إردوغان يسعى لتغييرات بقانوني الانتخابات والأحزاب لتجنب هزيمة في 2023

تشمل التضييق على باباجان وداود أوغلو وتعديل نظام الدوائر لصالح «العدالة والتنمية»

إردوغان يغادر اجتماعاً حول إصلاحات اقتصادية في إسطنبول الجمعة (رويترز)
إردوغان يغادر اجتماعاً حول إصلاحات اقتصادية في إسطنبول الجمعة (رويترز)
TT

إردوغان يسعى لتغييرات بقانوني الانتخابات والأحزاب لتجنب هزيمة في 2023

إردوغان يغادر اجتماعاً حول إصلاحات اقتصادية في إسطنبول الجمعة (رويترز)
إردوغان يغادر اجتماعاً حول إصلاحات اقتصادية في إسطنبول الجمعة (رويترز)

بدأ الرئيس التركي رجب طيب وإردوغان وحزبه العدالة والتنمية العمل على خطة إنقاذ استعداداً للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في عام 2023، وسط مؤشّرات تؤكدها استطلاعات الرأي المتعاقبة على تآكل قاعدة الحزب.
ويسعى الحزب بالتعاون مع حليفه في «تحالف الشعب»، حزب الحركة القومية، على إدخال تعديلات على قانوني الانتخابات والأحزاب السياسية من أجل الحد من فرص أحزاب المعارضة وضمان بقاء الحزب الحاكم في السلطة.
وبحسب ما تتداول الأوساط السياسية والحزبية في أنقرة، تتضمّن التعديلات في قانون الانتخابات خفض الحد النسبي لدخول الأحزاب البرلمان (العتبة الانتخابية) من 10 إلى 7 في المائة، بعدما كان المقترح سابقاً خفضه إلى 5 في المائة، وتستهدف هذه الخطوة إنقاذ حزب الحركة القومية التي تشير جميع استطلاعات الرأي إلى أنه لن يتمكن من تجاوز الحد النسبي، ومنع أحزاب المعارضة، وأهمها «الجيد» برئاسة ميرال أكشينار، و«الديمقراطية والتقدم» برئاسة علي باباجان، و«المستقبل» برئاسة أحمد داود أوغلو من دخول البرلمان كأحزاب منفردة دون الدخول في تحالفات انتخابية، مع وضع حد أدنى للتحالفات الانتخابية 12 في المائة لدخول البرلمان.
ووفقاً لأحدث استطلاعات الرأي، التي أجراها مركز «سوسيو بوليتيك» التركي، فإن 3 أحزاب فقط ستكون قادرة على تجاوز نسبة الـ10 في المائة من أصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة، هي العدالة والتنمية بنسبة 36 في المائة، والشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة بنسبة 29 في المائة، والشعوب الديمقراطية (المؤيد للأكراد) بنسبة 10.4 في المائة.
وبحسب نتائج الاستطلاع، الذي أُجري في 18 ولاية تركية في الفترة بين 15 و19 فبراير (شباط) الماضي، تراجع تأييد «تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، إلى 44 في المائة. وقال منظمو الاستطلاع إن الجديد هو أنه بات من غير المرجح عودة المؤيدين المحبطين، الذين ابتعدوا عن حزب العدالة والتنمية، للتصويت له في الانتخابات المقبلة، وإن هذه النسبة قد تذهب إلى حزبي باباجان وداود أوغلو.
وإلى جانب التغيير في العتبة الانتخابية، تتضمن التعديلات إعادة تخطيط الدوائر الانتخابية، وتطبيق نظام «المنطقة الضيقة»، وهو مزيج بين النظام الحالي ونظام المنطقة ذات العضو الواحد، ليزيد عدد الدوائر الانتخابية بحيث يكون لكل دائرة 7 نواب، وسيؤدي ذلك في النهاية إلى تفضيل الأحزاب الأكبر، وسيصعب على الأحزاب الصغيرة والجديدة الفوز بمقاعد في البرلمان، حيث أظهرت عمليات المحاكاة أن حزب العدالة والتنمية سيحصل على ما يصل إلى 12 مقعداً إضافياً حال تطبيق هذه التغييرات.
وتتضمن التعديلات المقترحة على قانون الأحزاب السياسية، فرض شروط أكثر صرامة على شروط حصول الأحزاب على الدعم المقدم من خزانة الدولة، ويتعلق هذا بشكل خاص إلى حزب الشعوب الديمقراطية، الذي يتهمه إردوغان بالارتباط بحزب العمال الكردستاني، المصنف كمنظمة إرهابية في تركيا، وقد يتم ربط حصول الحزب على الدعم بفوزه بأكثر من 7 في المائة من الأصوات.
ويضغط حزب الحركة القومية، حليف حزب إردوغان، من أجل إغلاق حزب الشعوب الديمقراطية، وهو ما أكد الأخير أنه سيرد عليه بإعادة تشكيل نفسه تحت اسم جديد، كما حدث من قبل مع أحزاب مؤيدة للأكراد.
وقال الرئيس المشارك للحزب، مدحت سانجار، إن إردوغان يرغب في إغلاق حزبنا ظنّاً منه أن ذلك سيمكن حزبه من الحصول على أصوات مؤيدي الحزب لكننا لن نترك له هذه الفرصة، وسنعيد تشكيل حزب جديد سيحظى بتأييد أكبر، كما أن الناخبين سيعاقبون إردوغان على إقدامه على خطوة منافية للديمقراطية، بإغلاق الحزب.
وإلى جانب هذه التعديلات المقترحة على القانونين، يخطط إردوغان لتغييرات في الهياكل القيادية واللجنة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية بنسبة لا تقل عن 70 في المائة، بحسب ما أكد الكاتب في صحيفة «حرييت» المقرب من حزب إردوغان، عبد القادر سيلفي، بدأت باختيار عثمان نوري كاباك تبه، المقرب من رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان، في 28 فبراير الماضي، في ذكرى الانقلاب الأبيض على أربكان عام 1997، رئيساً لفرع الحزب في إسطنبول، في مؤشر على استعادة إردوغان ما يسمى بـ«روح 1994» للحزب من خلال استحضار شخصيات مقربة لأربكان مؤسس تيار الإسلام السياسي وحركة «ميللي غوروش» (النظرة الوطنية) في تركيا.
وقال سيلفي إن إردوغان يسعى لإنجاز تغيير بنسبة 70 في المائة في أمانات الشباب والمرأة ورؤساء الفروع، مع إمكانية إجراء تعديل وزارة يشمل تعيين وزراء من المجموعة البرلمانية للحزب، قبل المؤتمر العام المقبل له، فيما يوصف بأنه تقليد سياسي قبل المؤتمرات العامة، يتمثل في إحداث تجديد بقيادة الحزب، وبعدها يتم استجلاب شخصيات من المجموعة البرلمانية لتولي حقائب وزارية في الحكومة. ولم يكن النائب المكلف بالوزارة في النظام البرلماني مجبراً على تقديم استقالته، وهو الأمر الذي يختلف عنه في النظام الرئاسي الحالي المطبق منذ عام 2018.
ونقل سيلفي عن مصادر حزبية، أن التغييرات المحتملة ستطال مجلس الوزراء أولاً ثم إدارة الحزب، وأن إردوغان يقوم بإعادة هيكلة حزب العدالة والتنمية بما يتماشى مع انتخابات عام 2023، التي ينظر إليها الرئيس التركي على أنها مصيرية لحزبه ولتركيا أيضاً.
ولم يطرأ أي تغيير على حكومة إردوغان منذ عام 2018، سوى إقالة جاهد تورهان من وزارة النقل، واستقالة وزير المالية والخزانة، صهر إردوغان، برات البيراق، الذي تسود توقعات بأن التغييرات الجديدة، قد تعيده من جديد إلى الساحة السياسية التركية بمنصب داخل الحزب، لا الحكومة في ظل الدفاع المتكرر لإردوغان عنه في خطاباته الأخيرة واعتبار أن الانتقادات التي تعرض لها ليس بسبب عمله وإنما بسبب صلته بعائلته.
وإلى جانب إعداد رسائل للناخبين عن التجديد في حزبه، طرح إردوغان حزمتي إصلاحات في مجال حقوق الإنسان والاقتصاد تمهيداً لإقرار دستور جديد للبلاد، واللتين انتقدتهما المعارضة بشدة.
واتهم علي باباجان رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» حكومة إردوغان بإضعاف الاقتصاد والتعليم، قائلاً إن مشاكل التعليم والقانون إذا لم تحل بسرعة، سيقع أصحاب الدخل المتوسط في الفخ، قائلاً: «لدي توصيتان مهمتان للحكومة اليوم، القانون والتعليم، دعهم يضعون هاتين النقطتين أمامهم ومن ثم سيتعافى الاقتصاد بعدها».
ودعا رئيس حزب «المستقبل» أحمد داود أوغلو، إردوغان إلى بيع الطائرات الرئاسية أولاً قبل حديثه عن الترشيد وعدم الإسراف، وذلك بعدما قال إردوغان إن حزمة الإصلاحات الاقتصادية تشمل ترشيد شراء المركبات العامة.
وقال داود أوغلو: «نصيحتي لك هي أن تفعل أمرين قبل الحديث للشعب حول ترشيد شراء المركبات العامة، أولاً أن تبيع طائراتك الخاصة التي يساوي ثمنها عشرات وأحياناً مئات المركبات، ثانياً: عندما تذهب إلى صلاة الجمعة أو التطعيم لا تأخذ أكثر من مركبتين أو ثلاث، وليس عشرات المركبات، إذا نفذت أنت هذا أولاً، سيستمع الآخرون إليك».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...