شاكر عبد الحميد... بداهة البساطة وحيوية العمق

صاحب «الفن والغرابة» رحل بعد معاناة مع «كورونا»

شاكر عبد الحميد
شاكر عبد الحميد
TT

شاكر عبد الحميد... بداهة البساطة وحيوية العمق

شاكر عبد الحميد
شاكر عبد الحميد

رحلة عطاء خصبة في حقول الأدب والمعرفة والفن والعمل الثقافي العام عاشها الدكتور شاكر عبد الحميد، أستاذ علم نفس الإبداع وزير الثقافة المصري الأسبق، واستطاع ببداهة البساطة وحيوية العمق أن يشكّل من خلالها علامة بارزة في الثقافة المصرية والعربية، ستظل مؤثرة وحية في الوجدان الأدبي لسنوات عديدة.
أغلق الموت قوس هذه الرحلة يوم الخميس الماضي، عن عمر ناهز 68 عاماً، وبعد صراع مرير مع فيروس «كورونا»، ليخلّف رحيله صدمة قاسية في أوساط الكتاب والشعراء والفنانين، فقد كان حضوره محباً بينهم دائماً.
وُلد شاكر عبد الحميد في قرية ديروط بمحافظة أسيوط بصعيد مصر في 20 يونيو (حزيران) 1952 لأسرة قروية بسيطة، وتحت مظلة والده الموظف الحكومي تنقل بين مدينتي بورسعيد والسويس، وتشربت نفسه بإرثهما العتيد في النضال ومقاومة العدو والدفاع عن كرامة الوطن، فكان على عتبات الخامسة من عمره، وقنابل العدوان الثلاثي عام 1956 تدكّ البيوت والناس في بورسعيد، تاركةً في أذنيه الطفلة دوياً لا يُنسى، وحين تم تهجيرهم إلى مدينة السويس المجاورة، عانى محنة فقد شقيقه الطفل الرضيع في أثناء التهجير... بعد سنوات من تفتُّح الحواس وحب القراءة والمعرفة عاد إلى مسقط رأسه بالصعيد، وأتمّ تعليمه الثانوي، والتحق بكلية الآداب جامعه القاهرة، وبعد تخرجه بتفوق عُيِّن معيداً بقسم علم النفس، ولفت أنظار الحياة الأدبية من خلال أطروحتيه العلميتين، الماجستير والدكتوراه، في تحليل وتقصي جذور الإبداع في القصة القصيرة، ثم في الفن التشكيلي، وتحت عين وخبرة أستاذ علم النفس الشهير الدكتور مصطفى سويف. ثم عزز ذلك بحضور ومشاركات متميزة في مناقشة الأعمال الأدبية عبر عديد من الندوات والملتقيات الأدبية والفنية في مصر والبلدان العربية.
بعد حصوله على الدكتوراه واطمئنانه على وضعه الأكاديمي، وتحت وطأة الحاجة لحياة اجتماعية مستقرة تساعده للعكوف على مشروعه الثقافي، اضطر إلى السفر للعمل خارج مصر بخاصة في دول الخليج العربي، واكتسب خلال هذه الأسفار فضاءً رحباً من الصداقات الحميمة والمعرفة بتاريخ وتقاليد وثقافات ليست بعيدة عن محيطه المصري. يصف شاكر هذا الترحال بأنه شكل من أشكال الحظ، قائلاً في أحد حواراته الصحافية: «بعد الدكتوراه بعدة سنوات سافرت إلى سلطنة عمان، ثم عدت ودرّست بأكاديمية الفنون كأستاذ ثم عميد لمعهد النقد الفني، وسافرت إلى دولة الإمارات وعدت وأصبحت نائباً لرئيس الأكاديمية، وسافرت إلى البحرين ثم عدت وأصبحت أميناً للمجلس الأعلى للثقافة ثم وزيراً للثقافة». وحين سألته في أحد لقاءاتنا: نعم كسبت أشياء ضرورية من السفر طيلة هذه السنوات، كان من الصعب إنجازها هنا بسرعة، لكنها أثّرت على موقعك في الكلية التي درست بها، قال: «تعرف أن السفر كان ضرورياً بالنسبة لي، وأنا لم أبتعد عن حقل التدريس الأكاديمي، سواء في الأكاديمية أو الجامعة، وعكس ما كنت أتصور، لم أشعر بالغربة خارج مصر إذ كوّنت صداقات أعتز بها أضافت إلى رصيدي من المحبة».
عمل شاكر في البحرين لعدة سنوات (2005 – 2011) مديراً لبرنامج تربية الموهوبين وأستاذاً بكلية الدراسات العليا بجامعة الخليج العربي. ثم عاد مع قيام ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 ليشارك في صناعة لحظة حساسة ومصرية يمر بها الوطن، ومخاض مستقبل وليد، تتخطفه وتتصارع علية أيادٍ عابثة ومتواطئة في الداخل والخارج. أسفر هذا المسعى عن توليه حقيبة وزارة الثقافة، وكان ذلك إشارة مهمة على أن الثورة ستتخطى ما يواجهها من كبوات، وأنها بدأت الالتفات إلى الثقافة كقوة في المجتمع، قادرة على ضح الأفكار الجديدة التي ترسخ للتغيير عبر مفاهيم الاستنارة والعقلانية.
خمسة أشهر قضاها على رأس وزارة الثقافة في حكومة الدكتور كمال الجنزوري، وتحت مظلة فترة انتقالية مضنية قادها المجلس العسكري. حيث بدأت الثورة تنقسم على نفسها، وتتآكل من داخلها، في ظل مناوشة جماعة الإخوان المسلمين، ومسعاها للاستيلاء على الثورة والسلطة معاً.
في هذه الفترة القصيرة المضطربة، حيث كانت الاحتجاجات تعمّ الشارع، استطاع شاكر عبد الحميد أن يحرّك مياه الثقافة المصرية، فعاد معرض القاهرة الدولي للكتاب للانعقاد بعد انقطاع، كما تم افتتاح عدد من بيوت وقصور الثقافة في الأقاليم، وأُقيم المهرجان الدولي للطفل، ومؤتمر «الثورة والثقافة» وشكّل نافذة حية للحوار، وغيرها من الأنشطة التي لم يسعه الوقت لإنجازها وتوسيع آفاقها وفعالياتها، ساعد على هذا الإنجاز السريع خبرته في التعامل مع المجال الثقافي العام ومعايشته من الداخل، فقبل أن يصبح وزيراً تولى لبضعة أشهر أيضاً منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.
خلال هذه الرحلة من الكدح والعطاء عاش شاكر عبد الحميد معادلة حياة ثرية، تنهض على التضافر ما بين البساطة والمحبة الصافية إنسانياً، والمعرفة بشتى حدوساتها علمياً ومنهجياً. وأدرك من خلال تجربته القصيرة كوزير للثقافة فاعلية الثقافة كركيزة أساسية في بناء المجتمع والإنسان، وأن العطش للثقافة لا يقل أهمية عن رغيف الخبز. لقد عايش الثقافة بعين المتن والهامش معاً، ولمس انعكاساتها عن قرب في مرايا الشارع، وأعين البشر المشدودة لغدٍ أكثر عدلاً وأماناً ورقياً.
لم تنفصل هذه الرؤية في العمل الثقافي العام عن رؤيته النقدية الخاصة لحقول الفن والإبداع بكل تجلياته الروائية والقصصية والشعرية والفكرية، فبشّر كتابه المبكر «السهم والشهاب» بمولد صوت نقدي مهم له ما يخصه، في النظر إلى العمل الأدبي، ورصد وتحليل ما ينطوي عليه من نوازع ودوافع داخلية تطفو على السطح في سياق حزمة من الدلالات والعلامات والرموز والأفكار، مشرّبة بمشاعر وعواطف وانفعالات خاصة بكل كاتب، تتحرك من خلالها أنساقه السردية والفنية. بدا مدخل شاكر في هذا الكتاب سيكولوجياً بامتياز، وهو عبارة عن مجموعة دراسات في القصة القصيرة والرواية لأعمال كوكبة من كتابها المصريين والعرب، هذا المنحى تطور واتّسع في مؤلفاته اللاحقة، مشكّلاً ما يشبه رمانة الميزان التي ترى العمل الأدبي في منطقة لا مرئية، يكتنفها الظل والعتمة. وتصبح مهمة الناقد الكشف عما يتخفى تحتها من نور كتوم، نافر من الأضواء.
يبدو لي أن شاكر عبد الحميد عاش سباقاً داخلياً مع التوق للمعرفة، خصوصاً في وتيرتها المتسارعة، بعدما أصبحت مادة سائلة ومتغيرة في واقع الإنترنت والفضاء الافتراضي، لذلك ركّز في منحاه السيكولوجي على فكرة «الغرابة» التي شكّلت عنواناً لواحد من أهم كتبه «الفن والغرابة»، وأراها فكرة مركزية، تشكّل محور الإيقاع في صلب أعماله النقدية، كما حكمت إلى حد كبير اختياراته في الكتب التي قام بترجمتها عن الإنجليزية. لقد وعى ببداهة المخيلة أن للغرابة جذورها في الموروث الشعبي بوصفه وعاءً مهماً في حفظ تاريخ وثقافة الشعوب، فهي مثلاً تقترن بفكرة التجدد في المثل العربي الشائع «اغترب تتجدد».
فكل موروث شعبي به رافد من الغرابة، سواء في أساطيره أو خرافاته، أو في واقعه الحي المباشر، على شتى الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية. والغرابة في الفن هي صانعة الدهشة والسؤال، رغم نوازعها التي تحمل الخوف والريبة والشك. إنها عنصر مكوِّن، وليس عنصر هدم. ولا تقتصر على الأعمال الفنية الشائعة، بل نجدها في المكان، ونمط العمارة والحياة والأزياء، والمدن حين تفقد تجانسها، كأن الغرابة حارسة الجمال من التشوه.
بهذه البصيرة النافذة ذهب شاكر عبد الحميد إلى الفن التشكيلي والشعر، فكتب عن «المفردات التشكيلية... رموز ودلالات» محاولاً تدريب عين المشاهد على قراءة اللوحة جمالياً، وكتب عن فان جوخ في «الدخان واللهب». وكتب عن «الحلم والرمز والأسطورة» محاولاً ربط العلاقة بينها وبين عملية الإبداع... وفي الشعر، استقصى ظواهره الفنية الجديدة في عدد من دواوين الشعراء من شتى التيارات الشعرية، وكتب عن عالم الشاعر محمد عفيفي مطر كتاباً مهماً بعنوان «الحلم والكيمياء والكتابة». ومن أبرز ترجماته كتاب «الأسطورة والمعنى» لكلود ليفي شتراوس وكتاب «بدايات علم النفس الحديث» لـ«و.م.أونيل». وله كتاب طريف بعنوان «الفكاهة والضحك» صدر في سلسلة «عالم المعرفة» بالكويت.
حاز شاكر عبد الحميد على جوائز عديدة منها: جائزة شومان للعلماء العرب الشبان في العلوم الإنسانية، من الأردن عام 1990، وجائزتا الدولة: التفوق في العلوم الاجتماعية والجائزة التقديرية (مصر) 2003 و2016، جائزة الشيخ زايد للكتاب في مجال الفنون، عن كتابه «الفن والغرابة» 2012.
تمتع الراحل بروح دمثة كريمة، محبة للمرح والحياة، وكان دائماً يحرص على وجهة نظره وآرائه الخاصة، من دون تعصب، وكان يؤكد أنه يكتب عمّا يستمتع به ويحبه ويحس أنه قريب من نفسه، لافتاً بوقار العلماء، إلى أنه مدرس لعلم النفس، وأن الكتابة محض هواية، وهنا تكمن صيرورتها، وربما خلودها.



