إسقاط الإدانات عن «لولا» يفتح نافذة أمل لليسار البرازيلي

في أول نكسة جدّية لرئاسة جاير بولسونارو

إسقاط الإدانات عن «لولا» يفتح نافذة أمل لليسار البرازيلي
TT

إسقاط الإدانات عن «لولا» يفتح نافذة أمل لليسار البرازيلي

إسقاط الإدانات عن «لولا» يفتح نافذة أمل لليسار البرازيلي

نهاية الأسبوع الماضي كان الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيغناسيو دا سيلفا، المعروف بلقبه الشائع «لولا»، يؤكد في حديث صحافي طويل أنه إذا كُتب له النصر في معركته القضائية ضد الحكم الذي جرّده من حقوقه السياسية وأدخله السجن في عام 2018، سيكون جاهزاً للترشّح إلى الانتخابات الرئاسية خلال العام المقبل ضد الرئيس اليميني المتشدد الحالي جاير بولسونارو. لكن «لولا»، الذي قاد البرازيل، (عملاق أميركا اللاتينية)، على امتداد ولايتين رئاسيتين متتاليتين من عام 2003 حتى عام 2011، وتغلّب على مرض السرطان ثمّ على فيروس «كوفيد - 19» وهو في السادسة والسبعين من عمره... لم يكن يتوقّع إلغاء الأحكام الصادرة بحقه بمثل هذه السرعة. وجاءت هذه الخطوة عندما أعلن أحد قضاة المحكمة البرازيلية العليا يوم الاثنين الفائت، أن المحكمة التي أدانت الزعيم التاريخي لحزب العمّال اليساري بجرائم الفساد وقطعت عليه – بالتالي – الطريق نحو الترشّح للانتخابات الرئاسية قبل أكثر من سنتين، ما كانت مخوّلة صلاحية البتّ في قضايا من هذا النوع.
لا شك في أن هذا القرار المفاجئ، الصادر على أساس إجازة النظام القضائي البرازيلي لعضو واحد من القضاة الأحد عشر في المحكمة العليا أن يتخذّه بشكل منفرد، يشكّل نصراً مبيناً لزعيم حزب العمّال الذي كان إبعاده عن المشهد السياسي مدخلاً لصعود بولسونارو وتياره اليميني المتشدد، وإسفيناً عميقاً في نعش اليسار البرازيلي الذي عرف مع «لولا» أبهى الانتصارات... وأصيب معه أيضاً بأقسى الهزائم. وإذا كان المراقبون يجمعون على أن إسقاط الأحكام التي تدين الزعيم اليساري بالفساد تشكّل أيضاً إشارة انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن أحداً لا يجازف بتقدير تداعياتها القضائية والسياسية التي ما زال يكتنفها ضباب كثيف لا يستبعد أن يحمل المزيد من المفاجآت.
التعليق الوحيد حتى الآن الذي صدر عن فريق المحامين الذين يدافعون عن الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» في أعقاب الحكم التاريخي بإسقاط إدانته – وبالتالي، فتح الباب أمامه مجدداً للعودة إلى عالم السياسة –، كان اقتباساً حرفيّاً من تغريدة له، قال فيها «هذا القرار يؤكد عدم اختصاص العدالة الفيدرالية في (مدينة) كوريتيبا (جنوب البرازيل)، والاعتراف بأننا كنّا دائماً على حق في هذه المعركة القانونية».
وفي حين حرص «لولا» على تجنّب الكلام عن تحضيره لخوض المعركة الرئاسية المقبلة كمرشّح، كان الحذر أيضاً غالباً على الموقف الرسمي لحزب العمّال، الذي اكتفى بالقول في بيان رسمي مقتضب صادر عن رئيسته غليسي هوفمان «نحن بانتظار نتائج التحليل القانوني لقرار القاضي إدسون فاتشين، الذي يعترف متأخرا خمس سنوات بأن (القاضي) سيرجيو مورو لم يكن مخوّلاً محاكمة لولا». وكانت النيابة العامة قد أعلنت أنها تعدّ طعناً في القرار لن تُعرف نتائجه قبل شهرين أو ثلاثة.
