كوباني المدمرة.. تنتظر المجهول

عبء إعادة الحياة وتأهيل المرافق سيكون أثقل من عبء الحرب

كوباني المدمرة.. تنتظر المجهول
TT

كوباني المدمرة.. تنتظر المجهول

كوباني المدمرة.. تنتظر المجهول

بات سكان مدينة عين العرب (كوباني) في سوريا على أعتاب خطر جديد يحدق بهم بعد الحرب التي دارت بين التنظيم والمقاتلين الأكراد في وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات البيشمركة، فبعد معارك ضارية استمرت أكثر من أربعة أشهر، أصبحت كوباني مدينة مدمرة لم يبق فيها سوى أنقاض المباني والمنازل المهدمة.
وبحسب روايات سكان في المدينة وعناصر من القوات الكردية، فإنه ما زالت هناك المئات من جثث قتلى تنظيم داعش توجد تحت المباني المهدمة، والكثير من هذه الجثث بدأت في التفسخ، الأمر الذي سيتسبب في القريب في انتشار الكثير من الأوبئة والأمراض خاصة مع النقص الحاد في الغذاء بسبب قلة الإغاثة الإنسانية، وانعدام المياه الصالحة للشرب والخدمات الأساسية التي كانت تتمتع بها في الماضي.
الرائد عز الدين تمو، هو طبيب عسكري كردي رافق قوات إسناد بيشمركة إقليم كردستان العراق التي دخلت كوباني في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي لتقديم الدعم بالأسلحة الثقيلة لمقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة التي كانت تخوض معركة دفاعية ضد «داعش» الذي سلط كل زخمه العسكري من أجل السيطرة على المدينة. وقال تمو الذي يواصل مهامه العسكرية والإنسانية منذ أكثر من مائة يوم في كوباني، من خلال رئاسة اللجنة الطبية المرافقة لقوات الإسناد، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك جثثا لقتلى (داعش) تحت كل مبنى مدمر، لكن بسبب الأجواء الباردة هنا لم نشعر بتفسخ هذه الجثث، لكن في الأيام المقبلة سيكون هناك وباء بسبب تفسخها خاصة مع ارتفاع حرارة الجو، لذلك يجب تدارك هذه الكارثة والتفكير في إزالة الجثث». وتابع تمو «عندما دخلت قوات البيشمركة إلى كوباني كان هناك مركز صحي صغير في المعبر الحدودي مع تركيا، يقدم العلاج لجرحى مقاتلي حماية الشعب والمرأة. الفريق الطبي المرافق للبيشمركة كان يحمل معه كمية كبيرة من كل أنواع الأدوية ولكل الأعمار، وما زالت حكومة إقليم كردستان العراق تقدم الأدوية والمستلزمات الطبية لهذه المدينة مع بدء كل وجبة من قوات البيشمركة لمهامها في كوباني، وأسس أبناء المدينة منظمة الهلال الأحمر الكردي وقدمنا جزءا من الأدوية التي وردتنا من كردستان العراق إلى هذه المنظمة».
المركز الطبي الموجود في معبر مرشد بينار الحدودي الفاصل بين المدينة والحدود التركية دمر بالكامل إثر هجوم بسيارة مفخخة لتنظيم داعش على المعبر، ففقدت كوباني المركز الصحي الوحيد لها بعد أن دمر مبنى مستشفى المدينة ولم يبق منه سوى هيكل منقوش بآثار الرصاص.
ويقول تمو «بعد تدمير المركز الصحي أنشأنا مستشفى ميدانيا في قبو أرضي تحت إحدى المدارس غرب المدينة التي كانت أقل دمارا من الأجزاء الأخرى لأنها كانت تحت سيطر القوات الكردية طيلة الحرب، هذا المستشفى يقدم خدماته لمقاتلي وحدات حماية الشعب وللمدنيين أيضا، ويعالج المصابين والمرضى بالاعتماد على المساعدات الطبية. كوادر المستشفى انقسموا إلى فريقين، أحدهما يشرف على المدنيين فقط والآخر على المقاتلين، حاليا الدواء الموجود كاف، لكن المشكلة ستكون بعد عودة السكان، لأننا سنحتاج في حينها إلى كميات كبيرة من الأدوية والمستلزمات الصحية، التي تتواكب مع العدد الهائل للسكان وكذلك ستكون هناك حاجة إلى كوادر طبية ومستشفيات وعيادات صحية أيضا لأن ما كان موجودا في كوباني في الماضي أصبح اليوم في عداد الأنقاض».
الواجب الذي يقع على كاهل الإدارة الذاتية في كوباني أو «كانتون كوباني» كما يسميه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا (بي واي دي)، سيكون أثقل من الحرب التي خاضها مقاتلوه في الأشهر الماضية، فالمناطق الجنوبية والشرقية وحتى الشمالية من كوباني مدمرة بالكامل، ولم تبق ملامح المدينة سوى في قسمها الغربي الذي تعرض هو الآخر لشبه تدمير خلال المعارك، لذا عملية إعادة الإعمار ستكون صعبة في ظل غياب الدعم الإنساني الدولي والإقليمي للأكراد في سوريا.
يقول إدريس نعسان، نائب رئيس العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لـ«كانتون كوباني»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «نتيجة حصار (داعش) لكوباني الذي دام قرابة العامين والحرب التي استمرت أكثر من أربعة أشهر ونزوح معظم أهالي المدينة إلى تركيا، انهارت الحياة بالكامل وتهدمت البنى التحية في كوباني. حاليا هناك نقص حاد في المواد الغذائية، والمدينة تعتمد على بعض الكميات الصغيرة من الإغاثة التي تدخل إلى كوباني عبر تركيا بصورة غير رسمية، بالإضافة إلى الاعتماد على ما بقي من مخزون غذائي في مستودعاتها ومؤن المنازل، أما مياه الإسالة فهي مقطوعة، لذا يضطر الموجودون من أهاليها إلى الاعتماد على مياه الآبار، وهذه المياه تلوثت بالمياه الثقيلة نتيجة قصف طيران التحالف الدولي الذي أحدث حفرا عميقة، فالمدنيون الموجودون في كوباني يعيشون بين الألغام والقذائف غير المتفجرة وركام الأبنية المهدمة، في ظل انعدام تام في مستلزمات الحياة الضرورية، إضافة إلى أن قطاع البنى التحتية والخدمات هو الأكثر تدميرا في المدينة».
ومضى نعسان بالقول «نحاول الآن جذب أنظار العالم لما يحدث من كارثة إنسانية في كوباني بعد الحرب. المدينة بحاجة إلى جسر إنساني دولي عبر تركيا لتوصيل الغذاء والدواء إلى المدنيين، لأن المنفذ الوحيد للدخول إليها يكون عن طريق معبر مرشد بينار مع تركيا، لكن ليست هناك أي خطوة جدية في هذا الاتجاه من قبل أنقرة، على العكس المسؤولون الأتراك يصرحون بين الفترة والأخرى بأنهم لن يشاركوا في إعمار كوباني، ويبقى هذا الحمل على عاتق المجتمع الدولي، فعلى التحالف الدولي الذي حارب (داعش) في كوباني أن يتحمل مسؤوليته الإنسانية تجاه هذه المدينة والضغط باتجاه فتح هذا الممر».
وينتظر نحو 200 ألف من اللاجئين الأكراد السوريين في تركيا العودة إلى مدينتهم كوباني، لكن حجم الدمار وقلة الخدمات والمخاوف الأمنية تحول دون السماح لعودتهم حاليا، وعن هذا الموضوع قال نعسان «تشهد المدينة يوميا عودة العشرات من أهليها الذين هربوا من المعارك إلى تركيا خلال الأشهر الماضية، وهم يتشوقون للعودة في أقرب فرصة، لكن نحن في الإدارة الذاتية الديمقراطية، قبل أن نسمح بعودة الأعداد الهائلة من السكان إلى كوباني، فيجب أن نجهز لهم مستلزمات الحياة، على الأقل أن نكون قادرين على إطعامهم، وتقديم الدواء لهم، وبالتالي نحاول أن نرسم هذه الصورة للعالم. حاليا عادت العائلات التي كانت موجودة في المنطقة المحرمة بين الحدود التركية وكوباني إلى المدينة خاصة في الأطراف الغربية، وهناك عودة يومية لمئات الشباب الذين يريدون الانخراط في عمليات تقديم الخدمات عن طريق الجهات الخدمية في المدينة التي بدأت فعليا بتنظيم أمورها لتنظيف المدينة وترتيبها وتوفير بعض المستلزمات فيها، ويوجد حاليا في كوباني 15 ألف مدني».
