إسقاط الإدانات عن «لولا» يفتح نافذة أمل لليسار البرازيلي

في أول نكسة جدّية لرئاسة جاير بولسونارو

إسقاط الإدانات عن «لولا» يفتح نافذة أمل لليسار البرازيلي
TT

إسقاط الإدانات عن «لولا» يفتح نافذة أمل لليسار البرازيلي

إسقاط الإدانات عن «لولا» يفتح نافذة أمل لليسار البرازيلي

نهاية الأسبوع الماضي كان الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيغناسيو دا سيلفا، المعروف بلقبه الشائع «لولا»، يؤكد في حديث صحافي طويل أنه إذا كُتب له النصر في معركته القضائية ضد الحكم الذي جرّده من حقوقه السياسية وأدخله السجن في عام 2018، سيكون جاهزاً للترشّح إلى الانتخابات الرئاسية خلال العام المقبل ضد الرئيس اليميني المتشدد الحالي جاير بولسونارو. لكن «لولا»، الذي قاد البرازيل، (عملاق أميركا اللاتينية)، على امتداد ولايتين رئاسيتين متتاليتين من عام 2003 حتى عام 2011، وتغلّب على مرض السرطان ثمّ على فيروس «كوفيد - 19» وهو في السادسة والسبعين من عمره... لم يكن يتوقّع إلغاء الأحكام الصادرة بحقه بمثل هذه السرعة. وجاءت هذه الخطوة عندما أعلن أحد قضاة المحكمة البرازيلية العليا يوم الاثنين الفائت، أن المحكمة التي أدانت الزعيم التاريخي لحزب العمّال اليساري بجرائم الفساد وقطعت عليه – بالتالي – الطريق نحو الترشّح للانتخابات الرئاسية قبل أكثر من سنتين، ما كانت مخوّلة صلاحية البتّ في قضايا من هذا النوع.
لا شك في أن هذا القرار المفاجئ، الصادر على أساس إجازة النظام القضائي البرازيلي لعضو واحد من القضاة الأحد عشر في المحكمة العليا أن يتخذّه بشكل منفرد، يشكّل نصراً مبيناً لزعيم حزب العمّال الذي كان إبعاده عن المشهد السياسي مدخلاً لصعود بولسونارو وتياره اليميني المتشدد، وإسفيناً عميقاً في نعش اليسار البرازيلي الذي عرف مع «لولا» أبهى الانتصارات... وأصيب معه أيضاً بأقسى الهزائم. وإذا كان المراقبون يجمعون على أن إسقاط الأحكام التي تدين الزعيم اليساري بالفساد تشكّل أيضاً إشارة انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن أحداً لا يجازف بتقدير تداعياتها القضائية والسياسية التي ما زال يكتنفها ضباب كثيف لا يستبعد أن يحمل المزيد من المفاجآت.
التعليق الوحيد حتى الآن الذي صدر عن فريق المحامين الذين يدافعون عن الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» في أعقاب الحكم التاريخي بإسقاط إدانته – وبالتالي، فتح الباب أمامه مجدداً للعودة إلى عالم السياسة –، كان اقتباساً حرفيّاً من تغريدة له، قال فيها «هذا القرار يؤكد عدم اختصاص العدالة الفيدرالية في (مدينة) كوريتيبا (جنوب البرازيل)، والاعتراف بأننا كنّا دائماً على حق في هذه المعركة القانونية».
وفي حين حرص «لولا» على تجنّب الكلام عن تحضيره لخوض المعركة الرئاسية المقبلة كمرشّح، كان الحذر أيضاً غالباً على الموقف الرسمي لحزب العمّال، الذي اكتفى بالقول في بيان رسمي مقتضب صادر عن رئيسته غليسي هوفمان «نحن بانتظار نتائج التحليل القانوني لقرار القاضي إدسون فاتشين، الذي يعترف متأخرا خمس سنوات بأن (القاضي) سيرجيو مورو لم يكن مخوّلاً محاكمة لولا». وكانت النيابة العامة قد أعلنت أنها تعدّ طعناً في القرار لن تُعرف نتائجه قبل شهرين أو ثلاثة.