- تعليق بولسونارو
أما الرئيس الحالي جاير بولسونارو، فقال، من جهته، إن الشعب البرازيلي لا يريد عودة «لولا» كمرشح للرئاسة، وإن القاضي الذي اتخذ القرار معروف بعلاقته الوثيقة مع حزب العمّال. غير أن رئيس مجلس النوّاب ارتور ليرا وضع الحدث في سياقه الصحيح المُحاط بالغموض والتساؤلات؛ إذ علّق قائلاً «... يساورني شك كبير أمام هذا القرار المنفرد لأحد أعضاء المحكمة العليا: هل يهدف إلى تبرئة لولا؟ أو لإنقاذ القاضي مورو الذي أصدر الأحكام بإدانته؟».
وحقاً، القرار الصادر عن قاضي المحكمة العليا فاتشين لا يخوض في حيثيات أداء القاضي سيرجيو مورو، الذي تولّى بعد ذلك حقيبة العدل في أول حكومة شكّلها بولسونارو، قبل أن يستقيل عندما ارتفعت أسهمه السياسية كمنافس للرئيس، ويتهمّه بالتدخّل لعرقلة تحقيقات تطال اثنين من أبنائه، ولا يبتّ في حياده أو انحيازه. وفي المقابل، يكتفي القاضي فاتشين في قراره المفاجئ بالقول، إن محكمة كوريتيبا، التي كان يرأسها القاضي مورو، لم تكن مخوّلة النظر في القضايا المرفوعة ضد «لولا». وهو ما يعيد الأمور إلى نقطة الانطلاق الأولى في سياق التحقيقات حول قضايا الفساد التي تجمّعت تحت عنوان «لافا جاتو» والتي أدت إلى سجن «لولا» لمدة 19 شهراً. وتجدر الإشارة إلى أن القضاء البرازيلي كان قد قّرر أخيراً طي ملفّ التحقيقات في هذه القضايا التي طالت عدداً كبيراً من المسؤولين السياسيين ورجال الأعمال، وما زالت تشغل النظم القضائية في بعض بلدان أميركا اللاتينية، حيث أدت إلى استقالة عدد من الوزراء وانتحار الرئيس الأسبق لجمهورية البيرو آلان غارسيّا.
ومن المؤشرات على عمق «الخضّة» التي أحدثها هذا القرار كان تراجع العملة البرازيلية بنسبة 7 في المائة مقابل الدولار الأميركي وانخفاضاً ملحوظاً في أسعار سوق الأسهم (البورصة) لأربعة أيام متتالية، في الوقت الذي تعاني البرازيل من خروج جائحة «كوفيد - 19» عن السيطرة بعدما تجاوز عدد الوفيّات 270 ألفاً، وزادت الإصابات المؤكدة عن 11 مليون حالة. وكان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس قد حذّر من أن الوضع الوبائي في البرازيل بات يشكّل تهديداً لأميركا اللاتينية بأسرها، بينما تشتدّ الانتقادات الموجّهة ضد بولسونارو بسبب استخفافه بالفيروس، وسوء إدارته للأزمة، وتقصيره في توفير اللقاحات الكافية، ومن ثم، إصراره على إنكار خطورة تفشي الجائحة رغم الأوضاع المأساوية التي يشهدها النظام الصحي البرازيلي وسقوط ضحية واحدة كل دقيقة.
- المسألة غير محسومة
في أي حال، لم يقل القضاء البرازيلي كلمته النهائية بعد في قضايا الفساد التي حاصرت «لولا» لسنوات. ولا تزال أنظار الملايين مشدودة إلى شاشات التلفزيون كلما انعقدت جلسة للمحكمة العليا التي تنقل وقائعها مباشرة وتبثّ على وسائل التواصل الاجتماعي. بل إن شهرة أعضائها الأحد عشر أصبحت تنافس شهرة لاعبي المنتخب البرازيلي لكرة القدم. وفي حين كان أعضاء المحكمة يناقشون في جلستهم يوم الثلاثاء الماضي موضوع «حياد» القاضي مورو أو «انحيازه» في محاكمة «لولا»، طلب أحد القضاة مزيداً من الوقت لدراسة الملفّ وتقرّر تعليق الجلسة حتى منتصف الأسبوع المقبل لاتخاذ القرار النهائي.
