إيران في ذكرى الثورة.. التغيير المطلوب

منذ الخميني يسعى غربيون للتقارب مع طهران حتى لو كان ذلك باسترضاء الملالي

إيران في ذكرى الثورة.. التغيير المطلوب
TT

إيران في ذكرى الثورة.. التغيير المطلوب

إيران في ذكرى الثورة.. التغيير المطلوب

مع إحياء إيران للذكرى الـ36 للثورة الخمينية، يأمل البعض في الغرب في حدوث تغيير في سلوك إيران، لكن إلى أي مدى يتسم هذا الأمل بالواقعية؟
ما هو العنصر المشترك بين جورج كلوني وجاك سترو وزبغنيو بريجنسكي؟ يعد نجم هوليوود الذي يبيع آلات إعداد القهوة عبر الإعلانات التلفزيونية، ووزير الخارجية البريطاني الأسبق، ومستشار الأمن الوطني الأميركي الأسبق، ضمن عدد متنامٍ من أفراد النخبة الغربية الذين يحثون على التقارب مع الجمهورية الإسلامية حتى ولو كان ذلك يعني استرضاء الملالي.
المؤكد أن فكرة إبرام اتفاق مع الملالي ليست بالأمر الجديد، فحتى قبل وصول آية الله خامنئي للسلطة كانت الولايات المتحدة وبريطانيا على اتصال وثيق مع الدائرة الضيقة المقربة منه بفضل شبكة من العملاء الذين يصدرون أنفسهم كأكاديميين ورجال أعمال ومجرد أصحاب نوايا حسنة. الملاحظ أن جميع الرؤساء الأميركيين منذ جيمي كارتر حاولوا إغراء الملالي، بل والبعض منهم، مثل رونالد ريغان، هرب أسلحة لإيران عبر إسرائيل لجعل التوازن يميل لكفة إيران في الحرب الإيرانية - العراقية.
أما فترة الرئاسة الثانية لبيل كلينتون فقد هيمنت عليها خرافة «الصفقة الكبرى» مع إيران. وقد اعتذر كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت لطهران عن «أخطاء» لم يتم تحديدها ارتكبتها الولايات المتحدة والغرب بوجه عام على مدار قرون، بل وحاول كلينتون ترتيب مصافحة «عفوية» مع الرئيس محمد خاتمي، لكنه أخفق لأن الأخير صدرت له تعليمات من طهران بالنأي عن قائد «الشيطان الأعظم». وفي ما يلي نص ما قاله كلينتون خلال اجتماع على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا «تعد إيران اليوم، بصورة ما، الدولة الوحيدة التي تحظى الأفكار التقدمية داخلها بعدد كبير من الأنصار. وهناك تحظى الأفكار التي التزم بها بالحماية من قبل أغلبية».
وفي ما يلي أيضا نص ما قاله كلينتون خلال مقابلة تلفزيونية مع تشارلي روز «إيران الدولة الوحيدة بالعالم التي عقدت حتى الآن ست انتخابات منذ انتخابها محمد خاتمي للمرة الأولى (1997). وهي الدولة الوحيدة، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل وأي دولة أخرى ترد على ذهنك، التي عقدت انتخابات فاز فيها الليبراليون أو التقدميون بما يتراوح بين ثلثي و70 في المائة من الأصوات خلال ست انتخابات: اثنتين رئاسيتين واثنتين برلمانيتين واثنتين لاختيار العمداء. وخلال كل من هذه الانتخابات كان يفوز الأشخاص المنتمون لنفس أفكاري بما يتراوح بين ثلثي و70 في المائة من الأصوات. وليست هناك دولة أخرى في العالم يمكنني إطلاق القول ذاته عليها، وبالتأكيد لا ينطبق هذا الأمر على بلادي».
ويعني ذلك أن كلينتون رأى أن الجمهورية الإسلامية أكثر «تقدمية» عن الولايات المتحدة أو أي ديمقراطية غربية أخرى.
ومع ذلك، فإنه منذ انتخاب باراك أوباما رئيسا وصلت جهود «استرضاء الملالي» إلى ذروتها داخل الولايات المتحدة. ومن بين الأسباب وراء ذلك انبهار أوباما بالنظام الخميني. عن ذلك، قال صادق زيباكلام، الأستاذ بجامعة طهران والذي تربطه صلات بإدارة الرئيس حسن روحاني «أوباما يتفهم ثورتنا. وسيكون من غياب الحكمة ألا نستجيب لإبدائه حسن النية». وأضاف أنه باعتباره رجلا أسمر اللون يشعر «بمعاناة أجيال من العبيد الأفارقة» و«مذبحة الأميركيين الأصليين»، وأنه ليس بوسع أوباما سوى الإعجاب بمن يتصدون لـ«البلطجة الأميركية». وقد كتب أوباما خمسة خطابات على الأقل لكل من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد والمرشد الأعلى علي خامنئي، يقر خلالها ضمنيًا طموح الجمهورية الإسلامية نحو التحول لـ«قوة عظمى» إقليمية.
وقد حث أوباما الملالي على العمل على كسر العزلة المفروضة على بلادهم. واستطرد بأنهم إذا فعلوا ذلك فإن «هناك مواهب وموارد هائلة داخل إيران، وستصبح قوة إقليمية ناجحة للغاية». كما تجاهل أوباما خمسة قرارات صادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بخصوص المشروع النووي الإيراني، سعيا وراء التوصل لاتفاق مع طهران يقوم على شروط مثيرة للشكوك. في هذا الصدد، أعرب حميد زمردي، الباحث السياسي بطهران، عن اعتقاده أن «أوباما ليست لديه مشكلة في استعراض الجمهورية الإسلامية قوتها في الشرق الأوسط، ففي ظل حكم الشاه كانت إيران قوة عظمى بمباركة الولايات المتحدة. وأوباما على استعداد لتقديم المباركة ذاتها على النظام الراهن في طهران. إلا أن المشكلة تكمن في اعتقاد النظام الإيراني الراهن أن باستطاعته التحول لقوة إقليمية عظمى من دون مباركة أميركية».
بوجه عام، يمكن القول إن التوجه الغربي حيال النظام الخميني اعتمد على خرافتين على الأقل، أولاهما: التعامل مع هذا النظام باعتباره دولة قومية طبيعية تسعى وراء مصالح طبيعية كتلك التي تسعى وراءها أي دولة قومية كلاسيكية تقوم على النظام الويستفيلي. في العادة، تهتم الدولة القومية بالأمن والتجارة والوصول للموارد الطبيعية والأسواق، وأن تجري استشارتها بخصوص القضايا الإقليمية والعالمية، بجانب بالطبع التمتع ببعض المكانة الرفيعة. بيد أنه مثلما الحال مع الأنظمة الثورية الأخرى، لا يتصرف النظام الخميني، بل وليس بإمكانه التصرف، كدولة قومية كلاسيكية.
في ظل هذا النظام، أجبرت إيران على التصرف كقضية، بمعنى أن هذا النظام لا يرغب في أي شيء محدد لأنه يرغب في كل شيء، فهو نظام يعتبر نفسه المالك الوحيد لـ«الشرعية» بين الـ190 عضوا بالأمم المتحدة، ولا يعتبر نفسه ملزما بأي قوانين دولية وضعها «الصهاينة وعباد الصليب». ومن جانبهم، يبدو أن الغربيين الساعين لإبرام «صفقة كبرى» مع إيران يعتقدون أن باستطاعتهم ذلك بسهولة. عام 1990، قال هانز ديتريتش غينشر، وزير خارجية ألمانيا الغربية آنذاك «نخطط للذهاب لطهران للتعرف على ما يريدونه ومنحهم ما هو معقول». وبعد مرور ربع قرن، لا يزال أوباما يسير خلف السراب ذاته.
الملاحظ حاليا أن هناك جهودا منظمة للتوصل لاتفاق، تقريبا أي اتفاق، مع طهران بخصوص طموحاتها النووية.
خلال الفترة الأخيرة من رئاسة أحمدي نجاد، عرض أوباما عددا من التنازلات الكبرى على إيران عبر مفاوضات سرية عقدت في عمان، تضمنت الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم «حتى نقطة محددة» وذلك في انتهاك لقرارات مجلس الأمن المطالبة بتوقف إيران تماما عن التخصيب. من بين التنازلات الأخرى منح روسيا، التي تعتبرها طهران قوة قادرة على تحقيق توازن أمام الولايات المتحدة وأوروبا، دورا مباشرا في المفاوضات. وبدا أن اتفاقا أصبح وشيكا خلال المحادثات التي عقدت في كازاخستان، لكنها انهارت بعد مطالبة «المرشد الأعلى» علي خامنئي، بتقديم «مزيد من التوضيحات».