- تعليق بولسونارو
أما الرئيس الحالي جاير بولسونارو، فقال، من جهته، إن الشعب البرازيلي لا يريد عودة «لولا» كمرشح للرئاسة، وإن القاضي الذي اتخذ القرار معروف بعلاقته الوثيقة مع حزب العمّال. غير أن رئيس مجلس النوّاب ارتور ليرا وضع الحدث في سياقه الصحيح المُحاط بالغموض والتساؤلات؛ إذ علّق قائلاً «... يساورني شك كبير أمام هذا القرار المنفرد لأحد أعضاء المحكمة العليا: هل يهدف إلى تبرئة لولا؟ أو لإنقاذ القاضي مورو الذي أصدر الأحكام بإدانته؟».
وحقاً، القرار الصادر عن قاضي المحكمة العليا فاتشين لا يخوض في حيثيات أداء القاضي سيرجيو مورو، الذي تولّى بعد ذلك حقيبة العدل في أول حكومة شكّلها بولسونارو، قبل أن يستقيل عندما ارتفعت أسهمه السياسية كمنافس للرئيس، ويتهمّه بالتدخّل لعرقلة تحقيقات تطال اثنين من أبنائه، ولا يبتّ في حياده أو انحيازه. وفي المقابل، يكتفي القاضي فاتشين في قراره المفاجئ بالقول، إن محكمة كوريتيبا، التي كان يرأسها القاضي مورو، لم تكن مخوّلة النظر في القضايا المرفوعة ضد «لولا». وهو ما يعيد الأمور إلى نقطة الانطلاق الأولى في سياق التحقيقات حول قضايا الفساد التي تجمّعت تحت عنوان «لافا جاتو» والتي أدت إلى سجن «لولا» لمدة 19 شهراً. وتجدر الإشارة إلى أن القضاء البرازيلي كان قد قّرر أخيراً طي ملفّ التحقيقات في هذه القضايا التي طالت عدداً كبيراً من المسؤولين السياسيين ورجال الأعمال، وما زالت تشغل النظم القضائية في بعض بلدان أميركا اللاتينية، حيث أدت إلى استقالة عدد من الوزراء وانتحار الرئيس الأسبق لجمهورية البيرو آلان غارسيّا.
ومن المؤشرات على عمق «الخضّة» التي أحدثها هذا القرار كان تراجع العملة البرازيلية بنسبة 7 في المائة مقابل الدولار الأميركي وانخفاضاً ملحوظاً في أسعار سوق الأسهم (البورصة) لأربعة أيام متتالية، في الوقت الذي تعاني البرازيل من خروج جائحة «كوفيد - 19» عن السيطرة بعدما تجاوز عدد الوفيّات 270 ألفاً، وزادت الإصابات المؤكدة عن 11 مليون حالة. وكان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس قد حذّر من أن الوضع الوبائي في البرازيل بات يشكّل تهديداً لأميركا اللاتينية بأسرها، بينما تشتدّ الانتقادات الموجّهة ضد بولسونارو بسبب استخفافه بالفيروس، وسوء إدارته للأزمة، وتقصيره في توفير اللقاحات الكافية، ومن ثم، إصراره على إنكار خطورة تفشي الجائحة رغم الأوضاع المأساوية التي يشهدها النظام الصحي البرازيلي وسقوط ضحية واحدة كل دقيقة.
- المسألة غير محسومة
في أي حال، لم يقل القضاء البرازيلي كلمته النهائية بعد في قضايا الفساد التي حاصرت «لولا» لسنوات. ولا تزال أنظار الملايين مشدودة إلى شاشات التلفزيون كلما انعقدت جلسة للمحكمة العليا التي تنقل وقائعها مباشرة وتبثّ على وسائل التواصل الاجتماعي. بل إن شهرة أعضائها الأحد عشر أصبحت تنافس شهرة لاعبي المنتخب البرازيلي لكرة القدم. وفي حين كان أعضاء المحكمة يناقشون في جلستهم يوم الثلاثاء الماضي موضوع «حياد» القاضي مورو أو «انحيازه» في محاكمة «لولا»، طلب أحد القضاة مزيداً من الوقت لدراسة الملفّ وتقرّر تعليق الجلسة حتى منتصف الأسبوع المقبل لاتخاذ القرار النهائي.
