سياسيون يمنيون يأملون بإذعان الحوثيين للسلام وإنهاء المعاناة الإنسانية

حوثيون بعد تشييع عدد من قتلاهم في صنعاء أمس (رويترز)
حوثيون بعد تشييع عدد من قتلاهم في صنعاء أمس (رويترز)
TT

سياسيون يمنيون يأملون بإذعان الحوثيين للسلام وإنهاء المعاناة الإنسانية

حوثيون بعد تشييع عدد من قتلاهم في صنعاء أمس (رويترز)
حوثيون بعد تشييع عدد من قتلاهم في صنعاء أمس (رويترز)

لقيت المبادرة السعودية لإنهاء الحرب في اليمن، وإنعاش مسار السلام بين الحكومة الشرعية والميليشيات الحوثية، ترحيباً واسعاً على المستوى السياسي والشعبي في اليمن، بصفتها فرصة حقيقية لإنهاء الحرب. غير أن سلوك الحوثيين خلال السنوات الماضية جعل كثيراً من السياسيين الذين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» يتساءلون عما إذا كانت الجماعة المدعومة من إيران ستتعاطى مع المبادرة بإيجابية، معتبرين أن عدم قبولها سيترك الباب مشرعاً -بحسب تقديرهم- لاستمرار العمليات العسكرية لكسر الجماعة عسكرياً، بصفته الخيار الأخير.
وفي حين كانت الحكومة الشرعية قد أعلنت عن ترحيبها على الفور بالمبادرة، توقع السياسيون اليمنيون أن تعمد الميليشيات الحوثية إلى المراوغة لتجنب الضغوط الدولية، بالتزامن مع استمرارها في الحشد وتعزيز قواتها باتجاه مأرب، أملاً في تحقيق أي تقدم ميداني على حساب القوات الحكومية الشرعية.
وقال قياديون في الجماعة الحوثية إنهم ينتظرون خطبة مرتقبة لزعميهم في اليومين المقبلين، ستتضمن موقف الجماعة النهائي من المبادرة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي الأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل أن المبادرة السعودية «ذكية في توقيتها ومضمونها لأنها تأتي بعد عجز أممي ودولي عن خلق مسار شامل للسلام، إضافة إلى أنها تقطع الطريق على فرض مشاريع سلام قاصرة أو مشوهة، تتضمن بؤر صراع آتية في المستقبل، وتنقل الحوثي بسلاحه وبعده الطائفي، بصفته قوة معطلة في المستقبل السياسي».
ويضيف البيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المبادرة «جاءت لتفتح أفق السلام بشكل حقيقي للجهود الدولية، كما أنها تقدم فعلاً جاداً، وترد الضغوط الكثيفة على المملكة، في حين تزوي ميليشيا الحوثي وتكشف حقيقتها».
وفي تقدير الدكتور البيل «سيكون أمام قادة الميليشيا إما خيار القبول، وحينها تكون السعودية قد قدمت خدمة جليلة لليمن وللسلام الدولي، وإما الرفض، وبذلك يضعون أنفسهم في خانة المعرقل الدائم الرافض لكل سلام، حيث ستكون السعودية قد أعذرت أمام العالم، ومنحت الحوثيين فرصة للسلام والنجاة من حبال إيران، والانخراط في الهوية اليمنية، والتخلي التام عن خدمة المشروع الطائفي الإيراني».
من جهته، يرى الكاتب السياسي الحقوقي اليمني همدان العليي أن المبادرة «ستضع الحوثيين في مأزق لأنهم استمروا لفترة طويلة وهم يطالبون بتنفيذ هذه المطالب، ويرفعون لافتة الوضع الإنساني لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية». ويعتقد العليي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة «ستسعى لتفكيكها (المبادرة) كي لا تظهر أمام المجتمع الدولي في صورة المعرقلة للسلام وللإجراءات التي تحد من معاناة اليمنيين»، متوقعاً أن «تكثف الجماعة هجماتها على مأرب خلال الفترة المقبلة».
ويتابع العليي قائلاً: «يعرف اليمنيون أن هذه الميليشيات هي من تصنع الوضع الإنساني الصعب لأنها تستفيد منه سياسياً وعسكرياً، ولهذا فإن هذه المبادرة تسد الذرائع، وتعطي فرصة للحكومة الشرعية والتحالف الداعم لها للعمل من أجل استعادة الدولة، وتحرير اليمنيين الموجودين في مناطق الحوثي بعدما تم تحويلهم إلى رهائن».
وفي السياق نفسه، يجزم الكاتب المحلل السياسي اليمني وضاح الجليل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأن المبادرة «فرصة جيدة لبدء عملية سلام حقيقية دائمة في المنطقة، وخطوة لإنهاء الحرب على أسس وقواعد منطقية». لكنه يتساءل: «كيف لمثل هذه الخطوة أن تتحقق والطرف الآخر المعني بها (الحوثي) يملك أسباباً كثيرة للرفض، بدءاً من طبيعة فكره ونهجه الإقصائيين الاستعلائيين، وتحقيق كل مكاسبه من خلال الحرب والقوة والاغتصاب، على حساب كل قيم السلام الاجتماعي، ونقيضاً لكل مبادئ السياسة».
ويضيف الجليل: «تعودنا على نقض الحوثي للعهود والاتفاقات، ورفضه للسلام منذ بدء صعوده، فكيف وقد حقق نفوذاً واسعاً، وليس انتهاءً بكونه ذراعاً عسكرية إيرانية في اليمن والمنطقة، فضلاً عن أن (الحرس الثوري) هو من يتخذ القرارات ويوجه قيادة جماعة الحوثي دائماً، ويمنحها الأذون للتعامل والتعاطي مع أي مبادرة أو دعوة للسلام».
