بري في «الثقب الأسود»: رفيق الحريري كان متوجساً من تقسيمات انتخابية «انتقامية»

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من مذكرات رئيس البرلمان اللبناني (1)

بري والحريري في حديث مع الرئيس السابق إميل لحود عام 2000 (أ.ف.ب)
بري والحريري في حديث مع الرئيس السابق إميل لحود عام 2000 (أ.ف.ب)
TT

بري في «الثقب الأسود»: رفيق الحريري كان متوجساً من تقسيمات انتخابية «انتقامية»

بري والحريري في حديث مع الرئيس السابق إميل لحود عام 2000 (أ.ف.ب)
بري والحريري في حديث مع الرئيس السابق إميل لحود عام 2000 (أ.ف.ب)

تبدأ «الشرق الأوسط» من اليوم، نشر حلقات من مذكرات رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري التي أعدها الزميل نبيل هيثم، وتصدر قريباً عن «دار بلال». اختار بري للمذكرات عنواناً: «الثقب الأسود». وقال إن هاتين الكلمتين تختزنان تشخيصاً لما آل إليه حال لبنان، وخوفاً على وطن كان جميلاً وصار مهدداً بالتشتت والتلاشي والزوال الكارثي.
وفي هذه الحلقة الأولى، يتحدث بري عن اغتيال الرئيس السابق للحكومة اللبنانية رفيق الحريري، وعن لقائه الأخير معه في مجلس النواب يوم اغتياله في 14 فبراير (شباط) 2005، ويصف الاغتيال بالزلزال الذي ضرب لبنان وقلبه رأساً على عقب.

عام 2005، كان الأسوأ في تاريخ لبنان، حيث ضربه الزّلزال العنيف الذي تمثّل في اغتيال الرئيس الشّهيد رفيق الحريري.
الاثنين 14 فبراير 2005؛ قبل ظهر ذلك اليوم، وصل الرئيس رفيق الحريري إلى مجلس النوّاب. كان يقود سيّارته بنفسه، ترجّل منها، وأخذ يرتقي درج المجلس صعوداً...
عجقة (زحمة) نوّاب في القاعة العامّة، وإعلاميّون ممترسون في البهو الخارجي للمجلس لمواكبة الحدث؛ قانون الانتخابات النيابيّة كان مادّة النّقاش في جلسة للّجان النيابيّة المشتركة كانت محدّدة في ذلك اليوم.
الجوّ السياسيّ العام كان مكهرَباً، فتقسيمات الدوائر الانتخابيّة أرخت مناخاً داخليّاً مُربَكاً بالكامل، وأحاطتها تجاذبات سياسيّةٌ هائلةٌ، خصوصاً حول ما يتعلّق بدوائر بيروت، وكان الرئيس رفيق الحريري يحاول أن يواجه، ما اعتبرها آنذاك، تقسيمات يُراد من خلالها تطويقه.
من باحة المجلس الخارجيّة، أخذ الرئيس رفيق الحريري طريقه نحو «الكوريدور» (الممر) المؤدّي إلى جناح رئيس المجلس. وأثناء سيره في هذا «الكوريدور»، صادف أن التقى الوزير علي حسن خليل؛ كان خليل يقف على مقربة من باب القاعة العامّة، حيث تنعقد جلسة اللجان.
سلّم عليه، تمازحَا، ومن ثمّ تأبّط الرئيس رفيق الحريري ذراع الوزير خليل، ومشيا معاً إلى مكتب مدير المراسم في مجلس النوّاب علي حمد، وهو مكتب يقع في آخر «الكوريدور»، في محاذاة صالون الاستقبال الخاص برئيس المجلس، ومكثا في ذلك المكتب لنحو ثلاثة أرباع السّاعة.
في هذا اللقاء، كان القانون الانتخابي جوهر الحديث بينهما. الرئيس رفيق الحريري لم يكن مرتاحاً... كان متوجّساً ممّا سمّاها، تقسيمات انتقاميّة منه في بعض الدوائر، وتحديداً في العاصمة بيروت.
في معرض الحديث بينهما، أسرّ الرئيس الحريري للوزير خليل أنّ من الضروري جدّاً، الوصول إلى قانون انتخابيّ توافقيّ، ذلك أنّ استمرار التشنّج، لن يخدم هذه الغاية، بل إنّه سيبقي الأمور في دوّامة الأخذ والردّ اللذين لن يوصلا إلى أيّ نتيجة. وقال للوزير خليل: أنا منفتح على الحلول لبلوغ توافق، وأنا على استعداد للسّير فوراً في تسوية يتولّد عنها تفاهم على قانون الانتخابات.
كان خليل متناغماً مع الرئيس الحريري، وأشعره بأنّ توجّسه مبالغ فيه، وقال له: بالتأكيد، التفاهم هو المطلوب، ودولة الرئيس نبيه برّي يؤكّد على هذا الأمر، ويشدّد على التوافق، وهو ليس في وارد السّير في قانون يؤدّي إلى كسرِ أحد.
بدا الرئيس رفيق الحريري مرتاحاً لموقف الرئيس برّي الذي عكسه معاونه السياسي، وقال للوزير خليل: أنا مطمئنّ لموقف الرئيس برّي، وبالتأكيد أنا لا أشكّ فيه لحظة، ولذلك أنا بكلّ جِديّة أقول لك إنّني مع أيّ نقاش يؤدّي إلى التوافق على قانون، ومع أيّ مخرج يحقّق هذه الغاية فوراً، وتستطيع أن تحكي في هذا الموضوع مع الوزير سليمان فرنجيّة. (كان فرنجيّة يومذاك وزيراً للداخليّة).
فقال له الوزير خليل إنّه سيقوم بهذه المهمّة، على أن يطلعه على ما سيخلص إليه مع الوزير فرنجيّة.
انتهت الخلوة، وخرج الرئيس الحريري والوزير خليل من مكتب مدير المراسم، فأخذ خليل طريقه نحو باب القاعة العامّة، وأمّا الرئيس الحريري فدخل إلى مكتب رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، حيث مكث لوقت قصير، ومن ثمّ خرج، ليصادف مرّة ثانية، الوزير خليل الذي كان في تلك الأثناء يهمّ بالدخول إلى جلسة اللجان المشتركة في القاعة العامّة. فسارع الرئيس الحريري إلى مدّ يده نحو خليل وقال له: تعالَ نذهبْ معاً إلى القهوة. (كان يقصد مقهى «الإتوال» المواجه لمبنى البرلمان، فقد كان ينتظره هناك بعض الأصدقاء).
فردّ خليل: لا أستطيع ذلك، فأنا أريد أن أدخل إلى اجتماع اللجان.
فمازحه الحريري قائلاً: «يا محتال، بدّك تْفُوْت على الاجتماع، أو إنّك عَمْ تتهرّب لأنّك خايف تمشي معي عالقهوة حتى ما إشْمْسَك».
فردّ خليل ضاحكاً: «لا والله، بدّي أحضر الجلسة».
ضحكا، وتصافحا، ومضى الرئيس رفيق الحريري خارجاً من المجلس، بعدما اقترب من الوزير خليل وهمس له برسالة معبّرة إلى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي.
كانت تلك، آخر محطّة للرئيس رفيق الحريري في مجلس النوّاب، انتقل منها إلى «الإتوال»، وهناك احتسى فنجان قهوة، ومن ثمّ غادر بعد دقائق قليلة، فكانت تلك هي الرحلة الأخيرة التي قادته إلى نقطة الزّلزال في السّان جورج:
[يوم الاثنين 14 فبراير (شباط)؛ عيد العشّاق، حيث يكثر شراء الورد الأحمر، غير أنّ «أحمرَ» من لون آخر كان ينتظر لبنان...
كنت في المجلس النيابي كالعادة، استأذنني النّائب محمّد الصّفدي بلقاء قصير، وما إنْ دخل عليّ وبدأنا الحديث، حتى فُتح قليلاً باب مكتبي، وأطلّ علينا الرئيس رفيق الحريري، قائلاً: هل لديك جمعيّة تنمية كي لا أدخل؟
بسؤاله هذا، كان يشير إلى مصادرة صفائح زيت كانت إحدى الجمعيّات توزّعها كمساعدات في بعض مناطق بيروت، وأُثير حولها جدل سياسيّ وشعبيّ كبير آنذاك.
قلت له: ادخل، هذه القضيّة من مصلحتك.
فدخل، وتقدّم نحونا بخطوات هادئة، وسلّم علينا، وتصافحنا. كان يبتسم من كلّ قلبه، شعرُه كثيف من الخلف، ومن الأمام، مع شيب ظاهر، ولكنّه مهيب.
كنت جالساً على كرسيِّ خلف مكتبي، والصّفدي يجلس على كرسيٍّ أمام مكتبي إلى اليسار، فجلس الرئيس الحريري على الكرسي الثّاني إلى يميني، وبدأ يتحدّث عن قصّة الزّيت...
فأكملتها له وقلت: ... خلص مشي الحال، لقد طلبتُ من الرئيس عمر كرامي أن يشتري الزّيت قبل أن يشتريه الحريري ويوزّعه... وهكذا كان.
لم يعلّق، بل هزّ رأسه، وابتسم...
ثم أخذنا نتحدّث في بعض الأمور، منها ما هو شخصي، ومنها ما هو عام... لقد لفتني في ذلك اليوم أنّه كان كثير الابتسام.
لم يطلْ بقاؤه لأكثر من عشر دقائق، قال بعدها: فلأتركْكَ أنت والأخ محمّد. ونهض عن كرسيّه، وسلّم، ثم تركنا وغادر.
وبعدما خرج من مكتبي، التقى بالنّائب علي حسن خليل، وأرسل لي معه رسالة شفويّة قال فيها: «قلْ لمعلمك، مهما راح... ومهما إجا... مش رح يلاقي أوفى من رفيق الحريري إِلو».
عندما أُبلِغتُ بتلك الرسالة، تعجّبت، و«صفنت» قليلاً، وصرت أفكّر فيها، ولم أعرف لماذا كانت هذه الرسالة.
خرج محمّد الصّفدي من مكتبي، فصرت أراجع بعض الأوراق أمامي، حتى مضى نحو ثلاثة أرباع السّاعة؛ كان الجوّ هادئاً، لم يكن في حسباننا أنّ أمراً ما سيحدث، كان كلّ شيء طبيعيّاً، ولا شيء غير المعتاد، ولكن، فجأة حدث الدويّ الهائل.
كنت أتحدّث على الهاتف مع الرئيس حسين الحسيني، عندما شعرت بهواء قويّ، وعاصف، وبارتجاج باب المكتب مرّات عدّة، وغبار صدر عن الصّوت والصّدى في مجلس النوّاب، إذ سقط من سقف القاعة العامّة بعض الزجاج وتناثر الغبار، كان الدويّ كبيراً جدّاً، حتى خيّل إليّ أنّ الانفجار قرب مبنى المجلس.
قيل لي في تلك اللحظة، إنّ الرئيس رفيق الحريري ترك جلسة اللجان النيابيّة المشتركة التي كانت منعقدة في قاعة الهيئة العامّة لمجلس النوّاب، وتناول فنجان قهوة في مقهى «الإتوال» المقابل للمجلس، قبل أن يستقلّ سيّارته وتحصل الفاجعة.

- الخبر المفجع
صارت الأفكار تتزاحم في رأسي، تأخذني في هذا الاتّجاه وذاك... دقائق قليلة وتحين لحظة الحقيقة، ويأتيني الخبر المفجع؛ لقد استشهد رفيق الحريري...
كان خبر استشهاده صاعقاً، لوهلة شعرت بصدمة عنيفة إلى حدّ أنّها جمّدتني في مكاني، في الحقيقة مرّت لحظات لم أعد أرى أمامي، وصار تفكيري مشلولاً ومشتّتاً، ولبستني حالة لا توصف من الحزن، ثمّ وجدتُني أترحّم عليه وأردّد مرّات ومرّات؛ رحمة الله عليك يا رفيق... لا حول ولا قوّة إلّا بالله.
بصعوبة، تمالكتُ نفسي، واستجمعتُ شتات تفكيري، فتواصلت مع رئيس الجمهوريّة إميل لحّود ومع قائد الجيش العماد ميشال سليمان، وقلت ما قلته حول وجوب التنبّه، واتّخاذ الاحتياطات الأمنيّة الضروريّة والسّريعة للإمساك بالوضع، فقد انتابني خوف عظيم من انفلات الأمور.
في تلك اللحظة، أيقنت أنّ زلزالاً ضرب لبنان، وقلبه رأساً على عقب، وأدخله أتون الخطر الشّديد والمصير المجهول.
بقيت في مكتبي لبعض الوقت، ومن ثمّ انتقلت إلى مقرّ رئاسة المجلس في عين التّينة، وسط إجراءات أمنيّة بالغة الشدّة، على عكس الطريقة التي حضرتُ فيها إلى مجلس النوّاب.
بوصولي إلى عين التّينة، لازمت مكتبي، وأقفلتُ على نفسي، وتابعت الاتّصالات في كلّ اتّجاه، محذّراً، وداعياً إلى اليقظة والانتباه لما يُحاك للبنان واللبنانيّين، ثمّ سارعت وسط هذا الإرباك إلى كتابة بيان نعي للرئيس الشّهيد ورفاقه الذين استشهدوا معه، وقلت فيه:
باسمي وباسم المجلس النيابي اللبناني، أنعى إلى الشّعب اللبناني والأمّتين العربيّة والإسلاميّة، استشهاد دولة الرئيس رفيق الحريري؛ النّائب، والزميل، والصديق، ورائد الإعمار، وإحدى ركائز الوفاق الوطني.
إنّ هذه العمليّة الجبانة تستهدف لبنان، في وحدته الوطنيّة، واقتصاده، ورسالته، واستقراره الأمني. وأدعو اللبنانيّين إلى التنبّه لهذه المؤامرة التي تستهدف لبنان، من خلال هذه الجريمة المروّعة، وإلى رصِّ الصّفوف والارتفاع إلى مستوى المسؤوليّة الوطنيّة، التي تتطلّبها هذه المرحلة الدقيقة.
الأربعاء 16 فبراير (شباط) 2005، كان يوم دفن الرئيس الشّهيد، وحدي من بين الرؤساء شاركت في مراسم الدّفن، وجلست بين الرئيس أمين الجميّل وعبد الحليم خدّام، الذي كان قد أتى إليّ في عين التّينة، ونزل معي في سيارتي إلى مأتم الشّهيد، وكان معنا أيضاً عمرو موسى.
كانت الفوضى عارمة، والحشود كبيرة جدّاً وضخمة، والمشهد مهيب ومحزن...
بعد الدفّن، تولّيت شخصيّاً إجلاس الرسميّين في مقاعدهم، ومن ثمّ فتحت ممرّاً بين الحشود، وتأبّطت كلّاً من موفد الملك السعودي الأمير سعود الفيصل، وبعض الرسميّين الآخرين وأوصلتهم إلى سيّاراتهم، ما عدا خدّام، الذي ذهب معي في سيارتي إلى منزلي، مع ولديه جهاد وجمال، وتناولنا الغداء معاً.
ومن عين التّينة، عدنا وانتقلنا إلى قريطم قبل السّاعة الثّالثة بعد الظّهر، حيث التقينا السيّدة نازك الحريري وأولاد الرئيس الشّهيد. وتقدّمت من أفراد العائلة بخالص عزائي بالرئيس الشّهيد، وعبّرت عن بالغ تأثّري لغيابه، ولفَقدي صديقاً عزيزاً، وقلت إنّ جهد الجميع يجب أن ينصبّ لكشف المجرمين ومعاقبتهم.
مكثتُ في قريطم نحو ثلث ساعة، ثمّ غادرت إلى المنزل، وبعدي بقليل غادر عبد الحليم خدّام إلى دمشق؛ كان خدّام حريصاً على ألّا يلتقي بالرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي وصل إلى المطار للتعزية.
لقد شعرت بحزنٍ كبير على الرئيس رفيق الحريري. سألوني مرّة عن علاقتي به، فقلت إنّ تاريخاً طويلاً جمعنا معاً؛ تصادقنا، وتخاصمنا، وتصالحنا، مرّات ومرّات... وباختصار، لا أقول عن رفيق الحريري أكثر من كلمة صديق، أنا صديقه وهو صديقي، وكان له الفضل دائماً في أيّ تشابك في الآراء كان يحصل بيني وبينه، أنّه هو كان يبادر إلى الكلام معي. قد أكون أنا شخصيّاً قد بادرت مرّة أو مرّتين لأصالحه، إنّما هو كان المبادر دائماً إلى المصالحة.
لقد أحببت الرجل، وهذه العاطفة كانت مشتركة بيننا... وقد سألوه مرّة: هل لديك صديق خارج السياسة؟ فقال لهم: «بلى عندي صديق اسمو نبيه برّي، لا أنا قادر عيش معو، ولا أنا قادر عيش بلاه»... وهذا صحيح.
وسألوني مرّات عديدة: من المستفيد من اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ وجوابي كان بديهيّاً وبكلّ وضوح: المستفيد الوحيد هو عدوّ لبنان، المستفيد الوحيد هو من يريد ضرب لبنان وتدميره. فرفيق الحريري كان يعيش مستقبل لبنان، ويراه بكلّ وجدانه وبكلّ كيانه وبكلّ ما يملك، فمن تكون له مصلحة في أن يغتاله، أليس عدوّ لبنان؟... إنّ اللبنانيّين يعرفون من هو عدوّهم... ألا وهو إسرائيل.

