عجائب موزارت التي تفوق الاستيعاب

سيرة جديدة تتناول حياته منذ أن كتب مقطوعته الأولى وهو في الخامسة

مشهد من الفصل الثالث من أوبرا «زواج فيغارو»
مشهد من الفصل الثالث من أوبرا «زواج فيغارو»
TT

عجائب موزارت التي تفوق الاستيعاب

مشهد من الفصل الثالث من أوبرا «زواج فيغارو»
مشهد من الفصل الثالث من أوبرا «زواج فيغارو»

تبدأ حكاية موزارت بـ«أعجوبة 24 يناير (كانون الثاني) 1761». هذه هي العبارة المناسبة التي استعملها جان سوافورد في السيرة الجديدة لموزارت: «موزارت: عهد الحب»، للإشارة إلى ما حدث ذات ليلة في سالزبرغ حين جلس صبي في الرابعة من عمره على البيانو القيثاري في منزل والديه وبدأ يعزف. كانت أخته نانيرل، ذات السنوات التسع، تتمرن على مقطوعة من نوع السكيرزو، وكانت منسجمة مع إيقاعاتها. حين انتهت، أرادت أن تمنحه فرصة. ذُهل والده ليوبولد، الذي كان مؤلفاً موسيقياً، وعازف كمان، ومعلم موسيقى، عندما رأى ما حدث: التقط الصبي حالاً مضمون القطعة، وخلال نصف ساعة، وعلى الرغم من عدم قدرته على قراءة الموسيقى ودون تدريب مسبق على البيانو القيثاري، كان قد حفظها عن ظهر قلب.
يقود ستافورد، وهو مؤلف موسيقي وكاتب سير، باقتدار المتحمسين للموسيقى الكلاسيكية عبر حياة موزارت انطلاقاً من الفعل العجائبي الأول. وُلد موزارت في سالزبُرغ عام 1756 ومنجزات سنواته المبكرة تفوق الاستيعاب. ألّف في الخامسة مقطوعته الأولى، وهي «مينويت» (رقصة بطيئة لقاعات الاحتفال)، وتبعها المزيد بسرعة. هذه الأعمال المبكرة دوّنها ليوبولد موسيقياً (بتعديل طفيف)، لكن ستافورد يؤكد أن ما أجراه موزارت الكبير لم يعدُ كونه ترتيباً طفيفاً لحرصه على الاحتفاظ بما تميز به فن ابنه دون تغيير. قاد الأب بعد ذلك فولفغانغ عبر سلسلة من التمارين استطاعت «المخيلة المتفردة» للابن بعدها أن تستقل بملء الفراغات وصنع الروابط الأكثر خروجاً عن المألوف.
في عام 1762، أخذ ليوبولد فولفغانغ ونانيرل إلى فيينا. كان عزف الفتاة متقناً، ومقطوعات الابن وارتجالاته مثيرة للإعجاب، إلى حد أنهما صارا مدار الاهتمام. الاهتمام المغري: ما تلقاه ليوبولد من المال في أثناء زيارته القصيرة نسبياً فاق مرتبه السنوي بوصفه موسيقياً في أوركسترا بلاط أسقف سالزبُرغ، المعطاء سيغيزموند فون شراتينباخ. ولم يشمل ذلك الهدايا التي أُمطرَ بها الطفلان. السنوات العشر التالية هيمنت عليها الجولات التي كان أطولها، وهي التي عرفت بـ«الجولة الكبرى»، استمرت نحو ثلاث سنوات ونصف وشملت زيارات لعواصم الموسيقى في أوروبا –باريس، ولندن، وأمستردام، وغيرها. مهندس عمليات الإنتاج الواسعة هذه كان ليوبولد الذي خطط لها، حسبما دوّنه لاحقاً عن جولة إيطاليا، كما يخطط لحملة عسكرية وإلى الحد الذي جعله يشير إلى ابنه على أنه «جنديي الصغير».
كان موزارت يؤلّف على مستوى جنوني، سواء كان في البيت في سالزبُرغ أو، كما في الغالب، على الطريق. كتب سيمفونياته الأولى قبل بلوغه العاشرة، ومعظمها مرتّبة وتتألف من ثلاث حركات، إلى جانب سيرينادات أوركسترالية. معزوفاته القدّاسية الأولى تعود إلى سنوات المراهقة. وعلى مستوى أكثر طموحاً، بدأ يؤلف الأوبرا، ذلك النوع الذي سيضع له سقفاً جديداً. وما إن بدأت التكليفات تأتي إليه حتى بدأ يصقل مهنته. حسب سوافورد «كان موزارت في السادسة عشرة أحد أفضل مؤلفي المقطوعات الغنائية، ولكن الأهم من ذلك أنه كان قد بدأ يصنع فناً يجعل الحياة أحلى، أكثر حدة، وأكثر توتراً». خلال عام واحد، كتب موزارت ما يعدها سوافورد أولى سيمفونياته «التي لا تُنسى»، السيمفونية رقم 25. إنه الآن مؤلف موسيقى ناضج.
ما بين 1773 و 1781 كان موزارت متمركزاً في سالزبُرغ. لم يعد الطفل الموهوب. التفت إلى كتابة الكونشيرتو واضعاً نفسه في دور النجومية. بدأ يعلّم مكيّفاً تعليماته للتناسب مع قدرات تلامذته. وقع في حب السوبرانو الجميلة ألويسيا فيبر، لكنه تزوج أختها كونستانز فيما بعد. ولم يغيّر ذلك من تبرمه من محدودية سالزبُرغ، لكن لم يكن هناك مصدر إزعاج له أكثر من موظِّفه، الأسقف الجديد هيرونيموس كوليردو. كان كوليردو تقدمياً متعالياً يتعامل مع من هم أقل منه باحتقار. ولأن موزارت كان مستاءً من النظر إليه على أنه خادم، سعى إلى انتزاع نفسه من قبضة الأسقف باحثاً دون جدوى عن جهة أخرى ليعمل لديها. وبما أن مسيرته المهنية لم تعد مما يمليه عليه أبوه، مضى موزارت، حسب سوافورد، «في إفساد كل فرصة تأتيه». فضح المؤلفين المعروفين، تبرم عند الطلب إليه أن يؤدي بآلات غير مناسبة، ولم يستطع إخفاء قرفه من الذائقة الهابطة لرعاته المحتملين. ووصلت الأمور إلى حدها عام 1781 حين لم يعد كوليردو قادراً على تحمل مخططات موزارت وقلة أدبه فأمر بطرده من الباب. وخارج الباب، يقول سوافورد، دخل موزارت «مجده».
جاء مجد موزارت في أثناء السنوات العشر ما بين 1781 و1791 حين جعل فيينا مدينته. من بين ثمار تلك المرحلة كانت السيمفونيات الست. الثلاث الأخيرة بين تلك، أفضلها، أُلفت في نحو ستة أسابيع. في إيماءة وفاء لهايدن، أبو الرباعية الوترية، نشر موزارت رباعيات «هايدن» الست عام 1785. يقتبس سوافورد الإهداء الذي يكشف فيه موزارت عمّا يعنيه «تقبل» المؤلف الأكبر سناً له. يقول سوافورد إن الكونشرتوات السبع عشرة من فترة فيينا كانت «أكثر وزناً، وأكبر صوتاً... أقرب إلى أن تكون سيمفونيات من أي كونشيرتوات سبقتها». اثنتان منها: «الـك. 449» و«ك. 453» مهداة إلى تلميذته عالية المهارة فنياً باربرا بلوير.
ثم تأتي الأعمال الأوبرالية، تحديداً الثلاثة مع ليبيريتات ألّفها لورينزو دا بونتي: «زواج فيغارو»، و«كوزي فان توتي»، و«دون جيوفاني». من أبرز ما في الكتاب تناوله لهذه الأعمال. فيما يتعلق بـ«فيغارو» يتتبع سوافورد تطوّرها من مسرحية «لبومارشيه» عام 1778 التي سخرت من مبالغات الأرستقراطية وما اقترفته من مساوئ. كَلّف موزارت دا بونتي باستخلاص ليبيرتو من المسرحية. ويتضح أن دا بونتي كان هو نفسه شخصية أوبرالية. قام دا بونتي، وهو اليهودي بالولادة الذي تحول إلى الكاثوليكية، وكان دارساً متحمساً للغات وقساً استسلم ذات مرة استسلاماً تاماً لمُتع الجسد، بتخفيض عدد الشخوص وتبسيط الحبكة، مانحاً القصة رشاقة وعفوية تناسبت مع ما سعى إليه موزارت. يشير سوافورد إلى مساهمات السوبرانو نانسي ستوريس التي يدعوها «روح الإنتاج الأول»، والتينور مايكل كيلي الذي أقنع المؤلف بتقبل تأتأته في الأداء مع المغنين الستة في الفصل الثالث. لقد منحت تلك الأوبرا موزارت قدراً هائلاً من الارتياح. كتب إلى صديق له بعد افتتاح 1786 بفترة ليست طويلة عن الإنتاج في براغ: «إنهم لا يتحدثون هنا عن شيء سوى الفيغارو. لا شيء يُعزف، يُغنى أو يُصفر سوى الفيغارو. لا شيء يجتذب كما تجتذب الفيغارو. لا شيء، لا شيء إلا الفيغارو». يضيف سوافورد أن «موزارت لم يقترب من الكمال كما فعل في الفيغارو».
يتمتع سوافورد، الذي كتب سيراً لبيتهوفن وبرامز وتشارلز آيفز، بطلاقة في الكتابة وعين بصيرة بالتفاصيل. يقول عن نفسه في المقدمة: «أنا في المقام الأول مؤلف موسيقي، وأكتب سير المؤلفين الموسيقيين من تلك الزاوية». مقدار التحليل الموسيقي في الكتاب ضخم –وقد يكون بالنسبة لغير المختصين أضخم مما ينبغي. في حين تغيب الأمثلة الموضوعة في شكل نوتات، فإنه كلما كان القارئ عارفاً بالجانب الفني كان ذلك أفضل.
لقد انتهت حياة موزارت بعمل عجائبي أخير. الفلوت السحري، كونشيرتو الكلارينيت، «آفي فيروم كوربوس» (مرحباً أيها الجسد الحقيقي)، بدايات الريكويوم (موسيقى قدّاس الموتى) –كانت هذه بين الأعمال الخالدة لعام 1791. مات موزارت في أوائل ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام. كان في الخامسة والثلاثين. يقول سوافورد: «الآلهة، أو الطبيعة، أو كائناً من كان، الذي خلق موزارت خلق دون مبالاة أعجوبة، ودون مبالاة تركها تنمحي قبل أوانها بكثير؛ الآلهة لا تهتم»، لكنه مخطئ؛ الآلهة تهتم: فمَن غيرها كان يمكنه أن يمنحنا موسيقى فولفغانغ أماديوس موزارت؟

* مراجعة لكتاب «موزارت: عهد الحب» لجان سوافورد
المصدر: «نيو كرايتيريون»



مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)

بينما كان يستعد محمد صدقي الموظف الأربعيني العامل في الرياض لشراء هاتف جديد لزوجته ليصطحبه هدية لها الصيف المقبل بعد عودته المقررة في الإجازة السنوية خلال شهر مايو (أيار) المقبل، قرر التراجع عن الخطوة بعد قرار الحكومة المصرية إلغاء الإعفاءات الشخصية على الهواتف الجوالة مع المصريين القادمين من الخارج.

يأتي ذلك في وقت تصاعدت فيه المطالبات بإعفاء العاملين المغتربين من «جمارك الجوال» التي تصل إلى نحو 38.5 في المائة على بعض الأنواع من الهواتف، مع التأكيد على دور المغتربين في «إنقاذ الاقتصاد بتحويلاتهم الضخمة التي تسجل زيادة شهرية وفق البيانات الرسمية.

وسجلت تحويلات المصريين المغتربين من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي نمو بزيادة تقارب 42 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام قبل الماضي مع تسجيل 37.5 مليار دولار وفق الأرقام الرسمية لتكون الأعلى على الإطلاق بحسب بيانات «المركزي المصري».

ومنذ مطلع 2025، طبقت الحكومة المصرية قراراً يقضي بالسماح للمصريين المقيمين بالخارج أو العائدين من رحلات سفر بالسماح باصطحاب هاتف شخصي واحد معفى من الرسوم الجمركية كل 3 سنوات مع تعديل اشتراطات التسجيل عدة مرات قبل أن يدخل قرار جديد بإلغاء جميع الإعفاءات لكافة المصريين اعتباراً من ظهر (الأربعاء).

ووفق بيان مشترك بين «مصلحة الجمارك» و«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (الثلاثاء) فإن تطبيق «منظومة حوكمة أجهزة الهاتف الجوال الواردة من الخارج» ساهمت في دخول 15 شركة عالمية لتصنيع أجهزة الهاتف الجوال بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنوياً، وهو ما يتجاوز احتياجات السوق المحلية.

هواتف الآيفون الأكثر تأثراً بالقرار الجديد (إ.ب.أ)

وقدرت وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج السابقة سها الجندي في مارس (آذار) 2024 عدد المصريين بالخارج بنحو 14 مليون شخص.

وتوجد فروق سعرية لافتة في أسعار الهواتف الجوالة داخل مصر وخارجها، خصوصاً العلامات الشهيرة.

وتتيح الحكومة مهلة 90 يوماً لاستخدام الأجهزة للمصريين القادمين من الخارج على مدار العام مع إرسال بيانات رسمية تفيد بتوقيت الدخول حال حدوث مشكلة في عدم استجابة الهاتف للعمل على الشبكات المصرية، وفق التعديلات الأخيرة، مع إتاحة الفرصة لكل من يقوم بشراء هاتف من الخارج لسداد الرسوم المقررة خلال مهلة الـ90 يوماً قبل إيقاف الهاتف عن العمل.

وانتقد عدد من المصريين بالخارج عبر مواقع التواصل القرار الحكومي باعتباره يفرض عليهم رسوماً إضافية.

فيما تحدث الإعلامي عمرو أديب عن «غضب كبير» بسبب القرار بين المصريين بالخارج.

وطالب الإعلامي أحمد موسى بالسماح للمغتربين بإدخال هاتف واحد سنوياً معفى من الجمارك والضرائب لدورهم في دعم الاقتصاد.

ولعبت الزيادات «القياسية» في تحويلات المصريين بالخارج دوراً في توفير موارد للنقد الأجنبي خلال الفترة الماضية مع تراجع عائدات قناة السويس تأثراً بحرب غزة وما تبعها من اضطراب لحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأعلنت وكيل لجنة «الاتصالات» بمجلس النواب (البرلمان) مها عبد الناصر عن انعقاد اللجنة قبل نهاية الشهر الجاري لمناقشة القرار مع المسؤولين الحكوميين لبحث توقيته، وتداعياته، ودوافع اللجوء إليه.

وقالت عبد الناصر لـ«الشرق الأوسط» إن أقل شيء يمكن تقديمه للمصريين المغتربين هو إعفاؤهم من الرسوم والجمارك لهاتف واحد سنوياً تقديراً لدورهم ودعمهم للاقتصاد الوطني، مشيرة إلى أن «كافة دول العالم تمنح المغتربين استثناءات، وسبق للحكومة المصرية أن أعدت تشريعاً مماثلاً في امتيازات الإعفاء للسيارات التي يقومون باستيرادها من الخارج».

وأكدت أنه يوجد «تفهم لبعض دوافع الحكومة نتيجة ممارسات لما وصفته بـ(مافيا استيراد الهواتف) الذين استغلوا ثغرات قانونية لإدخال هواتف دون رسوم عبر استغلال المسافرين لإدخال الهواتف بأسمائهم وبيعها بالأسواق، لكن في الوقت نفسه لا يتوجب معاقبة الجميع بسبب هذه السلوكيات».

مغتربون مصريون بالخارج يطالبون بمنحهم تسهيلات (إ.ب.أ)

وأكد «نائب رئيس شعبة الاتصالات والجوال بغرفة القاهرة التجارية» وليد رمضان لـ«الشرق الأوسط» أنه «في حالة استثناء المصريين بالخارج بالسماح بإدخال هاتف كل عام أو عامين فإن الأمر لن يشكل مشكلة بالنسبة لقطاع الاتصالات»، مشيراً إلى أن «القرار يمكن إصداره تقديراً لدورهم في دعم الاقتصاد والعملة الصعبة التي يقومون بإدخالها عبر التحويلات الدورية».

وأوضح أنه يوجد «ترحيب داخل الأوساط التجارية بالقرار، لكونه يحد من عمليات التهريب والثغرات التي جرى استغلالها في الفترة الماضية»، مشيراً إلى «أن هواتف (الآيفون) تعد الأكثر تأثراً بالقرار، وهي لا تصنع في مصر بالوقت الحالي».

وأعرب متابعون عن تعجبهم من القرار الذي تم اتخاذه بداعي دعم المنتجات المحلية، وانتقدوا ارتفاع أسعار الهواتف الجوالة المصنعة داخل مصر مقارنة بأسعار الأنواع نفسها ببقية الدول العربية الأخرى، حيث تسجل فارقاً لافتاً في السعر. معتبرين أن القرارات السابقة لم تصب في مصلحة المواطنين المصريين.


«القاهرة للكتاب» يُذّكر بأصحاب «التجارب المنسية»

فعاليات متنوعة يضمها معرض «القاهرة الدولي للكتاب» في دورته 57 (وزارة الثقافة)
فعاليات متنوعة يضمها معرض «القاهرة الدولي للكتاب» في دورته 57 (وزارة الثقافة)
TT

«القاهرة للكتاب» يُذّكر بأصحاب «التجارب المنسية»

فعاليات متنوعة يضمها معرض «القاهرة الدولي للكتاب» في دورته 57 (وزارة الثقافة)
فعاليات متنوعة يضمها معرض «القاهرة الدولي للكتاب» في دورته 57 (وزارة الثقافة)

افتتح رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الدورة الـ57 من معرض «القاهرة الدولي للكتاب»، الأربعاء، بحضور وزير الثقافة المصري، أحمد فؤاد هنو، والفنان حسين فهمي، وعدد من المسؤولين والشخصيات العامة والسفراء الأجانب، على أن يفتح المعرض أبوابه للجمهور من العاشرة صباح الخميس، ويستمر يومياً حتى 3 فبراير (شباط) المقبل.

ويتضمن المعرض هذا العام فعاليات عدّها مثقفون ونقاد «رداً لاعتبار أصحاب التجارب المنسية» في مجالات مختلفة من الإبداع الأدبي والموسيقى والنقد والفلسفة، مثل اختيار الرسام ومصمم الأغلفة الراحل محيي الدين اللباد ليكون شخصية معرض كتاب الطفل، فضلاً عن استعادة واحدة من أكثر تجارب الغناء عذوبة وجمالاً عبر احتفالية مئوية الموسيقار والمطرب النوبي أحمد منيب.

ويتضمن المعرض برنامجاً ثقافياً وفنياً متنوعاً يشمل 400 فعالية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وأكثر من 1500 مثقف ومبدع. يشارك في المعرض 1457 ناشراً من 83 دولة، ويستضيف دولة رومانيا بوصفها ضيف شرف لهذه الدورة، وتم اختيار اسم أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ شخصية المعرض، بالتزامن مع مرور 20 عاماً على رحيله، كما تم اختيار الفنان محيي الدين اللباد شخصية معرض كتاب الطفل.

ومن الأمثلة الأخرى اللافتة في هذا السياق المؤتمرات والندوات المخصصة لمناقشة تراث المفكر الراحل لطفي السيد الملقب بـ«أستاذ الجيل»، و«الكتابات المجهولة» للمفكر الراحل سلامة موسى الذي تأثر به نجيب محفوظ، وتطرق مراراً إلى فضله عليه ومكانته الكبيرة، فضلاً عن إعادة قراءة المنجز الثقافي للناقد الأدبي شكري عياد، وتكريم كل من الشاعر عمر نجم الذي رحل 1995 وترك إرثاً لافتاً في كل من شعر العامية والنقد الفني، والروائي عبد الوهاب الأسواني الذي رحل في 2019، ومن أبرز أعماله «سلمى الأسوانية»، و«اللسان المر»، و«النمل الأبيض».

«القاهرة للكتاب» اختار نجيب محفوظ شخصية للمعرض (وزارة الثقافة)

وأشاد الناقد الأدبي والأكاديمي، عبد الكريم الحجراوي، بما سمّاها «لفتة عظيمة تستوجب التحية والتقدير من القائمين على الدورة الجديدة من المعرض»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر شهدت تجارب مدهشة لرواد منسيين في مجالات مختلفة في القرن العشرين تستوجب إعادة تقديمها للأجيال الجديدة؛ حفاظاً على الذاكرة الوطنية قبل أن تتوه في الزحام ويعلوها غبار النسيان».

ووُلد محيي الدين اللباد في 1940، وعرف خلال مسيرته الفنية بوضعه أطراً ابتكارية جديدة لكتب الأطفال، سواء على مستوى الرسومات والأغلفة أو المضمون القصصي التربوي، ويتم الاحتفاء به من خلال فعاليات متنوعة، مثل «اللباد وتجربته في تأسيس دار الفتى العربي»، فضلاً عن إقامة معرض يضم أعماله الأصلية النادرة، وكذلك تنظيم أنشطة تفاعلية للأطفال تستلهم أسلوبه وأفكاره، مع إعادة طباعة عدد من أعماله الأيقونية، مثل «المراهقون فوق سن الحادية عشرة»، و«الرسم والتلوين الزيتي»، و«كروان»، وأيضاً إصدار «كتاب تذكاري» شامل يوثق مسيرته التي تُوّج خلالها بلقب «فيلسوف الصورة».

ويعد التكريم هو الأول من نوعه رسمياً بهذا الحجم داخل مصر لمحيي الدين اللباد الذي سبق تكريمه في بيروت 1979، وألمانيا 1985، وسلوفاكيا 1989، وفرنسا 1993 عبر فعاليات مختلفة من معارض الكتب والجوائز.

ومن المحتفى بهم أيضاً الموسيقار والمطرب أحمد منيب المولود في أسوان 1926، حيث مزج الإيقاعات النوبية بالموسيقى الحديثة ببراعة لافتة جعلت منها فناً محبباً للأجيال الجديدة منذ السبعينات من القرن الماضي، كما أسهم في اكتشاف وإطلاق نجومية عدد من المطربين الجدد في زمنه، مثل محمد منير وحميد الشاعري وعمرو دياب، فضلاً عن الأغاني التي قدمها بصوته مثل «مشتاقين»، و«بلاد الذهب»، و«كان وكان»، و«يا عشرة تهوني ليه».

