أسماء الأسد... كيف استفادت «ماري أنطوانيت الدمشقية» من الحرب السورية؟

بشار وأسماء الأسد خلال تلقيها العلاج
بشار وأسماء الأسد خلال تلقيها العلاج
TT

أسماء الأسد... كيف استفادت «ماري أنطوانيت الدمشقية» من الحرب السورية؟

بشار وأسماء الأسد خلال تلقيها العلاج
بشار وأسماء الأسد خلال تلقيها العلاج

تناولت مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية حياة أسماء الأسد زوجة الرئيس السوري بشار الأسد، معتبرة صورة للسيدة الأولى في سوريا على وسائل التواصل الاجتماعي الصيف الماضي، بينما كانت القوات الحكومية في شمال غربي سوريا تقصف آخر جيوب مقاومة المتمردين للنظام، خير معبر عما آلت إليه أسماء في الفترة الأخيرة.
وأظهرت الصورة أسماء الأسد وزوجها الرئيس السوري بشار الأسد وأطفالهما الثلاثة وهم يقفون على قمة تل عال ويحيط بهم جنود في ملابس مموهة، ويبدو بشار، الذي كان يرتدي «أنوراك»، وحذاءً رياضياً وقميص «بولو» واقفاً متظاهراً بالصلابة بين الجنود، بينما تقف أسماء بصلابة أكبر، وذراعاها على جانبيها، مرتدية الجينز الأبيض، ومنتعلةً حذاءً رياضياً، وواضعة نوعاً من النظارات الشمسية التي يحبها «رجال الشرق الأوسط الأقوياء»، بينما يتكئ الرئيس السوري على كتفها.
وشرح التقرير، أن أسماء أقوى مما كانت عليه في أي وقت مضى، بعدما كانت رحلتها إلى السيادة على هذه الأرض المنكوبة رحلة «متعرجة»، باعتقادها أن الإصلاح الاجتماعي سيعمل على تحديث «دولة منبوذة»، وظهرت كأنها «ماري أنطوانيت الدمشقية» تتسوق بينما بلدها يحترق، وتكافح السرطان بينما تسحق قوات زوجها المتمردين.
ويسأل التقرير، أين ستنتهي الرحلة؟
لم يعد صعود أسماء في بلاط عائلة الأسد مجرد مادة لإثارة القيل والقال لمراقبي سوريا. ففي العام الماضي، وصفت الحكومة الأميركية أسماء بأنها من «أسوأ المستفيدين من الحرب» في سوريا. حتى أن هناك الآن همسات بأنها قد تخلف زوجها في يوم من الأيام في منصب الرئيس.
وقطعت أسماء الأسد بالتأكيد شوطاً طويلاً من المنزل على أطراف أحياء لندن الغنية، حيث ترعرعت، حتى وصلت إلى مكانتها الحالية في النظام السوري.
وتحدث التقرير عن نشأة السيدة التي ولدت عام 1975 في أكتون، وهي منطقة في غرب لندن على حدود الأحياء الأكثر ثراءً. ومثل معظم السوريين والداها من المسلمين السنة. عندما حصل انقلاب، كان والد بشار، حافظ الأسد، جزءاً منه، وأعلن نفسه رئيساً عام 1970.
يضيف التقرير أن أسرتها محافظة ثقافياً. وعُرفت أسماء باسم «إيما» في مدرستها الابتدائية المحلية، وهي واحدة من أقدم مدارس البنات الخاصة في بريطانيا «كوينز كوليدج» على مسافة أمتار قليلة من عيادة والدها الطبية الخاصة في شارع «هارلي». وحصلت على درجة علمية في علوم الحاسوب، ويتذكرها كل من الأصدقاء والمنتقدين بأنها ذكية وتعمل بجد.
لا يتذكر أحد أنها أبدت أي اهتمام بالشرق الأوسط، وفي زياراتها إلى دمشق مع والديها، كانت تمضي وقتها بجانب المسبح في فندق الشيراتون. قال صديق للعائلة «كانت إنجليزية للغاية، ويبدو أنها لا تريد أي علاقة لها بسوريا».
ويكمل التقرير، أنها حصلت على وظيفة في بنك «جي بي مورغان» الاستثماري. حيث يعمل الموظفون لمدة تصل إلى 48 ساعة أسبوعياً، حتى أن بعضهم ينام في المكتب (لشدة الإرهاق). يتذكر بول غيبز، الذي كان مديراً لأسماء، أنها «رشيقة ومهذبة ومطيعة»، وإنها اعتادت ارتداء بدلات سوداء رائعة، وتخصصت في عمليات الاندماج والاستحواذ (وهي تجربة أثبتت فائدتها لاحقاً في سوريا).
قام عم والدة أسماء سحر بمساعدة حافظ الأسد في الاستيلاء على السلطة، واستخدمت سحر مكانة عمها للحصول على وظيفة في السفارة السورية في لندن. كما حرصت على الترتيب لمقابلات بين أسماء وبشار نجل حافظ الثاني، بحسب سام داغر، مؤلف كتاب «أسد أو نحرق البلد»، حيث التقى الاثنان مرات عدة عندما كان بشار طالب طب في لندن في التسعينات. وعندما توفي شقيقه باسل في حادث سيارة عام 1994، سقط مصير سلالة الأسد فجأة على كتفي بشار.
توفي حافظ الأسد عام 2000 في الوقت الذي انتقلت فيه أسماء إلى دمشق، لكن إرثه كان موجوداً في كل مكان، من الهندسة المعمارية على الطراز السوفياتي إلى اللوحات الإعلانية التي تحمل وجهه. وأدى دعمه لمنظمات مسلحة في جميع أنحاء المنطقة إلى عزل سوريا عن الغرب، فكان صعود بشار فرصة لإعادة العلاقات.
بدت أسماء رفيقة واعدة للزعيم السوري الجديد، وجعلت حزب البعث العلماني السوري أكثر قبولاً من بعض الدول العربية لتولي المرأة أدواراً عامة. وقال وفيق سعيد، الثري السوري الذي أقام صداقة مع الزوجين: «اعتقدت أن الجمع بين هذين الأمرين سيجعل سوريا جنة».
وقال أيمن عبد النور، مستشار بشار في ذلك الوقت، إن أفراد عائلة بشار «كرهوها... أبقوها داخل المنزل لسنوات». لم تكن أسماء تتحدث اللغة العربية بطلاقة. عندما اجتمعت الأسرة لتناول الطعام، حرصوا على التحدث بلكنتهم العلوية التي لا تستطيع هي فهمها.
لم تكن بقية النخبة الحاكمة أكثر وداً، وواجهت إصلاحات بشار – في أول عهده - معوقات، لا سيما من حلفاء والده السابقين. وفي غضون أشهر، أصبح من الواضح أن وعود بشار بالإصلاح كانت واهية، وقد تم تقديمها جزئياً لتعزيز الدعم لخلافته أبيه. وقال وفيق: «سيخبرك بشار بالضبط ما تريد أن تسمعه ثم لا يفعل شيئاً على الإطلاق».
وبالفعل، سرعان ما تراجع بشار عن إصلاحاته الموعودة، وتم سجن الأكاديميين، ووُضع صور لبشار أكبر من تلك الخاصة بوالده، وأصبح الحق في التجمع العام مقيداً لدرجة أن الأزواج اضطروا إلى الحصول على تصريح حكومي لإقامة حفلة زفاف في فندق.
وتلاشت الآمال في إمكان تغيير سوريا بشكل أكبر بعد الهجمات الإرهابية في11 سبتمبر (أيلول) 2001، وقدم بشار للأميركيين تسهيلات لاستجواب الإرهابيين المشتبه بهم. لكن إدارة بوش صممت على «نشر الديمقراطية» وتررد كلام بأن سوريا ستكون الهدف التالي بعد أن دفع العراق النظام السوري إلى تغيير المسار الصديق للأميركيين، وأرسل بشار متطرفين محليين عبر الحدود لدعم التمرد العراقي ضد الأميركيين.

*من سيدة منزل إلى شريك في الحكم
وعندما عزز بشار سلطته، قامت أسماء بدور سيدة المنزل بإخلاص، وأنجبت ثلاثة أطفال سريعاً، وكانت لا تزال ترتدي زياً مصرفياً رزيناً. وبالنسبة لبشار فقد ساعدت زوجته البريطانية في استرضاء الحكومات الغربية. ولقبت بـ«السيدة الأولى» (بدأت وسائل الإعلام الرسمية في سوريا باستخدام المصطلح فقط بعد وفاة أنيسة الأسد عام 2016). وفازت أسماء أخيراً بمقعد إلى طاولة الحكم في سوريا.
بعد شهرين من اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، في أبريل (نيسان) 2005، وقفت أسماء إلى جانب زوجها في جنازة البابا يوحنا بولس الثاني. قلة كانوا حريصين على مصافحة بشار، لكن أسماء، التي كانت متألقة بحجاب من الدانتيل الأسود، كانت أكثر جاذبية. كانت هذه لحظة محورية للزوجين. فحتى ما قبل تلك اللحظة، كانت أسماء، الزوجة الأجنبية، على الهامش. وبعدها جاءت لتلعب دوراً مركزياً في «إعادة التأهيل الدولي» لبشار.
يقول عبد النور، مستشار بشار السابق: «كانت سفيرة له في جميع البلدان التي لم يكن بإمكانه الاختلاط معها».
زادت أسماء الاهتمام بمظهرها الخاص، بمساعدة مصفف شعر جديد. وزادت حجم مجوهراتها وأقراطها بضع بوصات؛ وتم تقليم أظافرها ورسمها. وعلى الرغم من أنها لم تكن هي ولا بشار يضعان خاتم الزواج، فإن العقيق الملكي ظهر معلقاً على رقبتها.
ويتذكر موظفو الخطوط الجوية السورية في لندن سيلاً لا ينتهي من الصناديق التي تحتوي على ملابس من أرقى المتاجر في لندن. وقد أطلق دبلوماسيون سوريون عليها اسم «إميلدا ماركوس»، على اسم السيدة الأولى الفلبينية التي تدمن الأحذية.
مشروع أسماء التالي كان سوريا نفسها. بعد عقود من التخطيط المركزي والقيود المفروضة على الاستيراد، أرادت تجديد شباب سوريا. وأقنعت أسماء زوجها باستخدام المصطلحات المالية ودفعت القطاع المصرفي للانفتاح على الشركات الخاصة والأجنبية. ولسوء الحظ، هدد الإصلاح الاقتصادي مصالح بعض أقوى الفئات في سوريا.
فلتغيير الطريقة التي تتم بها الأعمال التجارية، كان على أسماء مواجهة رامي مخلوف، ابن خال بشار، الذي سيطرت شركاته على أكثر من نصف الاقتصاد السوري. وحاولت أسماء تحدي سيادته عام 2007 من خلال إنشاء شركة قابضة خاصة بها، لكنها لم تتمكن من جذب ما يكفي من الشركات ذات الثقل في سوريا للانضمام إليه.
سرعان ما وجدت أسماء طريقة جديدة لتوسيع نفوذها، فعملت على توحيد مشاريعها في منظمة واحدة: «الأمانة السورية للتنمية». وكانت تسعى إلى جعل هذه المؤسسة القناة الأساسية التي من خلالها تواجه سوريا العالم، وتجنيد الناطقين باللغة الإنجليزية من السوريين الذين يعيشون في الخارج، ومسؤولين سابقين في الأمم المتحدة.
واعتبرت أسماء أن سوريا يجب أن تكون وجهة سياحية مرغوبة مع مناظرها الطبيعية الجبلية الجميلة، وثرواتها الأثرية. وجندت أمناء متحف اللوفر والمتحف البريطاني لإعادة تصميم وسط دمشق... وتم التخطيط لخط سكة حديد جديد لربط دمشق بالمدن الآشورية القديمة في الشمال الشرقي.

*تأييد غربي
أيد الدبلوماسيون الغربيون في دمشق بكل سرور خطوات أسماء، حتى أنها جذبت الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي وقطر، وجمعت ملايين الدولارات لتمويل رؤيتها، واحتفت سلسلة من المقالات الصحافية بـ«النهضة الثقافية» في دمشق، كما تسميها أسماء. وأيد بشار زوجته بقوله «هكذا تحارب التطرف، من خلال الفن».
استعانت أسماء شركات علاقات عامة في بريطانيا وأميركا لتحسين صورتها، وجاء المشاهير إلى دمشق، من بينهم أنجلينا جولي وبراد بيت وستينغ.
وأقام المستشارون الأجانب التابعون للصندوق الذي أسسته أسماء في فقاعة مطلية بالذهب في دمشق: لقد طلبوا السوشي من خدمة الغرف وتقاضوا رواتب كبيرة.
وقال سمير عيطة، مستشار وزارة المالية: «لم يكن لدى العديد من القرى نظام صرف صحي مناسب أو كهرباء، بينما ظهرت أسماء مع مستشاريها وتحدثت عن ريادة الأعمال والمجتمع المدني والتنمية المستدامة والتدريب على صناعة الجبن». اعتقدت أسماء «أن صندوق سوريا يمكن أن ينقذ كل شيء».
تحسنت صورة سوريا الدولية مع صعود نجم أسماء، فعاد المسؤولون الأميركيون لزيارة دمشق، خاصة بعد انتخاب باراك أوباما عام 2008، وكان الفرنسيون أكثر تعاطفاً. وطارد المصورون عائلة الأسد عندما زاروا باريس. وأشادت مجلة «باري ماتش» بأسماء لإشراقتها ووصفتها بأنها «الضوء في بلد مليء بالظلال».
في الشهرين الأول والثاني من عام 2011، كانت الحالة المزاجية في الشرق الأوسط متوترة للغاية. واندلعت الاحتجاجات من تونس إلى ليبيا، ومن الجزائر إلى البحرين، وأطاحت احتجاجات حاشدة في القاهرة الرئيس حسني مبارك.

*شرارة درعا
فوجئ الكثير من السوريين مما رأوه، لكن الخوف منع معظمهم من النزول إلى الشوارع. وفي إحدى الليالي في فبراير (شباط) في درعا، جنوب دمشق، قامت مجموعة من تلاميذ المدارس برش كتابات على أحد الجدران «حان دورك يا دكتور». وكان رئيس الأمن المحلي أحد أقرباء بشار، فجمع رجاله الأطفال وعذبوهم. وعندما طالب آباؤهم بالإفراج عنهم، عرض رئيس الأمن منحهم المزيد من الأطفال إذا أرسلوا زوجاتهم. مما أدى إلى تجمع حشود أمام مساجد درعا للمطالبة بالكرامة والحرية، فأطلق الجنود النيران عليهم.
وأعلن بشار أن «سوريا تواجه مؤامرة كبيرة»، ووصف اللقطات التي تظهر فيها قوات الأمن وهي تطلق النار على المتظاهرين بأنها «معلومات كاذبة»، ورفض الدعوات للإصلاح قائلاً إنها غطاء لمؤامرة أجنبية. وتزايدت التظاهرات من حيث العدد والحجم كل أسبوع. وهكذا بدأت دورة متصاعدة من الجنازات والاحتجاجات والعنف. على مدار شهر، أصبح رد فعل النظام أكثر شراسة: الشرطة أولاً، ثم القناصة، ثم المدفعية الثقيلة.
وانزلقت سوريا إلى الفوضى، وانهارت قلاع أسماء في الهواء. تم إلغاء حفلة بمناسبة إعادة إطلاق المتحف الوطني. لم تتحقق مشاريع التجديد الثقافي الخاصة بها. بعد سبع سنوات من التخطيط، ظل متحف الاكتشاف، الذي تم تصميمه على غرار متحف العلوم في لندن، عبارة عن هيكل خرساني.
قال وفيق سعيد لبشار: «الشعب يحبكما أنت وزوجتك، فأنت لست مثل مبارك. لا تفوّت هذه الفرصة لتصبح أعظم زعيم في العالم العربي. فقط امنحهم بعض الحقوق، وقليلاً من الكرامة، ويمكن أن تكون محبوباً إلى الأبد».
لكن مسار بشار كان مختلفاً. في خطاب ثان، في يونيو (حزيران)، شبّه المتظاهرين بـ«الجراثيم». فكان فصل مظلم على وشك أن يبدأ.
يقول الأشخاص الذين تحدثوا مع أسماء على انفراد في الأيام الأولى للأزمة، إنها تمسكت بصرامة بالرواية الرسمية القائلة إن «الانتفاضة كانت مؤامرة أجنبية». من الناحية النظرية، كان من الممكن أن تذهب إلى لندن. كانت هناك عروض للممر الآمن، فقد صرحت الحكومة البريطانية مراراً وتكراراً، بصفتها مواطنة بريطانية، بأنها لا تستطيع منعها من دخول البلاد، وهو ما فسره بعض المراقبين على أنه عرض سري للحماية.
حتى في لندن، كان الجو غير جذاب. تجمع المتظاهرون خارج منزل عائلتها في أكتون وقاموا بتلطيخ الباب باللون الأحمر. وحذفت كلية كوينز اسمها من قائمة المتخرّجات المكرمات.
توقفت أسماء عن إجراء المقابلات لأشهر عدة، وركزت على تجديد المنزل. في السنة الأولى من الانتفاضة، أنفقت 250 ألف جنيه إسترليني على الأثاث. وللتحايل على العقوبات، أرسلت مصفف شعرها للتسوق في دبي واستخدمت اسماً مستعاراً عند طلب منتجات من متجر هارودز. وبعد فترة وجيزة، أصدرت أسماء أول بيان رسمي لها منذ بداية الانتفاضة: «الرئيس هو رئيس كل سوريا، وليس رئيس فصيل من السوريين، والسيدة الأولى تدعمه في هذا الدور».
وتم نشر صور على «فيسبوك» تؤرخ الأنشطة الرسمية للعائلة، ففي إحدى الصور ظهرت أسماء وزوجها جالسين على شرفة مزينة بالورد مع تعليق كُتب عليها «الحب بلد يقوده أسد قضى على المؤامرات، والسيدة الأولى تدعمه». وعلق أحد المستخدمين أسفل الصورة «ألا تخجل؟ شعبك يُذبح وأنت تراقب، بل والأسوأ من ذلك... تطلب الأحذية».
يقول التقرير، إن فساتين «شانيل» والأحذية ذات الكعب العالي التي اقتنتها أسماء على مر السنين لا تتناسب مع ما تشهده البلاد من حرب أهلية، لأن الواقع الجديد في سوريا يتطلب «أسماء جديدة»، فتخلصت من الكعب العالي والسترات والمجوهرات. وجاءت الأحذية المسطحة والقمصان والسراويل التي كشفت ذراعيها الهزيلتين وجسدها النحيل.
عام 2018 تم تشخيص أسماء بسرطان الثدي. لكن المرض لم يمنعها من إدارة صورتها العامة بعناية، أو التأكد من أن الجميع يعرف أنها بقيت في سوريا لتلقي العلاج. وتم توثيق «نضالها» ضد المرض بالتفصيل من قبل وسائل الإعلام الحكومية وعلى قنوات التواصل الاجتماعي التابعة للرئاسة. وتم تصويرها وهي تدخل غرفة العمليات على عجلات.
وعندما تساقط شعرها، تم تصويرها وهي تضع حجاباً أنيقاً، مما يدل على الضعف والقوة. قال أحد المحاورين التلفزيونيين «تهانينا على انتصارك على السرطان». أجابت أسماء «شكراً»، وأضافت «وآمل أن نحتفل قريباً بانتصار سوريا». حتى قبل أن تتعافى تماماً، أظهرت وسائل الإعلام الموالية للحكومة أسماء تشارك في حزن سوريا. برفقة طواقم التصوير، طرقت الأبواب في قرى المرتفعات الفقيرة، وعانقت أمهات الشهداء وقدمت لهن هبات.
بذلت أسماء جهداً لإخفاء هويتها البريطانية. عملت بجد على لغتها العربية لدرجة أن السوريين لم يعد بإمكانهم اكتشاف اللهجة الإنجليزية. وتجاهلت طلبات إجراء مقابلات من وسائل الإعلام الغربية، ولم تقبل سوى لقاءات مع وسائل إعلام روسية ومحلية. وعلى الرغم من أن أسماء أدارت ظهرها للغرب، فإن محاولات مؤسساتها مع المانحين الدوليين استمرت. لكن جف دخل مؤسستها الخيرية «سوريا ترست»، بعد أن فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليها عام 2012.
حصلت أسماء كرئيسة لـ«سوريا ترست» على أكثر من مجرد ثروة. فمن خلال توجيه مساعدات الأمم المتحدة، طورت شبكة واسعة من المحسوبية التي شملت أمراء الحرب السوريين. وبحسب ما ورد، أظهر الناس امتنانهم لحمايتها وإحسانها في شكل حقائب مليئة بالنقود تم تسليمها إلى المنظمات المرتبطة بها.
واستفادت أسماء من اقتصاد الحرب بشكل مباشر أيضاً. فحازت شركة ارتبطت بها بعقد حكومي لإدارة مدفوعات البطاقات الذكية. وأطلقت أيضاً موزعاً للهواتف المحمولة يسمى «إيما تل»، على اسم طفولتها. وتم تسجيل كل هذا باسم «خضر علي طاهر»، الذي أشار إليه أحد رجال الأعمال باسم «واجهة أسماء لكل شيء».
وأصبحت عائلة أسماء ذات نفوذ متزايد في الاقتصاد السوري. وتقول مواقع إخبارية سورية (بعضها تابع للمعارضة)، إن شقيقها فراس وابن عمها مهند الدباغ يديران شركة البطاقات الذكية نيابة عنها. ووصف تقرير حديث الموظف السابق في السفارة الأميركية في دمشق طريف الأخرس، ابن عم أسماء، بأنه «من أبرز الشخصيات الاقتصادية للنظام».
ويقول زملاء بشار السابقون، إنه سعيد بالنجاح المالي لزوجته وممتن لمساعدتها: لقد سئم بعد حرب استمرت عقداً من الزمان - ولم يكن الاقتصاد أبداً يناسبه؛ ولذا فقد أصبحت أسماء «مستشاره الاقتصادي الرئيسي».
في أواخر العام الماضي، لاحظ سكان حي دمشق، حيث تعيش أسماء، تغيراً سريالياً في المشهد. فأضيف تمثال جديد: تمثال ضخم لرأس حصان، وذلك بتوجيه من شركاء أعمال أسماء. واشتكى السكان المحليون من الإسراف. وبحسب تقارير، قامت السلطات بخلع رأس الحصان. وبعد ساعات عاد الرأس لمكانه وكانت الرسالة واضحة: في سوريا ما بعد الحرب، «أسماء هي صاحبة القرار».
ومع الانقلاب على مخلوف ورحيل أخت بشار ووالدته، لم يعد لدى أسماء سوى عدد قليل من المنافسين الأساسيين داخل الدائرة الضيقة لبشار الأسد، حيث يشغل العديد من أقرب مستشاريها المناصب العليا في مكتب الرئيس. وقال رجل أعمال يسافر بين دمشق وأوروبا «إنها تسيطر على المعينين من القصر... يمكنها أن ترشح من تريد».

*«تود أن تكون رئيسة»
يشير تقرير «ذي إيكونميست» إلى أن في كل من دمشق والعواصم الأجنبية، يتكهن السوريون علانية بما إذا كانت لأسماء طموحات سياسية في الصعود إلى القمة. إذا أصبح بشار في موقف عسير، فهل يمكن لـ«الرئيس أسماء» أن يقدم خدمة للأغلبية السنية في البلاد مع الحفاظ على الاستمرارية؟ حتى أن هناك شائعات بأن أحد أفراد الأسرة التقى مؤخراً مسؤولين أميركيين للحصول على دعم لهذا المخطط. ويقول دبلوماسي سوري سابق: «بشار وأسماء يفكران في هذا الأمر. إنها تود أن تكون رئيسة وكلاهما يعتبر ذلك حلاً ثورياً لإنقاذ النظام».
وعلى الرغم من الإدانة الصارخة لعائلة الأسد، لم تسحب الحكومة البريطانية جنسية أسماء أبداً، كما فعلت مع شميمة بيغوم، الطالبة التي سافرت إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم «داعش» عام 2015 عندما كانت لا تزال مراهقة.
ومن غير المرجح أن يدعم المتشددون العلويون أي محاولة من جانب أسماء لتولي الرئاسة. ربما يكون أقوى خصم محتمل لها هو ماهر، الأخ الأصغر لبشار، الذي لا يزال يقود الفرقة الرابعة المدرعة في الجيش. قال تاجر سوري على صلة جيدة في دبي: «سيتآمر الجيش والطائفة لمنعها من أن تكون رئيسة».
إنها أقوى من أي وقت مضى، لكنها أيضاً أكثر ضعفاً. حتى الحديث عن طموحات رئاسية قد يكون خطيراً على أسماء، يقول وفيق سعيد «أنا قلق عليها». لكن كما أدركت أسماء منذ فترة طويلة: لا عودة إلى الوراء.



مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
TT

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

وأكد وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، «استعداد بلاده لتقديم الدعم الكامل للسودان في عدد من المجالات التعليمية؛ من بينها تطوير المناهج، ونظم التقييم والامتحانات والتعليم الفني»، وشدد خلال استقباله نظيره السوداني التهامي الزين، الثلاثاء، على «حرص القاهرة على تعزيز أطر التعاون المشترك وتبادل الخبرات بما يخدم مصلحة الطلاب السودانيين».

وناقش وزيرا التعليم المصري والسوداني، «سبل تعزيز التعاون المشترك في تطوير المنظومة التعليمية وتبادل الخبرات، بما يسهم في الارتقاء بجودة التعليم»، حسب إفادة لوزارة التعليم المصرية.

وخلال اللقاء، أكد وزير التعليم المصري «استعداد بلاده لتقنين أوضاع المدارس السودانية في مصر، بما يعزز التعاون المشترك وتبادل الخبرات».

وفي يونيو (حزيران) من عام 2024، أغلقت السلطات المصرية المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي، وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بداية من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وطالبت السلطات المصرية وقتها، من أصحاب المدارس السودانية العاملة بمصر، الالتزام بثمانية شروط لتقنين أوضاع المدارس المغلقة، وتضمنت وفق إفادة للملحقية الثقافية بالسفارة السودانية، «موافقة من وزارتي التعليم والخارجية السودانية، وموافقة من الخارجية المصرية، وتوفير مقر للمدرسة في جميع الجوانب التعليمية مصحوباً برسم تخطيطي لهيكل المدرسة، وإرفاق البيانات الخاصة لمالك المدرسة، مع طلب من مالك المدرسة للمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية، وملف كامل عن المراحل التعليمية وعدد الطلاب المنتظر تسجيلهم بالمدرسة».

وبسبب الحرب السودانية، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى مصر، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب آلاف آخرين من الذين يعيشون فيها منذ سنوات.

محادثات بين وزير التعليم المصري ونظيره السوداني بالقاهرة الثلاثاء (وزارة التعليم المصرية)

ويعد تقنين أوضاع المدارس السودانية، خطوة إيجابية سيستفيد منها كثير من الأسر المقيمة بمصر، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، الذي قال إن «المحادثات بين وزيري التعليم المصري والسوداني، تعكس موافقة على استئناف الدراسة في بعض المدارس السودانية التي قننت أوضاعها، وفق مواصفات التعليم بمصر».

وفي وقت سابق، أعلنت السفارة السودانية، عن قيام «لجنة من وزارة التعليم المصرية بزيارة بعض المدارس السودانية المغلقة، لمراجعة البيئة المدرسية، والتأكد من توافر اشتراطات ممارسة النشاط التعليمي»، وشددت في إفادة لها لأصحاب المدارس على «الالتزام بتقديم كل المستندات الخاصة بممارسة النشاط التعليمي، وفق الضوابط المصرية».

ويرى جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة الدراسة بالمدارس السودانية ستعالج كثيراً من إشكاليات كانت تواجهها الأسر السودانية بمصر»، وقال إن «هناك عدداً من المدارس السودانية التي كانت عاملة في مصر، بدأت في العودة للسودان مرة أخرى، مع تزايد رحلات العودة الطوعية»، عاداً ذلك «سيعزز من فرص التعاون بين القاهرة والخرطوم في المجال التعليمي».

وخلال اللقاء، دعا وزير التعليم السوداني، إلى «تعزيز التعاون مع الجانب المصري في جهود إعمار وتطوير المؤسسات التعليمية في السودان»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة في التعليم، خاصة نموذج الشراكة مع الجانب الياباني»، حسب «التعليم المصرية».

ويأتي التعاون التعليمي بين مصر والسودان، بوصفه من أبرز ثمار الزيارات واللجان المشتركة بين البلدين، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «ملف التعليم والمدارس السودانية، كان أحد الملفات التي جرت مناقشتها في زيارة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس للقاهرة، نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي».

ويرى المغربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف الدراسة في المدارس السودانية لا يتعارض مع برامج العودة الطوعية التي تهتم بها الحكومة السودانية»، مشيراً إلى أن «هناك كثيراً من الأسر السودانية، ارتبطت بجدول دراسي لأبنائها داخل مصر، ومن ثمّ فإن استئناف الدراسة بالمدارس، سيعالج كثيراً من إشكاليات أعضاء الجالية».

واتفق وزيرا التعليم المصري والسوداني، على «تشكيل لجنة مشتركة من الوزارتين، تتولى مناقشة مختلف مجالات التعاون»، إلى جانب «وضع آليات تنفيذها بشكل عملي، ومتابعة وتقييم ما يتم إنجازه، بما يضمن سرعة البدء في التنفيذ وتحقيق النتائج المستهدفة»، حسب بيان وزارة التعليم المصرية.


تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
TT

تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)

واصلت مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تسعى لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، ويحفظ أمن الخليج».

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية، الاثنين، مع نظرائه في السعودية وسلطنة عمان والإمارات وتركيا وباكستان وفرنسا وقبرص، إضافة إلى ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان صحافي، بأن «هذه الاتصالات المكثفة تأتي في إطار حرص مصر على مواصلة التنسيق والتشاور مع الأشقاء العرب، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبحث سبل احتواء التصعيد العسكري الجاري»، مؤكداً أن من شأن هذا التصعيد واتساع نطاقه ورقعته «أن يجر الإقليم بأكمله إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب تضر بالسلم والأمن الإقليميين والدوليين».

وأضاف خلاف أن «الاتصالات تناولت المفاوضات المحتملة بين الجانبين الإيراني والأميركي في ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، والجهود المبذولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية في المنطقة من بينها مصر، لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي بوصفه السبيل الوحيد لتفادي الفوضى الشاملة في المنطقة». وقال إن «لغة الحوار هي الضمان الحقيقي لتجنيب المنطقة مخاطر اتساع رقعة الصراع، وصون مقدرات شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري خلال اتصالاته مجدداً على «الإدانة الكاملة للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، وعدم تبريرها بأي ذرائع واهية، وضرورة وقفها بشكل فوري»، وأكد «أهمية تضافر جميع الجهود لخفض التصعيد، ودعم مصر الكامل وانخراطها الإيجابي مع جميع المبادرات والمساعي الهادفة لتحقيق التهدئة وإنهاء الحرب».

وفي سياق متصل، نقلت شبكة «سي بي إس» الأميركية عن مسؤول رفيع في «الخارجية الإيرانية» قولَهُ، إنّ بلاده تلقّت نقاطاً للتفاوض، من الولايات المتحدة عبرَ وسطاء، مشيراً إلى أنّ «هذه النقاط قيد الدراسة».

ووفق ما نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، فإن «مصر وتركيا وباكستان نقلت رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أجرى مسؤولون من الدول الثلاث اتصالات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي».

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ضوء تصاعد خطورة الوضع الراهن على كل دول المنطقة والعالم وما تعرضت له سلاسل الإمداد العالمية تحركت عدة دول، ومن بينها مصر وباكستان وتركيا، من أجل وقف التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات المزيد من التصادم والفعل ورد الفعل بضرب البنية التحتية».

وقال إن «مصر تستغل درجة المصداقية التي تتمتع بها لدى طهران وواشنطن في التحرك، ونقل رسائل مهمة تركز على الدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي لدول الخليج باعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد».

وأضاف حجازي أن مصر والوسطاء «نقلوا رسائل مهمة لمد جسور التفاهم بين طرفي النزاع، وخفض التصعيد، والتأكيد على أنه ما كان يجب الانخراط في هذه المواجهة التي أدت تفاقم الوضع، وقد تخلف إذا استمرّت، الكثير من الضغائن»، مشيراً إلى أن «مصر تسعى لتقديم مقترحات تراعي مصالح الجميع، وتسمح لكل طرف بالخروج من المعركة، وتجنب المزيد من الخسائر». وقال: «القاهرة تسعى لاتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، وينهي التصعيد الحالي، ويحمي أمن الخليج».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار في باكستان (الخارجية المصرية)

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي خلال الشهر الحالي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

بدوره، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب كل من تركيا وباكستان»، مشيراً إلى أن «القاهرة تريد أولاً احتواء التصعيد وصولاً لوقف إطلاق النار».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك كثيراً من الشكوك لدى الطرفين، ومصر والوسطاء يحاولون بما لديهم من مصداقية لدى واشنطن وطهران، التوفيق بين وجهات النظر من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية»، مشيراً في هذا الصدد، إلى اتصال السيسي وبزشكيان الذي أعربت فيه مصر عن استعدادها للوساطة.

ولم يستبعد حسن ألا تختلف «البنود المقترحة عن تلك التي سبق طرحها في المفاوضات التي جرت قبل الحرب بين الطرفين»، لكنه شكك في «جدية الطرح الأميركي الأخير في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية».

وقال: «الأيام ستكشف إلى أي مدي ستنجح الضغوط الدولية والوضع الاقتصادي العالمي المتأزم في إقناع ترمب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، رغم إعلان الرئيس ترمب، الاثنين، عبر منصته «تروث سوشيال» أنه سينتظر 5 أيام أخرى قبل تنفيذ الضربات التي هدّد بشنّها على محطات كهرباء وبنى تحتية أخرى في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مشيراً إلى مفاوضات «جيدة جداً» مع مسؤول إيراني رفيع لم يسمه.

وأوضح ترمب، في تصريحات صحافية، أن الجانبين توصلا إلى نحو 15 نقطة اتفاق. وقال: «أعتقد أن هناك فرصة كبيرة جداً للتوصل إلى اتفاق».


اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

تترأس البحرين، يوم الأحد المقبل، اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاجتماع سيعقد عن بعد عبر الاتصال المرئي، وسيركز على بند واحد هو الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية».

وأوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن «الاجتماع سيبحث اتخاذ موقف عربي واحد إزاء الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية على غرار الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب أخيراً، للسبب نفسه».

وكان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الجاري، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وأشار الدبلوماسي العربي إلى أن «الاجتماع يأتي في سياق الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وكان من المفترض أن يتضمن جدول أعماله عدداً من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، لكن حساسية الظرف الراهن دفعت إلى تأجيل مناقشة كل الملفات والاقتصار على ملف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وقال إن «المناقشات التحضيرية بشأن الاجتماع خلصت إلى أن وجود أكثر من موضوع على جدول الأعمال سيسحب التركيز من الموضوع الرئيسي وهو اعتداءات إيران، لذا كان القرار بتأجيل الملفات الاعتيادية، والاكتفاء بملف واحد مركزي».

وكان من المنتظر أن يناقش الاجتماع التحضير للقمة العربية المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي إن «من المفترض أن يتم خلال الاجتماع الاتفاق على موعد القمة المقبلة، لكن الظرف الراهن يجعل من الصعب الاتفاق على موعد محدد».

من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في 8 مارس 2026 (الخارجية المصرية)

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مع نظرائه في البحرين والأردن والعراق، تناولت التحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع.

وأكدت الوزارة في بيان «أهمية إطلاق موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة والتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

بدوره، عوّل المحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد على الاجتماع الوزاري «للوصول إلى رؤية عربية موحدة إزاء التعامل مع الوضع الراهن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع يتحرك ويتطور بصورة متسارعة... وفي ظل موقف أميركي مرتبك، من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن».

واقترح سعيد «تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية». وقال إنه «يمكن عقد اتفاقات ثنائية في الإطار العربي لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».