وهكذا، في انتظار معرفة وجهة المسار القضائي في أكبر قضية فساد عرفتها البرازيل ودول أميركا اللاتينية، تتضارب آراء المحللين حول ما إذا كان ترشّح «لولا» للانتخابات الرئاسية المقبلة سيزيد من حظوظ بولسونارو في تجديد ولايته أم العكس. وللعلم، فإن 30 في المائة من البرازيليين ما زالوا يؤيدون الرئيس اليميني الحالي رغم الفضائح والانتكاسات العديدة التي تشهدها رئاسته منذ بدايتها والفشل الذريع في إدارة الأزمة الصحية وتداعياتها.
وفي المقابل، بجدر التذكير بأن «لولا»، الذي عرفت شعبيته مستويات غير مسبوقة في البرازيل وبين أوساط اليسار في عموم أميركا اللاتينية، يواجه أيضاً قدراً من الحقد العميق الذي يكنّه له قسم كبير من مواطنيه الذين صوّت كثيرون منهم لبولسونارو من باب الغضب والخيبة، وثمة من يرى أنه لن يكون من السهل عليه أن يستردّ ثقتهم من الآن حتى موعد الانتخابات الرئاسية في خريف العام المقبل. ويضاف إلى ذلك أن ترشح «لولا» للرئاسة يحتاج إلى دعم مشكوك فيه حالياً من القوى اليسارية الأخرى وأحزاب الوسط، ويرجّح بعض المراقبين أن يؤدي خوض «لولا» المعركة الرئاسية المقبلة كمرشّح إلى تأجيج مشاعر الرفض ضد حزب العمّال الذي سيصبّ مجدداً في مصلحة بولسونارو. ولكن، لا يشك المراقبون في أن عودة الزعيم والرئيس الأسبق، المعروف بأفكاره ومواقفه اليسارية الواضحة، إلى المشهد السياسي... تشكّل تحديّاً ضخماً بالنسبة لمن يعتبرون أن هزيمة اليمين المتطرف الذي يقوده بولسونارو مستحيلة من غير مرشّح تدعمه قوى الوسط واليمين واليسار المعتدلة.
- «حماية» القاضي مورو
في مطلق الأحوال، بين المحللين الحقوقيين مَن يرى في قرار القاضي هدفاً استراتيجياً يتجاوز إسقاط الأحكام الصادرة بحق «لولا»، ويرمي إلى حماية القاضي سرجيو مورو وعدد من زملائه من احتمال إحالتهم للمحاكمة، في حال ثبوت انحيازهم المتعمد، وفصلهم من السلك القضائي. ويقول هؤلاء، إن ثبوت تهمة الانحياز على مورو من شأنه القضاء على كل ما أنجزه في أكبر محاكمة ضد الفساد عرفتها البرازيل عبر تاريخها. والمعروف، أن «لولا» يصرّ منذ خمس سنوات على القول إنه ضحيّة مؤامرة سياسية وقضائية جنّد لها خصومه الصحافة والأجهزة الأمنية ومراكز النفوذ الاقتصادي والمالي، وهو لم يكف يوماً عن اتهام القاضي سيرجيو مورو والشرطة الفيدرالية بالانحياز ضدّه وتلفيق الادلّة لإدانته.
من ناحية أخرى، عندما سئل «لولا» بعد قرار إسقاط الأحكام الصادرة بحقه حول ما إذا كان سيترشّح للانتخابات الرئاسية المقبلة، أجاب مباشرة «جو بايدن أكبر مني سنّاً، وإذا رأت الأحزاب اليسارية إنني الأنسب لتمثيلها فلا مانع عندي، لكن لدى حزب العمّال خيارات أخرى مثل فرناندو حدّاد الذي كان مرشّحه في عام 2018».