كيف صعد فيلم «إذما» للمركز الثاني في ترتيب الإيرادات بمصر؟

أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
TT

كيف صعد فيلم «إذما» للمركز الثاني في ترتيب الإيرادات بمصر؟

أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
أحمد داود وسلمى أبو ضيف في العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

واصل فيلم «إذما»، بطولة أحمد داود وسلمى أبو ضيف، صعوده في شباك التذاكر المصري ليحافظ على المركز الثاني بالإيرادات اليومية، منذ انتهاء إجازة عيد الأضحى، التي تذيل الفيلم خلالها شباك التذاكر بالمركز الأخير.

الفيلم الذي كتبه، ويخرجه محمد صادق، في أولى تجاربه الإخراجية، ومأخوذ عن رواية حملت الاسم نفسه، أصبح بالمركز الثاني بعد فيلم «سفن دوجز»، المحتفظ بالمركز الأول، ليتفوق على فيلمي «الكلام على إيه؟» لمصطفى غريب وأحمد حاتم، و«أسد» لمحمد رمضان، الذي يتذيل شباك التذاكر في الوقت الحالي.

ووصلت إيرادات «إذما» لأكثر من 20 مليون جنيه (الدولار يساوي 51.8 جنيه في البنوك) منذ طرحه قبل نحو أسبوعين، مع متوسط إيراد يومي متصاعد يفوق مليوني جنيه، بعدما سجلت إيراداته مبالغ أقل خلال أيام العيد التي جمعت فيها باقي الأفلام المطروحة إيرادات أعلى.

واشتكى عدد من صناع الفيلم خلال العيد من عدم إتاحة بعض الصالات السينمائية الكبرى حفلات مسائية لعرض الفيلم، وهي الحفلات التي تكون أكثر إقبالاً عادة، مع التأكيد على أن جميع الحفلات التي عرض فيها الفيلم كانت كاملة العدد تقريباً.

وقام بطل الفيلم أحمد داود بجولة ترويجية للفيلم بعدد من الصالات السينمائية بعد انتهاء إجازة العيد، وشاهد الفيلم مع الجمهور، في وقت كثّف فيه الدعاية عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي للفيلم.

الملصق الترويجي للفيلم (حساب داود على «فيسبوك»)

تدور أحداث «إذما» حول قصة «عيسى الشواف»، الذي يواجه أزمة منتصف العمر، ويدخل في مواجهة مستميتة مع الحياة التي هزمته، وهي مواجهة تقوده لإعادة اكتشاف الذات، واستعادة الشغف الذي فقده بعد زيجة غير موفقة، فيما يرتبط عنوان الفيلم «إذما» بجملة شرطية «إذا ما»، وهي ترتبط بحدثين على غرار «إذا ما يحلم يجدني» التي ترد على لسان أبطاله.

وأرجع الناقد الفني أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، زيادة إيرادات الفيلم إلى اختلاف طبيعة الجمهور بعد انتهاء موسم العيد، الذي يرى أن المنافسة خلاله لا تعكس بالضرورة القيمة الفنية للأعمال المعروضة، مشيراً إلى أن فترة الأعياد والإجازات تتحكم فيها بشكل كبير الحملات الدعائية الضخمة والأفلام الجماهيرية ذات الإنتاجات الكبيرة.

مقارنة غير عادلة

وأضاف أن مقارنة «إذما» بالأفلام الأخرى التي طُرحت خلال الموسم تعد غير عادلة، نظراً لاختلاف طبيعة المشروع وحجمه، مشيراً إلى أن الفيلم يقدم حالة سينمائية مختلفة ومغايرة عن السائد، ويعتمد على قصة تستند إلى رواية ناجحة حققت انتشاراً واسعاً بين القراء.

وأكد أن أحد أهم عناصر قوة الفيلم يتمثل في احترامه لعقل المشاهد واعتماده على محتوى درامي وإنساني قادر على جذب الجمهور بعيداً عن عناصر الإبهار التقليدية، وهو ما يفسر حالة الاهتمام المتزايدة به بعد انتهاء زحام موسم العيد، لافتاً إلى أن هذا الأمر تكرر بالفعل مع أفلام أخرى في مواسم سابقة.

سلمى وداود وجيسيكا وحمزة دياب أبطال الفيلم في عرض فيلم «إذما» (حساب أحمد داود على «فيسبوك»)

وهو ما يؤكده الناقد محمد عبد الخالق، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الحكم الحقيقي على أي عمل سينمائي لا يكون خلال الأيام الأولى من عرضه، وإنما بقدرته على الاستمرار وجذب الجمهور بعد انتهاء زخم البدايات، مشيراً إلى أن مواسم الأعياد تشهد عادة إقبالاً كبيراً على الأفلام الأضخم إنتاجاً والأكثر اعتماداً على عناصر الإبهار والنجوم، لكن الاختبار الأهم يأتي لاحقاً عندما يبدأ الجمهور في البحث عن عوامل أخرى تتعلق بجودة العمل نفسه.

وأضاف أن «إذما» نجح في إثبات حضوره، رغم طرحه إلى جانب اثنين من أكبر الإنتاجات السينمائية هذا الموسم؛ «سفن دوجز» و«أسد»، مع امتلاكه عدداً من العناصر التي تدعم فرصه جماهيرياً، في مقدمتها النص المقتبس عن رواية للكاتب محمد صادق، أحد أكثر الروائيين انتشاراً بين الأجيال الشابة، ومناقشته قضية اجتماعية رومانسية قريبة من الجمهور، وهو نوع من الأعمال يجد المشاهدون أنفسهم فيه بسهولة مهما اختلفت أعمارهم وخلفياتهم.


عبد العزيز مخيون يتعرض لوعكة صحية مفاجئة

الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)
الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)
TT

عبد العزيز مخيون يتعرض لوعكة صحية مفاجئة

الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)
الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)

تعرض الفنان المصري عبد العزيز مخيون (80 عاماً) لوعكة صحية تمثلت في إصابته بالتهاب رئوي وضيق حاد في التنفس، وفق ما نقلته وسائل إعلام مصرية.

وقال أحد أقارب مخيون في تصريحات إن «حالة الفنان المصري الصحية في تحسن مستمر، ويوجد حالياً بغرفة عادية وليست مركزة». يأتي ذلك بعد تعرضه خلال شهر يناير «كانون الثاني» الماضي، لأزمة صحية، بالتزامن مع ارتباطه بتصوير دوره في مسلسل «إفراج»، وعقب تجاوزه لمحنته المرضية، عبَّر مخيون من خلال حسابه على موقع «فيسبوك»، عن امتنانه لكل من اهتم بحالته الصحية، أبرزهم نقيب الممثلين أشرف زكي، وعمرو سعد.

وشكر عبد العزيز مخيون جمهوره، قائلاً: «لقد غمرتني رسائلكم الدافئة بفيض من الحب، وهي أغلى ما أملك في مسيرتي الفنية، وإني إذ أعتز بكل كلمة كتبت لي، أعتذر بشدة عن عدم قدرتي على الرد على المكالمات الهاتفية في الوقت الراهن، مقدراً تفهمكم ودعواتكم الصادقة».

وحسب نقاد، فإن عبد العزيز مخيون تميز بتجسيد الشخصيات الصعبة والمركبة، وقدم كثيراً من الألوان الفنية منها الاجتماعي، والكوميدي، والصعيدي، والشعبي، والوطني، إلى جانب تميزه في تجسيد شخصيات السيرة الذاتية، خصوصاً شخصية «موسيقار الأجيال»، محمد عبد الوهاب بعدما قدمها في مسلسل «أم كلثوم»، وأشادت بأدائه السيدة عفت محمد عبد الوهاب، وقالت في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط هو أفضل من جسد شخصية والدها، رغم عدم تواصله مع الأسرة لمعرفة صفات وسمات وأسلوب حياته عن قرب».

