عون يقلب الطاولة... والحريري يدعوه للخروج معاً

من لقاء الرئيسين عون والحريري أمس (دالاتي ونهرا)
من لقاء الرئيسين عون والحريري أمس (دالاتي ونهرا)
TT

عون يقلب الطاولة... والحريري يدعوه للخروج معاً

من لقاء الرئيسين عون والحريري أمس (دالاتي ونهرا)
من لقاء الرئيسين عون والحريري أمس (دالاتي ونهرا)

قال رئيس حكومة سابق بأن رئيس الجمهورية ميشال عون يسعى للعودة بلبنان إلى الانتكاسات السياسية والأمنية التي خلفتها حروب التحرير والإلغاء التي شنّها ضد معارضيه من مسيحيين ومسلمين أثناء توليه رئاسة الحكومة العسكرية عام 1989، والتي مكّنت النظام السوري من بسط هيمنته على البلد من خلال العملية العسكرية التي استهدفته، واضطر إلى اللجوء إلى السفارة الفرنسية، وإلا لم يكن مضطراً إلى مخاطبة الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري بلهجة أقل ما يقال فيها بأنها تهديدية؛ لأنها تتعارض مع التخاطب الواجب اعتماده بين أركان الدولة.
ولفت رئيس الحكومة السابق الذي فضّل عدم ذكر اسمه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الظروف التي كانت سائدة أثناء تولي عون رئاسة نصف حكومة عسكرية غير تلك القائمة حالياً، خصوصاً لجهة أن الانقسام السياسي مع وجوده على رأس الدولة لم يعد طائفياً كما كان في السابق، وبالتالي فهو قرر أن ينقلب على نفسه، وأن يبادر لدعوته إلى بعبدا للبحث عن مخرج لتعبيد الطريق أمام ولادة الحكومة من دون أن يُقرن دعوته بإصدار «مذكرة جلب» له لا تليق بموقع الرئاسة الأولى.
وأكد: لو افترضنا أن لدى عون حسن النيّة، فإن استخدامه اللهجة التهديدية التي أراد منها أن يضع الحريري أمام خيارين: إما الاعتذار أو التسليم بشروطه، ألحقَ به الضرر محلياً وإقليمياً ودولياً؛ لأن ليس في مقدور أي عاقل أن يدافع عن موقفه الذي تجاوز فيه كل الأصول، وصولاً إلى الانقلاب على اتفاق الطائف؛ لأن لا صلاحية له لسحب التكليف منه ولا في خرق الدستور.
وسأل رئيس الحكومة السابق: لماذا لم يبادر عون إلى دعوة الحريري للقائه في بعبدا منذ أن أحجم عن الإجابة على العرض المتعلق بتشكيل الحكومة الذي أودعه إياه في اجتماعهما السادس عشر؟ وقال: ألم يكن من الأفضل له معاودة التواصل في حينه بدلاً من لجوئه للتهويل واتباع سياسة «تهبيط الحيطان» ليس على الحريري فحسب، وإنما على جميع المعنيين بتشكيل الحكومة الذين فوجئوا بتصرّفه وكأن الأمر له، وكانوا يتوقعون منه دعوتهم للحوار في بعبدا التي يمكن أن تشكّل إحراجاً له إذا لم تفتح الباب أمام إعادة خلط الأوراق السياسية.
ورأى بأن الحريري كان محقاً في الرد على عون بمعادلة قوامها التلازم بين اعتذاره عن التأليف وبين الدعوة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وقال: إذا كان عون يتوخى من رفع «البطاقة الحمراء» في وجه الحريري الذهاب في تصعيده لتمرير رسالة إلى اللبنانيين بأن ضغطه دفع باتجاه تسريع ولادتها تحت عنوان «اشتدي أزمة تنفرجي»، فإنه لم يحسن التخاطب وسيرتد عليه سلباً؛ لأنه يقحم نفسه في مواجهة مع البرلمان الذي كان سمّاه لتشكيل الحكومة.
وتوقف أمام إجراء مقارنة بين ما فعله رئيس الجمهورية السابق فؤاد شهاب أثناء وجوده في قيادة الجيش عندما اضطر الرئيس بشارة الخوري إلى التنحّي تحت ضغط «الجبهة الاشتراكية الوطنية»، فدعا فوراً إلى انتخاب رئيس جديد في حينها هو كميل شمعون بدلاً من أن ينصّب نفسه بالقوة رئيساً للجمهورية كما فعل عون عام 1989 بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل.
وقال إن عون انقلب على نفسه مع أنه صاحب المصلحة في الحفاظ على الاستقرار، وراح بدلاً من أن يوقف تعطيله لتشكيل الحكومة يخطط للإطاحة بالحريري متحدّياً بموقفه التأييد النيابي له الذي سيدفع به لخوض معركة سياسية مع البرلمان، يدرك سلفاً بأن نتائجها ستنقلب عليه، خصوصاً بعدما أخفق فريقه السياسي في تحريض الشارع المسيحي على الرئيس المكلّف بذريعة مصادرته لتمثيله في الحكومة.
وفي هذا السياق، رأى مصدر نيابي بارز، أن عون أقدم على دعسة ناقصة ألحقت به الخسارة السياسية في الشكل والمضمون، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن لبنان لا يُحكم بالتسلط ولا بالنبرات العالية، ولا بالتلويح بانقلاب ثانٍ على غرار انقلابه الأول عام 1989 أو برفض كل المبادرات رضوخاً لإصرار وريثه السياسي رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل على تسخير المقدّرات الرئاسية لتعويم طموحه الرئاسي الذي أخذ يتضاءل، إن لم يكن أصبح متعذّراً عليه بأن يكون في عداد المنافسين، هذا إذا استطعنا إنقاذ البلد لئلا نطيح بالجمهورية، ولن يكون من داعٍ لانتخاب من يخلف عون الذي لن يسأل نفسه عن أسباب إخفاقه في تحقيق ما تعهد به.
وسأل: هل يكفي أن يرمي عون المسؤولية على الآخرين ويحمّلهم وزر تعطيل تشكيل الحكومة بدلاً من أن يوقف انقلابه على نفسه؟ لأنه لا يعقل لرئيس أن يمارس سياسة الانتحار الذي سينسحب حكماً على شل قدرة البلد على الخروج من أزماته بعد أن أقفل الباب في وجه المبادرة الفرنسية.
كما سأل كيف يمكن لعون أن يفك الحصار الذي فرضه على نفسه بملء إرادته؟ وهل ارتأى الذهاب إلى التصعيد بعد أن أخفق الرهان على حصول تطورات تعفيه من التزامه الإعلامي بالمبادرة الفرنسية، واكتشف لاحقاً أنه يغرّد خارج الإجماع الدولي والإقليمي الداعم لمبادرة الرئيس إيمانويل ماكرون.
واعتبر بأن عون أخطأ في توقيته بفتح النار على الحريري الذي لا يزال يلتزم بخريطة الطريق الفرنسية، وقال بأن تحديد المواصفات والمعايير لتشكيل الحكومة ليست حكراً على رئيس الجمهورية ما دام أن المسؤولية تقع على رئيس الحكومة الذي يخضع وحده لمساءلة البرلمان الذي سمّاه لتأليفها، وأكد بأن عدم استجابته للدعوات التي انصبّت عليه للتواصل مع الحريري تكمن في إصراره على مقولته التي كان يرددها عام 1989 وخلاصتها أنا أو لا أحد. ولفت المصدر النيابي إلى التوقيت الذي اختاره عون ليقلب الطاولة ليس على الحريري فحسب، وإنما على البلد، وسأل: ماذا سيقول لوفد «حزب الله» العائد من موسكو؟ مع أن عون استبق الخطاب الأخير ليل أمس لأمين عام الحزب حسن نصر الله بموقف تصعيدي يفترض أنه أفقده الأوراق السياسية التي تسمح له بالتدخل.
ويبقى السؤال كيف سيتصرف نصر الله؟ وهل سيبادر للالتفاف على تصعيد حليفه عون لأن لا مصلحة له في توفير الغطاء السياسي الداعم له لئلا يفقد القدرة على التحرك في محاولة منه لإصلاح ذات البين، مع أن عون تعمّد حرق كل أوراقه مع الرئيس المكلف استجابة لـ«شهوات» فريقه السياسي الذي لا يريده رئيساً للحكومة.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.