- الرفض الشعبي لـ«العمال»
مع هذا، يعرف الزعيم اليساري المخضرم أيضاً، أن الرافعة الأساسية لصعود بولسونارو المفاجئ ووصوله إلى سدة الرئاسة لم تكن شعبيته أو شهرته، بل الرفض العارم لحزب العمّال بسبب من الخيبات التي تراكمت تحت وطأة الفساد وعدم الوفاء بالكثير من الوعود التي توّجت «لولا» ملكاً شعبياً على البرازيل. كذلك يعرف أيضاً أن ذلك الرفض كان السبب الرئيسي في إحجام القوى اليسارية الأخرى وأحزاب الوسط عن تأييد فرناندو حدّاد مرشّح حزب العمال في الانتخابات الأخيرة. وفي ظهوره الشعبي الأول بعد قرار إسقاط الأحكام الصادرة بحقه، اختار «لولا» المقرّ الرئيس لنقابة عمّال الصُلب التي خرج من صفوفها ليعلن انطلاق حملة المواجهة الواسعة ضد بولسونارو في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مؤكدا أمام الجماهير التي توافدت للاحتفال بعودته «لا وقت عندي الآن للتفكير فيما إذا كنت سأترشّح عن حزب العمّال أو عن جبهة عريضة... المهم هو أن نتخلّص من بولسونارو قبل أن تنهار البرازيل على رؤوسنا جميعاً».
- معركة الـ«كوفيد - 19»!
ثم، بعدما وصف الرئيس اليميني الحالي بأنه «فاشل يحمل أفكاراً من العصر الحجري»، ولا يكترث لصحة مواطنيه وأوضاعهم المعيشية والاقتصادية ويدمّر البيئة، حذّر من سياسة بولسونارو التي تشجّع على حمل السلاح الذي يُستخدم ضد الفقراء والمزارعين والناشطين البيئيين. ونبّه إلى أن البرازيل قد تواجه خطر تكرار ما حصل أخيراً في الولايات المتحدة عندما أقدمت جماعات يمينية متطرفة على اقتحام مبنى الكابيتول - حيث مقر الكونغرس الأميركي - في واشنطن تأييداً للرئيس السابق دونالد ترمب واحتجاجاً على تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن.
وفي السياق ذاته، وبعدما أعلن «لولا» مجموعة من العناوين المطلبية لتكون أساس برنامج المرشّح القادم ضد بولسونارو في الانتخابات الرئاسية، دعا إلى مضاعفة الحد الأدنى للأجور الذي لم تطرأ عليه أي زيادة منذ سنوات، وتسريع حملة التلقيح، وإعداد «برنامج وطني للتوعية بمخاطر (كوفيد – 19) والتحذير من القرارات الحمقاء التي يتخذها الرئيس ووزير الصحة».
ويؤكد الذين تابعوا «لولا» في إطلالته الشعبية الأولى بعد القرار القضائي الذي أعاد له حقوقه السياسية، أنه رغم تجاوزه سن الخامسة والسبعين ما زال يتمتع بطاقة استثنائية لحشد الأنصار وتعبئة المؤيدين، وأن خطابه ما زال الأشدّ تأثيرا بين الفقراء الذين يشكّلون أكثر من نصف سكّان البرازيل (يقدر إجمالي تعداد السكان بـ212 مليون نسمة).
بيد أن هذا العامل الفقير الذي تربّى على يدي أبوين أمّيين ليقود نقابات بلاده ضد الديكتاتورية العسكرية ويتولّى رئاسة الجمهورية ثماني سنوات، نجح في قيادة البرازيل خلال فترة مكّنته من القضاء على الجوع الذي كان يعاني منه ثلث السكّان، ووضع هذه الجمهورية الضخمة من حيث المساحة وعدد السكان في الصفوف الأمامية من المشهد الاقتصادي والسياسي في العالم. وهذا، مع أنه ما زال يحمل عبئا ثقيلا من السجن والأحكام بالفساد وغسل الأموال، ويجرّ خيبة الملايين الذين ساروا وراءه في أيام العزّ والوعود والأحلام... ثم ابتعدوا عنه، حتى أن بعضهم لم يتردد في تأييد عسكري سابق ويميني متشدد من يحمل كل نقائض أفكاره.