وهكذا، في انتظار معرفة وجهة المسار القضائي في أكبر قضية فساد عرفتها البرازيل ودول أميركا اللاتينية، تتضارب آراء المحللين حول ما إذا كان ترشّح «لولا» للانتخابات الرئاسية المقبلة سيزيد من حظوظ بولسونارو في تجديد ولايته أم العكس. وللعلم، فإن 30 في المائة من البرازيليين ما زالوا يؤيدون الرئيس اليميني الحالي رغم الفضائح والانتكاسات العديدة التي تشهدها رئاسته منذ بدايتها والفشل الذريع في إدارة الأزمة الصحية وتداعياتها.
وفي المقابل، بجدر التذكير بأن «لولا»، الذي عرفت شعبيته مستويات غير مسبوقة في البرازيل وبين أوساط اليسار في عموم أميركا اللاتينية، يواجه أيضاً قدراً من الحقد العميق الذي يكنّه له قسم كبير من مواطنيه الذين صوّت كثيرون منهم لبولسونارو من باب الغضب والخيبة، وثمة من يرى أنه لن يكون من السهل عليه أن يستردّ ثقتهم من الآن حتى موعد الانتخابات الرئاسية في خريف العام المقبل. ويضاف إلى ذلك أن ترشح «لولا» للرئاسة يحتاج إلى دعم مشكوك فيه حالياً من القوى اليسارية الأخرى وأحزاب الوسط، ويرجّح بعض المراقبين أن يؤدي خوض «لولا» المعركة الرئاسية المقبلة كمرشّح إلى تأجيج مشاعر الرفض ضد حزب العمّال الذي سيصبّ مجدداً في مصلحة بولسونارو. ولكن، لا يشك المراقبون في أن عودة الزعيم والرئيس الأسبق، المعروف بأفكاره ومواقفه اليسارية الواضحة، إلى المشهد السياسي... تشكّل تحديّاً ضخماً بالنسبة لمن يعتبرون أن هزيمة اليمين المتطرف الذي يقوده بولسونارو مستحيلة من غير مرشّح تدعمه قوى الوسط واليمين واليسار المعتدلة.
- «حماية» القاضي مورو
في مطلق الأحوال، بين المحللين الحقوقيين مَن يرى في قرار القاضي هدفاً استراتيجياً يتجاوز إسقاط الأحكام الصادرة بحق «لولا»، ويرمي إلى حماية القاضي سرجيو مورو وعدد من زملائه من احتمال إحالتهم للمحاكمة، في حال ثبوت انحيازهم المتعمد، وفصلهم من السلك القضائي. ويقول هؤلاء، إن ثبوت تهمة الانحياز على مورو من شأنه القضاء على كل ما أنجزه في أكبر محاكمة ضد الفساد عرفتها البرازيل عبر تاريخها. والمعروف، أن «لولا» يصرّ منذ خمس سنوات على القول إنه ضحيّة مؤامرة سياسية وقضائية جنّد لها خصومه الصحافة والأجهزة الأمنية ومراكز النفوذ الاقتصادي والمالي، وهو لم يكف يوماً عن اتهام القاضي سيرجيو مورو والشرطة الفيدرالية بالانحياز ضدّه وتلفيق الادلّة لإدانته.
من ناحية أخرى، عندما سئل «لولا» بعد قرار إسقاط الأحكام الصادرة بحقه حول ما إذا كان سيترشّح للانتخابات الرئاسية المقبلة، أجاب مباشرة «جو بايدن أكبر مني سنّاً، وإذا رأت الأحزاب اليسارية إنني الأنسب لتمثيلها فلا مانع عندي، لكن لدى حزب العمّال خيارات أخرى مثل فرناندو حدّاد الذي كان مرشّحه في عام 2018».
