موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي

مشكلات الجمهوريات السوفياتية السابقة على خط التوتر المتفاقم بين روسيا والغرب

موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي
TT

موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي

موسكو أمام عاصفة من الأزمات في محيطها الحيوي

أعادت تطورات الوضع في أرمينيا، مع انزلاق الجمهورية السوفياتية السابقة، نحو انقسام غير مسبوق، واتساع موجة الاحتجاجات، والمطالبة باستقالة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، الوضع في الفضاء السوفياتي السابق إلى الواجهة، على خلفية مواجهة موسكو عاصفة من الاضطرابات في محيطها.
وبدا أن أعمدة اللهب التي تتصاعد في عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة، مع تزايد معدلات الاستياء من أداء الحكومات، وتدهور مستوى الاقتصاد، وانعدام الآفاق... تنذر بمزيد من الفوضى في هذه المنطقة الحساسة بالنسبة إلى روسيا، والتي ظلت على مدى عقود بعد انهيار الدولة العظمى تحتل المرتبة الأولى على رأس اهتمامات السياسة الخارجية الروسية. ثم إنها أحد العناصر الأساسية لزيادة التوتر بين موسكو والغرب، على خلفية اتهام موسكو لحلف شمال الأطلسي «ناتو» بتنشيط مساعيه للتوسع شرقاً، واستخدام آليات «الثورة الملوّنة» لتشديد ما بات يعرف بـ«حزام أزمات» حول روسيا.
ينطلق خبراء روس من أن الأحداث الجارية في وقت متزامن في أكثر من بلد محيط تهدف إلى إشغال روسيا بهموم مباشرة على حدودها، ودفعها إلى الانخراط أكثر في معالجة أوضاعها... ما يقلّص من قدرتها على تنشيط سياساتها الخارجية في مناطق أخرى. وهكذا فإن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، التي تشهد تقلبات ومطالب بالتغيير تغدو ساحة الصراع الأساسية بالنسبة إلى موسكو التي تتطلع منذ سنوات لتوسيع حضورها على المسرح الدولي.
الجبهة الرئيسية المشتعلة حالياً هي أرمينيا. إذ قادت محاولة «الانقلاب العسكري» بحسب وصف رئيس الوزراء نيكول باشينيان قبل أسابيع في الجمهورية القوقازية الصغيرة إلى بروز وضع خطر في البلاد على خلفية الانقسام الحاد داخل كل من المؤسسة العسكرية والشارع الأرميني حول مطلب إطاحة باشينيان والدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة تعيد ترتيب الصفوف الداخلية بعد الهزيمة المرة التي تجرعتها أرمينيا في مواجهات الحرب الأخيرة مع أذربيجان. وكما هو معروف أسفرت هذه المواجهات عن اضطرار أرمينيا إلى التخلي عن جزء كبير من أراضي إقليم ناغورنو قره باغ المتنازع عليه مع «جارتها» أذربيجان، بما في ذلك مدينة شوشة الاستراتيجية التي تحظى بأهمية رمزية كبرى في الذاكرة الوطنية الأرمينية.
وصحيح أن التحركات في أرمينيا مرتبطة بتلك الهزيمة، لكن بدا أن لها سماتها الخاصة؛ الجيش يبدأ، الشعب يدعمه. ووفقاً لهذا «السيناريو»، تتطور الأحداث في بلد يعتبر حليفاً لروسيا. غير أن العامل الروسي هو الذي لعب دور الفتيل المشتعل في برميل من البارود في جمهورية ومنطقة مضطربتين تحملان إرثاً قديماً من الصراع الثقافي السياسي والعسكري.
- غلطة باشينيان القاتلة
قبل أسبوعين أطلق نيكول باشينيان تصريحاً أثار عاصفة من الجدل عندما أشار إلى أن صواريخ «إسكندر» التي زوّدت روسيا بها الجيش الأرمني في وقت سابق، لم تعمل بشكل جيد خلال الحرب، بل إن مستوى فعاليتها لم يتجاوز 10 في المائة.