وتجددت الآمال في التوصل لاتفاق مع فوز فصيل علي رفسنجاني في الانتخابات الرئاسية عام 2013. وقد نظرت إدارة أوباما لفصيل رفسنجاني المرتبط بصلات مع واشنطن منذ فترة «إيران غيت» منتصف الثمانينات باعتباره فرصة لإقناع الجمهورية الإسلامية بالتخلي عن طموحاتها الثورية التبشيرية والشروع في التصرف كدولة قومية، وليس كقضية. وتجاهلت إدارة أوباما حقيقة خطأ تقديرات مشابهة من قبل خلال فترة رئاسة كل من رفسنجاني وخاتمي.
الملاحظ أن عشرات الأوراق البحثية ومقالات الرأي الصادرة عن مراكز بحثية أميركية ومفكرين أفراد تروج لخرافتين، أولهما: أن فصيل رفسنجاني، الذي يضم خاتمي وروحاني، مهتم حقا بالإصلاح، والأهم من ذلك أنه قادر على إعادة توجيه النظام بعيدا عن استراتيجية ثورية ونحو منهج إصلاحي. في الواقع، إن افتراض أن فصيل رفسنجاني ملتزم بالإصلاح أمر مفتوح للنقاش والجدال، فخلال 16 عاما متتالية من سيطرة هذا الفصيل على جهاز الدولة في ظل قيادة رفسنجاني وخاتمي، لم يطرح هذا الفصيل إصلاحا واحدا كبيرا على الأصعدة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية. أما المدافعون عنه فيلقون باللوم عن هذا الإخفاق على عاتق الفصيل الذي يقوده خامنئي الذي يفترض أنه مناهض للإصلاح ودائما ما يميل للاعتراض على أي تغيير. بيد أن هذا المبرر من المتعذر تقبله لأنه ليست هناك حالة واحدة لتقديم رفسنجاني أو خاتمي مشروعا إصلاحيا، واعتراض خامنئي عليه.
أما الخرافة الثانية فهي أن المطلوب هو حدوث تغيير في سلوك الجمهورية الإسلامية. بيد أن المشكلة هنا تكمن في أن سلوك الجمهورية الإسلامية هو نتاج مباشر لطبيعتها كنظام ثوري، وليس نتاجا لخيار تكتيكي من قبل هذا الفصيل أو ذاك. الملاحظ أن اللوبي الإيراني في واشنطن ولندن، من بين عواصم أخرى، لطالما حلم بحل للمشكلة الإيرانية على غرار «نيكسون في الصين»، وتعترف الغالبية بأن هذه المشكلة تشكل جذر جميع المشكلات الأخرى في الشرق الأوسط اليوم. ويستقي هذا الحلم إلهامه من زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون الرسمية للصين عام 1972 التي أدت لتطبيع العلاقات بين واشنطن وبكين.
في هذا الصدد، قال فلينت ليفيريت، المحلل السابق لدى وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) «ينبغي أن يفكر الرئيس في الذهاب لطهران». وقد لقيت هذه الفكرة استجابة متعاطفة داخل بعض المراكز البحثية الأميركية. بيد أنه مثلما الحال مع جميع المقارنات التاريخية، فإن الاعتماد على زيارة نيكسون للصين هنا قد يكون مضللا لعدة أسباب عند تطبيقه على إيران.
أولا: المبادرة وراء زيارة نيكسون للصين جاءت من قبل بكين وليس واشنطن. فبحلول نهاية ستينات القرن الماضي بدأت الصين في تقييم الأضرار التي ألحقتها بنفسها خلال قرابة عقدين من الجنون الثوري، خاصة بعد عام 1966 عندما أسفر ما أطلق عليه «الثورة الثقافية العظيمة» عن مآس لا حصر لها بالبلاد. بحلول مطلع سبعينات القرن الماضي كانت الصين تتعافى للتو من سلسلة من المجاعات، وقعت في معظمها جراء سياسة الجماعية التي طبقها ماوتسي تونغ، وهي مآس حصدت أرواح 45 مليون شخص على الأقل، تبعا لما أورده فرانك ديكوتير في كتابه الرائع «مجاعة ماو العظيمة».
الأسوأ من ذلك أن الصين اعتبرت نفسها محاطة بأعداء. ومن الناحية الجيوسياسية، تعد الصين أمة «جزيرة». إلى الشمال، توجد صحراء منغوليا الشاسعة وأرض خراب لا نهاية لها هي سيبريا. إلى الغرب، يوجد عدد من الصحاري المتصلة ببعضها البعض وهضبة مرتفعة تفوق مساحة أوروبا. وتحيط مرتفعات الهيمالايا البلاد من الجنوب الغربي. وإلى الجنوب والجنوب الشرقي، تحيط بالصين غابات مدارية هندية وهندو - صينية.
