الصحافيين الألمان أن شبهوا إدارة فون دير لاين، التي كانت وزيرة الدفاع في حكومة ميركل قبل انتقالها إلى المفوضة الأوروبية في بروكسل، بإدارتها وزارة الدفاع... أي بنصيب كبير من قلة الفاعلية. وللعلم، كانت فون دير لاين قد غادرت منصبها السابق في الحكومة الألمانية من دون أن تحقق الكثير على صعيدي تطوير معدات الجيش الألماني المهترئة وتحديثها، وأيضاً من دون التعاطي بشكل حازم مع فضائح التطرف اليميني الذي تزايد داخل صفوف الجيش والقوات التابعة لها.
وتضاف إلى هذا كله قضايا فساد لم تتمكن من تبييض صفحتها كلياً قبل مغادرتها برلين.
- مشاكل وأخطاء أخرى
ثم أنه، إضافة للنقص في الجرعات الموجودة، فإن بطء عملية التلقيح لها أسباب أخرى، منها البيروقراطية الألمانية الكبيرة والقليلة المرونة. فكثيرون من السكان يتلقون رسائل من السلطات الصحية المحلية تبلغهم بأن دورهم جاء لتلقي اللقاح، وتطلب منهم حجز موعد باستخدام رقم خاص أرسل إليهم. إلا أن الآلاف يشكون من صعوبة حجز مواعيد، ومن أنهم لا يتلقون ردوداً على أرقام الهواتف المذكورة. كذلك، هناك مشكلة رفض الحكومات المحلية توزيع اللقاحات على عيادات الأطباء، وحصرها بدلاً من ذلك في مراكز تلقيح خاصة. وهو أمر زاد من بطء عملية التلقيح التي ما زالت في المرحلة الأولى، أي أنها محصورة بمن هم فوق سن الثمانين وأفراد الأطقم الطبية.
ثم جاء الجدل حول لقاح «أسترازينيكا» وقرار الحكومة تعليق إعطاء اللقاح لبضعة أيام، ليضيف إلى فوضى التلقيح. وللعلم، كانت الحكومة الألمانية، قبل تعليقها استخدام هذا اللقاح، قد أطلقت حملة دعائية كبيرة لإقناع الألمان بفاعليته. ثم، بعد بضعة أيام من إطلاق الحملة، جاء قرار تعليق إعطائه بحجة «تسببه» بجلطات لـ13 شخصاً في ألمانيا من بين أكثر من مليون ونصف المليون شخص تلقوه. وهكذا، دخلت البلاد في فوضى التلقيح، وتوقفت فعلياً إعطاء الجرعات لأن لقاح «أسترازينيكا» هو الأكثر توافراً حالياً. ولم تعد الحكومة قادرة على إعطاء التطمينات للمواطنين بفاعلية اللقاح أو أمانه. وباتت تنتظر قرار وكالة الأدوية الأوروبية حياله، وهو لم يصدر إلا بعد أيام كانت خلاله سمعة اللقاح قد تضررت كثيراً.
ومع أن الحكومة حاولت إعادة الثقة به، ما زال من غير الواضح ما إذا كانت قد نجحت في ذلك. ففي العاصمة برلين وحدها، ذكر تقرير لصحيفة «تاغس شبيغل» أن أكثر من 600 ألف شخص أرسلت لهم رسائل لحجز مواعيد لكنهم لم يفعلوا ذلك، من دون تحديد أي لقاح عرض عليهم. وحتى الآن، فإن أكثر من 300 ألف شخص بقليل تقدموا لتلقي اللقاح في برلين من أصل قرابة مليون دعوة أرسلتها الهيئة الصحية.
على صعيد آخر، الفضائح تلف حزب ميركل من كل الجهات، تضاف إليها الإدارة السيئة لأزمة «كوفيد - 19»، والإغلاق - وإن كان جزئياً - في البلاد منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لأصحاب المطاعم والفنادق. وهناك مَن يقول بأن كل هذا لأن ميركل باتت «متعبة» وما عاد بإمكانها الحكم بشكل صحيح. كذلك ثمة مَن يعتبر أن غياب مرشح واضح لخلافتها يزيد من قلة الثقة بالحزب ويسهم بتدهور شعبيته. فرغم أن لاشيت اختير ليكون زعيم الحزب، ولكن لم يتم اختياره أو اختيار أي شخص آخر، ليكون المرشح الرسمي لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وشقيقه البافاري، لمنصب المستشار. ثم إن استطلاعات الرأي لا تعطي الكثير من الثقة بلاشيت، ولا بوزير الصحة ينس شبان الذي يطمح أيضاً للترشح للمنصب.
بقي إضافة إلى هؤلاء، واحد لم تطله أي فضائح بعد، ويبدو أنه المفضل في استطلاعات الرأي: ماركوس زودر، زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري ورئيس ولاية بافاريا. زودر لم يعلن ترشحه رسمياً للمنصب، ولكن الحزبين الشقيقين سيجتمعان بعد عطلة عيد الفصح ليختارا مرشحهما. والآن يبدو زودر الخيار الأفضل، مع أن اختياره لن يكون سهلاً. فلو حصل ذلك، هي ستكون المرة الأولى التي يرشح فيه الاتحاد لمنصب المستشار زعيم الحزب البافاري الشقيق.
في مطلق الأحوال، يبدو حزب ميركل في منزلق شديد نحو الهاوية. وما لم تنجح المستشارة بانتشاله قبل أن يصل إلى القعر، عبر إدارة أزمة «كوفيد - 19» والتلقيح بشكل أفضل، فإن سقوط الحزب قد يكون مخيفاً في انتخابات سبتمبر المقبلة. وقد يضطر الحزب لمغادرة السلطة حينها، عندما تغادر ميركل نفسها السلطة وتتقاعد من العمل السياسي.
- فضائح فساد تكمل صورة فوضى الأشهر الأخيرة
في خضم كل الفوضى المطبقة على الأشهر الأخيرة من حكم المستشارة أنجيلا ميركل، تلف حزبها فضيحة فساد لم تنته فصولها بعد، تورط بها حتى وزير الصحة يانس شبان.
الفضيحة أدت حتى الآن إلى استقالة 3 نواب من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الشقيق، الاتحاد الاجتماعي المسيحي في ولاية بافاريا. إذ تبين أن النواب الثلاثة حققوا أرباحاً غير مشروعة عبر عقد صفقات بيع كمامات، وتحقيق أرباح خاصة لهم من الصفقات، إحداها وصلت أرباحها إلى 600 ألف يورو. ويبدو أن أكثر من 10 نواب متورطين بصفقات مماثلة، ولكن لم تكشف أسماؤهم جميعاً بعد.
زعيم الحزب أرمين لاشيت، الذي يطمح لخلافة ميركل في منصب المستشار، حاول تلقف الفضيحة ليعلن عن «تعهد أخلاقي» على كل عضو في الحزب أخذه قبل الترشح لمنصب عام. وهذا التعهد يضمن تخلي الشخص المعني عن الكشف عن الأرباح المادية التي يحققها خارج عمله، «ما يضمن الشفافية»، حسب لاشيت.
غير أن «فضائح الكمامات» هذه أفقدت الحزب الحاكم أصواتاً كثيرة، وألحقت به خسائر تاريخية مُني بها في الانتخابات المحلية بولايتي بادن فورتمبيرغ وبالاتينية الراين. ولم تكد تمر هذه الانتخابات، حتى ظهرت فضيحة وزير الصحة المشار إليها. هذا، ونشرت مجلة «دير شبيغل» تقريراً يؤكد شراء وزارة الصحة كميات كبيرة من الكمامات من شركة يرأس مكتبها في برلين دانيال فونكه شريك الوزير شبان. ومع أن الشركة أكدت أن فونكه لم يكن على علم ولا على علاقة بالصفقة، فإن الضرر لا يمكن عكسه.
ويضيف هذا إلى عدد من المشاكل الأخرى التي تلاحق وزير الصحة الذي ما زال يطمح هو أيضاً لأن يرشحه حزب ميركل لمنصب المستشار. وهو مثل ميركل، حقق ارتفاعاً كبيراً في شعبيته مع بداية الأزمة، لكنها تراجعت لسوء إدارته للجائحة، ولأسباب أخرى شخصية مثل شرائه مع شريكه منزلاً ضخماً في منطقة راقية ببرلين بمليارات اليوروهات، في عز محنة الجائحة. وبالفعل، وجهت الصحافة انتقادات شديدة لشبان بعد شرائه منزلاً باهظ الثمن بينما يخسر المواطنون أعمالهم بالآلاف بسبب الفيروس القاتل. وصورته الصحف على أنه «فاقد للاتصال بالواقع». بل، ولم يساعده أنه أصيب أيضاً بالفيروس، بعدما حضر سهرة كان يشارك فيها ما يزيد على الـ30 شخصاً، وهو الذي كان يحث المواطنين على تجنب التجمعات وتحاشي لقاء الأصدقاء لتجنب العدوى. وساءت صورة شبان أكثر عندما تبين لاحقاً أنه طلب أسماء الصحافيين الذين كانوا يستفسرون عن المنزل الذي اشتراه، وأجرى بحثاً عنهم لغرض ما.
بالمناسبة، «فضيحة الكمامات» لم يسلم منها حتى زعيم الحزب المنتخب لاشيت، رغم أنها لم تؤثر على قرار الحزب انتخابه. ولكن الناخبين قد قرروا العكس، واستنتجوا أن لاشيت غير جدير بالثقة. وهو أيضاً عقد صفقة كمامات ضخمة مع شركة ألبسة يعمل ابنه الشاب معها، ويعرض ثيابها على صفحته على «إنستغرام».


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.