القشعمي... الناظر إلى الحياة بعيون من شَرَر

سجل حتى الآن سيرة أكثر من 300 شخصية من مختلف أنحاء السعودية

محمد عبد الرزاق القشعمي
محمد عبد الرزاق القشعمي
TT

القشعمي... الناظر إلى الحياة بعيون من شَرَر

محمد عبد الرزاق القشعمي
محمد عبد الرزاق القشعمي

قبل عامين ونصف وبعد تقاعده من العمل مديراً للشؤون الثقافية في مكتبة الملك فهد الوطنية، لملم الباحث والمؤلف وكاتب السِّيّر محمد بن عبد الرزاق القشعمي، أوراقه الخاصة، ومنها لوحة ورقية صغيرة كُتبت كلماتها بخطَّي الرقعة والنسخ تحمل بيتاً لشاعر العربية الكبير أبي الطيب المتنبي:
أعز مكانٍ في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب
حمل القشعمي وريقاته واللوحة التي سطر فيها البيت الشعري، وذهب إلى مملكته الصغيرة، مكتبة منزله شرق العاصمة السعودية الرياض، ومسح الغبار عن فضاء صغير في واجهة المكتبة وعلق اللوحة الورقية.
جلس على كرسيه الذي ملّ من «الصرصرة» والدوران طيلة عقود، ليتناول ورقة صغيرة ويكتب: «هنا سأقضي جُلّ وقتي وأكون رهين المحبسين: المنزل والكتاب»، موفراً وقتاً طويلاً كان في أمسّ الحاجة إليه منذ زمن لمواصلة الكتابة والبحث والتأليف والقراءة ليضيف إلى إنتاجه 70 مؤلفاً وبحثاً انجزها بمفردة أو بمشاركة آخرين، إضافةً إلى إشرافه على إصدار العشرات من الكتب وتقديمه لها، وكتابته مقالات ودراسات في الصحف والمجلات تناولت موضوعات أدبية وثقافية وسيراً لشخصيات ورصداً للتحولات في بلاده، وتاريخ الصحافة، فيما يمكن تسميته بالرصد البيبليوغرافي الموثق.
وفي مؤلفاته تناول الباحث القشعمي كل شيء، فكانت «بدايات» و«ترحال الطائر النبيل» و«سادن الأساطير»، وسير أخرى رصدت حياة ومسيرة مبدعين خرجوا من هذه الصحراء، لامس فيها المتاح والمحرم وألّف فيهما، ورصد المتغيرات في بلاده على المستويين الاجتماعي والثقافي، وقدم أعمالاً تناول فيها البدايات الصحافية في بلاده وروادها، كما قدم سيراً عن شخصيات أدبية وثقافية سعودية.
وكان آخر أعماله في مجال التأليف تناوله لنشأة مؤسسات المجتمع المدني في بلاده من خلال كتابه «بوادر المجتمع المدني في المملكة العربية السعودية»، الذي تتبع فيه البدايات الأولى لنشاط المؤسسات الأهلية التي بدأت مع بداية الدولة واستمرت إلى اليوم، والتقط فيه نماذج من تجربة طويلة بخصوص تنظيمات المجتمع المدني في السعودية وتجارب الانتخابات في البلاد انطلاقاً من البدايات الأولى لانتخابات مجلس الشورى القديم، مروراً بالنقابات والروابط والمجالس البلدية والغرف التجارية والجمعيات، ومدى أهمية الانتخابات وإقامة النقابات والروابط بما يمكن تسميته الحراك الاجتماعي قبل قرن، ليعود مجدداً بدخول المرأة لأول مرة إلى مجالس الشورى وإدارات الأندية الأدبية. وفي معارض الكتب التي احتضنتها أمكنة الإشعاع الفكري في طول الوطن العربي وعرضه وفي صالونات مثقفيها كان القشعمي حادياً فيها وهادياً لروادها، وفي مخافر وأرفف الكتب قُدمت بلاغات وشكاوى ضده بتهمة زحزحتها عن أماكنها وتصويرها دون إذن مسبق من محارمها وتوزيعها على طالبيها في ساحات البحث والتقصي.
لاحق القشعمي رائحة الكتب واستظل بورقها وبحث عن عش ذلك الطائر الذي قطع 70 عاماً وهو يلتقط حبات الملح في مدنها ثم يلفظها، ويواصل مسيرته بحثاً عن ملح قريته قصيباء وسط نجد بعد أن رحل عنها والده قبل 62 عاماً. بحث القشعمي آثار عبد الرحمن منيف حتى وجدها، ووضعها في قفص زجاجي ليطّلع عليها كل من يتابع هذا الروائي الكبير الذي ترك «أرض السواد» كآخر محطة توقف فيها في رحلته مع التأليف الروائي.
