الشعراء والكتّاب بين النضوب المؤقت و«السكتة الإبداعية»

بعضهم يقع فريسة الاكتئاب أو الانتحار... وآخرون يقتاتون مما أنجزوه من قبل

محمد الماغوط - أحمد عبد المعطي حجازي - خليل حاوي
محمد الماغوط - أحمد عبد المعطي حجازي - خليل حاوي
TT

الشعراء والكتّاب بين النضوب المؤقت و«السكتة الإبداعية»

محمد الماغوط - أحمد عبد المعطي حجازي - خليل حاوي
محمد الماغوط - أحمد عبد المعطي حجازي - خليل حاوي

إذا كان قدر البشر العاديين أن يواجهوا لمرة واحدة التحدي الوجودي الذي يفرضه الموت على كلّ منهم، فإن الشعراء والمبدعين يواجهون هذا التحدي مرتين اثنتين، أعني الموت الإبداعي والموت البيولوجي. وإذا كان الخوف من الثاني هو القاسم المشترك بين سائر البشر، بمختلف أعمارهم ومستوياتهم الطبقية وهوياتهم القومية والإثنية، فإن الخوف من الثاني لا يقل سطوة عن الأول، عند المشتغلين بالأدب والشعر والفن. بل قد يكون أكثر مدعاة للألم الممض والتصدع النفسي، بالنسبة لمن يرون في الإبداع بمختلف تجلياته هويتهم الحقيقية ومعنى وجودهم على الأرض. فالخوف من الموت باستثناء حالات المرض الداهم، يصاحبه في الأعم الأغلب تأجيل دائم للفكرة، وتعاملٌ مع هذا الأخير بوصفه استحقاقاً يخص الآخرين وحدهم، فضلاً عن كون الموت يأتي مرة واحدة، يحلّ بعدها العدم المطبق والسكون التام، في حين العجز عن الكتابة أو العقم الإبداعي يمنح صاحبه شعوراً بالنقص والهلع وفقدان الجدوى، موازياً إلى حد بعيد لما يشعر به العنّينون؛ حيث أكثر من وجهٍ للشبه يربط بين الخصوبة الجنسية والخصوبة الإبداعية. كما أن المرء، من جهة أخرى، لا يوجد مع الموت في الحيز ذاته وفي الآن إياه، بل إن وجود أحدهما تأكيد على غياب الآخر، كما يذهب أحد الفلاسفة إلى القول. ولكن الشاعر أو الفنان يوجد مع عجزه الإبداعي في زمن واحد، بل في غرفة واحدة، ولذا فهو يتجرع في كل لحظة حنظل الإخفاق وسمّ النضوب المأساوي.
إن الكاتب الذي يكفّ مكرهاً عن الكتابة يشعر بغتة أنه فقد سلاحه الأمضى في وجه الحياة. ذلك أنه لا يجد ما يفعله خارج فضاء اللغة التي لا يتقن «مهنة» سواها، كما أشرت في مقالة سابقة عن مهن الشعراء والمبدعين. ومن الطبيعي أن يشعر ساعتئذ بهامشيته وبحضوره الطفيلي وغير المجدي، وبفقدانه للسلطة الرمزية التي يمتلكها على الكلمات، في عالم عديم الرحمة، يتم تقاسمه بشكل حاسم بين سلطات السياسة والأمن والمال، كما أن شأن الكاتب مع الموت لا يختلف عن شأنه مع الحياة. فالكتابة في عمقها هي تحايل على الموت، وبحث دؤوب عن معادل رمزي لعشبة الخلود التي فشل كلكامش في الاحتفاظ بها لمواجهة مصيره المحتوم، أو هي نوع من اللقاح الذي يحصن الروح ضد جرثومة الزوال ويمنحها مناعة أشدّ في وجه الهبوب المطّرد لرياح العدم. والواقع أن الوضع التراجيدي للمبدعين متصل بكونهم يذهبون أكثر مما يجب، في تقصيهم المعرفي وسط أرض مترعة بالشكوك؛ حيث يتحول العقل المهجوس بالبحث عن إجابات شافية إلى لعنة على صاحبه، على حد تعبير المتنبي. ولعل ما يجنّب البشر العاديين هذا النوع من المكابدات المأساوية، هو تصالحهم مع فكرة الموت، ومع المنظومة الثابتة للقوانين والحقائق الكونية التي يتقبلها هؤلاء بالقدر الأكبر من الرضا والإيمان والتسليم القلبي.
ولا بد من التمييز في هذا الصدد بين الانقطاع المؤقت عن الإنتاج، والنضوب النهائي للمبدعين. فمن الطبيعي، بل من الضروري في بعض الأحيان، أن تكون هناك انقطاعات زمنية معقولة بين دواوين الشعراء أو أعمال الكتاب والفنانين. فهذه الانقطاعات هي الفرص الثمينة التي لا بد منها للتأمل فيما أنجزه الكاتب من أعمال، ولتوفير مزيد من الاطلاع والتحصيل المعرفي، ولتهيئة الظروف الملائمة للانطلاق نحو كشوفات جديدة ومقاربات تعبيرية مختلفة. على أن هذا الانقطاع ما يلبث، متى طال أوانه، أن يتحول إلى خوف داهم من العقم، يقض مضجع الكتاب ويجعلهم فرائس حقيقية لشتى صنوف الوساوس والكوابيس. وقد عبّر غير كاتب عربي وأجنبي عن خوفهم العميق من النضوب النهائي إثر انقطاعهم القسري عن التأليف. فرغم كون نجيب محفوظ هو أحد أكثر الروائيين العرب غزارة في الإنتاج، فإن توقفه الطويل عن الكتابة مطلع خمسينات القرن الفائت، كان واحداً من أصعب المحن والمآزق التي واجهها في حياته. ففي حواره الطويل مع جمال الغيطاني يعترف صاحب «ثرثرة فوق النيل» بأن الثورة التي قام بها الضباط الأحرار على الحكم الملكي آنذاك، بدت من بعض النواحي وكأنها تجيب عن جميع الأسئلة التي طرحتها رواياته على الواقع المصري المأهول بالتصدعات، الأمر الذي دفعه إلى الخرس التام لـ5 سنوات كاملة، قبل أن يكتشف أن الواقع الجديد لم يكن وردياً بما يكفي لحلوله محل الكتابة. والأرجح أن صمت محفوظ الطويل عن البوح السردي قد أكسب كتابته مزيداً من النضج والاختمار، الأمر الذي يظهر جلياً من خلال «ثلاثيته» الشهيرة التي صدرت مباشرة بعد فترة الانقطاع.
لكن حقل الصمت لا يتطابق بشكل دائم مع بيدر الكلام، عند أولئك المصابين بـ«العنّة» الإبداعية. صحيح أن بعض الكتاب يعودون من فترة احتجابهم القسري بعصبٍ أشدّ وزخمٍ أكبر، ولكن الصحيح أيضاً أن آخرين كثراً لا يفلحون لدى عودتهم في إضافة أي شيء يُذكر إلى ما أنجزوه من قبل. وغالباً ما تكون أعمالهم اللاحقة مجرد تقليد باهت لأعمالهم السابقة. وإذ تفتقر تلك الأعمال إلى أي نكهة أو مسوغ أو مذاق، تبدو شبيهة بطعام بائت أو بما يبقى من الوليمة في يومها التالي. ولعل تجربة خليل حاوي الذي عاد إلى الكتابة، مرهقاً وشبه مُكرَه إثر فترة احتجابه، هي الدليل الساطع على ذلك. فحاوي الذي تمكن خلال فترة وجيزة من رفد الحداثة الشعرية العربية بمجموعات «نهر الرماد» و«الرعد الجريح» و«بيادر الجوع»، ذات اللغة العصبية والرؤى الانبعاثية القيامية، لم يضف من خلال عمليه الأخيرين اللذين أعقبا عقداً ونصفاً من الصمت القسري، ما يسوّغ له تلك العودة أو يبررها. إذ كشفت قصائده في تينك المجموعتين عن لغة باهتة وصور مكررة وتراكيب ذهنية مفتقرة إلى الحياة، متماهياً بذلك مع بطله «لعازر» الذي عاد من موته بارداً ومهيضاً ومسلوب الفحولة. وإذا لم يكن انتحار خليل حاوي متصلاً بالشعر وحده، بل بأسباب أخرى تتعلق بتكوينه الجيني والنفسي، كما بعلاقاته العاطفية الفاشلة وبالحال المزري الذي آلت إليه الأمة، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن طريق النجاة لم تكن لتوصد تماماً في وجه الشاعر، لو لم تعمد شياطينه الحرن إلى خذلانه والتخلي عنه. وهو ما أشار إليه محمود درويش في قصيدته «مديح الظل العالي» التي كتبها بعيد حصار بيروت، حين قال: «الشاعر انتحرتْ قصيدته تماماً... وثلاثة خانوه... تموزٌ وامرأةٌ وإيقاعٌ»، ملمحاً بذلك إلى انتحار حاوي التراجيدي في تلك الحقبة العصيبة من الزمن.
