بايدن يواجه تهديدات الصين بقمة رباعية مع زعماء اليابان والهند وأستراليا

بلينكن وأوستن يزوران طوكيو وسيول في أول رحلة خارجية قبل زيارة سوغا للبيت الأبيض

البيت الأبيض
البيت الأبيض
TT

بايدن يواجه تهديدات الصين بقمة رباعية مع زعماء اليابان والهند وأستراليا

البيت الأبيض
البيت الأبيض

يعقد الرئيس الأميركي جو بايدن قمة افتراضية نهاية الأسبوع الجاري مع زعماء دول اليابان والهند وأستراليا جرى لها الإعداد بشكل عاجل بعد تصاعد التوترات مع الصين. وأشارت مصادر بالبيت الأبيض إلى أن القمة الرباعية ستُعقد على الأرجح يوم الجمعة، تحت شعار الحوار الأمني الرباعي وهو منتدى استراتيجي يجمع الدول الأربع المعنية بالتهديدات الصينية. وأكد مسؤولو البيت الأبيض أهمية القمة الرباعية واهتمام إدارة بايدن بآسيا والصين بوصفها أحد المحاور الرئيسية للسياسة الخارجية للإدارة منذ توليها السلطة في 20 يناير (كانون الثاني) الماضي.
وأكد رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، تطلعه لمناقشة القضايا الأمنية في القمة الرباعية، معرباً عن تفاؤله بعمل أربع دول من أجل السلام والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادي، فيما انتقدت الصين القمة الرباعية ووصفها وزير خارجيتها بـ«سياسة التعددية الانتقائية».
وشهدت الدول الأربع علاقات مضطربة مع الصين على مدى السنوات القليلة الماضية. فقد دخلت القوات الهندية والصينية في اشتباك عسكري على طول خط السيطرة الفعلية -الحدود الفعلية بين البلدين في جبال الهيمالايا- في يونيو (حزيران) الماضي، والتي خلّفت قتلى في القوات من كلا الجانبين بعد قتال بالأيدي. وظلت العلاقات بين بكين ونيودلهي فاترة منذ ذلك الحين، مع نشوء نزاعات تجارية وتكنولوجية.
ولا يزال الخلاف مشتعلاً بين اليابان والصين بشأن جزر سينكاكو المتنازَع عليها. وقد زادت بكين من وجود سفن خفر السواحل بالقرب من جزر بحر الصين الشرقي غير المأهولة، والتي تُعرف باسم «دياويوس» في الصين. فيما شهدت العلاقات بين أستراليا والصين تدهوراً حاداً بسبب سلسلة من النزاعات التجارية.
في الوقت نفسه، زادت الولايات المتحدة من وتيرة مهامها البحرية والجوية في بحر الصين الجنوبي، كما عززت دعمها لتايوان المتمتعة بالحكم الذاتي، والتي تدّعي بكين أنها جزء من أرضها السيادية. وقد وصف الرئيس جو بايدن، في خطابه الأخير المتعلق بالسياسة الخارجية، الصين بأنها «المنافس الأكثر جدية» للولايات المتحدة وتعهد بمواجهة بكين على جبهات مختلفة، بما في ذلك حقوق الإنسان والملكية الفكرية والسياسة الاقتصادية.
على الجانب العسكري من الرباعية، ازداد التعاون خلال العام الماضي من خلال الاتفاقات الثنائية بين شركاء المجموعة الرباعية والتدريبات العسكرية المشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، انضمت أستراليا إلى تدريبات «مالابار» السنوية مع الولايات المتحدة واليابان والهند. تم إجراء تلك المناورات سنوياً منذ عام 1992. وقد نمت المناورات من حيث الحجم والتعقيد في السنوات الأخيرة لمعالجة ما وصفته البحرية الأميركية سابقاً بأنها «مجموعة متنوعة من التهديدات المشتركة للأمن البحري في المحيطين الهادئ والهندي». وأشار مسؤولون بوزارة الخارجية إلى أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، سيسافران إلى اليابان وكوريا الجنوبية في الفترة من 14 إلى 18 مارس (آذار). وستكون هذه أول زيارة دولية لمسؤولي حكومة بايدن منذ تنصيب الرئيس الأميركي. ومن المتوقع أن تُظهر المحادثات الشخصية المزمع عقدها في خضم وباء فيروس «كورونا»، التحالف القوي بين الولايات المتحدة وكل من اليابان وكوريا الجنوبية.