- سنوات صعبة
اغتيال الرئيس رفيق الحريري أدخل لبنان في وضع داخليّ في منتهى الخطورة والتعقيد، وبلغ التأزّم السياسي حدّاً لا سابق له، أشعلته اتّهامات قاسيةٌ ومباشرة ضدّ ما سُمِّي آنذاك «النّظام الأمني اللبناني - السوري». وتعرّض الجسم اللبناني إلى انقسام عاموديّ عميق بين اصطفافين؛ انضوى الأوّل تحت اسم فريق «8 آذار»، والثّاني تحت اسم فريق «14 آذار».
تمترس الفريقان في جبهتين متصادمتين، وأمضى لبنان سنوات صعبة، في ظلّ مناكفاتهما وتناقضاتهما وصراعاتهما حول عناوين متعدّدة؛ من المحكمة الدوليّة، إلى الانسحاب السوري من لبنان، إلى سلاح المقاومة والقرار 1559، وأيضاً حول انتخابات رئاسة الجمهوريّة ما بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحّود، حتى استنفدا كلّ أسباب التناكف، إلى أن وصل الأمر بهذين الفريقين في السّنوات التالية، إلى حدّ فقدانهما سبب وجودهما واستمرارهما، فأصيبا بما سمّاه الرئيس نبيه برّي «الموت السَّريريّ»، حتى ذابا بالكامل، ولم يعد لهما وجود سوى بالاسم فقط...
قبل اغتيال الرئيس الحريري، كنّا بصدد إعداد قانون انتخابيّ جديد، وكان التوجّه الغالب هو للعودة إلى «قانون الستّين»، مع بعض التعديلات، وكان قد باشر في إعداده وزير الداخليّة آنذاك سليمان فرنجيّة.
لم تكن العودة إلى «قانون الستّين» ميسّرة في تلك الفترة، فقد حصلت مناكفات عديدة حول تقسيم الدوائر الانتخابيّة. وأكثر الدوائر حساسيّة، كانت دوائر بيروت على وجه الخصوص.
كان الرئيس الشّهيد رفيق الحريري يعارض تقسيم بيروت إلى دوائر تأخذ منه وتخسّره. وكان البحث جارياً في هذا الموضوع، حتى يوم استشاده في ذلك الاثنين المشؤوم، بعد أن شارك في جلسة اللجان النيابيّة المشتركة، التي كانت تبحث في هذا القانون.

