شاكر عبد الحميد... بداهة البساطة وحيوية العمق

صاحب «الفن والغرابة» رحل بعد معاناة مع «كورونا»

شاكر عبد الحميد
شاكر عبد الحميد
TT

شاكر عبد الحميد... بداهة البساطة وحيوية العمق

شاكر عبد الحميد
شاكر عبد الحميد

رحلة عطاء خصبة في حقول الأدب والمعرفة والفن والعمل الثقافي العام عاشها الدكتور شاكر عبد الحميد، أستاذ علم نفس الإبداع وزير الثقافة المصري الأسبق، واستطاع ببداهة البساطة وحيوية العمق أن يشكّل من خلالها علامة بارزة في الثقافة المصرية والعربية، ستظل مؤثرة وحية في الوجدان الأدبي لسنوات عديدة.
أغلق الموت قوس هذه الرحلة يوم الخميس الماضي، عن عمر ناهز 68 عاماً، وبعد صراع مرير مع فيروس «كورونا»، ليخلّف رحيله صدمة قاسية في أوساط الكتاب والشعراء والفنانين، فقد كان حضوره محباً بينهم دائماً.
وُلد شاكر عبد الحميد في قرية ديروط بمحافظة أسيوط بصعيد مصر في 20 يونيو (حزيران) 1952 لأسرة قروية بسيطة، وتحت مظلة والده الموظف الحكومي تنقل بين مدينتي بورسعيد والسويس، وتشربت نفسه بإرثهما العتيد في النضال ومقاومة العدو والدفاع عن كرامة الوطن، فكان على عتبات الخامسة من عمره، وقنابل العدوان الثلاثي عام 1956 تدكّ البيوت والناس في بورسعيد، تاركةً في أذنيه الطفلة دوياً لا يُنسى، وحين تم تهجيرهم إلى مدينة السويس المجاورة، عانى محنة فقد شقيقه الطفل الرضيع في أثناء التهجير... بعد سنوات من تفتُّح الحواس وحب القراءة والمعرفة عاد إلى مسقط رأسه بالصعيد، وأتمّ تعليمه الثانوي، والتحق بكلية الآداب جامعه القاهرة، وبعد تخرجه بتفوق عُيِّن معيداً بقسم علم النفس، ولفت أنظار الحياة الأدبية من خلال أطروحتيه العلميتين، الماجستير والدكتوراه، في تحليل وتقصي جذور الإبداع في القصة القصيرة، ثم في الفن التشكيلي، وتحت عين وخبرة أستاذ علم النفس الشهير الدكتور مصطفى سويف. ثم عزز ذلك بحضور ومشاركات متميزة في مناقشة الأعمال الأدبية عبر عديد من الندوات والملتقيات الأدبية والفنية في مصر والبلدان العربية.
بعد حصوله على الدكتوراه واطمئنانه على وضعه الأكاديمي، وتحت وطأة الحاجة لحياة اجتماعية مستقرة تساعده للعكوف على مشروعه الثقافي، اضطر إلى السفر للعمل خارج مصر بخاصة في دول الخليج العربي، واكتسب خلال هذه الأسفار فضاءً رحباً من الصداقات الحميمة والمعرفة بتاريخ وتقاليد وثقافات ليست بعيدة عن محيطه المصري. يصف شاكر هذا الترحال بأنه شكل من أشكال الحظ، قائلاً في أحد حواراته الصحافية: «بعد الدكتوراه بعدة سنوات سافرت إلى سلطنة عمان، ثم عدت ودرّست بأكاديمية الفنون كأستاذ ثم عميد لمعهد النقد الفني، وسافرت إلى دولة الإمارات وعدت وأصبحت نائباً لرئيس الأكاديمية، وسافرت إلى البحرين ثم عدت وأصبحت أميناً للمجلس الأعلى للثقافة ثم وزيراً للثقافة». وحين سألته في أحد لقاءاتنا: نعم كسبت أشياء ضرورية من السفر طيلة هذه السنوات، كان من الصعب إنجازها هنا بسرعة، لكنها أثّرت على موقعك في الكلية التي درست بها، قال: «تعرف أن السفر كان ضرورياً بالنسبة لي، وأنا لم أبتعد عن حقل التدريس الأكاديمي، سواء في الأكاديمية أو الجامعة، وعكس ما كنت أتصور، لم أشعر بالغربة خارج مصر إذ كوّنت صداقات أعتز بها أضافت إلى رصيدي من المحبة».