- أزمة تشتت المعارضة
أخيراً؛ لأن «لولا» يدرك تماماً أنه على الرغم من تراجع شعبية بولسونارو بسبب فشله الذريع في إدارة الجائحة ما زال يتمتع بتأييد 30 في المائة من المواطنين البرازيليين حسب الاستطلاعات الأخيرة، ويعي أن المعارضة ما زالت مشتّتة وضعيفة، فهو يشدد على القول إنه لا ينوي منافسة أحد لكي يكون مرشّحاً للرئاسة... بل، يؤكد أنه لن يترشّح إلا إذا رأت قوى المعارضة أنه الأوفر حظاً. غير أنه، في الوقت ذاته، لا ينسى أنه على الرغم من فضائح الفساد التي حاصرته وأنهكت حزبه في السنوات الأخيرة ظل الشخصية الأوسع شعبية بين المرشحين في الانتخابات الأخيرة عندما صدرت في حقّه الأحكام التي جرّدته من حقوقه السياسية ومنعته من الترشّح، والتي اتخذها القاضي سيرجيو مورو، وهو – كما سبقت الإشارة – القاضي نفسه الذي أسند إليه منصب وزير العدل في الحكومة الأولى التي شكّلها جاير بولسونارو بعد انتخابه.
- «لولا» واثق من إنهاء عهد بولسونارو... وطي صفحة اليمين
> يؤكد الرئيس البرازيلي الأسبق «لولا» أن الرئيس الحالي جاير بولسونارو سيُهزم في الانتخابات المقبلة، وأن البرازيل ستعود لتنتخب «رئيساً تقدمياً». وبينما يشدّد الزعيم اليساري المخضرم على ضرورة توحيد المعارضة صفوفها والتوافق حول مرشّح واحد، فهو يتطلع أيضاً إلى استعادة الدور الطليعي الذي لعبته البرازيل على عهده ضمن أسرة دول أميركا اللاتينية. وحول هذه النقطة يقول «كنت أحلم، وما زلت، ببناء كتلة اقتصادية قوية في أميركا الجنوبية. العقد الأول من هذا القرن كان أفضل مرحلة عرفتها أميركا اللاتينية منذ نزول كريستوف كولومبوس على شواطئها، ولا بد اليوم من العودة إلى إقناع مواطنينا بأنه لا يجوز أن تبقى معدلات البطالة والبؤس والعنف في هذه المنطقة هي الأعلى في العالم».
وعندما يتحدّث «لولا» عن استعادة البرازيل دورها الطليعي في المنطقة والعالم، فإنه لا يتردّد إطلاقاً في القول، إن الولايات المتحدة هي أول المعارضين لهذا التوجّه. كلامه هذا يعني بوضوح سعيه إلى عودة الحياة والنشاط إلى «المحور اليساري» في أميركا اللاتينية الذي يشهد انبعاثاً جديداً مع التقارب الأخير بين المكسيك والأرجنتين، وصمود نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا أمام الحصار السياسي والاقتصادي الذي فرضته عليه إدارة دونالد ترمب الأميركية السابقة.
وحقاً، حرص «لولا» في إطلالته الشعبية الأولى عند توجيهه الشكر إلى من ساندوه خلال الملاحقات القضائية، على تسمية الزعماء اليساريين «اللاتينيين»، من الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز إلى رئيس الوزراء الإسباني الأسبق الاشتراكي خوسيه لويس زاباتيرو ورئيسة بلدية العاصمة الفرنسية باريس آن إيدالغو (الإسبانية الأصل)، ليؤكد «استحالة معالجة مشاكل العالم من غير العودة إلى السياسة التي استقالت منها معظم الحكومات وسلّمت أمرها لمراكز المال والنفوذ الاقتصادي».



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.