«كينغزمان.. ذي سيكريت سيرفيس» أول فيلم سينمائي تخرج من عباءته ماركة أزياء للرجل الأربعيني

الجاسوس الذي ألهم المخرج ماثيو فوغان {مستر بورتر}

واجهة محل هانتسمان  في سافيل رو حيث صور الفيلم
واجهة محل هانتسمان في سافيل رو حيث صور الفيلم
TT

«كينغزمان.. ذي سيكريت سيرفيس» أول فيلم سينمائي تخرج من عباءته ماركة أزياء للرجل الأربعيني

واجهة محل هانتسمان  في سافيل رو حيث صور الفيلم
واجهة محل هانتسمان في سافيل رو حيث صور الفيلم

من الصعب إحصاء الأفلام السينمائية التي لعبت على الموضة أو استفادت منها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خصوصا أنها أصبحت تشكل نسبة مهمة من الإصدارات السينمائية الأخيرة. صحيح أن علاقة هوليوود بالموضة تعود إلى منتصف القرن الماضي، حين تبنى هيبار جيفنشي أودري هيبورن، وكريستيان ديور غريس كيلي قبل أن يلتحق جيورجيو أرماني بالركب مخاطبا الرجل في فيلم «ذي أميركان جيغولو» وغيرها، إلا أن العملية لم تعد تتطلب تمويها، بل أصبحت واضحة لا يعتذر عنها السينمائيون ولا بيوت الأزياء، خصوصا بعد نجاح عدة أفلام استغلت هذه النقطة، وساعدت في المقابل على تسويق ماركات مثل برادا وبروك براذرز وبريوني وغيرهم لأسواق جديدة. ما ساعد على تأجيج هذه الظاهرة أن مخرجين عالميين أصبحت لهم علاقة مباشرة مع بيوت أزياء، من خلال التعاون لتصوير حملات دعائية، نذكر منها علاقة باز لورمان، مخرج فيلم «ذي غريت غاتسبي» بدار شانيل، على سبيل المثال. فقد صور لها حملتها لعطر «شانيل نمبر 5» مع نيكول كيدمان منذ 10 سنوات، ومؤخرا مع العارضة البرازيلية جيزيل باندشن، من دون أن ننسى أن فيلم «ذي غريت غاتسبي» الذي أخرجه، كان عرضا للأزياء الرجالية والنسائية على حد سواء.
الجديد في كل هذا، أن العملية أخذت بعدا أكبر هذه المرة، فلأول مرة يصدر فيلم سينمائي كبير وتولد من رحمه ماركة أزياء جديدة تحمل اسم الفيلم، تم تقديمها لعالم الموضة خلال أسبوع الموضة الرجالية هذا الأسبوع. المايسترو وراء هذه الفكرة هو المخرج ماثيو فوغان، مخرج فيلمي «كيك آس» و«إكس مين: فورست كلاس» ومؤخرا فيلم «كينغزمان: ذي سيكريت سيرفيس» «Kingsman: The Secret Service». ماثيو فوغان، وتجدر الإشارة إلى أنه زوج العارضة الألمانية كلوديا شيفر ما قد يفسر اهتمامه بالموضة نوعا ما، فكر في طرح ماركة موجهة لرجل أنيق يطمح أن يتمتع بإطلالة جيمس بوند المفعمة بالرجولة والمفصلة بشكل لا يعلى عليه، عوض أن يعتمد على ماركات معروفة مثل توم فورد أو بريوني أو غوتشي ليتعاون معها. فكر أيضا أن تحمل هذه الماركة اسم فيلمه، كينغزمان، وهو اسم محل أزياء رجالية افتراضي في سافيل رو، يتخذه أبطال الفيلم، وكلهم جواسيس يرأسهم مايكل كاين، مقرا رئيسيا لتجمعاتهم.
عندما سئل المخرج فوغان، البالغ من العمر 43 عاما، عن سبب هذه الخطوة غير المسبوقة، رد بصراحة أنه لاحظ أن «توفر خيارات كثيرة لرجل تناسبه وتخاطب الرجل الأربعيني قليلة. فالبدلات التي يطرحها المصممون في السنوات الأخيرة، إما مفصلة بطريقة شبابية جد ضيقة على الجسم وإما كلاسيكية مغرقة في الرسمية، ما جعلني أفكر بأن هناك مساحة لم تُستغل لطرح أزياء أنيقة وعصرية في الوقت ذاته».
وتابع أنه بعد أن فكر في الموضوع، اتصل بصديقته ناتالي ماسييني، مؤسسة موقع «نيت أبورتيه» الذي تفرع عنه موقع «مستر بورتر» الرجالي وطرح عليها فكرة إنتاج تشكيلة، أو بالأحرى علامة جديدة، تحمل اسم الفيلم. رحبت بالفكرة من دون أي تردد، لأنها شعرت بحسها التجاري أنها فكرة ذكية ويمكن تسويقها بسهولة. فالرجل، لا سيما شرائح الشباب، تتأثر بالنجوم وأبطال الأفلام، كما أن هناك ميلا واضحا في الآونة الأخيرة لكل ما صنع في بريطانيا، وهو ما سيجعل تسويقها سهلا، خصوصا أن كل ما في التشكيلة يُروج لصورة متكاملة لرجل «جنتلمان» قوي وواثق. فالسترات بصفوف مزدوجة تختلف تماما عن السترات النحيفة التي نراها على منصات عروض الأزياء وتخاطب المتشبهين بنجوم الروك أند رول من الشباب ذوو المقاييس الصبيانية والإكسسوارات مترفة بكل المقاييس. غني عن القول: إن تفصيل البدلات المزدوجة لم يكن هينا، لأنها في العادة لا تناسب الكل، ويمكن أن تضفي مظهرا مغرقا في الرسمية على لابسها، لكن المصممة آريان فيليبس، اجتهدت على تغيير خطوطها لكي تضفي عليها مرونة ورشاقة. طبعا ساعد على الأمر أن النجم كولين فيرث يتمتع بجسم متناسق، وإن كان بعيدا عن مقاييس عارضي الأزياء.