رئيس الوزراء يفتتح الدورة 57 لمعرض «القاهرة الدولي للكتاب» (وزارة الثقافة)

ويعد المفكر والكاتب سلامة موسى (1887 - 1958) من أبرز أعلام النهضة العربية في القرن العشرين، وعرف بكتاباته الرصينة التي تدعو إلى التحديث وربط العلم بالتقدم، عبر كثير من المؤلفات، ومن أبرزها «تربية سلامة موسى»، و«هؤلاء علموني»، و«ما هي النهضة؟» و«الإنسان قمة التطور».

ويعد الدكتور شكري عياد (1921 - 1999) مؤسس علم الأسلوب في النقد العربي الحديث، وأحد أبرز من مزجوا بين التأصيل الثقافي والانفتاح الحداثي في الثقافة العربية من خلال كتابه الشهير «مدخل إلى علم الأسلوب»، فيما يُنظر إلى نقده لترجمة أرسطو في كتابه «فن الشعر» بوصفه واحداً من أدق المراجع التي أبرزت أثر الفلسفة اليونانية في الفكر النقدي العربي.

ويلفت الحجراوي إلى أن «الأسماء التي يستعيد المعرض مسارها الفكري الثقافي تعد امتداداً طبيعياً لتيار الحداثة والنهضة الذي أطلقت شرارته الأولى الحملة الفرنسية على مصر في 1798، ثم تبلور على يد محمد علي وتأسيسه للدولة الحديثة»، مشيراً إلى أنه «كان يتمنى الاقتصار على عدد محدود من تلك الأسماء المحتفى بها بما يقارب الثلاثة أو الأربعة فقط في الدورة الجديدة من المعرض، بحيث تكون هناك فرصة أفضل للتعمق في تجربتها».


«الملتقى العربي للعرائس» يستعيد نشاطه بعد توقف 8 سنوات

الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية
الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية
TT

«الملتقى العربي للعرائس» يستعيد نشاطه بعد توقف 8 سنوات

الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية
الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية

استعاد الملتقى العربي «للعرائس والدمى والفنون المجاورة» نشاطه مجدداً بعد توقف دام 8 سنوات، منذ دورته الرابعة التي أقيمت عام 2018، إذ افتتحت دورته الخامسة في القاهرة، الأربعاء، وتستمر حتى 23 يناير (كانون الثاني)، الحالي، بتنظيم «الهيئة العربية للمسرح»، وبالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، وبمشاركة دولية واسعة شملت: مصر، وفلسطين، والعراق، والجزائر، وتونس، ولبنان، والإمارات، والكويت، وتنوعت بين العروض العرائسية والحكواتي، والندوات الفكرية.

وفي كلمته خلال حفل الافتتاح الذي أقيم في «المجلس الأعلى للثقافة» بدار الأوبرا المصرية، الأربعاء، وصف الأمين العام «للهيئة العربية للمسرح»، الكاتب الإماراتي إسماعيل عبد الله، عودة الملتقى بالقاهرة التي صنعت تاريخاً لهذه الفنون، بأنها «عودة حميدة».

وكشف إسماعيل عبد الله عن أن «الملتقى سيكون موعداً للإبداع وتبادل الخبرات والمهارات، ولترسيخ ثقافة فن كان الصورة الأولى لكل ما تفتق عنه العقل البشري ووصل إليه من إبداع مسرحي وسينمائي»، مؤكداً أن الهيئة العربية للمسرح أوصت بضرورة الاهتمام بهذه الفنون، وإحياء ما تراجع منها، وإنقاذ ما هو عرضة للاندثار.

الكاتب والمخرج الفلسطيني غنام غنام (الهيئة العربية للمسرح)

وبدوره، أشاد مدير مسرح العرائس، الدكتور أسامة محمد علي، في كلمته خلال حفل الافتتاح، بجهود «الهيئة العربية للمسرح»، وبفنون العرائس، لافتاً إلى «أنها كائنات لا تشيخ لأنها تستمد عمرها، وتجدد شبابها من دهشة وفرحة الأطفال، ونبض قلوب فنانيها، وأنها ليست مجرد دمية، بل هي وسيط إنساني بليغ يحمل هويتنا وقيمنا ولغتنا إلى أجيال المستقبل».