ومن جهته، يعتقد الكاتب الإعلامي اليمني أحمد عباس أن المبادرة السعودية بقدر ما هي موجهة للحوثيين فهي أيضاً خطوة ذكية لرمي الكرة في الملعبين الأميركي والأممي. ويتساءل عباس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن «كيف سيكون الموقف الأميركي والدولي تجاه الحوثيين (إذا رفضوا المبادرة)، وهل سيقومون بتحميل الميليشيات المسؤولية بشكل مباشر». ويرى عباس أن الجماعة الحوثية «لا تريد سوى مبادرة وحيدة، وهي تركها تعيث فساداً في اليمن لتحويله إلى نسخة خمينية أخرى تصدر أفكارها». ويضيف: «مثل هذه الحركات التي تستند إلى آيديولوجيا عدمية لن يجدي معها أي مبادرات ولا أي تنازلات، ويجب على الحكومة الشرعية والتحالف إيجاد بدائل حقيقية وحلول على الأرض للتخلص من هذا المشروع الذي يعد أخطر ما يهدد وجود اليمن ودول المنطقة على الإطلاق، وعدم التهاون معه، وعدم الرضوخ للضغوطات الدولية تحت أي تسمية».
الكاتب المحلل السياسي اليمني عبد الملك اليوسفي يعتقد هو الآخر أن «فرص إذعان الحوثيين لمبادرة إنهاء الصراع في اليمن ضئيلة، كونهم مرتبطين بمشروع إيراني قائم على نشر العنف والفوضى في المنطقة، وإنهاء الصراع في اليمن لا يتوافق مع استراتيجيات نظام الملالي في طهران».
ويضيف اليوسفي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه «عندما ألغت الإدارة الأميركية قرار تصنيف جماعة الحوثي بصفتها منظمة إرهابية، وترافق ذلك مع تعيين مبعوث أميركي بشأن اليمن، كانت التعبيرات واضحة بحتمية إنهاء الصراع، كما اتسق الموقف الأميركي مع تأييد كثير من الدول الفاعلة لضرورة إنهاء الصراع، وهو ما يعني منح جماعة الحوثي الفرصة الأخيرة للانخراط في عملية سلمية».
وعلى الرغم من هذه الفرصة، يقول اليوسفي «الميليشيا قابلت ذلك بالتصعيد الداخلي في مأرب، وتصعيد الإرهاب ضد الأعيان المدنية في السعودية، على الرغم مما رافق ذلك من إدانات دولية واسعة».
وبالنظر إلى المبادرة السعودية، يرى اليوسفي أنها جاءت «بمثابة إقامة الحجة: فإما أن تنصاع الميليشيا أو عندئذ سيكون استخدام القوة الخيار الوحيد لإنهاء الصراع في اليمن».
ولا يذهب الكاتب المحلل السياسي اليمني محمود الطاهر -من جهته- بعيداً عن الاعتقاد بأن المبادرة السعودية «رسالة للمجتمع الدولي»، حيث إن المملكة منذ إعلان «عاصفة الحزم»، في نهاية مارس (آذار) 2015، تسعى إلى ضمان أن تحظى الأطراف السياسية في اليمن كافة بفرص متساوية، وفقاً للدستور اليمني، لكن «الحوثيين يريدون أن يكونوا هم من يتحكم بكل أحوال اليمنيين»، بحسب تعبيره.
ويتابع الطاهر حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن المبادرة السعودية تعد كذلك «رسالة للداخل اليمني، مفادها أن المملكة حريصة على إحلال السلام في اليمن، وأنه حان الوقت لذلك».
ويعتقد الطاهر أن المبادرة السعودية الجديدة، على الرغم من أنها تضمنت تقديم تنازلات من قبل الشرعية، تسعى إلى «إيجاد أرضية مناسبة لإحلال السلام، وإعانة الشعب اليمني للخروج من محنته وأزمته الإنسانية التي تتفاقم يوماً بعد يوم بسبب الحوثيين». كما يعتقد أن «فرص السلام باتت مواتية في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى»، وأن «الكرة الآن صارت في ملعب الحوثيين لإثبات صدق نواياهم، إن كانوا يرغبون بالسلام أو باستمرار الحرب، وفقاً لتوجيهات إيران التي تستخدمهم للمقايضة بملفها النووي».
وعن الموقف الحوثي المبدئي من المبادرة قبل صدور موقف زعيمها المرتقب، يرى الطاهر أنه «أمر متوقع، ولكن الرسالة وصلت إلى إدارة بايدن بأن الحوثيين جماعة إرهابية تعشق الحرب، وأنها مشروع دمار للمنطقة».
ويحذر الطاهر من أن «يستغل الحوثيون المبادرة للتوسع على الأرض»، قائلاً إن «اليمنيين تعودوا من الميليشيات الحوثية التخلي عن مبادرات السلام والصلح، كما حدث مع اتفاق السلم والشراكة، وقبل ذلك مع الجيش اليمني، ولاحقاً مع اتفاق استوكهولم».
ويأمل السياسي المحلل اليمني محمود الطاهر أن يتم تحديد سقف زمني محدد، في حال وافق الحوثيون على المبادرة السعودية «ليتم مراقبة ردودهم، على الأرض وسياسياً». أما في حال رفضهم لها، فيقترح الطاهر «وجود ضغط عسكري وسياسي بدعم دولي، والتخلي عن اتفاق استوكهولم، وتحريك الجبهات للضغط عسكرياً على الجماعة للقبول بالحلول السياسية».


مقالات ذات صلة

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.