بدوره، أكد الناقد الفني المصري محمد شوقي أن عبد العزيز مخيون من الفنانين الذين أثْروا تاريخ السينما والدراما التلفزيونية بمصر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «استطاع مخيون بالتزامه صناعة تاريخ فني محترم، وقدم مجموعة من الأدوار القيمة، من بينها تجسيده لشخصية محمد عبد الوهاب في مسلسل «أم كلثوم»، بشهادة السيدة نهلة القدسي أرملة محمد عبد الوهاب، والتي طلبت من الكاتب محفوظ عبد الرحمن كتابة مسلسل عن حياة عبد الوهاب، وبطولة مخيون».

مخيون في لقطة من مسلسل «توبة» (الشركة المنتجة)

وأكد محمد شوقي أن عبد العزيز مخيون، أجاد في أدوار مهمة ومؤثرة على مدار أكثر من 50 عاماً، وكان نداً للعمالقة الكبار مثل أحمد زكي في «الهروب»، ونور الشريف في «بئر الخيانة»، ورغم عدم تصدره للبطولة المطلقة فإنه لم يقدم أي دور هامشي، بل إن وجوده ينتج عنه مردود جماهيري لافت، من خلال أدائه السهل الممتنع.

وأشار شوقي إلى أن التعاطف الجماهيري اللافت معه عبر «السوشيال ميديا»، والدعاء له بالشفاء يعد في حد ذاته تكريماً لفنان أحبوه، وارتبطوا بأعماله. وفي تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط»، أكد عبد العزيز مخيون، أن مشاركته بكثافة في أعمال الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، كان بسبب كتاباته وفكره؛ حيث يشعر بأنهما يعبران عنه وعما بداخله، لافتاً إلى أن عكاشة كان مهموماً بالطبقات المختلفة من المجتمع، وظهر ذلك جلياً على الشاشة.

وشارك عبد العزيز مخيون على مدار مشواره في الدراما التلفزيونية بشكل لافت، وكان أحدثها مسلسلي «سوا سوا»، و«إفراج»، اللذين عُرضا في موسم دراما رمضان الماضي، إلى جانب أعماله الفنية الشهيرة التي دُونت في مسيرته المهنية مثل «الشهد والدموع»، و«ليالي الحلمية»، و«زيزينيا»، و«أم كلثوم»، و«أوراق مصرية»، و«جمهورية زفتى»، و«السندريلا»، و«شيخ العرب همام»، و«يونس ولد فضة»، و«الجماعة»، و«جزيرة غمام»، وأفلام من بينها «الكرنك»، و«إسكندرية ليه»، و«حدوتة مصرية»، و«الجوع»، و«الهروب»، و«امرأة آيلة للسقوط»، إلى جانب الكثير من الأعمال المسرحية والإذاعية.

الفنان المصري عبد العزيز مخيون (الشرق الأوسط)

ويؤكد الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق أن الفنان عبد العزيز مخيون صاحب مشوار فني راقٍ، عرفه الجمهور على مدى سنوات طويلة كفنان ملتزم صادق في أدائه، صاحب علامات في الدراما والسينما والمسرح، وموهبة متفردة، لا يشبه إلا نفسه.

وأضاف محمد عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط» أن «مخيون واحد من المهمومين بالوطن والناس، لم ينفصل يوماً عن جمهوره وحياتهم، ومن الطبيعي أن يلاقي خبر مرضه هذا القلق من الجمهور الذي يعرف جيداً حقيقة كل فنان، ومخطئ من يظن أن الناس لا تعرف، ولا تميز بين الغث والسمين.


«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)
على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)
TT

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)
على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)

بينما اتجه كثيرون في المشهد الفني خلال القرن الماضي إلى استدعاء الكلاسيكيات القديمة عند مناقشة تأثير الأساطير، فإن هناك أدلة ملموسة على استمرار هذا التأثير في الفن المعاصر، إذ يعمل فنانون راهناً على توسيع نطاق تلك القصص المستوحاة من المعتقدات الثقافية التقليدية، مع إضافة لمسة حداثية تعكس العصر الذي نعيشه.

ومن خلال استكشاف هذه المواضيع والزخارف الأسطورية، يُبدع تشكيليون أعمالاً قابلة للتأويل عبر أزمنة مختلفة، داعين المشاهد إلى التأمل. وفي هذا السياق، يطرح معرض الفنان التشكيلي علي سعيد، المقام في غاليري «آرت توكس» بالقاهرة تحت عنوان «وما زلنا – عود على البدء»، تجربة بصرية مغايرة تجمع بين البعد الشخصي والامتداد الأسطوري.

حيث يتحول الفن لديه إلى وسيلة للتأمل في المعنى الإنساني والبحث عن جوهر الوجود، مستنداً إلى معرفة عميقة بالتقنيات الكلاسيكية ودقة تنفيذها.

عالم بصري تتقاطع داخله الرموز والأسطورة والذاكرة الإنسانية (الشرق الأوسط)

يقول الفنان علي سعيد لـ«الشرق الأوسط»: «الأساطير هي روايات تقليدية تتناقلها الأجيال، حاملةً معها تأكيداً ضمنياً على الهوية الجماعية لجماعة ثقافية معينة، وهي متعددة الوظائف، مثل إيصال التعاليم الأخلاقية والحفاظ على التراث الثقافي؛ وربما لذلك لا تزال أساطير العالم القديم تلامس وجدان الفنانين والجمهور على حد سواء، مقدمة رؤى مغايرة ومتعمقة في التجربة الإنسانية».

وعبر هذه العوالم المشبعة بالنفَس الأسطوري، يأخذنا سعيد في رحلة تتقاطع فيها الذاكرة الإنسانية مع الميثولوجيا، مستحضراً شغف الإنسان الأزلي بفكرة البقاء، ليغوص في طبقات التاريخ المنسية، متتبعاً أثر الحكايات التي شغلت البشر عبر العصور حول حلم الخلود والهروب من العدم، حيث تتقاطع مصائر الأبطال القادمين من حضارات وأمكنة متباعدة عند السر نفسه: «تُعد العلاقة بين الفن والميثولوجيا علاقة ثرية ومتعددة الأوجه، زاخرة بالرمزية والاستعارة والروايات التي شكلت المخيلة الجماعية». على حد تعبيره.

استحضار الأسطورة في لوحات علي سعيد يفتح باب التأويل على مصراعيه (الشرق الأوسط)

ومن هذا الخيط الأسطوري يستمد الفنان مفرداته من مرجعيات ثقافية متعددة، ليبني عالماً تشكيلياً خاصاً تتقاطع داخله الأزمنة والرموز، فتعود شخصيات تاريخية وملحمية مثل «جلجامش» و«إيزيس» و«أوزيريس» و«بلقيس» للظهور ضمن فضاءات سريالية تبدو منفصلة عن الزمن.

ومن خلال الجمع بين صرامة الرسم الكلاسيكي المستلهم من فنون عصر النهضة وبين التكوينات الرمزية الحالمة، ينسج علي سعيد سرديات تشكيلية غامرة.

وتحمل هذه الأعمال طبقات رمزية تسمح بتأويلات متعددة؛ ما يتيح لكل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخلها، بينما تتردد عبرها أسئلة الوجود والصمود والرغبة الإنسانية الدائمة في مقاومة الزمن وتجاوزه.

يقول سعيد: «تتحدث الأساطير عن الحب والموت وتقلبات القدر والحزن والكراهية والانتقام والتعطش للسلطة والرغبة، إنها تلامس التجربة الإنسانية في جوهرها وعمقها؛ فتدفعنا إلى الشعور بالمعاناة نفسها، والحزن نفسه عبر العصور، نحن نناضل من أجل الحياة والسعادة، ونتعاطف مع من فقدوها أو لم يمتلكوها قط».