- إرباك واستقالة
بعد جريمة اغتيال الرئيس الشّهيد، عمّ الإرباك، وتفاقم الوضع على كلّ المستويات. وبدا كأنّ لبنان قد فقد توازنه. استقال الرئيس عمر كرامي جرّاء الضّغط الذي شعر به، وجاءت استقالته بعد كلمة النّائب بهيّة الحريري في جلسة عامّة لمجلس النوّاب كنت قد دعوت إلى عقدها في ذلك الوقت لمناقشة جريمة اغتيال الرئيس الشّهيد وتداعياتها.
كانت تلك الجلسة على جولتين نهاريّة ومسائيّة؛ خيّمت عليها أجواء عاصفة وشديدة التوتّر. في جولة النّهار قدّم كثير من النوّاب مداخلات ركّزت كلّها على إدانة جريمة الاغتيال، وقد رفعتها عند السّاعة الثّانية بعد الظّهر، على أن تُستأنف في السّاعة السّادسة مساء.
خلال فترة الاستراحة بين الجولتين، حضر الرئيس عمر كرامي بعد الظّهر، إلى مكتبي في المجلس، وتبادلنا الحديث حول الوضع المستجدّ، وما يجب أن نقوم به، ولم يقل لي إنّه عازم على تقديم استقالته، كما أنّه لم يوحِ أمامي بأنّه في هذا الوارد، ولم يأتِ على ذكر الاستقالة لا من قريب ولا من بعيد.
في السّاعة السّادسة من مساء ذلك اليوم، استؤنفت الجلسة وسط أجواء التشنّج ذاتها، فأعطيت الكلمة مباشرة إلى النّائب بهيّة الحريري، التي ما إنْ أنهت كلمتها، حتى فوجئتُ بعدها بالرئيس عمر كرامي وهو يعلن استقالته.
أذهلني ما سمعته من الرئيس كرامي، ووجدتني أنتفض في مكاني، وأتوجّه إليه قائلاً: لا... يا دولة الرئيس... ما بيصير هيك؟!!
فساد هرج ومرج داخل القاعة العامّة، وعلا صراخ وهتاف نوّاب «تيّار المستقبل»، ومن ثمّ رفعتُ الجلسة.
بعد استقالة الرئيس كرامي، صرنا أمام وضع أكثر إرباكاً، فدخلنا في مشاورات سياسيّة مكثفة سعياً لاحتواء الموقف، دعا على أثرها الرئيس إميل لحّود إلى الاستشارات النيابيّة الملزمة، فعادت الأكثريّة وسمّت الرئيس كرامي، وتمّ تكليفه تشكيل الحكومة.
إلّا أنّ هذا التكليف لم يدُم طويلاً، وتعثّر لتعذّر التوافق على تشكيلة حكوميّة، فعاد الرئيس كرامي واعتذر عن عدم تأليف الحكومة، فسُمّي الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً لحكومة انتقاليّة، محدّدة مهمّتها حصراً بالإشراف على إجراء الانتخابات النيابيّة.