عبر المياه الواقعة إلى الشرق تواجه الصين اليابان، عدوها التاريخي، ومن بعيد يلوح خطر الولايات المتحدة داخل المحيط الهادي. من بين جيران الصين الـ14 لا يمكن وصف أي منهم، ربما ما عدا باكستان، بغير العدائي، خاصة أن هناك نزاعات بين الصين وبينها جميعا.
يذكر أنه في ستينات القرن الماضي، أقدم الاتحاد السوفياتي ببساطة على ضم مساحات واسعة من الأراضي الصينية لأراضيه بعد سلسلة من المناوشات عبر الحدود. وقد وقعت قطيعة بين العملاقين الشيوعيين جراء معارضة ماو الصريحة والقوية لـ«التنقيحية الآيديولوجية» التي اتبعها نيكيتا خروشوف. من جانبها، أنزلت الصين سلسلة من الهزائم بالجيش الهندي، وضمت مساحات واسعة من الأراضي الهندية إليها. كما عمدت الصين للانتفاع من الاضطراب الذي سببته حرب فيتنام، حيث ضمت لها أراضي فيتنامية. بحلول عام 1971، هزمت باكستان، الحليف الوحيد المفترض للصين، على يد الهند، بمعاونة الاتحاد السوفياتي، مما سمح بظهور بنغلاديش، وهي دولة أخرى مناهضة للصين. وخشي البعض داخل بكين من إمكانية وقوع سيناريو مشابه في التبت أو حتى شرق تركستان بدعم هندي وسوفياتي.
ونظرا لافتقارها لقوة بحرية وجوية قوية، شعرت الصين آنذاك بأنها مكشوفة في مواجهة خصمها الآيديولوجي السوفياتي والقوة الأميركية العظمى التي لا تزال تلعق جراحها التي منيت بها في كوريا وفيتنام. لذا كان من المنطقي أن تقلل بكين من نبرة خطابها المناهض للولايات المتحدة.
وكمراسلين، عاينا تبدل النبرة الصينية في مطلع سبعينات القرن الماضي خلال أول زيارة قمنا بها للصين. في ذلك الوقت، كانت الصين قد بدأت في تحسس إمكانية استعادة الروابط الدبلوماسية مع إيران كخطوة أولى نحو بناء حوار مع الولايات المتحدة، حليف إيران القوي آنذاك. كمستشار للأمن الوطني بإدارة نيكسون، زار هنري كيسنجر طهران مرتين وسافر لإسلام آباد، العاصمة الباكستانية، لعقد محادثات سرية مع مبعوثين صينيين. من جهته، قال أردشير زاهدي، وزير الخارجية الإيراني آنذاك، وهو عامل محوري في صياغة حوار بين واشنطن وبكين «كانت الرسالة الصينية لنا واضحة، أنه ليس من مصلحتنا السماح للاتحاد السوفياتي بأن يصبح حكما يفصل في حياة وموت الأمم داخل القارة الآسيوية بأكملها».
إلا أن استجابة الأميركيين لعروض السلام التي تقدمت بها الصين جاءت فاترة، خاصة أن كيسنجر لم يكن على دراية كبيرة بالشأن الصيني وكان ينظر للعالم من منظور التاريخ الأوروبي الذي لعبت خلاله روسيا دورا محوريا لمدة قرن على الأقل. وكان حينها يضع اللمسات النهائية على استراتيجية التفاهم التي صاغها لتحقيق نوع من الشراكة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. واتضح فتور واشنطن حيال قبول العرض الصيني عبر سلسلة من المطالب التي صممت لتفكيك «الشبكة الثورية» العالمية للنظام الشيوعي. ورغبت واشنطن في وضع نهاية لدعم الصين لـ«حركات التحرر» في أفريقيا، خاصة أنغولا وموزمبيق وناميبيا. وأذعنت الصين بسحب البساط من تحت أقدام حلفائها. ومن جهتها، رغبت إيران في وقف دعم الصين للتمرد الذي تقوده عناصر شيوعية داخل إقليم ظفار العماني، مما يسمح لإيران بإرسال قوة عسكرية لسحق المتمردين. وبالفعل، أذعنت الصين لذلك.