العشرات من شباب كوباني جمعوا التوقيعات مطالبين حكومة المدينة بعدم إعادة إعمار الجزء الشرقي منها، وإبقائه مدمرا ليكون متحفا حيا وشاهدا على ما تعرضت له مدينتهم من خراب على يد تنظيم داعش. وأشار نعسان إلى أن الإدارة الذاتية في كوباني شكلت هيئة لإعادة إعمارها، إلى جانب تشكيل سبع لجان لتقييم الأضرار الواقعة في القطاع العام، لا سيما الخدمية منها، فبعد توثيق أضرارها سينتقلون إلى قطاع آخر ومن ثم المباني المدنية. وعن دور قوات البيشمركة في مجال إعادة الإعمار أكد نعسان بالقول «دور قوات البيشمركة حاليا مقتصر على تقديم الإسناد العسكرية لقوات حماية الشعب والمرأة، لكن هناك مؤشرات تدل على أن إقليم كردستان سيسهم في إعادة إعمار كوباني، أما حاليا فليس هناك أي شيء على الأرض».
وعن جثث قتلى التنظيم الموجودة تحت ركام الأبنية، وكيفية التعامل معها للحول دون انتشار الأمراض في المدينة بعد تفسخ العشرات منها مؤخرا، كشف نعسان بالقول «بدأ الهلال الأحمر الكردي وبالتعاون مع بلدية كوباني، في انتشال هذه الجثث، ودفنها، بطريقة لائقة، لأننا عندما نحارب هؤلاء الإرهابيين بلا شك لا نستهدف القضاء عليهم فقط، بل نستهدف أيضا القضاء على هذا الفكر الإرهابي الذي ننبذه. لذا ومن منطلقنا الإنساني نتعامل مع الإنسان كإنسان أيا كان نوع هذا الإنسان خاصة بعد الموت، حيث يجب أن يحترم، بالإضافة إلى أن قواتنا تتعامل مع الأسرى تعاملا قانونيا حسب الأعراف والمواثيق الدولية».
وتوصل المجلس الوطني الكردي السوري وحركة المجتمع الديمقراطي السوري إلى اتفاق لتوحيد الصف السياسي الكردي في سوريا، بعد مفاوضات استمرت عدة أيام برعاية رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في مدينة دهوك في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتلتها اتفاقية أخرى بين وحدات حماية الشعب الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (بي واي دي) وإقليم كردستان لإرسال قوة إسناد من البيشمركة إلى كوباني عبر الأراضي التركية للمساهمة في تحرير المدينة التي تمكن «داعش» من اختراق الخطوط الدفاعية فيها والسيطرة على معظم أجزائها، لكن مع دخول قوات إسناد البيشمركة إلى المدينة تغيرت موازين المعركة لصالح الأكراد بفعل الأسلحة الثقيلة التي أدخلتها البيشمركة والتي استطاعت وبإسناد من طيران التحالف الدولي أن تقدم الدعم اللازم لقوات حماية الشعب في الهجوم على تنظيم داعش وإرغامه على الانسحاب من مركز مدينة كوباني بعد أكثر من أربعة أشهر من المعارك الطاحنة بين الجانبين.
