البرلمان يحسم الجدل حول هوية الدولة المدنية في العراق

صوّت ضد مقترح ضم فقهاء الشريعة إلى عضوية المحكمة الاتحادية

البرلمان يحسم الجدل حول هوية الدولة المدنية في العراق
TT

البرلمان يحسم الجدل حول هوية الدولة المدنية في العراق

البرلمان يحسم الجدل حول هوية الدولة المدنية في العراق

على مدى الأسابيع الماضية، حاول ممثلو الإسلام السياسي في العراق تحشيد أغلبية الثلثين (220 عضواً) من أعضاء البرلمان العراقي البالغ عددهم 329 عضواً للمضي في إقرار قانون جديد للمحكمة الاتحادية في العراق بدل القانون الذي جرى تشريعه عام 2005. وبما أن قانون المحكمة الاتحادية كان واحداً من القوانين الخلافية بين المكونات العرقية والمذهبية، من جهة، وبين الكتل السياسية، من جهة أخرى، على مدى الدورات البرلمانية السابقة، فإنه بسبب الفراغ الدستوري الذي يعيشه العراق منذ أكثر من سنة جراء عدم اكتمال نصاب المحكمة الاتحادية نتيجة وفاة وتقاعد 3 من أعضائها التسعة، باتت الحاجة ملحة إما لتشريع قانون جديد أو تعديل القانون النافذ.
في ساعة متأخرة من مساء أول من أمس كان الفريقان المتنازعان، قوى الإسلام السياسي، في المقدمة منه غالبية الكتل الشيعية، وقوى الدولة المدنية (الكتل الكردية والقسم الأكبر من الكتل السنية وكتل شيعية أيضاً)، يحاولان التحشيد والتحشيد المضاد. قوى الإسلام السياسي عملت بكل قوة من أجل الوصول إلى أغلبية الثلثين، بينما عملت القوى المضادة على إفشال هذا المخطط. فالجلسة الحاسمة للتصويت حضرها 205 من أعضاء البرلمان، وهي ليست كافية لتمرير قانون يحتاج بموجب الدستور إلى أغلبية الثلثين، بينما يكون هذا العدد كبيراً جداً لتمرير التعديل الذي لا يحتاج إلا إلى الأغلبية البسيطة (نصف زائد واحد). المفاجأة ليست في عدد الحاضرين بل المصوتين بنعم للتعديل ولا برفض التعديل. فعند عد الأصوات ظهر أن عدد المعترضين على التعديل هم 6 فقط من مجموع الحاضرين وهم 205.
التعديل الجديد، طبقاً لما يقوله الخبير القانون أحمد العبادي، «أدى إلى استبعاد رجال الدين وفقهاء القانون والاعتماد على القضاة فقط». ويضيف العبادي أن «الدستور ينص على أن من يدير المحكمة ويصدر قراراتها هم قضاة فقط، استناداً للمادة 88 التي تؤكد أن القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة». ويرى العبادي أن «المحكمة الاتحادية كانت ستصبح محل صراع في حال كان رجال الدين والفقهاء من ضمن أعضائها بسبب اختلاف الأحكام والتشريعات بين طائفة وأخرى، وبالتالي ستصبح المحكمة محل صراع طائفي وآراء فقهية لن تنتهي، وسيؤدي ذلك إلى تعطيل الكثير من القوانين والتشريعات».
ويمضي العبادي قائلاً إن «هناك نقطة سلبية واحدة تضمنها التشريع من خلال نص في تعديل قانون المحكمة الاتحادية رقم 30 لسنة 2005، الذي يشير إلى الحفاظ على التوازن الدستوري في المحكمة الاتحادية والمقصود به هنا التوازن الطائفي»، مؤكداً أن «هذا النص يعد دخيلاً وغير موجود في الدستور باستثناء المادة 9، التي تنص على أن يكون التوازن في القوات المسلحة فقط».
وبرغم أن البرلمان حسم الجدل بشأن هوية الدولة المدنية في العراق لجهة التصويت بعدم إضافة فقهاء الشريعة، فإن هذا التعديل سيكون نافذاً حتى نهاية هذه الدورة البرلمانية، وهو ما يعني أن بإمكان الدورة البرلمانية القادمة بعد إجراء الانتخابات البرلمانية المقررة خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل إعادة النظر من خلال عرض قانون المحكمة الاتحادية الجديد للتصويت وليس المضي في التعديل الحالي فقط.
«تحالف الفتح» بزعامة هادي العامري المؤيد لتشريع قانون جديد للمحكمة الاتحادية يتضمن فقهاء الشريعة، اتهم رئيس اللجنة القانونية الكردي ربيوار هادي بعرقلة تمرير قانون جديد للمحكمة الاتحادية. النائب عن «الفتح» محمد كريم، أكد في تصريح له أن «مجلس النواب مضى نحو الخيار الثاني بالتصويت على تعديل قانون المحكمة الاتحادية بسبب انسحاب عدد من النواب الكرد ونواب آخرين مما أدى إلى عدم توفر نصاب مكتمل لتمرير القانون»، لافتاً إلى أن «رئيس اللجنة القانونية النيابية التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني ريبوار هادي عرقل تمرير قانون المحكمة الاتحادية العليا أو تعديل القانون من خلال إجبار عدد من النواب على الانسحاب من الجلسة لأسباب سياسية». وبين أن «أسباب رفض تمرير القانون غير واضحة من قبل القوى الرافضة لتمرير القانون».
من جهته، وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يقول عضو البرلمان العراقي الدكتور ظافر العاني، إن «التعديل على قانون المحكمة الاتحادية يعد بلا شك انتصاراً لقوى المدنية والاعتدال، إلا أن أصل القانون كان يراد منه استنساخ تجارب الدولة الدينية على غرار ولاية الفقيه في إيران، أو نموذج قندهار في ظل حكم (طالبان)»، مبيناً أنه «كان يشترط وجود فقهاء من السنة والشيعة لهم حق النقض على كل قانون بحجة أنه مخالف للثوابت الإسلامية». وأضاف العاني: «في ظل مجتمع متعدد دينياً ومذهبياً كالعراق، فإن هذه الصلاحية تسبب قلقاً للمجموعات غير الإسلامية ولقوى المجتمع المدني، لا سيما في ظل حكم الأحزاب الإسلامية المتشددة حالياً». وحول ما إذا كان إجراء الانتخابات أصبح أمراً محسوماً بعد أن زالت آخر الذرائع، وهي عدم وجود محكمة اتحادية كاملة النصاب، يقول العاني إن «إجراء الانتخابات سيكون في الموعد الذي تم تحديده، وهو العاشر من الشهر العاشر من العام الحالي ما لم توجد عقبات فنية لا سياسية تحول دون إجرائها».
في السياق نفسه، يقول القيادي في التيار المدني العراقي وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الدكتور جاسم الحلفي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المادة 92 من الدستور (تنص على وجود فقهاء في الفقه الإسلامي وخبراء القانون) هي بالأصل أحد الألغام الموجودة في هذا الدستور، وهو ما يتطلب في الواقع إعادة كتابة الدستور»، مبيناً أن «هذه المادة جاءت بهدف ترسيخ المحاصصة ودولة المكونات، حيث إن الاصطدام حول هذه المادة، وما يتعلق من تشريع قانون جديد يجتمع فيه الدين والسياسة، وبالتالي الطائفية السياسية، فإنه في الواقع محاولة جديدة لتفجير صراع طائفي وتأكيد النظرة التعصبية الضيقة البعيدة عن روح المواطنة، التي تجعل من التصدع داخل المجتمع القاعدة بدلاً من الهوية الوطنية الواحدة». وأضاف الحلفي أن «المواقف والحراك المجتمعي الكبير بين أوساط المجتمع، والوعي الذي بدأ يتبلور بعد انتفاضة أكتوبر 2019 وما بعدها بدأ يحاصر الفكر السلطوي والطائفي والمحاصصاتي الذي يسعى إلى هيمنة طرف ضد طرف آخر بعيداً عن ترسيخ مبدأ المواطنة الذي عملنا ونعمل عليه بكل قوة». وأوضح الحلفي أن «التوقع كان ألا يمر هذا المشروع، وإن مر فإنه سوف يحدث حراكاً شعبياً وسياسياً كبيراً في مواجهة الطغمة التي تسعى إلى ترسيخ المحاصصة التي تعني من وجهة نظرنا زيادة الهوة والفجوة بين من يريد عزل العراق وتقسيمه، وبين الساعين إلى بناء دولة المواطنة»، مبيناً أن «معركتنا مع هؤلاء ما زالت مؤجلة إلى سنتين أو ثلاث، لأنهم لا يزالون يحاولون تشريع قانون مثلما يريدون غير أن القوى المدنية سوف تكون في حالة استعداد أكبر لإحباط مثل هذه المشاريع التقسيمية وصولاً إلى عقد اجتماعي جديد بالفعل».



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».