لم يكن محمد الماغوط من جهته بعيداً عن تجرّع كأس النضوب المرة التي تجرّعها خليل حاوي. فقد كتب مجموعتيه الأوليين «حزن في ضوء القمر» و«غرفة بملايين الجدران» خلال عامي 1959 و1960. بما يشبه الانعكاس التلقائي والمبكر لاندفاعة البدايات. وفيما كان عليه أن ينتظر 10 سنوات كاملة ليصدر مجموعته الثالثة «الفرح ليس مهنتي»، لم يلبث بعد ذلك أن أخلد على المستوى الشعري البحت إلى الصمت الكامل لما يزيد عن العقود الثلاثة، قبل أن يصدر مجموعتيه الأخيرتين «سياف الزهور» و«شرق عدن... غرب الله»، اللتين افتقرتا إلى جموح الأعمال الأولى ولغتها المتوترة. وإذا كانت المصادفات وحدها هي التي وفّرت لكل من الماغوط وحاوي نوعاً من التناظر اللافت في الصعود والهبوط وعدد المجموعات، فإن ما حمى الأول من مصير الثاني هو إقباله المفرط على الحياة، وعلاقته الساخرة بالوجود والأشياء، فضلاً عن تعدد المجالات التي واصل من خلالها مغامرة الكتابة، وتنوع نتاجه النقدي والمسرحي والسردي.
وفي سياق الحديث عن «الاحتباس» الإبداعي الطويل لدى الشعراء، لا بد أن يستوقفنا المسار الصعب والوتيرة المتفاوتة لعلاقة الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي بالشعر. فحجازي الذي كان شديد الاعتناء بلغته وأسلوبه، والذي بدأ مسيرته الشعرية بشكل مبكر عبر مجموعته المميزة «مدينة بلا قلب» لم يكن بوجه عام شاعراً غزير الإنتاج، كما تُظهر الفترات الزمنية الفاصلة بين أعماله. ومع ذلك فقد بدأ توقفه التام عن النشر في منتصف خمسيناته، أمراً غير عادي ومثيراً للتساؤل. فمنذ عام 1989 حتى اليوم بدت شياطين الشاعر وكأنها توقفت تماماً عن العمل، باستثناء مجموعة واحدة أصدرها في عام 2011 بعنوان «طلل الوقت»، موجهاً من خلالها التحية إلى الثورة المصرية الثانية التي أعادت إلى قصيدته ما يلزمها من أسباب الحيوية والتوهج والجدوى. وحين يُسأل حجازي عن مسببات صمته الطويل يجيب بأن شاعراً له خبرته وباعه الطويل في الكتابة يستطيع أن يستدعي الشعر ويكتبه ساعة يشاء، «غير أنني أفضل ألا أكتب القصيدة إلا إذا فرضت نفسها عليّ فرضاً، فلا أستطيع تجنبها». ثم يضيف قائلاً: «إن الشعر رائع كالحب وقاسٍ كالموت».
سيكون من المتعذر اختتام هذه المقالة عن صمت الشعراء، المؤقت أو الدائم، دون الإشارة إلى الشاعر الفرنسي الأشهر آرثر رامبو الذي وهب فرنسا والعالم، وقبل أن يبلغ العشرين من عمره، إحدى أكثر التجارب الشعرية فرادة وثراء، لينصرف بعد ذلك إلى التجارة والبحث عن المال، عبر مغامراته المشوقة والمحفوفة بالمخاطر إلى الحبشة واليمن، والتي ما لبثت أن تسببت بموته المبكر قبل بلوغه الأربعين. وإذا كان لا بد أخيراً من المفاضلة بين الخيارين القاسيين، الصمت أو اجترار الذات، اللذين يواجههما كثير من الشعراء والمشتغلين بالأدب والفن في مرحلة من المراحل، فإن الخيار الأول على خطورته، هو الذي يليق بالكتاب الحقيقيين الذين يؤثرون الخروج من الحلبة بكامل لياقتهم التعبيرية وشجاعتهم النبيلة، دون أن يمرغوا منجزهم الإبداعي السابق في وحول الرطانة الباهتة والتكرار السقيم.



«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم «غايتواي».

وقال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية استمرت ليوم كامل في مقر وكالة «ناسا» بواشنطن: «تعتزم الوكالة إيقاف مشروع (غايتواي) بشكله الحالي، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تُمكّن من استدامة العمليات على سطح القمر».

وأضاف: «على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف».

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من بين الشركاء في مشروع «غايتواي».

يأتي هذا التغيير الأخير لخطط «ناسا» بعد تعديلات طرأت على برنامج «أرتيميس» الذي يهدف إلى إعادة رواد فضاء أميركيين إلى القمر، والتأسيس لوجود طويل الأمد هناك، تمهيداً لبعثات مستقبلية إلى المريخ.

وكان من المُفترض أن تكون محطة «غايتواي» المدارية القمرية بمثابة نقطة عبور لرواد الفضاء المتجهين إلى القمر، ومنصة للأبحاث.

لم يكن تعليق المبادرة مفاجئاً، إذ انتقدها البعض باعتبارها تهديداً للموارد أو تشتيتاً للانتباه عن طموحات أخرى متعلقة بالمهام إلى القمر.

وقال إيزاكمان إن «ناسا» تخطط حالياً لإنفاق 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة لبناء القاعدة القمرية عبر عشرات المهمات، «بالتعاون مع شركاء تجاريين ودوليين لوضع خطة مدروسة وقابلة للتنفيذ».

وأضاف: «سيكون هناك مسار تدريجي لبناء أول قاعدة دائمة للبشرية خارج كوكب الأرض، وسنأخذ العالم معنا في هذه الرحلة».

«أرتيميس 2»

أعلن إيزاكمان الذي تولى قيادة «ناسا» أواخر العام الماضي، على نحو مفاجئ قبل أقل من شهر، إعادة هيكلة برنامج «أرتيميس» الذي شهد تأجيلات متكررة في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف ضمان عودة الأميركيين إلى سطح القمر بحلول عام 2028.

وأوضح إيزاكمان أن هذا الهدف لا يزال قائماً، لكن وكالة الفضاء الأميركية تُجري تعديلات على برنامج رحلاتها ليشمل مهمة تجريبية قبل الهبوط النهائي على سطح القمر، وذلك لتحسين «الخبرة العملية» في عمليات الإطلاق.

جاء هذا التعديل الاستراتيجي بعد تأجيلات متكررة لمهمة «أرتيميس 2» التي كان من المقرر إطلاقها في فبراير (شباط)، ولكنها باتت مرتقبة حالياً في أبريل (نيسان). وتهدف المهمة إلى تحقيق أول تحليق قريب من القمر منذ أكثر من نصف قرن.

خلال ولايته الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته في أن تطأ أقدام الأميركيين سطح القمر مجدداً.

وتواصل الصين المضي قدماً في خططها لأول مهمة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.

ويعتمد الجهد الأميركي جزئياً على تقدم شركاء «ناسا» من القطاع الخاص.

وقد تعاقدت «ناسا» مع شركتي الفضاء «سبايس إكس» و«بلو أوريجين»، التابعتين للمليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس، لتطوير مركبات الهبوط القمرية المستخدمة في برنامج «أرتيميس».


القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر، وأكدت الوزارة في بيان، الثلاثاء، أن المقال المنسوب للمدعو فؤاد الهاشم، الصحافي الكويتي، تضمن إساءات إلى مصر وشعبها والقيم الأخلاقية العربية، إضافة إلى ادعاءات تسيء إلى الجوانب الصحية والسياحية في مصر.

وعدّ البيان «وقوع هذا الشخص في مستنقع البذاءات التي استخدمها تجاه مصر وشعبها أمراً مرفوضاً، وانحطاطاً أخلاقياً قبل أن يكون سقوطاً مهنياً وإعلامياً، وهو تصرف لا يمكن التسامح معه أو الصمت إزاءه».

ووجهت الوزارة التحية للأصوات الكويتية ومن سائر دول الخليج العربية من إعلاميين ومثقفين ومسؤولين ومواطنين شرفاء، سارعوا لإدانة ما اقترفه ذلك الشخص تجاه مصر وشعبها، وعبروا عن المشاعر الوطنية والقومية الطبيعية والمتجذرة لدى الشعبين في مصر والكويت، وما تضمنته مقالاتهم وآراؤهم بما يربط البلدين الشقيقين عبر التاريخ القديم والحديث من روابط اجتماعية وسياسية وثقافية.