- صراع الساحات
على توالي الأيام، صار الشّارع يغلي احتقاناً وتأزّماً، وتعمّق الانقسام بشكل خطير، بعد التجمّعَين الشّعبيَّين، اللذين احتشدا؛ في ساحة رياض الصّلح لفريق «8 آذار»، وفي ساحة الشّهداء لفريق «14 آذار». ومن تلك اللحظة، دخل البلد في صراع السّاحات والشّعارات والمواقف الهجوميّة المتبادلة بين الفريقين، ما وضع لبنان على فوّهة بركان سياسيّ بكلّ معنى الكلمة، حتى كاد يفلت من أيدي الجميع.



مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.


حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
TT

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

واصلت قوات «درع الوطن» اليمنية تعزيز حضورها الأمني في ساحل ووادي حضرموت، ضمن تحركات ميدانية واسعة تستهدف ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة محال بيعه، ومنع حمله والتجول به داخل المدن والمناطق السكنية، في إطار مساعٍ متواصلة لترسيخ الاستقرار، وفرض هيبة النظام، وتوسيع مظلة الأمن في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويين الأمني والاقتصادي.

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة أمنية متكاملة تستند إلى الانتشار الميداني، وتكثيف الحملات التفتيشية، ومداهمة المواقع المشبوهة، إلى جانب إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، في رسالة واضحة بأن السلطات الأمنية ماضية في إنهاء مظاهر التسلح العشوائي، وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر.

وفي وادي حضرموت، نفَّذ اللواء الثاني التابع للفرقة الثانية في قوات درع الوطن حملة أمنية واسعة لمنع حمل السلاح غير المرخص ومصادرته بشكل كامل، شملت المدن الرئيسية والثانوية، وذلك بناءً على توجيهات قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء فهد بامؤمن.

قوات «درع الوطن» اليمنية عززت قبضتها الأمنية في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

ووفقاً لما أعلنته قيادة الحملة، فإن الأطقم العسكرية تواصل انتشارها الميداني في مختلف مدن ومناطق الوادي، حيث تنفذ عمليات مداهمة للمحال المخالفة، وتضبط حاملي السلاح غير المرخص، وتصادر المضبوطات، تمهيداً لإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكدت قيادة الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، وفرض هيبة النظام، وحماية السكان من تداعيات انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، مشددةً على أن حمل السلاح داخل المدن بات يمثل تجاوزاً مرفوضاً وخطاً أحمر لن يكون هناك أي تهاون في التعامل معه، مع تأكيد التعامل بحزم مع كل من يخالف التعليمات أو يحاول الالتفاف عليها.

ملاحقة تجارة السلاح

في امتداد لهذه الحملة، واصل اللواء الخامس في الفرقة الثانية بقيادة العقيد عماد الحدادي تنفيذ عملياته الأمنية في مدينة سيئون، حيث أعلن ضبط ومصادرة عدد من الأسلحة غير المرخصة، وإحالة المضبوطين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

كما كانت الفرقة الثانية، بقيادة مساعد القائد الرائد أحمد الديني، ورئيس عمليات اللواء الثاني المقدم صادق المنهالي، قد نفَّذت حملة أمنية واسعة استهدفت مديريتي القطن وحوره، وشملت مداهمة مواقع مشبوهة، إلى جانب محال تبيع الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية.

وأسفرت تلك الحملة عن مصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، وإغلاق عدد من المحال المخالفة التي تمارس تجارة السلاح دون تراخيص، في خطوة تعكس توجهاً أمنياً واضحاً نحو ضرب شبكات الاتجار بالسلاح عند منابعها، وليس فقط الاكتفاء بضبط حامليه في الشوارع والمدن.

إجراءات تفتيش دقيقة لمنع تهريب الأسلحة والذخائر في وادي حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

وأوضحت قيادة الفرقة الثانية أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية محكمة لاجتثاث ظاهرة حمل السلاح العشوائي، والقضاء على أوكار تجار السلاح، ومنع المظاهر المسلحة التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن المديريات واستقرارها، مؤكدة استمرار الحملات خلال الأيام المقبلة لملاحقة كل من يعبث بالأمن العام.

وبالتوازي مع هذه الحملات، واصلت الأجهزة الأمنية في وادي حضرموت تعزيز حضورها المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة والجنائية، حيث أحالت الإدارة العامة للأمن والشرطة 15 متهماً إلى النيابة الجزائية المتخصصة، على ذمة قضايا جنائية جسيمة جرى ضبطها والتحقيق فيها خلال الشهر الحالي والذي سبقه.

وشملت القضايا المحالة ستة متهمين في قضايا مخدرات، وستة آخرين في قضايا اختطاف، إضافة إلى متهمين في قضية تتعلق بالإضرار بالاقتصاد الوطني، إلى جانب مطلوب للنيابة العامة، وذلك بعد استكمال التحقيقات وجمع الاستدلالات، وتسليم ملفات القضايا مع المضبوطات وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

رفع الجاهزية

في ساحل حضرموت، دشن قائد لواء «الريان» العميد الركن خالد التميمي، الدورة التنشيطية الأولى لمنتسبي اللواء ضمن الخطة التدريبية للعام الحالي، في خطوة تستهدف توحيد المفاهيم العسكرية، وتعزيز الجاهزية والانضباط، ورفع كفاءة الأداء الميداني.

وأكد التميمي خلال افتتاح الدورة أهمية ترسيخ المفاهيم العسكرية الصحيحة، ورفع مستوى الحس الأمني لدى الأفراد، والالتزام بالتفتيش الدقيق للمركبات، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بوصفها أدوات أساسية في حفظ الأمن ومنع أي تهديدات محتملة.

كما شدد على أهمية العمل بروح الفريق الواحد، وتعزيز روح الزمالة والانضباط بين الأفراد، بوصف ذلك أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الوحدات العسكرية في أداء مهامها بكفاءة ومسؤولية، مع التعهد بمواصلة البرامج التدريبية بما يضمن رفع جاهزية القوات لمواجهة مختلف التحديات.

خفر السواحل اليمني في مبادرة لتنظيف حوض ميناء المكلا (الإعلام العسكري اليمني)

في سياق متصل، نفذت قوات خفر السواحل مبادرة ميدانية لتنظيف حوض ميناء المكلا، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بهدف إزالة المخلفات البحرية من قاع الحوض، والحفاظ على البيئة البحرية وصون نظافة السواحل والموانئ.

وأكدت قيادة خفر السواحل أن ما تحقق من تطوير في قدراتها، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، من خلال تزويدها بزوارق حديثة ومنظومات اتصالات متطورة، أسهم في تعزيز قدرتها على تأمين السواحل وحماية الأمن البحري، إلى جانب توسيع مساهمتها في المبادرات البيئية والخدمية المرتبطة بالمصلحة العامة.

Your Premium trial has ended