على الفور ردّت هيئة الأركان العامة لجيش أرمينيا بعنف على رئيس الوزراء، وألقت باللوم عليه في كل المشكلات. وعندما سخر أحد كبار الجنرالات من تصريحات باشينيان، أصدر الأخير أمراً بإقالته. وكانت تلك الإقالة الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة. إذ ردت رئاسة الأركان ببيان وقّعه 40 من كبار الجنرالات اتهموا فيه باشينيان بإهانة الجيش وطالبوا باستقالته فوراً. وسرعان ما انضمت المعارضة الأرمينية، التي ركبت موجة خيبة الأمل بسبب الهزيمة العسكرية الأخيرة، إلى مطالب المؤسسة العسكرية عبر تنظيم احتجاجات حاشدة وإعلان عزمها الذهاب إلى النهاية... وفي النتيجة، بات باشينيان يواجه، مثل رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، هتافات «ارحل».
وفي هذا السياق، وإذا كانت سلطات بيلاروسيا نجحت بمساعدة روسيا في الحفاظ على الوضع المحلي، على الأقل حتى اعتماد الدستور البيلاروسي الجديد، فإنه من غير المرجح في أرمينيا أن يهدأ الوضع بسرعة. وصحيح أن رئيس الوزراء لديه مؤيدون... لكن هؤلاء أقل عدداً بكثير من المعارضين. ومن ناحية أخرى، مع أن أرمينيا لم تنقسم تحت وقع الاحتجاجات المطالبة باستقالة باشينيان، تماماً مثلما حدث في بيلاروسيا... فإن ثمة انقساماً في أرمينيا حصل بطريقة أخرى. إذ وقفت الشرطة إلى جانب المتظاهرين، وأعلنت وزارة الدفاع الانحياز إلى رئيس الوزراء خلافاً لموقف رئاسة أركان الجيش التي تدير عملياً القطعات العسكرية. وفي الوقت نفسه، فإن الوضع لا يزال مرشحاً للتأرجح. ولقد كتب إدمون ماروكيان، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «أرمينيا الساطعة»، على صفحته على موقع «فيسبوك» قائلاً: «لقد دخلت البلاد في حالة من الاضطراب وانعدام اليقين، وهو أمر محفوف بالعواقب الوخيمة».
- بيلاروسيا تستعد لموجة احتجاجات جديدة واسعة
في هذه الأثناء، في دولة مجاورة أخرى لروسيا غرباً هي بيلاروسيا... تستمر المحاكمات ضد المعارضين. وعلى الرغم من احتجاجات الغرب، فإن القيادة البيلاروسية في العاصمة مينسك تتخلص تدريجياً من أولئك الذين يمكنهم قيادة أو تنظيم الاحتجاجات ضد السلطات.
هؤلاء جارٍ إرسالهم إلى السجن لتغيير رأيهم. ولقد أعلن الاتحاد الأوروبي أخيراً أنه يتابع عن كثب ما يحدث في بيلاروسيا، بما في ذلك اضطهاد المدافعين عن حقوق الإنسان وممثلي النقابات العمالية والمحامين وكذلك محاكمات الصحافيين. وقال بيتر ستانو، المتحدث باسم خدمة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي: «يجب أن يتوقف هذا الأمر، فهو غير مقبول في أوروبا القرن الحادي والعشرين. الاتحاد الأوروبي يعتقد أنه بدلاً من كل هذه الإجراءات وعمليات التخويف التي تأتي بنتائج عكسية، يجب أن تركز السلطات على إطلاق حوار على مستوى البلاد لحل الأزمة الحالية في البلاد. إلا أن السلطات البيلاروسية، مع ذلك، لا ترغب في الدخول في هذا الحوار. إذ تعتقد مينسك أن مثل هذا الحوار قد حصل بالفعل، ومن خلال «مجلس الشعب لعموم بيلاروسيا». وللعلم، يمنح دعم مندوبي هذا التجمع الشعبي الرئيس ألكسندر لوكاشينكو الفرصة للبقاء في منصبه حتى الانتخابات الرئاسية القادمة. وهو سيتمسك بإحكام بذلك.
حتى الآن تبدو السلطات البيلاروسية مقتنعة بأنها ما زالت قادرة، عبر الدعم الروسي الكامل، على مواجهة موجات الاحتجاج، غير أن المعارضة لوّحت مع بداية الربيع بـ«انطلاقة جديدة لثورة شعبية» لإطاحة «آخر الديكتاتوريات في أوروبا»... كما وصفت حكم لوكاشينكو.
- أوكرانيا... توقعات مقلقة
في ثاني كبرى الجمهوريات السوفياتية، السابقة بعد روسيا، ثمة مَن تخوف من الانزلاق نحو مواجهة عسكرية جديدة.
هنا أيضاً في أوكرانيا احتجاجات تكاد تكون متواصلة، وهي تعلو وتخفت في مناسبات مختلفة. وأهم الاحتجاجات الحالية تحركت بسبب الحكم على الناشط سيرغي ستيرنينكو لمدة 7 سنوات و3 أشهر بتهمة تصفية أحد المشاركين المناهضين لتحركات الميدان. فقد اجتاحت المسيرات جميع أنحاء البلاد، وطالب المتشددون بالإفراج عن ستيرنينكو وإجراء إصلاح قضائي. وأعطت المعارضة الرئيس فلاديمير زيلينسكي أسبوعاً للتفكير... أما بعد ذلك فهي تعد بإطلاق «ميدان جديد».
المتطرفون ليسوا كل المجتمع الأوكراني، لكن إذا كان المرء يتابع استطلاعات الرأي الاجتماعية، فإن تصنيف زيلينسكي ينخفض بشكل حاد، ولذلك يزيد حضور الراديكاليون. ولا يخفي خبراء روس قناعة بأن «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يصرف الناس عن متاعبهم، ويسقط موجة الاحتجاج، هو تفعيل الجيش الأوكراني في جنوب البلاد. وبناءً على ذلك، لا بد من توقع مرحلة جديدة من الحرب في حوض الدونباس». ومن جانب ثانٍ، تصاعد الصراع في شرق أوكرانيا وجنوبها من جديد خلال الشهر الأخير، وزادت أعداد الانتهاكات لنظام وقف النار ما أوقع مزيداً من القتلى والجرحى من كلا الجانبين. ومن وجهة النظر الأوكرانية، فإن التصعيد مرتبط بعدد من الظروف، منها رغبة روسيا في صرف الأنظار داخلياً وأوروبياً عن ملف المعارض الروسي أليكسي نافالني. وهناك من يقول إن انخفاض شعبية الرئيس الأوكراني بسبب الإخفاق في الوفاء بوعود التسوية السلمية لمشكلة حوض الدونباس، مع تدني أداء الاقتصاد، وتزايد الديون، وتداعيات تفشي فيروس (كوفيد 19) مع فشل برنامج التطعيم، كلها «عناصر تدفع كييف إلى الهروب إلى أمام».
- استعداد لتصعيد متبادل
هنا تبرز مفارقة لافتة، إذ تبدو كل من موسكو وكييف مستعدة لتصعيد الموقف الميداني، وينطلق كل طرف من مصالح خاصة. موسكو سرّعت خلال الأسابيع الأخيرة منح الجنسية لمواطني إقليمي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليين، وهي تتحدث بنشاط متزايد عن استعدادها لحماية «مواطنيها» في شرق أوكرانيا، بينما تتزايد الفعاليات الشعبية في الإقليمين التي تطالب بالانضمام إلى روسيا. وثمة من يقول إن موسكو أيضاً «تتأهب للهروب إلى الأمام، في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة عليها، وعودة الإدارة الأميركية الجديدة للتلويح بضرورة معاقبة موسكو على ضم شبه جزيرة القرم، عبر تزويد أوكرانيا بأسلحة فتاكة، ومضاعفة العقوبات على الروس».
وبالفعل، ظهرت أولى بوادر التصعيد مع توجّه الرئيس زيلينسكي إلى استخدام أداة «مجلس الأمن القومي والدفاع» لتبني عقوبات ضد نواب معروفين لهم علاقات مع السلطات الروسية، بتهم تمويل الإرهاب... ومن هؤلاء فيكتور ميدفيدتشوك (القريب من الرئيس فلاديمير بوتين) وزوجته أوكسانا مارشينكو. وأيضاً هناك قرارات بإغلاق قنوات تلفزيونية مملوكة لمؤيدي ميدفيدتشوك – تاراس كوزاك، وهي «112 أوكرانيا» و«زيك تي في» و«نيوس ون». وجرى تنفيذ قرار «مجلس الأمن القومي والدفاع» بمرسوم رئاسي... ويعتبر هذ القرار ساري المفعول فور نشره.
أيضاً، ربط ليونيد كرافتشوك، ممثل أوكرانيا في «مجموعة الاتصال الثلاثية» تفاقم العنف في الدونباس بالعقوبات الشخصية ضد ميدفيدتشوك وكوزاك، قائلاً: «أعتقد أن هذا يرجع إلى حقيقة أن أوكرانيا بدأت في اتخاذ إجراءات، وأن زيلينسكي فرض عقوبات على القنوات الموالية لروسيا ودعايتها. إنهم شعروا أن أوكرانيا انتقلت من الأقوال إلى الأفعال. بالإضافة إلى ذلك، كيف قيمت أوروبا تصرفات روسيا، والوضع مع (نورد ستريم 2). وخطابات بايدن وفريقه. لقد أدركت روسيا أن الوضع لم يكن في صالحها وبدأت في إظهار أن لديها أيضاً القوة، ويمكنها فعل شيء ما».
في المقابل، كتب يفغيني مورايف، النائب السابق في البرلمان الأوكراني من المعارضة، ومالك القناة التلفزيونية «ناش» على صفحته في موقع «فيسبوك» قائلاً: «أفهم أن لدى الرئيس كثيراً من المستشارين وكتّاب السيناريو الذين يهمسون في أذنه أن الحرب ستشطب كل شيء... لكن الأمر ليس كذلك. هذا خطأ فادح... قبل أن تبدأ اللعب بالعضلات، تحتاج إلى الحصول على العقول. خلال السنوات الأخيرة في المنطقة غير الخاضعة للسيطرة، تلقى الأوكرانيون ما يقرب من 400 ألف جواز سفر روسي، ما يعني أن الحرب ستكون مختلفة وواسعة النطاق. لن تكون هناك حاجة للأقنعة بعد الآن».
ومن جهته، قال المتحدث باسم الوفد الأوكراني في «مجموعة الاتصال الثلاثية» أليكسي أريستوفيتش إن خطة السلام الجديدة للدونباس، التي اقترحتها فرنسا وألمانيا، ستناقش من قبل المستشارين السياسيين لرؤساء دول «رباعية النورماندي» بحلول نهاية مارس (آذار) الحالي. ويعتقد ممثل الإقليمين الانفصاليين في «مجموعة الاتصال الثلاثية» سيرغي غارماش، أن روسيا غير راضية عن مبادرات ألمانيا وفرنسا، ولذا فإنها تجهز لتحرك عسكري في الدونباس، ما قد يصبح سبباً لإدخال «قوات حفظ السلام الروسية» فيها. ووفقاً لغارماش، فإن الغرض هو خلق «واقع جديد في الدونباس» يجعل المقترحات الألمانية الفرنسية «غير قابلة للتطبيق، وبالتالي، يسمح لموسكو بالحفاظ على الصراع وفقاً للنموذج الأبخازي». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 90 في المائة من سكان إقليم أبخازيا الذي أعلن انفصالاً من جانب واحد عن جمهورية جورجيا يحملون حالياً جنسيات روسية. ثم إن موسكو اعترفت في وقت سابق باستقلال الإقليم، مع استقلال أوسيتيا الجنوبية التي تشهد وضعاً مماثلاً تماماً.
- حالتان محرجتان في مولدوفا وجورجيا
> انطلاقاً من أوكرانيا، والكلام عن سعي موسكو لاعتماد «النموذج الأبخازي»، هنا إطلالة على الوضع في كل من جمهوريتي مولدوفا المتاخمة لأوكرانيا، وجورجيا نفسها.
في مولدوفا، تتزايد السجالات حول المنطقة الأمنية على نهر الدنيستر، الخاضعة لسيطرة جنود حفظ السلام الروس. وهناك 3 أطراف مشاركة في «مهمة حفظ السلام» هناك هي مولدوفا وسلطة «ترانسنيستريا» وروسيا... ولا يمكن للأطراف الثلاثة الاتفاق.
هذا المرض يأخذ أشكالاً مزمنة، إذ تعتبر قوات حفظ السلام الروسية القوة الرئيسة في الوحدة الثلاثية. ويُظهر الجانب المولدوفي، من خلال الخطوات التي اتخذها أخيراً، عزمه على تعطيل المهمة. ومن ثم، إخراج قوات حفظ السلام الروسية من منطقة بريدنوستروفيه المولدوفية الانفصالية التي تحظى بدعم روسي، وهي دعوة كررتها القيادة المولدوفية أكثر من مرة خلال الشهر الأخير. أما السبب المباشر الجديد للتصعيد، فوقع عندما قررت مولدوفا تنظيم فعاليات غير مسبوقة لإحياء ذكرى اندلاع الحرب التي قادت إلى انفصال الإقليم في العام 1992. وكان وفد مولدوفا إلى لجنة المراقبة المشتركة على نهر الدنيستر، قد أخطر مركز التنسيق المشترك كتابياً بالعمل على تنظيم فعالية في قرية كورزوفو سيجري من خلالها إحياء الذكرى السنوية الـ29 لبدء «إجراءات الكفاح من أجل سلامة جمهورية مولدوفا واستقلالها».
وللعلم، في مثل هذا اليوم من عام 1992 بدأت الحرب على نهر الدنيستر بالفعل من هذه القرية. وفي إقليم بريدنيستروفيه الانفصالي، يعد تاريخ ومكان إحياء المناسبة صفعة على الوجه. في غضون ذلك، شدد ممثلو مولدوفا في لجنة التنسيق المشتركة على الجانب البريدنيستروفي أنه «لا ينبغي أن يسمح بأعمال استفزازية يمكن أن تعطل النظام العام، ودُعي ممثلو بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وأوكرانيا للمساعدة في مراقبة الوضع في المنطقة الأمنية أثناء إحياء المناسبة»، فيما اعتبر ممثلو الإقليم تصرفات مولدوفا بمثابة «استفزاز». من جانب متصل، فإن كورزوفو بلدة تقع في ضواحي مدينة دوبوساري على الضفة اليسرى لنهر الدنيستر، وتعتبرها مولدوفا قرية مستقلة، بينما يدعي قادة إقليم بريدنوستروفيه أنها تحت ولايته. ولذا، عندما تحاول مولدوفا تنظيم بعض الفعاليات مثل الانتخابات، فإن الجانب الانفصالي يعرقلها دائماً.
في جورجيا، التي لا تبعد كثيراً عن هذه الأجواء العاصفة، تتزايد الاضطرابات أيضاً، بعدما أعلنت المعارضة الجورجية عن إطلاق سلسلة فعاليات واسعة لتنظيم احتجاجات طوال شهر مارس الحالي. وكانت شرارة الأحداث انطلقت في 26 فبراير (شباط) عندما بدأت أحزاب المعارضة في جورجيا احتجاجات متواصلة تطالب بالإفراج عن أحد الساسة المحليين البارزين، وتحديد موعد لانتخابات برلمانية جديدة مبكرة.
على هذه الخلفية، تراقب موسكو بحذر تصاعد الأوضاع في محيطها، وسط توقعات متشائمة، ومخاوف من احتمال أن تضطر للانزلاق نحو الانخراط في عمل عسكري في شرق أوكرانيا أو في مولدوفا. وفي الحالين تواجه روسيا مخاطر توسيع المواجهة مع الغرب عموماً، والانشغال أكثر بمحيط ملتهب يزيد من مشكلاتها القائمة أصلاً، على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولعل ما يزيد الأمر دقة أن روسيا تتحضر هذا العام لاستحقاق انتخابات البرلمان الروسي... الذي بدا مبكراً أنه محاط بعدد من الأزمات، لا تقتصر على ملف المعارض أليكسي نافالني، وما تصفه موسكو بأنه «محاولات غربية للتدخل واستفزاز ثورة شعبية داخلية».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.