شخصيات ملحمية تعود من الذاكرة القديمة إلى فضاءات بصرية معاصرة (الشرق الأوسط)

وفي هذه الملحمة البصرية، تحضر المرأة في أعمال علي سعيد بوصفها محوراً بصرياً وإنسانياً متعدد الوجوه، فتتنقل داخل لوحاته بين عوالم وأساطير وحالات شعورية متباينة.

واللافت أنه في حين أن معظم الأساطير القديمة متجذرة بعمق في تقاليد ذكورية معادية للنساء، فإن الفنان علي سعيد الذي ينتصر دوماً للمرأة يحتفي بوجودها في أعماله ذات الطابع الأسطوري.

وهو ما يوضحه قائلاً: «لأن الأمر يختلف في الأساطير المصرية؛ التي جعلت للمرأة مكانة متميزة؛ حيث لعبت العديد من الإلهات البارزات أدواراً مهمة في حياة الناس اليومية».

ويتابع: «ومن بين هؤلاء الإلهات، احتلت إيزيس مكانة بالغة الأهمية، إذ اعتبرت الكيان الأسمى، وبالإضافة إلى ذلك، تمتعت حتحور، إلهة الموسيقى، ونيث، إلهة الحرب، بقوة هائلة، وكانتا قادرتين على القيام بأفعال بناءة وتدميرية على حد سواء».

من هنا تطل الأنثى في لوحاته كشخصيات مفعمة بالقوة والرمزية، تعكس تناقضات المرأة وتحولاتها بين السكينة والتمرد، وبين الرهافة والعنفوان، مثلما تستدعي معاني الوقار والصمود وسط أجواء الحرب والاضطرابات.

ويكتسب معرض «عود على بدء» طابعاً متحفياً واضحاً، إذ تبدو الأعمال وكأنها تنتمي إلى زمن آخر بعيد، تدعو المتلقي إلى التأمل الطويل والعودة إليها مراراً بالشغف ذاته دون أن تفقد دهشتها الأولى.

كاشفة خلال ذلك عن خبرة تقنية راسخة في التعامل مع خامة الزيت؛ حيث تتجلى دقة البناء وبطء التكوين والصبر في صياغة التفاصيل، فيما تكتسب اللوحات ملمساً عتيقاً وإحساساً زمنياً يوحي بأنها عبرت سنوات طويلة من الحكايات والذاكرة.

المرأة أيقونة قوة ووقار وتمرد في أعمال علي سعيد (الشرق الأوسط)

وهو ما يفسره سعيد بقوله: «أبحث دائماً عن عمل يحمل إحساس الزمن، كأن اللوحة عاشت حياة كاملة قبل أن تصل إلى المتلقي، فما يشغلني ليس الشكل وحده، بل تلك الروح الخفية القادرة على خلق صلة حميمة مع المشاهد، حتى إن جاءت من مسافة بعيدة... فالروح في عوالمي تتواصل بقرب شديد عن بعد».

وتنفتح لوحاته على عالم من الرموز والإشارات الفكرية التي ينسجها الفنان داخل تكوينات هادئة ومتوازنة، قبل أن يفاجئ عين المشاهد بكسر محسوب ومدروس لهذا الانسجام.

ويظهر ذلك عبر ومضات لونية كثيفة وصارخة تمنح اللوحة توتراً بصرياً خاصاً، ومع استكشاف طبقات اللوحة، تتكشف لدى المتلقي أبعاد جديدة من المعنى والفهم، تربطه بالقصص القديمة، لتعبّر الأعمال التي تبلغ نحو 60 عملاً عن مراحل وتجارب متعددة له، ويأتي ذلك بالتوازي مع ميل واضح إلى التجريب والانفتاح لديه على مساحات التجريد؛ بما يخلق حواراً ثرياً ومستمراً بين الماضي والحاضر.