وأعلنت الحكومتان الأميركية واليابانية في وقت سابق أن كبار مسؤوليهما في الخارج والدفاع قد أجروا مناقشات عبر الفيديو يوم الخميس الماضي، وأكدتا التنسيق الوثيق بينهما للحفاظ على «منطقة المحيطين الهندي والهادئ المفتوحة» وتعزيز قدرات الردع. وأكد الجانبان معارضتهما القوية للمحاولات أحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن بالقوة أو الإكراه في بحر الصين الشرقي والجنوب، وشاركا «مخاوفهما العميقة» بشأن قانون خفر السواحل في بكين الذي يسمح صراحةً لخفر السواحل الصيني باستخدام الأسلحة ضد السفن الأجنبية التي يرى أنها تدخل مياه الصين بشكل غير قانوني، مما يثير مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تصعيد النزاعات البحرية.
وقد اقتحمت سفن حرس السواحل الصينية مراراً وتكراراً المياه اليابانية حول جزر سينكاكو غير المأهولة، والتي تسمى دياويو في الصين، في محاولة واضحة لتقويض سيطرة اليابان عليها.
ووصف أنتوني بلينكن في خطابه حول استراتيجية الأمن القومي لإدارة بايدن، علاقة الولايات المتحدة مع بكين بأنها «أكبر اختبار جيوسياسي للقرن الحادي والعشرين». وقال إن هناك حاجة لإشراك الصين من موقع قوة لا يمكن القيام به إلا جنباً إلى جنب مع الحلفاء والشركاء في المنطقة. وأضاف بلينكن: «الصين هي الدولة الوحيدة التي لديها القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتحدي النظام الدولي المستقر ومقاومة جميع القواعد والقيم والعلاقات التي تجعل العالم يعمل بالطريقة التي نريدها».
وقال وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، يوم الأحد، إن الصين تقوم بتصرفات «عدوانية للغاية» في المنطقة وتهديد بعض الحلفاء في المنطقة، في إشارة إلى نزاعات بكين مع جيرانها. وتدّعي الصين السيادة على بحر الصين الجنوبي في نزاع مع كل من فيتنام وماليزيا والفلبين وبروناي وتايوان، حيث قامت بفرض سيطرتها على كثير من الجزر في بحر الصين الجنوبي والشرقي. والمنطقتان غنيتان بالمعادن والنفط والموارد الطبيعية الأخرى وهما أيضاً حيويتان للتجارة العالمية.
وقال أوستن لشبكة «آي بي سي»، الأحد: «كانت الصين مشغولة بتحديث جيشها وتطوير قدراتها ومحاولة إغلاق الميزة التنافسية التي لطالما تمتعنا بها».
من جانب آخر من المقرر أن يكون رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوغا، هو أول زعيم دولي يزور البيت الأبيض ويلتقي الرئيس جو بايدن بعد توليه منصبه. وقد التزم بايدن وأعضاء إدارته بمؤتمرات الفيديو في اللقاءات التي عُقدت مع المسؤولين الدوليين وكان آخرها القمتان الافتراضيتان مع رئيس وزراء كندا والرئيس المكسيكي.
ويشير مسؤولو البيت الأبيض إلى أن زيارة رئيس الوزراء الياباني ستكون في بداية أبريل (نيسان) وستمثل عودة نحو الحياة الطبيعية بعد الوباء واستقبال قادة العالم مرة أخرى في المكتب البيضاوي. وقال مسؤولون إن زيارة سوغا كأول زعيم أجنبي يزور البيت الأبيض في عهد بايدن من شأنه أن يبعث برسالة قوية إلى الصين مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالمشاركة النشطة في قضايا الأمن في آسيا، وأن التحالف بين الولايات المتحدة واليابان سيظل المحور الأساسي لإطار العمل الأمني بعد الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادئ.
وقد تحدث بايدن إلى سوغا في يناير الماضي، بعد أسبوع فقط من توليه منصبه، وركزت المكالمة الهاتفية بشكل كبير على قضايا الأمن الإقليمي، بما في ذلك الصين وكوريا الشمالية، وفقاً للبيت الأبيض. وفي تلك المكالمة، أعرب بايدن أيضاً عن «التزام أميركا الثابت بالدفاع عن اليابان» بموجب اتفاقية دفاع مشترك، بما في ذلك جزر سينكاكو المثيرة للجدل، والتي تسيطر عليها اليابان وتطالب بها الصين.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...