عمل شاكر في البحرين لعدة سنوات (2005 – 2011) مديراً لبرنامج تربية الموهوبين وأستاذاً بكلية الدراسات العليا بجامعة الخليج العربي. ثم عاد مع قيام ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 ليشارك في صناعة لحظة حساسة ومصرية يمر بها الوطن، ومخاض مستقبل وليد، تتخطفه وتتصارع علية أيادٍ عابثة ومتواطئة في الداخل والخارج. أسفر هذا المسعى عن توليه حقيبة وزارة الثقافة، وكان ذلك إشارة مهمة على أن الثورة ستتخطى ما يواجهها من كبوات، وأنها بدأت الالتفات إلى الثقافة كقوة في المجتمع، قادرة على ضح الأفكار الجديدة التي ترسخ للتغيير عبر مفاهيم الاستنارة والعقلانية.
خمسة أشهر قضاها على رأس وزارة الثقافة في حكومة الدكتور كمال الجنزوري، وتحت مظلة فترة انتقالية مضنية قادها المجلس العسكري. حيث بدأت الثورة تنقسم على نفسها، وتتآكل من داخلها، في ظل مناوشة جماعة الإخوان المسلمين، ومسعاها للاستيلاء على الثورة والسلطة معاً.
في هذه الفترة القصيرة المضطربة، حيث كانت الاحتجاجات تعمّ الشارع، استطاع شاكر عبد الحميد أن يحرّك مياه الثقافة المصرية، فعاد معرض القاهرة الدولي للكتاب للانعقاد بعد انقطاع، كما تم افتتاح عدد من بيوت وقصور الثقافة في الأقاليم، وأُقيم المهرجان الدولي للطفل، ومؤتمر «الثورة والثقافة» وشكّل نافذة حية للحوار، وغيرها من الأنشطة التي لم يسعه الوقت لإنجازها وتوسيع آفاقها وفعالياتها، ساعد على هذا الإنجاز السريع خبرته في التعامل مع المجال الثقافي العام ومعايشته من الداخل، فقبل أن يصبح وزيراً تولى لبضعة أشهر أيضاً منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.
خلال هذه الرحلة من الكدح والعطاء عاش شاكر عبد الحميد معادلة حياة ثرية، تنهض على التضافر ما بين البساطة والمحبة الصافية إنسانياً، والمعرفة بشتى حدوساتها علمياً ومنهجياً. وأدرك من خلال تجربته القصيرة كوزير للثقافة فاعلية الثقافة كركيزة أساسية في بناء المجتمع والإنسان، وأن العطش للثقافة لا يقل أهمية عن رغيف الخبز. لقد عايش الثقافة بعين المتن والهامش معاً، ولمس انعكاساتها عن قرب في مرايا الشارع، وأعين البشر المشدودة لغدٍ أكثر عدلاً وأماناً ورقياً.
لم تنفصل هذه الرؤية في العمل الثقافي العام عن رؤيته النقدية الخاصة لحقول الفن والإبداع بكل تجلياته الروائية والقصصية والشعرية والفكرية، فبشّر كتابه المبكر «السهم والشهاب» بمولد صوت نقدي مهم له ما يخصه، في النظر إلى العمل الأدبي، ورصد وتحليل ما ينطوي عليه من نوازع ودوافع داخلية تطفو على السطح في سياق حزمة من الدلالات والعلامات والرموز والأفكار، مشرّبة بمشاعر وعواطف وانفعالات خاصة بكل كاتب، تتحرك من خلالها أنساقه السردية والفنية. بدا مدخل شاكر في هذا الكتاب سيكولوجياً بامتياز، وهو عبارة عن مجموعة دراسات في القصة القصيرة والرواية لأعمال كوكبة من كتابها المصريين والعرب، هذا المنحى تطور واتّسع في مؤلفاته اللاحقة، مشكّلاً ما يشبه رمانة الميزان التي ترى العمل الأدبي في منطقة لا مرئية، يكتنفها الظل والعتمة. وتصبح مهمة الناقد الكشف عما يتخفى تحتها من نور كتوم، نافر من الأضواء.