- الرفض الشعبي لـ«العمال»
مع هذا، يعرف الزعيم اليساري المخضرم أيضاً، أن الرافعة الأساسية لصعود بولسونارو المفاجئ ووصوله إلى سدة الرئاسة لم تكن شعبيته أو شهرته، بل الرفض العارم لحزب العمّال بسبب من الخيبات التي تراكمت تحت وطأة الفساد وعدم الوفاء بالكثير من الوعود التي توّجت «لولا» ملكاً شعبياً على البرازيل. كذلك يعرف أيضاً أن ذلك الرفض كان السبب الرئيسي في إحجام القوى اليسارية الأخرى وأحزاب الوسط عن تأييد فرناندو حدّاد مرشّح حزب العمال في الانتخابات الأخيرة. وفي ظهوره الشعبي الأول بعد قرار إسقاط الأحكام الصادرة بحقه، اختار «لولا» المقرّ الرئيس لنقابة عمّال الصُلب التي خرج من صفوفها ليعلن انطلاق حملة المواجهة الواسعة ضد بولسونارو في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مؤكدا أمام الجماهير التي توافدت للاحتفال بعودته «لا وقت عندي الآن للتفكير فيما إذا كنت سأترشّح عن حزب العمّال أو عن جبهة عريضة... المهم هو أن نتخلّص من بولسونارو قبل أن تنهار البرازيل على رؤوسنا جميعاً».
- معركة الـ«كوفيد - 19»!
ثم، بعدما وصف الرئيس اليميني الحالي بأنه «فاشل يحمل أفكاراً من العصر الحجري»، ولا يكترث لصحة مواطنيه وأوضاعهم المعيشية والاقتصادية ويدمّر البيئة، حذّر من سياسة بولسونارو التي تشجّع على حمل السلاح الذي يُستخدم ضد الفقراء والمزارعين والناشطين البيئيين. ونبّه إلى أن البرازيل قد تواجه خطر تكرار ما حصل أخيراً في الولايات المتحدة عندما أقدمت جماعات يمينية متطرفة على اقتحام مبنى الكابيتول - حيث مقر الكونغرس الأميركي - في واشنطن تأييداً للرئيس السابق دونالد ترمب واحتجاجاً على تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن.
وفي السياق ذاته، وبعدما أعلن «لولا» مجموعة من العناوين المطلبية لتكون أساس برنامج المرشّح القادم ضد بولسونارو في الانتخابات الرئاسية، دعا إلى مضاعفة الحد الأدنى للأجور الذي لم تطرأ عليه أي زيادة منذ سنوات، وتسريع حملة التلقيح، وإعداد «برنامج وطني للتوعية بمخاطر (كوفيد – 19) والتحذير من القرارات الحمقاء التي يتخذها الرئيس ووزير الصحة».
ويؤكد الذين تابعوا «لولا» في إطلالته الشعبية الأولى بعد القرار القضائي الذي أعاد له حقوقه السياسية، أنه رغم تجاوزه سن الخامسة والسبعين ما زال يتمتع بطاقة استثنائية لحشد الأنصار وتعبئة المؤيدين، وأن خطابه ما زال الأشدّ تأثيرا بين الفقراء الذين يشكّلون أكثر من نصف سكّان البرازيل (يقدر إجمالي تعداد السكان بـ212 مليون نسمة).
بيد أن هذا العامل الفقير الذي تربّى على يدي أبوين أمّيين ليقود نقابات بلاده ضد الديكتاتورية العسكرية ويتولّى رئاسة الجمهورية ثماني سنوات، نجح في قيادة البرازيل خلال فترة مكّنته من القضاء على الجوع الذي كان يعاني منه ثلث السكّان، ووضع هذه الجمهورية الضخمة من حيث المساحة وعدد السكان في الصفوف الأمامية من المشهد الاقتصادي والسياسي في العالم. وهذا، مع أنه ما زال يحمل عبئا ثقيلا من السجن والأحكام بالفساد وغسل الأموال، ويجرّ خيبة الملايين الذين ساروا وراءه في أيام العزّ والوعود والأحلام... ثم ابتعدوا عنه، حتى أن بعضهم لم يتردد في تأييد عسكري سابق ويميني متشدد من يحمل كل نقائض أفكاره.
- أزمة تشتت المعارضة
أخيراً؛ لأن «لولا» يدرك تماماً أنه على الرغم من تراجع شعبية بولسونارو بسبب فشله الذريع في إدارة الجائحة ما زال يتمتع بتأييد 30 في المائة من المواطنين البرازيليين حسب الاستطلاعات الأخيرة، ويعي أن المعارضة ما زالت مشتّتة وضعيفة، فهو يشدد على القول إنه لا ينوي منافسة أحد لكي يكون مرشّحاً للرئاسة... بل، يؤكد أنه لن يترشّح إلا إذا رأت قوى المعارضة أنه الأوفر حظاً. غير أنه، في الوقت ذاته، لا ينسى أنه على الرغم من فضائح الفساد التي حاصرته وأنهكت حزبه في السنوات الأخيرة ظل الشخصية الأوسع شعبية بين المرشحين في الانتخابات الأخيرة عندما صدرت في حقّه الأحكام التي جرّدته من حقوقه السياسية ومنعته من الترشّح، والتي اتخذها القاضي سيرجيو مورو، وهو – كما سبقت الإشارة – القاضي نفسه الذي أسند إليه منصب وزير العدل في الحكومة الأولى التي شكّلها جاير بولسونارو بعد انتخابه.
- «لولا» واثق من إنهاء عهد بولسونارو... وطي صفحة اليمين
> يؤكد الرئيس البرازيلي الأسبق «لولا» أن الرئيس الحالي جاير بولسونارو سيُهزم في الانتخابات المقبلة، وأن البرازيل ستعود لتنتخب «رئيساً تقدمياً». وبينما يشدّد الزعيم اليساري المخضرم على ضرورة توحيد المعارضة صفوفها والتوافق حول مرشّح واحد، فهو يتطلع أيضاً إلى استعادة الدور الطليعي الذي لعبته البرازيل على عهده ضمن أسرة دول أميركا اللاتينية. وحول هذه النقطة يقول «كنت أحلم، وما زلت، ببناء كتلة اقتصادية قوية في أميركا الجنوبية. العقد الأول من هذا القرن كان أفضل مرحلة عرفتها أميركا اللاتينية منذ نزول كريستوف كولومبوس على شواطئها، ولا بد اليوم من العودة إلى إقناع مواطنينا بأنه لا يجوز أن تبقى معدلات البطالة والبؤس والعنف في هذه المنطقة هي الأعلى في العالم».
وعندما يتحدّث «لولا» عن استعادة البرازيل دورها الطليعي في المنطقة والعالم، فإنه لا يتردّد إطلاقاً في القول، إن الولايات المتحدة هي أول المعارضين لهذا التوجّه. كلامه هذا يعني بوضوح سعيه إلى عودة الحياة والنشاط إلى «المحور اليساري» في أميركا اللاتينية الذي يشهد انبعاثاً جديداً مع التقارب الأخير بين المكسيك والأرجنتين، وصمود نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا أمام الحصار السياسي والاقتصادي الذي فرضته عليه إدارة دونالد ترمب الأميركية السابقة.
وحقاً، حرص «لولا» في إطلالته الشعبية الأولى عند توجيهه الشكر إلى من ساندوه خلال الملاحقات القضائية، على تسمية الزعماء اليساريين «اللاتينيين»، من الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز إلى رئيس الوزراء الإسباني الأسبق الاشتراكي خوسيه لويس زاباتيرو ورئيسة بلدية العاصمة الفرنسية باريس آن إيدالغو (الإسبانية الأصل)، ليؤكد «استحالة معالجة مشاكل العالم من غير العودة إلى السياسة التي استقالت منها معظم الحكومات وسلّمت أمرها لمراكز المال والنفوذ الاقتصادي».



سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».