كانت المصممة تعرف أن الأزياء يجب أن تخدم نص الفيلم أولا وأخيرا، لكنها كانت أيضا تريد تسويقها لزبون عالمي، وبالتالي تدرك أنها ولكي تحقق الهدف، عليها أن تراعي، أن يأتي تصميمها بشكل يروق ويناسب الجميع. تشمل التشكيلة التي ستتوفر على موقع مستر بورتر وصُنعت بالكامل في بريطانيا، 60 قطعة بالتمام والكمال، تتباين بين البدلات المفصلة للمناسبات الرسمية، والقطع المنفصلة للأجواء الأقل رسمية والأيام العادية، بما فيها المعاطف والكنزات الصوفية والإكسسوارات المتنوعة. هذا التنوع الذي يطبع التشكيلة هو نتاج عمل مشترك بين المخرج ماثيو فوغان، مستر بورتر ومصممة أزياء الأفلام، أريان فيليبس، التي استلهمت كل تفاصيلها من سافيل رو المعروف بالخياطة والتفصيل على المقاس. الماركات التي لم تتأخر عن المشاركة في هذا المشروع، بريمونت لساعات اليد، كاتلر أند غروس للنظارات، جورج كليفرلي للأحذية، الأزياء الخاصة بالنزهات من ماكينتوش، وسواين أيديني بريغز للحقائب والشمسيات، ترنبل أند آسر للقمصان.
كما كل أفلام الجاسوسية، يلعب كولين فيرث دور غالاهاد، وهو نسخة شبه كاريكاتورية عن الجاسوس جيمس بوند، الذي يحاول تجنيد شاب صغير من بيئة مختلفة تماما، يلعب دوره تارون إيغرتون من باب الأناقة. فالكثير من اللقطات واللقاءات بين أعضاء المنظمة الجاسوسية، تجري في محل «هانتسمان» بسافيل رو، ما يُفسر أن عملية التجنيد والتدريب تبدأ بتعليم كولين فيرث للصبي المتمرد، أهمية أن يكون مظهره إيجابيا، بمعنى أنه لكي يكون جاسوسا ناجحا عليه أن يكون رجلا أنيقا أولا، مثله مثل باقي الأعضاء، الذي كان معظمهم يلبس بدلات مفصلة على المقاس، تتميز بسترات ذات صفوف مزدوجة وربطات عنق القوية. بعبارة أخرى، إنها تصاميم تخاطب رجال الأعمال والمتطلعين من الشباب للتشبه بجيمس بوند أو «الجنتلمان الإنجليزي». والأهم من هذا، لهم الإمكانيات للحصول عليها جاهزة في موقع «مستر بورتر» بدلا من تفصيلها على مقاس كل واحد منهم في سافيل رو. بالنظر إلى لقطات من الفيلم، ومظهر كل من كولين فيرث، الحائز على جائزة الأوسكار، والمخضرمين صامويل لي جاكسون ومايكل كاين، فإن أناقتهم ستثير الرغبة في الحصول على هذه القطع، ومن تم نجاحها التجاري، إذ لا ننسى أن الوقت مناسب لطرح المزيد من الماركات الرجالية في وقت ينتعش فيه هذا القطاع وتزيد فيه الشهية على الجديد والمتميز.
أضف إلى هذا أنك إذا فكرت في الأمر فإن أكثر أبطال الأفلام السينمائية أناقة لحد الآن هم الجواسيس، لا سيما منهم من ظهروا في سلسلة أفلام جيمس بوند، من شون كونري، روجيه مور، بيرس بروسنان، إلى دانييل كريغ. فسواء ارتدوا أزياء من بريوني أو من توم فورد، فإنهم دائما ينجحون في عكس صورة مفعمة بالأناقة والقوة.
لا شك أن الفكرة جريئة ومثيرة للجدل كما أنها مجازفة في حال لم ينجح الفيلم، لكن هذا لم يمنع موقع «مستر بورتر» أن ينضم إلى هذه المغامرة بطرح المجموعة على الموقع وتشجيعه الماركات التي شاركت في الفيلم على تصميم قطع خاصة ستصدر باسم «كينغزمان»، ويمكن لأي رجل، في أي مكان من العالم أن يحصل على مبتغاه منها، بضغطة زر واحدة، سواء كانت حذاء من الجلد أو حقيبة يد أو حتى بدلة على مقاسه، تضفي عليه الرجولة وتمنحه ثقة.
سيصدر الفيلم في صالات السينما في منتصف شهر فبراير (شباط)، وهو مأخوذ عن قصة هزلية تحاكي فيلم جيمس بوند، من تأليف مارك ميللر، والفنان دايف غيبونز
ستتوفر التشكيلة على الموقع في منتصف شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، على أن تبدأ أسعارها من 1.750 دولار أميركي تقريبا.



جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.