يبدو لي أن شاكر عبد الحميد عاش سباقاً داخلياً مع التوق للمعرفة، خصوصاً في وتيرتها المتسارعة، بعدما أصبحت مادة سائلة ومتغيرة في واقع الإنترنت والفضاء الافتراضي، لذلك ركّز في منحاه السيكولوجي على فكرة «الغرابة» التي شكّلت عنواناً لواحد من أهم كتبه «الفن والغرابة»، وأراها فكرة مركزية، تشكّل محور الإيقاع في صلب أعماله النقدية، كما حكمت إلى حد كبير اختياراته في الكتب التي قام بترجمتها عن الإنجليزية. لقد وعى ببداهة المخيلة أن للغرابة جذورها في الموروث الشعبي بوصفه وعاءً مهماً في حفظ تاريخ وثقافة الشعوب، فهي مثلاً تقترن بفكرة التجدد في المثل العربي الشائع «اغترب تتجدد».
فكل موروث شعبي به رافد من الغرابة، سواء في أساطيره أو خرافاته، أو في واقعه الحي المباشر، على شتى الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية. والغرابة في الفن هي صانعة الدهشة والسؤال، رغم نوازعها التي تحمل الخوف والريبة والشك. إنها عنصر مكوِّن، وليس عنصر هدم. ولا تقتصر على الأعمال الفنية الشائعة، بل نجدها في المكان، ونمط العمارة والحياة والأزياء، والمدن حين تفقد تجانسها، كأن الغرابة حارسة الجمال من التشوه.
بهذه البصيرة النافذة ذهب شاكر عبد الحميد إلى الفن التشكيلي والشعر، فكتب عن «المفردات التشكيلية... رموز ودلالات» محاولاً تدريب عين المشاهد على قراءة اللوحة جمالياً، وكتب عن فان جوخ في «الدخان واللهب». وكتب عن «الحلم والرمز والأسطورة» محاولاً ربط العلاقة بينها وبين عملية الإبداع... وفي الشعر، استقصى ظواهره الفنية الجديدة في عدد من دواوين الشعراء من شتى التيارات الشعرية، وكتب عن عالم الشاعر محمد عفيفي مطر كتاباً مهماً بعنوان «الحلم والكيمياء والكتابة». ومن أبرز ترجماته كتاب «الأسطورة والمعنى» لكلود ليفي شتراوس وكتاب «بدايات علم النفس الحديث» لـ«و.م.أونيل». وله كتاب طريف بعنوان «الفكاهة والضحك» صدر في سلسلة «عالم المعرفة» بالكويت.
حاز شاكر عبد الحميد على جوائز عديدة منها: جائزة شومان للعلماء العرب الشبان في العلوم الإنسانية، من الأردن عام 1990، وجائزتا الدولة: التفوق في العلوم الاجتماعية والجائزة التقديرية (مصر) 2003 و2016، جائزة الشيخ زايد للكتاب في مجال الفنون، عن كتابه «الفن والغرابة» 2012.
تمتع الراحل بروح دمثة كريمة، محبة للمرح والحياة، وكان دائماً يحرص على وجهة نظره وآرائه الخاصة، من دون تعصب، وكان يؤكد أنه يكتب عمّا يستمتع به ويحبه ويحس أنه قريب من نفسه، لافتاً بوقار العلماء، إلى أنه مدرس لعلم النفس، وأن الكتابة محض هواية، وهنا تكمن صيرورتها، وربما خلودها.