ومن جانبه، أكد الكاتب والمخرج الفلسطيني غنام غنام، مدير التدريب والتأهيل والمسرح المدرسي بالهيئة العربية للمسرح، أن الملتقى ليس تنافسياً ولن يكون ولا يوجد به جوائز للأفضل، بل هدفه تبادل الخبرات، والبحث عن العروض التي تتضمن الثيمة التي تحقق الغرض وتعتمد على التكنولوجيا، دون الوقوع تحت سطوة المنافسة.

وأوضح غنام في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الملتقى عادة يقام كل عامين، وكان من المفترض إقامته مطلع عام 2020، ولكن انتشار فيروس (كورونا)، حينها حال دون ذلك»، موضحاً أن آلية الاختيار تضمنت أسس صناعة الدمى وتحريكها، ومدى إتقانها، وأن الكثير من العروض الدولية التي تقدمت لم يقع الاختيار عليها لعدم جودتها وحرفيتها في التحريك والتصنيع، مؤكداً أن «العروض الأكثر مشاركة كانت من دولتين ينتعش بهما فن العرائس، وهما مصر وتونس».

وكشف غنام عن أن «تقديم نماذج مسرحية بارزة هو هدف الملتقى»، بجانب ندوات الخبراء الذين تميزت أعمالهم في هذا الجانب، ولديهم «سر الصنعة»، وذلك من أجل استفادة محبي هذا المجال، من بينهم سعيد أبو رية الخبير المصري في فن العرائس، والأخوان كريم ووليد دكروب من لبنان.

وأطلقت النسخة الأولى من «الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى»، عام 2013 من إمارة الشارقة بالإمارات، بينما تجول الملتقى فيما بعد في تونس، والقاهرة، وطنجة بالمغرب، ثم عاد مجدداً للقاهرة، حيث تقام فعالياته عبر عدة مواقع، وهي «المجلس الأعلى للثقافة»، ومسارح «الهناجر»، و«القاهرة للعرائس»، و«المتروبول»، و«الحديقة الثقافية بالسيدة زينب»، و«بيت السحيمي»، كما يمتد من خلال «المعرض الثالث للدمى والعرائس»، الذي يشرف عليه الفنان وليد بدر، في قاعة آدم حنين بمسرح الهناجر، بجانب تكريم كل من الفنان المصري محمد كشك، والفنان الجزائري قادة بن سميشة، والفنان الفلسطيني عبد السلام عبده.

إلى ذلك، يشارك «البيت الفني للمسرح»، التابع لقطاع المسرح بمصر، في الدورة الـ5 بعرضين من إنتاج فرقة القاهرة للعرائس، وهما «ذات الرداء الأحمر»، أداء صوتي لعدد من الفنانين من بينهم إسعاد يونس، وهالة فاخر، وإخراج نادية الشويخ، وعرض «قطرة ندى»، والمستوحى من المسرحية العالمية «هبط الملاك في بابل» للكاتب فريدريش دورينمات، ويشارك في الأداء الصوتي، إيهاب فهمي، مروة عبد المنعم، وإخراج رضا حسنين.

وحسب بيان البيت الفني للمسرح، فإن هذه المشاركة تؤكد دور مسرح القاهرة للعرائس في «دعم وتطوير فنون العرائس»، وتقديم عروض تجمع بين «القيمة الجمالية والرسالة الثقافية والتربوية»، وتسهم في «تطوير خطاب مسرح الطفل»، و«تعزيز حضور فنون العرائس»، بوصفه أحد أهم أشكال التعبير المسرحي القادرة على مخاطبة الوجدان.