وأهاب البيان بالإعلاميين والمواطنين المصريين عدم الوقوع في فخ الخلط بين انحراف هذا الشخص عن كل القيم والأعراف والأخلاقيات، وبين الشعب الكويتي الشقيق المحب لمصر بقيادته ومواطنيه ونخبه الثقافية والإعلامية، والحريص دائماً على العلاقات الطيبة مع مصر وقيادتها وشعبها، وعدم الانسياق وراء الفتنة التي أرادها هذا الشخص المسيء فى هذا التوقيت تحديداً للوقيعة بين الشعبين، فكاتب المقال لا يمثل في نظرنا إلا نفسه، ونربأ بإعلام وشعب الكويت أن يكون معبّراً عنهم».

وقال السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصر للشؤون الخارجية، إن «العلاقة بين مصر والكويت لن يؤثر فيها سلباً مثل هذه المقالات، لكن من المناسب الرد وتوضيح علاقتنا بالكويت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكويتي يقدرون دور مصر في بناء الكويت الحديثة ودورها في تحرير الكويت بداية التسعينات، ومن ثم يجب عدم الالتفات لمثل هذا الرجل الذي كتب كلاماً لا يستحق القراءة فضلاً عن الرد عليه».

ولفت سعد إلى أن إصدار بيان والتحرك قانوناً في مثل هذه المواقف أمر يعود لتقديرات وزارة الدولة للإعلام، مضيفاً: «في مناسبات سابقة كان هناك دائماً ذوو نفوس ضعيفة يكتبون مثل هذه الكلمات غير المسؤولة والتي تحتاج إلى دليل ملموس يدعمها، وهي صغائر لا تستحق الاهتمام».

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تم اتخاذها تجاه الموضوع بالتنسيق بين وزارتي الخارجية في مصر والكويت، وإحالة الموضوع برمته إلى النائب العام في الكويت الشقيقة لاتخاذ ما يلزم قانوناً إزاءه، كما قام وزير الدولة للإعلام بمصر بالاتصال هاتفياً بوزير الإعلام بدولة الكويت، للتعبير عن الرفض التام لهذا المقال الذي نُشر في إصدار إعلامي كويتي، وهو تصرف غير مقبول، ويسيء للعلاقات الوطيدة بين البلدين، معرباً عن ثقته بأن الجانب الكويتي لن يتهاون إزاء هذا السلوك.

ويرى العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الدكتور حسن عماد مكاوي، أن «المقال المسيء صدر عن شخص ليس له حيثية، وليس له ثقل في المجتمع الكويتي، فهو شخص بلا جنسية (بدون)، وهو كاتب صحافي غير معروف ومحدود القيمة، ولا يستحق الرد على ما قاله من تفاهات وعبث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات بين مصر والكويت أكبر من هذا الأمر، ومثل هذه الكتابات سواء صدرت عن شخص كويتي أو شخص مصري يجب ألا يُعتد بها؛ لأنها لا يمكن أن تؤثر في علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية عبر عشرات السنين الماضية».

وفي الوقت نفسه، جدد وزير الدولة للإعلام خلال الاتصال الهاتفي التأكيد على دعم مصر حكومة وشعباً لدولة الكويت الشقيقة في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية غير مبررة. وأكد البيان أنه يتم التنسيق حالياً بين وزارتي الخارجية فى مصر والكويت بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات قضائية وفق القوانين الكويتية تجاه الشخص المذكور.

وجددت الوزارة عزمها وكل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أي تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية، وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة، القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها.

ووصفت المتخصصة في الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، البيان الصادر عن وزارة الدولة للإعلام في مصر بأنه «متوازن جداً»، وثمنت خطوات الوزارة في سرعة الرد على كل ما يتم نشره دولياً ومحلياً وما يتم تداوله من شائعات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز البيان التفرقة بين الآراء الفردية، والروابط القوية بين الكويت ومصر وغيرها من دول الخليج خصوصاً في وقت الأزمات والحروب».

ولفتت إلى أن «التحرك القضائي وتصعيد الأمر ضد أي شخص يتجاوز أمر مهم جداً، حتى لا نرى كتّاباً آخرين يحاولون التطاول على مصر»، وأكدت أنه «إلى جانب قوة مصر الناعمة يجب أن يعرف المتجاوزون أن مصر يمكنها أن تضرب بيد من حديد على المسيئين والمتجاوزين حتى لا يتكرر الأمر».

وأشارت سارة إلى حوادث عالمية كثيرة تم التحرك فيها قضائياً من قبل الدول ضد مقالات نشرت في دول أخرى تنال من هيبة الدولة المتضررة، وتسيء لها أو لأحد رموزها أو تطلق اتهامات جزافية ضدها.

وكان المقال المنشور في إحدى الصحف الكويتية قد أثار ضجة كبيرة في مصر، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت ابنة كاتب المقال وهي المخرجة السينمائية فرح الهاشم بياناً ورسالة موجهة للرئيس المصري على صفحتها بموقع «فيسبوك» تنفي فيه علاقتها بما يصدر عن هذا الشخص الذي وصفته بأنه «والدها البيولوجي»، وقالت في منشورها إن علاقتها به منقطعة منذ أعوام طويلة، وأنها تختلف تماماً مع آرائه، مؤكدة محبتها وتقديرها لمصر وشعبها.


مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان، بجانب تطور النسق المعماري عبر عصور مختلفة.

وأعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين «المجلس الأعلى للآثار» و«كلية الآثار بجامعة القاهرة»، الثلاثاء، عن اكتشاف بقايا مبنى دير أثري يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، بمنطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والتي تُعد من أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والأثار المصرية، «يمثل هذا الكشف مرحلة هامة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة».

وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيَّد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما يتراوح سُمك الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.80 و2.20 متر.

ويضم المبنى فناءً مركزياً مكشوفاً يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي (حجرات الرهبان) بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل. كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن.

المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور فنون العمارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي أن الاكتشاف يمثل «إضافة نوعية لفهمنا لبدايات الرهبنة في مصر، والتي انطلقت من أرض مصر لتنتشر في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف في إفادة رسمية أن «وادي النطرون يُعد أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر، وهذا الاكتشاف يعزز من مكانته على خريطة السياحة الدينية والثقافية الدولية».

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عدد من أماكن الدفن داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير، في دلالة على الطابع الجنائزي المرتبط بالحياة الرهبانية في تلك الفترة.

ويرى أستاذ الآثار بجامعة القاهرة الدكتور جمال عبد الرحيم أن «الاكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات العلمية حول حياة الرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الآثار المكتشفة ستسهم في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية واليومية للرهبان، بشكل مغاير وأكثر عمقاً مما ورد في كتب التاريخ، حيث تقدم الحفريات تفاصيل مختلفة عن الروايات التاريخية»، مؤكداً أن «الدير المكتشف يبرز تطوراً كبيراً في العناصر المعمارية الخاصة بالأديرة».

يحتوي على عناصر معمارية فريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتضمن الكشف الأثري الجديد تفاصيل معمارية وفنية عدة، حيث تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، وهو ما عدته البعثة «يسهم في تأريخ المبنى، وتوثيق الحياة اليومية للرهبان».

ورأى أستاذ الاجتماع بالكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، الدكتور نصيف فهمي أن «اكتشاف الدير الجديد يفتح مجالاً واسعاً لدراسة الحياة الاجتماعية للرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحياة الاجتماعية للرهبان بها تفاصيل غير معروفة للكثيرين، وتوفر الاكتشافات الأثرية معلومات جديدة».

وبحسب وزارة السياحة، أظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، بمبنى الدير المكتشف، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم عدداً من الصلبان وأشجار النخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.

المبنى يعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الدكتور محسن صالح أن «البعثة وضعت خطة متكاملة لتوثيق المبنى المكتشف وصيانته وفقاً لأحدث المعايير العلمية، مع مراعاة طبيعة مواد البناء الطينية وتحقيق مبادئ الاستدامة». بينما أكد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة الدكتور ضياء زهران، أن المبنى يعد «نموذجاً متكاملاً لمباني الرهبنة المبكرة، حيث يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية»، بينما أوضح رئيس البعثة الأثرية الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام، أن هذا الكشف «يمثل دليلاً مادياً هاماً يؤكد الروايات التاريخية حول نشأة الرهبنة في وادي النطرون»، مشيراً إلى أن «المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور العمارة الرهبانية بين القلالي الفردية والأديرة الكبيرة».