«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
TT

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)
الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

أعادت مشاهد غناء أطفال كوريين أغنية «فيها حاجة حلوة» باللغة العربية، واستحضار رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم أسماء رموز فنية مصرية، خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى البلدين، النقاش حول دور «القوة الناعمة» المصرية في تعزيز علاقات مصر بالدول الآسيوية، ومدى قدرتها على استثمار رصيدها الثقافي والتاريخي وتطوير أدوات حضورها الثقافي المعاصر.

وفي العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم، وذلك خلال مراسم الاستقبال الرسمية التي أُقيمت في القصر الرئاسي الكوري، الخميس الماضي، بحضور الرئيس الكوري لي جاي ميونغ.

وقدّم الأطفال الأغنية باللهجة المصرية، في مشهد تفاعل معه الرئيس السيسي بالتصفيق، كما صافح عدداً منهم. وجاءت الفقرة الغنائية ضمن مراسم استقبال رسمية شملت عزف السلامين الوطنيين واستعراض حرس الشرف، قبل انطلاق مباحثات تناولت سبل تعزيز التعاون بين البلدين.

وفي ماليزيا، اتخذ حضور القوة الناعمة المصرية صورة مختلفة خلال زيارة السيسي، التي تضمنت لقاءات مع الملك السلطان إبراهيم ورئيس الوزراء أنور إبراهيم، السبت، إذ استحضر الأخير رموزاً مصرية خلال حديثه عن معرفة الماليزيين بمصر وتاريخها، من توت عنخ آمون والفراعنة، وجمال عبد الناصر إلى أم كلثوم، قبل أن يمازح ضيفه بالإشارة إلى الفنانة سامية جمال.

وأعادت الإشارة إلى سامية جمال، التي رحلت عام 1994، التذكير بعصر ازدهار السينما المصرية، حين تجاوزت شهرة نجومها حدود العالم العربي، ومن بينهم سامية جمال، التي جمعت بين التمثيل والرقص والاستعراض، وشاركت في أعمال سينمائية عالمية، وقدمت عروضاً خارج مصر.

وامتدت الجولة إلى إندونيسيا؛ حيث وصل السيسي إلى جاكرتا، السبت، في زيارة رسمية تضمنت لقاءً مع الرئيس برابوو سوبيانتو في قصر «ميرديكا» الرئاسي، ومباحثات بشأن تعزيز الشراكة بين البلدين. وتكتسب المحطة الإندونيسية خصوصية ثقافية، بالنظر إلى العلاقات التاريخية بين البلدين، والدور الذي لعبه الأزهر الشريف في التواصل مع المجتمع الإندونيسي على مدى عقود.

ويرى الكاتب والناقد المصري سيد محمود أن «الوعي بأهمية الدبلوماسية الثقافية، أو ما يُعرف بالقوة الناعمة، أصبح ركيزة أساسية في العلاقات الدولية»، مشيراً إلى أن مصر امتلكت أدوات لتعزيز مكانتها الثقافية منذ العصر الملكي، قبل أن يستثمر فيها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بقوة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن «القوة الناعمة» أو «القوة الذكية» لا ينفصل عن الثقافة والفنون، بل يمتد كذلك إلى المؤسسات الدينية والتعليمية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، الذي «ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مؤسسة دينية فحسب، وإنما من أدوات الدبلوماسية الثقافية المصرية»، لافتاً إلى ارتفاع أعداد الطلاب الوافدين من دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا لدراسة العلوم الشرعية في مصر.

من جانبه، يرى الكاتب والباحث الثقافي الدكتور أحمد إبراهيم الشريف أن «المشاهد التي صاحبت الجولة الآسيوية تكشف عن قدرة الفنون على صناعة حضور لمصر في وجدان شعوب بعيدة»، عادّاً أن «غناء الأطفال الكوريين واستدعاء رئيس الوزراء الماليزي أسماء، مثل أم كلثوم وسامية جمال، يعكسان تأثيراً ثقافياً تراكم عبر عقود».

وذكر الشريف لـ«الشرق الأوسط» أن العلاقات المصرية الآسيوية اكتسبت زخماً خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، خصوصاً مع مؤتمر «باندونغ» عام 1955، بالتوازي مع انتشار السينما والأغنية المصرية، وأسماء مثل إسماعيل ياسين وأم كلثوم، ما جعل الثقافة جزءاً من معرفة هذه الشعوب بمصر، إلى جانب حضورها السياسي والحضاري.

ويرى أن «التحرك المصري نحو آسيا اليوم يتيح فرصة لتعزيز العلاقات القائمة، واستثمار الرصيد الثقافي عبر الترجمة والسينما والموسيقى والتبادل الثقافي، بما يسمح بتقديم مصر المعاصرة إلى جانب تاريخها الطويل».

ويستشهد الناقد المصري سيد محمود بما رصده خلال تجوله المتكرر في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة، من «تزايد ملحوظ في أعداد الطلاب القادمين من إندونيسيا وماليزيا وجنوب شرق آسيا خلال السنوات العشر الأخيرة»، لكنه يتساءل عن «مدى انخراط هؤلاء الطلاب في المجتمع المصري، وتعرّفهم إلى ثقافته المعاصرة خارج نطاق دراستهم الدينية وتجمعاتهم الخاصة».

ويلفت محمود إلى أن المشكلة تكمن في «وقوفنا عند الماضي، وعدم قدرتنا على تجديد حضورنا الثقافي»، مشدداً على أن «الدبلوماسية الثقافية عمل في الاتجاهين، وليس في اتجاه واحد»، ومنتقداً الاكتفاء بالتأثير في الآخرين من دون اهتمام مماثل بالتعرف إلى ثقافاتهم.

ويؤكد أن تطوير «القوة الناعمة» المصرية يتطلب تجاوز الحنين إلى الماضي، وبناء علاقات ثقافية تقوم على المعرفة المتبادلة والانفتاح، بما يُعزز قدرة مصر على التأثير الثقافي خارج حدودها.


«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
TT

«مابستري»... بلدة بريطانية تروي تاريخها بالخيوط والإبر

التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)
التجسيد الفريد لبلدة «هايهام فيريرز» باستخدام الأقمشة والخيوط (معرض «هايهام فيريرز»)

في وقت يتزايد فيه الاهتمام البريطاني «بنسيج بايو» الشهير، تسعى بلدة «هايهام فيريرز» الصغيرة، في مقاطعة نورثهامبتونشير بوسط إنجلترا، إلى جذب الأنظار نحو تحفتها الفنية الخاصة، التي توثق تاريخها ومعالمها المعمارية بخيوط التطريز وقطع القماش، حسب «بي بي سي» البريطانية..

ويحمل العمل اسم «مابستري» (Mapestry)، ويبلغ طوله 1.5 متر، وقد صُنع من مواد معاد تدويرها، بمبادرة من فاي كاديك، معلمة الفنون المتقاعدة، وبمشاركة مجموعة من صديقاتها يُطلقن على أنفسهن اسم «فتيات المواد» (The Material Girls). واستغرق إنجازه ثلاث سنوات، بدأت عام 2009.

وتقول ليز بارنات، رئيسة الشراكة السياحية والمجتمعية في البلدة، إن العمل يمثل وسيلة مبتكرة للتعريف بتاريخ هايهام فيريرز، مضيفة: «قلنا للجميع: هذا هو نسيج بايو الخاص بنا. إنها طريقة رائعة للترويج لبلدتنا وإبراز كيفية إنتاج هذا العمل».

وتوضح بارنات أن القائمين على الترويج السياحي تحركوا سريعاً بعدما علموا بأن نسيج بايو سيُعرض في لندن، أملاً في الاستفادة من الاهتمام الذي يحظى به هذا العمل التاريخي.

ويستعرض «مابستري» عدداً من أبرز معالم البلدة، من بينها كنيسة سانت ماري، ودار بيد، وساحة السوق، و«بيلجيوم هاوس»، وكلية تشيتشيلي، وحانة غريفين، في لوحة تجمع بين الحرف اليدوية والذاكرة المحلية.

وجاءت فكرة العمل من أمينة المكتبة لين كيرنوت، قبل أن تتولى كاديك تصميمه وتحديد تفاصيله وتوزيع عناصره. وعُرض للمرة الأولى في مكتبة البلدة، ثم نُقل إلى مدرسة هنري تشيتشيلي الابتدائية، حيث تعرض للتآكل بفعل الاستخدام والعوامل الجوية، ما دفع مجلس البلدة إلى استعادته.

وأشرفت كاديك على ترميمه في عملية استغرقت ستة أشهر، قبل نقله إلى كنيسة هوب الميثودية، التي وفرت مساحةً مناسبةً لعرضه في بهو المدخل. ووُضع العمل داخل إطار، وكُشف عنه للجمهور في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وقال متحدث باسم مجلس البلدة إن «مابستري» يحتفي بتاريخ هايهام فيريرز عبر الأقمشة والخيوط والتطريز، مشيراً إلى أن إنجاز هذه التحفة الفنية تطلب سنوات من العمل وآلاف الغرز.

وهكذا، تقدم البلدة روايتها الخاصة للتاريخ، لا عبر الكلمات وحدها، بل من خلال نسيج فني يحول معالمها القديمة إلى حكاية تنبض بالألوان والخيوط.


ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
TT

ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)
أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)

كشفت دراسة أميركية أن ركوب الخيل ضمن برامج علاجية منظَّمة قد يساعد في تخفيف فرط النشاط وتحسين السلوك وتنظيم المشاعر لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحُّد، خصوصاً الذين يعانون اضطرابات نفسية مصاحبة.

وأوضح الباحثون من جامعة كولورادو أنشوتز أن النتائج تفتح المجال أمام الاستفادة من الأنشطة المرتبطة بالخيول بوصفها وسيلة داعمة للعلاجات التقليدية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية (Pediatrics).

واضطراب طيف التوحُّد هو اضطراب في النمو العصبي يؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وقد يصاحبه تكرار بعض السلوكيات ومحدودية الاهتمامات، إلى جانب اختلافات في الاستجابة للمؤثرات الحسية، مثل الأصوات والضوء واللمس. وتظهر علاماته عادة خلال السنوات الأولى من الطفولة، وتختلف أعراضه وشدتها من شخص لآخر. ورغم عدم وجود علاج نهائي للتوحُّد، فإن التدخل المبكر والبرامج التعليمية والسلوكية والعلاجات الداعمة قد تساعد الأطفال على تطوير مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي وتحسين جودة حياتهم.

وهدفت الدراسة إلى التحقق من نتائج أبحاث سابقة أظهرت فوائد لبرامج ركوب الخيل العلاجي، استمرت بين 8 و10 أسابيع، لدى الأطفال المصابين بالتوحد، إلى جانب معرفة ما إذا كانت الأنشطة التعليمية المرتبطة بالخيول تحقق فوائد مماثلة دون الحاجة إلى ركوبها أو التفاعل المباشر معها.

وشملت الدراسة أطفالاً مصابين بالتوحد واضطرابات نفسية مصاحبة، قُسموا إلى 3 مجموعات؛ شاركت الأولى في جلسات ركوب الخيل، بينما مارست الثانية أنشطة تعليمية داخل مركز للفروسية باستخدام حصان محشو بالحجم الطبيعي، دون احتكاك مباشر بالخيول، في حين وُضعت المجموعة الثالثة على قائمة انتظار للمقارنة.

وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين شاركوا في جلسات ركوب الخيل حققوا تحسناً أكبر بشكل ملحوظ في أعراض فرط النشاط، مقارنة بالمجموعتين الأخريين.

فوائد سلوكية

كما سجل المشاركون في مجموعتي ركوب الخيل والأنشطة التعليمية المرتبطة بها تحسُّناً في جوانب سلوكية وعاطفية متعددة، شملت انخفاض التهيُّج، وتحسن القدرة على تنظيم المشاعر والتفاعل الاجتماعي، مقارنة بالأطفال الذين لم يشاركوا في أي من البرنامجين.

وأشارت النتائج إلى أن الأنشطة التعليمية المرتبطة بالخيول قد توفر فوائد سلوكية وعاطفية للأطفال الذين لا يستطيعون ركوب الخيل أو لا يشعرون بالاستعداد لذلك، حتى دون التفاعل المباشر معها، وإن كان تأثيرها في تخفيف فرط النشاط أقل من ركوب الخيل نفسه.

وقالت روبن غابرييلز، أستاذة الطب النفسي في جامعة كولورادو أنشوتز الباحثة الرئيسية للدراسة، إن تجربة ركوب الخيل تنطوي على جوانب مميزة تجعلها مفيدة بصورة خاصَّة للأطفال الذين يعانون فرط النشاط.

وأضافت، عبر موقع الجامعة، أن العلاج بمساعدة الخيول قد يمثل وسيلة فعالة لتعزيز العلاجات الحالية للأطفال المصابين بالتوحُّد وفرط النشاط، وربما يوفر بديلاً لبعض العلاجات الدوائية التقليدية التي قد تسبب آثاراً جانبية غير مرغوبة، مع الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد دوره العلاجي.

وأوضحت غابرييلز أن الخيول تتميز باستجابتها للغة الجسد وتفاعلها مع البشر دون إصدار أحكام، مما يتيح للأطفال فرصاً لممارسة مهارات التواصل وتنظيم المشاعر في بيئة مختلفة عن العيادات التقليدية.

وأكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن ركوب الخيل سيكون مفيداً لجميع الأطفال المصابين بالتوحُّد، لكنها تقدِّم أدلة إضافية على إمكانية الاستفادة من الأنشطة المنظمة المرتبطة بالخيول ضمن نهج علاجي متكامل للتعامل مع التحديات السلوكية والعاطفية.