من جهته، أطلق ماو على الولايات المتحدة «النمر الورقي»، مانحا بذلك ما عرف باسم «عصبة الأربعة» شعارهم المفضل. وتألفت «عصبة الأربعة» من جيانغ كوين زوجة ماو، وياو وينيوان أحد مفكري الحزب، وزهانغ تشونكياو ووانغ هونغوين، وكانوا معارضين بشدة لأي تقارب مع الولايات المتحدة. حتى في سبتمبر (أيلول) 1971 عندما أجرينا مقابلة مع جيانغ كوين وياو وينيوان، الذي كان عمدة شنغهاي آنذاك، لم يكن باستطاعتهما نسيان شعاراتهما المناهضة لواشنطن. ومع ذلك، فإنه حتى في ذلك الوقت بدا واضحا أن الفصيل الخاص بهما أصبح خاسرا وفقد سيطرته على المؤسسات العسكرية والأمنية، مما جعله عاجزا عن التأثير بقوة على صناعة السياسات الصينية.
وجاء السقوط الرسمي لـ«عصبة الأربعة» عام 1976 بعد شهور قليلة من وفاة ماوتسي تونغ، حاميهم. إلا أن المسار العام للأوضاع كان قد انقلب نحو عكس توجهاتهم بحلول عام 1971.
عندما ذهب نيكسون للصين، كانت القيادة الصينية قد قررت بالفعل إقرار تغيير استراتيجي في مسارها. واحتاج بعض القادة، أمثال دنغ شياوبنغ وزنغ شوان، والد الرئيس الحالي تشي جين بينغ، لمزيد من الوقت قبل العودة لمراكز صنع القرار. إلا أن الطريق كان ممهدا أمامهم من قبل رئيس الوزراء تشاو إن لاي، وأقرب معاونيه أمثال هوا كوو فنغ ولي هسين نين. وأصبح تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة ممكنا لانتصار الفريق الإصلاحي وتمكنه من تحويل الجمهورية الشعبية من «قضية» إلى دولة قومية.
أما الوضع داخل إيران فمختلف تماما، حيث سعى فصيل رفسنجاني دوما لاستغلال تطبيع العلاقات مع واشنطن كأداة للفوز في صراع على السلطة في مواجهة خصوم راديكاليين في طهران. وربما كانت هذه هي الرسالة التي دأب جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني الجديد، على إلقائها على مسامع وزير الخارجية الأميركي جون كيري في جنيف عندما عقد الاثنان محادثات لمدة 20 دقيقة خلال سيرهما في الهواء الطلق بعيدا عن أي ميكروفونات مخبأة. ويختلف وضع إيران اليوم عن وضع الصين عام 1972، حيث لا تخشى الجمهورية الإسلامية من التعرض لأي غزو من أي من جيرانها. وبفضل الولايات المتحدة، تخلصت إيران من أكبر تهديدين لها: صدام حسين بالعراق وطالبان في أفغانستان.
كما لا تواجه إيران خطر مجاعة وشيكة. في الواقع، لم تعان إيران من مجاعات منذ عام 1865. كما أن القيادة الإيرانية الراهنة التي تضم مواطنين أميركيين وحاملين لـ«البطاقة الخضراء» وغيرهم ممن درسوا وعاشوا بعض الوقت بالولايات المتحدة، تملك تفهما أفضل لكيفية عمل القوة الأميركية عما كان عليه الحال بين الصينيين عامي 1971 و1972. وهم يدركون أن أوباما، كرئيس في نهاية فترته الرئاسية، يختلف عن وضع نيكسون، الذي كان حينها في بداية فترة رئاسته الثانية (إلا أنه طرد من منصبه قبل إكماله فترة رئاسته بسبب فضيحة «ووتر غيت»).
وربما يكون الأهم من ذلك أن الولايات المتحدة اليوم في ظل قيادة رئيس غامض مثل أوباما، الذي يكن تعاطفا سريا مع الثورة الإسلامية، ليست هي الولايات المتحدة عام 1970 عندما كانت في ذروة قوتها ونفوذها.
من جانبه، تساءل نصير أميني «لماذا ينبغي أن تقدم الجمهورية الإسلامية لأوباما أي شيء بينما يصف هو نفسه بأنه درع إيران في مواجهة الكونغرس الأميركي؟ لقد التقى كيري ظريف ما لا يقل عن 12 مرة، وهو عدد يفوق بكثير لقاءاته بنظرائه من حلفاء الولايات المتحدة. إن إيران بمجرد أن تشير بإصبعها تهرول نحوها أميركا فرحة». لقد قررت الصين تغيير مسارها وإعادة تعريف نفسها لأنها لاقت الكثير من العقبات الصعبة بطريقها. أما إيران بفضل ضعف، إن لم يكن جبن، خصومها الإقليميين ومن خارج الإقليم، فهي لم تواجه مثل هذه العقبات حتى الآن.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.