أول مقابلة للأسد مع صحافي أميركي منذ عامين

جوناثان تبرمان: فوضى على الحدود.. والكهرباء مقطوعة في القصر.. وكومبيوتر ماكنتوش على مكتب الرئيس

الأسد في لقائه مع جوناثان تبرمان صحافي دورية «فورين أفيرز» (شؤون دولية) التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية ورئاسته في نيويورك («الشرق الأوسط»)
الأسد في لقائه مع جوناثان تبرمان صحافي دورية «فورين أفيرز» (شؤون دولية) التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية ورئاسته في نيويورك («الشرق الأوسط»)
TT

أول مقابلة للأسد مع صحافي أميركي منذ عامين

الأسد في لقائه مع جوناثان تبرمان صحافي دورية «فورين أفيرز» (شؤون دولية) التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية ورئاسته في نيويورك («الشرق الأوسط»)
الأسد في لقائه مع جوناثان تبرمان صحافي دورية «فورين أفيرز» (شؤون دولية) التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية ورئاسته في نيويورك («الشرق الأوسط»)

عادة، يقابل الحكام العرب، وغير العرب، صحفا أو مجلات أميركية، لكن، قابل الرئيس السوري بشار الأسد دورية أميركية، تصدر كل شهرين، هي دورية «فورين أفيرز» (شؤون دولية) التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية، ورئاسته في نيويورك.
أيضا، جاءت موافقة الأسد على المقابلة فجأة، وكما قال الصحافي الأميركي الذي أجرى المقابلة، جوناثان تبرمان، رئيس تحرير الدورية التنفيذي، انتظر عامين، حتى وافق الأسد.
وقال الصحافي: «في عام 2013، قدمت طلب المقابلة بالإيميل إلى المكتب الصحافي للأسد، حسب عنوان أخذته من سفارته في واشنطن. وخلال العامين التاليين تقريبا نسيت الطلب. لكن، في منتصف الشهر الماضي، قبل المقابلة بـ10 أيام، وفي السادسة صباحا، دق التليفون وأنا في المطبخ في منزلي. كنت أعد فنجان قهوة الصباح. نظرت إلى الرقم، وكان غريبا، ومن دولة أجنبية، ولم أرد على الاتصال. وبعد ساعة تقريبا، وصلتني رسالة إيميل من سوريا، من المكتب الصحافي للأسد. وفيها أنهم راجعوا طلبات الصحافيين منذ عام 2013، ووجدوا طلبي، وسألوا إذا كنت ما زلت أريد مقابلة الأسد. طبعا، رددت بالموافقة. ثم ردوا أنه، حسب جدول الأسد، لا بد أن أقابله خلال 5 أيام. وطبعا، وافقت مرة أخرى».
وقال الصحافي إنه وصل إلى بيروت، ثم استأجر سيارة تاكسي إلى نقطة العبور على الحدود بين لبنان وسوريا. ولاحظ كثرة الناس، وبؤس كثير منهم، والحزن، والبكاء. ولم يكن صف الناس منظما، بل كان فوضى. وأزعجه هذا كثيرا، ولم يصدق هذه الفوضى، حتى دخل سوريا.
وقال: «اضطررت لأن أفعل شيئا لم أكن أتوقع أنني سأفعله كل حياتي. رفعت جواز سفري الأميركي، وصرخت، وكررت: أنا أميركي، أنا أميركي. اسمحوا لي بالدخول». وقال إن حيلته نجحت.
وعندما وصل إلى دمشق، لاحظ عددا كبيرا من الجنود، ومتاريس عسكرية. لكنه وجد الناس يعيشون حياة عادية، أو شبه عادية، وكأن الحرب ليست على بعد أميال قليلة.
قابل الأسد في قصر الشعب. ولم يلاحظ حراسة متشددة أكثر من الحراسة العادية. ودخل عن طريق باب جانبي. وكانت الكهرباء مقطوعة. وقالوا له إن السبب هو نظافة البيئة، وتقليل صرف الكهرباء (لا أزمة وقود في بلد تعصف به حرب أهلية منذ 3 سنوات).
وقال الصحافي إن الأسد استقبله ببشاشة، ولاحظ مكتبا كبيرا، وأنيقا، وكومبيوتر «ماكنتوش» بالقرب من الأسد. وأيضا، تماثيل من لندن (كان الأسد طبيبا في بريطانيا قبل أن يدعوه والده إلى سوريا تمهيدا لخلافته).
وقال الصحافي إن الأسد بدا «مرتاحا جدا» أثناء المقابلة، وإن هذا كان مفاجأة له. لم يكن الأسد صورة «الحاكم الديكتاتوري الدموي». كان صورة «طبيب في لندن». وكان يتكلم في هدوء، وهو يشرب قهوة «كاباتشينو».
وعن ردود الأسد عن أجوبته، قال إن الأسد أصر على أن الحرب في سوريا تسير في صالحه، وإنه لن يقدم أي تنازلات، وقلل من أهمية المفاوضات الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب، واتهم أعداءه، في المنطقة وفي الغرب، بنشر أكاذيب عن قوة المعارضة وضعف قواته. وانتقد الولايات المتحدة. وقال إن دورها يجب أن يكون «للمساعدة في تحقيق السلام في المنطقة، لمكافحة الإرهاب، لتعزيز العلمانية، لدعم هذا المنطقة اقتصاديا». و«لا لإطلاق الحروب. إن شن حرب لا يجعلك قوة عظمى».
وأضاف أنه سيستمر في الحرب حتى ينتصر. وأن «كل الحروب في أي مكان في العالم قد انتهت إلى حل سياسي». لكنه أضاف: «لا يزال الشعب السوري مع وحدة سوريا. لا يزال يدعم الحكومة».
ولاحظ الصحافي أن الأسد، أثناء المقابلة، وهي أول مقابلة للأسد مع صحافي أميركي منذ عامين، «يخلط، باستمرار، بين العقلانية واللامعقول. ويستعمل خدعا بلاغية أنيقة. وبسبب هذا، يبدو أكثر مصداقية. أضف إلى ذلك قناعة تامة من جانبه بصحة ما يقول. أو هكذا يبدو».
وأضاف الصحافي: «إما أن الرئيس السوري مخرف تماما. وفي هذه الحالة، فإنه مجرد معتل اجتماعيا (سايكوبات). أو هو فعلا يصدق أكاذيبه. وفي هذه الحالة، فإنه أكثر خطورة. إنه مثل مختل عقلي موهوم حقا. لهذا، لماذا يعقد اتفاقا لإنهاء الحرب التي يعتقد أنه يفوز فيها؟».
وقال الصحافي إن الأسد، في شبه تردد، لكن في هدوء، رفض تكرارا أن يتحمل مسؤولية ما حدث، ناهيك عن أن يعتذر، «رغم أنه يترأس حربا وحشية، دمرت بلاده، وقتلت نحو 200 ألف شخص، وحولت أكثر من 7 ملايين سوري إلى مشردين، وأدت إلى تقسيم سوريا إلى 3 دويلات طائفية».
وإن الأسد «أصر على أنه لا يعرف خطأ واحدا ارتكبه». وقال له الأسد: «يجب أن أعود إلى المسؤولين على الأرض (للعثور على أي خطأ). لا يوجد شيء في ذهني».
ورفض الأسد تحمل مسؤولية التعذيب الجماعي للآلاف، واستخدام الأسلحة الكيميائية والقنابل البرميلية على المدنيين. وقال إن هذه أخبار ملفقة جمعها أعداؤه.
وأضاف: «إنها كلها ادعاءات من دون أدلة». وإن دولة قطر تمول الأجهزة التي تنقل هذه الأخبار.
ولاحظ الصحافي تشدد الأسد مرات كثيرة، مثلا عندما رفض، رغم أسئلة الصحافي المكررة، أن يتحدث في تفصيل عن المفاوضات التي تدعمها، مع دول أخرى، الولايات المتحدة وروسيا، ناهيك عن أن يشجعها. وتجاهل شرح أي جهود من جانبه لدفع هذه المفاوضات إلى الأمام.
وعن احتمال أن يقدم أي تنازلات، قال إن التنازلات، وبناء الثقة، ليستا من أهم المواضيع بالنسبة له. وأضاف: «إنها ليست موضوع علاقات شخصية. يجب عليك، في مثل هذه المواضيع، أن لا تثق بأي شخص».
وقال الصحافي إن الأسد تعمد حديثا طويلا عن الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو» في فرنسا، والخطوات التي اتخذتها فرنسا، وبقية الدول الغربية، لمواجهة الإرهاب، قال الأسد إنه ظل، منذ سنوات، يدعو الدول الغربية للتحالف لمواجهة إرهاب المتطرفين، وإنه يرى أنه والغربيين يجب أن يكونوا «حلفاء» في ذلك.
وقال الصحافي إن تركيز الأسد على هذا الموضوع جعله يتذكر توقيت الموافقة على المقابلة، بعد حادث «شارلي إيبدو».
وفي نهاية المقابلة، أوضح الأسد، كما قال الصحافي، «أنه ليس مستعدا للتنازل عن أي شيء على الإطلاق لجلب الطرفين معا».
وقال الصحافي: «في نهاية المطاف، لا يمكن للطاغية أن يتصور غير طريق واحد لإنهاء هذا الصراع الدموي. إنه يرى أن كل أعدائه، في المنطقة، وفي الغرب، يجب أن يستسلموا، ويقبلوا مزايا حججه الملتوية. حتى ذلك الحين، سوف يواصل القتل».



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.