بدوره، قال العميد مصلح زيباري، قائد قوات بيشمركة إقليم كردستان المرابطة في كوباني، لـ«الشرق الأوسط»: «بعد استعادة السيطرة على مركز مدينة كوباني بدأت المرحلة الثانية من المعارك، وهي مرحلة تطهير ريف المدينة من مسلحي (داعش)، حيث تمكنت القوات الكردية من تحرير ما يقارب 150 قرية من قرى ريف كوباني البالغة 400 قرية ومزرعة، والعمليات العسكرية مستمرة في كل اتجاهات الريف الأربعة. دورنا يقتصر على تقديم الإسناد لقوات حماية الشعب والمرأة، ونحن نقدم لهم الإسناد بالأسلحة الثقيلة الموجودة لدينا، وتمكنت القوات الكردية من أن تؤمن مدينة كوباني، وأن تنشئ خط أمان يمتد مسافة 20 كم حول أطراف المدينة من كل الاتجاهات»، مبينا أن «تنظيم داعش فقد قوته الهجومية في كردستان سوريا تماما، ومسلحيه بدأوا بالفرار من الريف، فيما بدأت القوات الكردية في مطاردتهم، والأيام المقبلة ستشهد الإعلان عن تحرير ريف كوباني بالكامل».
ووحدت الحرب في كوباني الأكراد، وكانت سببا في التقارب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا بزعامة صالح مسلم المقرب من حزب العمال الكردستاني في تركيا، وما آلت إليه من تنسيق على الأرض بين الوحدات الكردية في سوريا وبيشمركة إقليم كردستان العراق.
وقال زيباري، الذي يقود الوجبة الثالثة من البيشمركة في كوباني بعد عودة الوجبتين السابقتين إلى الإقليم «هناك تنسيق ميداني كبير بيننا وبين وحدات حماية الشعب وطيران التحالف الدولي. نحن في كوباني على اتصال مباشر مع غرفة تنسيق العمليات العسكرية في أربيل، وعند الحاجة إلى إسناد جوي نطلب مباشرة من الغرفة في أربيل ذلك لتباشر الطائرات بقصف مواقع العدو فورا»، مشددا على القول إن قرار عودتهم بعد الانتهاء من العملية العسكرية مرتبط بقرار من القائد العام لقوات البيشمركة الرئيس مسعود بارزاني.
بحسب إحصائية لقوات البيشمركة ووحدات حماية الشعب، فإن معارك كوباني خلفت 3710 قتيلا في صفوف مسلحي «داعش»، فيما بلغ عدد القتلى في صفوف المقاتلين الأكراد 408 قتلى، ودمرت القوات الكردية وطيران التحالف الدولي 87 عجلة عسكرية و16 دبابة وخمس سيارات مدرعة من نوع هامر وأربع مدافع رشاشة، واستولى الأكراد على مجموعة أخرى من الأسلحة التي وصفوها بالصالحة للاستعمال، إلى جانب وجود عدد آخر من أسلحة التنظيم الثقيلة تحت المباني المنهارة والتي تؤكد المصادر الكردية أن إخراجها يعتبر عملا صعبا حاليا لقلة الإمكانيات المتاحة في المدينة.
وكما هو معروف عن تنظيم داعش من استخدامه التفجيرات والمباني المفخخة في كل المعارك التي خاضها منذ ظهوره في سوريا قبل أكثر من عامين ودخوله العراق العام الماضي، فإن كوباني لم تكن بعيدة عن هذه المتفجرات التي زرعها «داعش»، حيث استخدم التنظيم خلال معاركه في كوباني وحدها أكثر من خمسين عجلة مفخخة، وفخخ مساحات واسعة من المدينة وأطرافها.
بدوره، قال العميد دحام غرغري، أحد قادة البيشمركة الرئيسيين في كوباني، لـ«الشرق الأوسط»: «تنظيم داعش زرع عددا كبيرا من العبوات الناسفة في مركز مدينة كوباني، أما في أطرافها فنستطيع القول إن العبوات الناسفة قليلة وغير موجودة في بعض المناطق. لا توجد لدى القوات الكردية في هذه المدينة أجهزة ومعدات خاصة بتفكيك العبوات الناسفة وإبطال مفعولها، فالمقاتلون الأكراد يستخدمون وسائل بدائية جدا للتطهير المناطق من الألغام، فيما زرع العدو هذه المتفجرات بطرق فنية، ولا يمكن إزالتها إلا باستخدام الأجهزة المتطورة، ويجب ألا ننسى أن طيران التحالف الدولي لعب دورا كبيرا في تدمير قوة داعش وإجهاض عملياته الانتحارية، ومن هنا نطالب المجتمع الدولي بتزويد القوات الكردية هنا بأجهزة كشف المتفجرات وإبطال مفعولها».



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.