القشعمي الذي أرعبه منظر السيارة وهو يشاهدها لأول مرة وهي تطوي أرض قريته «معقرة» وتصعد إلى كثيب رملي قريب من القرية فيهرب منها، ويحذّر أحد أبناء عمه من الاقتراب من هذا القادم الضخم الغريب منادياً بأعلى صوته: «ابعد عنها لا تعضك»! تحوَّل إلى مثقف وراصد مميز وكاتب سير، لدرجة أن كاتباً وشاعراً مثل محمد العلي قال في تعليقه على كتاب «بدايات» للقشعمي: «هذا الإصدار ليس فقط، كما يقول هو (فصولاً من السيرة الذاتية)، بل هو فصول من سيرة البلد الواقعية، هذا الكتاب الفريد لا شأن له بالبلاغة، ولا طلاء الوجه بالصور الشعرية، أو تقديم الواقع على طبق من أخيلة. لا، أبداً... إنه مَسْك الواقع من يديه ووضعه أمام القارئ عارياً. صور متلاحقة للحياة بنكهتها (الخام) يصبّها أمامك صباً، وبتدفق كتدفق نار»، مضيفاً: «السؤال الذي كان يخترقني، عند قراءة الكتاب من أول سطر إلى آخر سطر... هو السؤال التالي: كيف نجا هذا الإنسان (القشعمي) من المآسي؟ كيف نجا من العُقد؟! كيف لم يصبح عدوانياً وحاقداً وناظراً إلى الحياة والأحياء بعينين من جمر وشَرَر؟! إنها نعمة كبرى أن تهوي المعاول على إنسان ثم تبقى روحه شديدة الإضاءة».
قدرة على التقاط الأشياء الجميلة وتوظيفها لصالح شخصياته الذين رصدهم، فقد أنجز كتاباً توثيقياً عن حياة سليمان بن صالح الدخيل، أول صحافي من منطقة نجد، تتبع من خلاله حياة الدخيل ابتداءً من مسقط رأسه بريدة حتى هجرته إلى العراق التي يقول عنها القشعمي: «لعل من العوامل التي وفّرت له أسباب التزود بالعلم والمعرفة وجود عمه جار الله الدخيل المقيم في بغداد، إضافةً إلى الأجواء الفكرية المتوافرة، فكان أن برز الدخيل في ميدان الصحافة وأصدر جريدة في بغداد عام 1910 اختار لها اسم (الرياض) تيمناً بحاضرة نجد، الرياض، كما أنه أول نجدي يؤسس داراً للنشر في بغداد ثم يصدر مجلة (الحياة) وجريدة أسبوعية سماها (جزيرة العرب)».
ولعل من الصعوبة أن نرصد كل ما كتبه أو ألّفه الباحث محمد القشعمي الذي بقدر ما هدّه البحث والتعلق بالكتب والتواصل مع المثقفين، محليين وعرباً، فقد هدّه الترحال والسفر منذ أن عمل قبل نحو نصف قرن موظفاً في قطاع الشباب في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، مروراً بإدارة مكاتب رعاية الشباب في كلٍّ من الأحساء وحائل والقصيم، ثم انتقاله للعمل في الإدارة العامة للشؤون الثقافية في الرئاسة العامة لرعاية الشباب، إلى أن تقاعد قبل عشرين عاماً مبكراً عن وظيفة مساعد مدير عام النشاط الثقافي في الرئاسة، ليتجه قبل سنوات إلى مكتبة الملك فهد الوطنية ويعمل فيها مديراً للشؤون الثقافية، وليكون قريباً من عشقه الأول والأخير؛ الكتاب، ليترجل قبل عامين ونصف من العمل الثقافي ويتفرغ لمواصلة التأليف والبحث والقراءة.
ولد محمد عبد الرزاق القشعمي عام 1945 في قرية «معقرة» إحدى قرى منطقة الزلفي داخل نفود الثويرات، وكانت تسمى القرى المحاطة بالرمال العُقل، ومفردها عقلة، والتحق وهو في الخامسة من عمره بكُتّاب القرية، وحصل على شهادة الثانوية العامة من معهد الرياض العلمي قبل 53 عاماً. ثم مارس العمل الحكومي موظفاً في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية (رعاية الشباب) وتنقل في عدة مدن سعودية مسؤولاً عن مكاتب رعاية الشباب، وسكرتيراً للأسابيع الثقافية السعودية في عدة دول، ورأس القسم الأدبي بالشؤون الثقافية بالرئاسة العامة لرعاية الشباب بالرياض قبل 33 عاماً. وبعدها أصدر سلسلة «هذه بلادنا»، وكُلف بعضوية الأمانة العامة لجائزة الدولة التقديرية للأدب، ومثّل بلاده في مناسبات ثقافية، والتحق بمكتبة الملك فهد الوطنية مسؤولاً عن الشؤون الثقافية فيها منذ 20 عاماً، وتبنى مشروع تسجيل «التاريخ الشفهي للسعودية» بلقاءات كبار الأدباء ورجال العلم والتعليم والمال والسياسة. وسجل حتى الآن سيرة أكثر من 300 شخصية من مختلف أنحاء بلاده.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً