لماذا نحب أن نقرأ الرسائل الأدبية؟

أفضل إشارة لدينا إلى النقاط الغامضة في عالم الفن

الرسائل تذكارات الحب
الرسائل تذكارات الحب
TT

لماذا نحب أن نقرأ الرسائل الأدبية؟

الرسائل تذكارات الحب
الرسائل تذكارات الحب

في عصر الإفراط في مشاركة المعلومات، والقصص الذاتية، تقدم قراءة المراسلات للمرء أفضل نافذة على كيفية تشكل النفس الأدبية. ورغم أن كتابة الخطابات طريقة عتيقة، فلا يزال لها وجود معاصر، بحسب ما كشفت مجموعات من المراسلات الأدبية أخيراً.
كتبت إليزابيث هاردويك، الروائية والناقدة الفنية في مقال نشر عام 1953 عن المراسلات الأدبية: «أهم ما في الرسائل هو أنها مفيدة كوسيلة للتعبير عن النفس العليا المثالية، ولا توجد طريقة أخرى من طرق التواصل تضاهيها في تحقيق هذا الغرض. في المحادثات تمثل تلك الأعين المثيرة للقلق التي تتطلع إليك، وتلك الشفاه المتأهبة للتصحيح حتى قبل أن تبدأ الحديث، رادعاً قوياً لعدم الواقعية، بل للأمل».
فقط في رسائلنا نستطيع التعبير عن النسخة الفضلى والأكثر ذكاء من أنفسنا، وطرح الأسئلة، وتقديم الأجوبة، والتعبير عن أنفسنا كما نشاء. وأمام الزيادة الكبيرة في عدد رسائل البريد الإلكتروني، كنا بحاجة على ما يبدو إلى وباء عالمي لنعود إلى الرسائل والخطابات التي يتم صياغتها في قالب «أرغب في الاطمئنان فحسب»، من أشخاص كنا نعرفهم في الماضي أفضل مما كنا نعرفهم في الوقت الحاضر.
وإذا كانت الرسائل الشخصية تمثل شكلاً من أشكال تصوير الذات، فربما يتساءل المرء عن السبب الذي يدفعنا إلى قراءة الرسائل الأدبية. يبدو أنها تتمتع بهذه المكانة والأهمية لأنها تكشف أكثر مما كان يريده المؤلف، ويمكن لها، كما تقول هاردويك، الكشف عن مواقفنا تجاه عملنا، وأحبائنا، وأنفسنا. كذلك يوجد عنصر درامي في الصياغة؛ حيث تقدم طريقة التنقل في السرد للأمام وللخلف في الرسائل أو رسائل البريد الإلكتروني، إثارة طبيعية، إلى جانب انتظار رد على الخطاب قد يغير كل شيء، وكذلك التوقف المؤقت، والجلوس وجمع وترتيب الأفكار، وإتاحة مساحة للتأمل والتفكير، وسياحة العقل الذي يبحث عن خلاص. وليس من النادر، أن نقرأ إضافة ملحوظة ذات نكهة ممتعة، فتبدو الصفحة البيضاء مثل درج (جارور) مرتب بجمال، موضوع داخله بعناية ذلك العالم الداخلي. سوف يفهم أي شخص كتب مسودة لرسالة بريد إلكتروني طويلة، وسمح لأفكاره بالتدفق بحرية، قبل أن يحذف أكثر ما جاء فيها بدافع الإحراج قبل إرسالها، السبب وراء تلك الرغبة. على الجانب الآخر لم يكن هناك في زمن الاستخدام الشائع للآلة الكاتبة أو القلم ما يقيد ويعرقل هذا الزخم من الإقدام، أو ما يصفه إي إم فورستر بعبارة «كيف يمكنني التعبير عما أعتقد حتى أرى ما أقول؟».
أعتقد أننا نقرأ مجموعات الرسائل إلى حد كبير لرغبتنا في الاستمتاع برؤية الجوانب الإنسانية الأخرى من أبطالنا من الشخصيات الأدبية مثل النميمة الخبيثة لهنري جيمس، ومشروعات الحياكة الخاصة بسيلفيا بلاث، وشبق جيمس جويس. إن مثل هذه الرسائل ناضجة من جميع الأوجه؛ حيث نجد عبارات مثل «يستيقظ الطفل من القيلولة ويبكي»، و«تنطلق صافرة إنذار الغارة الجوية»؛ كما تتسرب إلينا الأعراف الاجتماعية والديناميكية النفسية من حقبات أخرى. من الصعب تخيل أنه بعد 50 عاماً من الآن سوف نقرأ «مجموعة رسائل البريد الإلكتروني» لزادي سميث؛ ويبدو من غير المرجح أن يرغب أي مؤلف معاصر في هذا الأمر. لا تعدّ رسالة البريد الإلكتروني، التي باتت شكلاً قديماً بالفعل، بديلاً إلكترونياً للخطاب، لكنها شكل مختلف من أشكال التواصل أكثر سرعة، ويمكن أن يصبح قابلاً للتخلص منه بدرجة أكبر أو أقل في الوقت ذاته؛ فمن غير الحكمة أن يهب المرء نفسه لشفرة إلكترونية سوف تبقى موجودة عبر الأثير، ولن يتم إلقاؤها في الموقد.
أعتقد أنه من أجل تلك اللحظات من الانكشاف على العالم الداخلي ما زلنا نقرأ الرسائل الأدبية. لذا يمكن القول بإيجاز إن الأمر يتعلق بالتلصص؛ حيث لا يزال بعضنا يقرّ بأنه يقرأ رسائل أبطاله من الشخصيات الأدبية مثلما يشاهد البعض الآخر برامج تلفزيون الواقع، انتظاراً للحظات التي يعبر فيها شخص ما عن مشاعر ملتهبة. عندما نشرت «برينتسون» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بعد مرور 50 عام على وفاة هيل «رسائل تي إس إليوت إلى إيميلي هيل»، التي تمت كتابتها على مدار 30 عاماً، تسبب الأمر في أن ينشر ورثة إليوت براءة من هذه الرسائل. لم يكن إليوت يحبها حقاً، بل كان يعتقد أنه يحبها، بحسب ما كتب. وجاء في الرسائل: «كانت إميلي هيل لتقتل الشاعر الذي بداخلي. لقد لاحظت بالفعل أنها ليست من محبي الشعر، وبالتأكيد لم تكن مهتمة كثيراً بأشعاري. لقد كنت أشعر بالقلق إزاء ما بدا لي دليلاً على تبلد مشاعرها، وذوقها السيئ»، كذلك أوضح أنه لم يقم علاقة حميمية معها.
أثار تعبير إليوت عن مشاعر الجحود والإنكار الذي جاء في غير وقته استياء جماعياً، لكن من المؤكد أن أي شخص يشعر بخوف من فتح صندوق الرسائل الواردة، خاصة الرسائل الأكثر مرارة، سوف يتفهم فزع إليوت من تخيل نشر رسائله، التي تعبر عن عدم الحب، حتى بعد مماته. من منّا يستطيع التظاهر بالاتساق في عواطفه إلى حد يجعلنا لا نريد حذف الأدلة على قصص الحب الأول الخاصة بنا. مع ذلك، كما يعلم المؤرخون وكتّاب السيرة الذاتية جيداً، كثيراً ما تكون مجموعة الرسائل، التي تتم كتابتها على مدار فترة من الزمن، أفضل إشارة لدينا إلى النقاط الغامضة في عالم الفن. عند إعادة قراءة «آريل» لبلاث في سياق رسائلها الأخيرة قبل وفاتها حين كان يتراجع الأسلوب البارع المثير، سيشعر المرء بالعجب من انتصار الإبداع في خضم الإحباط. وتكشف الرسائل، إن لم تكن عن «النفس الأصيلة»، عن توترات أساسية محددة تشعل القدرة على التعبير، أو ربما الكبت والقمع، في حالة الكاتبة أليس جيمس، التي تفوقت على شقيقيها هنري وويليام في القدرة على الملاحظة واختبار وتمحيص الذات. بناءً على رسائل إليوت، لا يسعنا سوى تخيل كيف كان حنينه إلى هيل بمثابة الشعلة التي ساعدته على كتابة أفضل أعماله التي ألّفها خلال فترة زواج غير ناجح.
ما يقابل فكرة هاردويك عن الرسالة الأدبية كتصوير مثالي للذات هو مراسلاتها مع زوجها الشاعر روبرت لويل التي امتدت لـ23 عاماً. لطالما كانت رواية لويل عن العلاقة معروفة، لكن لم تصبح رواية هاردويك عن هذه العلاقة معروفة إلا أخيراً؛ حيث تم نشر «رسائل الدولفين، 1970 - 1979» خلال الخريف الماضي، التي تغطي عقداً من الزمان، هجر فيه لويل زوجته وابنته هارييت من أجل الروائية الأرستقراطية الليدي كارولين بلاكوود، بحسب ما جاء تفصيلاً في ديوانه الشعري «الدولفين». وقد اقتبس لويل في ذلك الديوان الذي تم نشره عام 1973، والذي فاز بفضله بجائزة «بوليتزر» للمرة الثانية، بشكل مطول من رسائل هاردويك إليه، والتي تم كتابة كثير منها بحزن وأسى، لكن بعد مراجعتها وتنقيحها لتناسب غرضه.
عندما أرسل لويل المخطوطة إلى صديقته الشاعرة إليزابيث بيشوب، كتبت رداً عليه: «لقد غيّرت خطاباتها؛ إن هذا خداع على ما أعتقد، لكن لا يستحق الفن القيام بمثل هذه الأفعال». كذلك وصفت أدريان ريتش، التي تعد من أصدقائه المقربين، في مقال عن الديوان المذكور عام 1973، تعديله لرسائل هاردويك بأنها «من أكثر الأفعال انتقامية، ولؤماً في تاريخ الشعر». لقد أعربت هاردويك للويل عن قوة الفصاحة النابعة من مشاعر الألم والغضب، لكن أيضاً عن استمرار حبها له حتى مع علمها بأنه من الممكن قراءة الآخرين لخطاباتها يوماً ما.
لقد أشار ناقد نفسي، قام بتحليل نفسية كل من بلاث وزيلدا فيتزغيرالد، وسيدات مبدعات أخريات تشوهن نفسياً بسبب الرجال في حياتهن، بمحدودية الطرق الاعتيادية التي نروي بها قصصنا عن الآخرين، وتحديداً الطابع غير الموضوعي للانطباعات الشخصية، أو الجمود، أو الشطط في الحقائق الخاصة بالسيرة، وهي طرق غير كافية للنظر إلى التغير المستمر المعقد للكينونة الإنسانية.
ربما يتساءل البعض؛ ماذا إذن بشأن مستقبل الرسائل المجمعة في القرن الواحد والعشرين، أي رسائل سنختتم بها هذا المقال؛ رسائل فيليب روث، أم توني موريسون؟
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً