الصحافة الإيرانية: الحصان المعصوب العينين

خامنئي «المرشد الأعلى» صاحب تصريح صحيفة «الجمهورية الإسلامية».. ويعين رئيس تحرير «كيهان»

الصحافة الإيرانية اليومية مملوكة وخاضعة بالكامل للرقابة الصارمة
الصحافة الإيرانية اليومية مملوكة وخاضعة بالكامل للرقابة الصارمة
TT

الصحافة الإيرانية: الحصان المعصوب العينين

الصحافة الإيرانية اليومية مملوكة وخاضعة بالكامل للرقابة الصارمة
الصحافة الإيرانية اليومية مملوكة وخاضعة بالكامل للرقابة الصارمة

لا بد لأي شخص من المهتمين بالصحافة أن يُعجب خلال نزهته في أحد شوارع طهران بالكثير من أكشاك بيع الجرائد ومختلف المطبوعات. وتعتبر طهران واحدة من آخر العواصم الكبرى التي لا تزال تحتفظ بأكشاك بيع الجرائد كجزء من المشهد المدني هناك. واستنادا إلى أن أيا من الصحف يجري حظره في يوم من الأيام، فهناك ما لا يقل عن 15 صحيفة يومية تُباع في أكشاك بيع الجرائد بطهران، وهو عدد كبير فعلا بأي مقاييس. (كانت طهران تتفاخر بإصدار أكثر من 20 صحيفة يومية في الخمسينات ولكنها تقلصت إلى 8 فقط خلال أيام الشاه الأخيرة).
مع ذلك، لا يعني عدد الصحف اليومية الكبير في طهران أن هناك طرحا حقيقيا للكثير من الخيارات. حيث إن الصحافة في ظل الجمهورية الإسلامية مملوكة وخاضعة بالكامل للرقابة الصارمة من قبل الفصائل المتنافسة داخل المؤسسة بناء على أسس التحالف بين الأجهزة العسكرية - الأمنية وقطاع رجال الدين في شراكة تجمعهم بالشركات التجارية الكبرى.
أولى ميزات الصحف الإيرانية أنه في حين يجري إصدار تصاريح النشر باسم الملكية الفردية للأشخاص إلا أنه يمكنك دائما تتبع المسار إما إلى الدوائر الحكومية، بما في ذلك الحرس الثوري الإسلامي، أو إلى الكتل السياسية المساندة لواحد من «كبار اللاعبين».
والمثال على ذلك، يعتبر علي خامنئي «المرشد الأعلى» هو صاحب تصريح صحيفة «الجمهورية الإسلامية» اليومية في حين أنه يعين رئيس تحرير صحيفة «كيهان» اليومية كذلك. كما يمول حليفه السابق ومنافسه الحالي هاشمي رفسنجاني عددا من الصحف اليومية، وغالبا من خلال المصالح التجارية المرتبطة بعائلته. وأيا ما كان رئيس الجمهورية في ذلك الوقت، فهو من يتحكم في عدد من الصحف الصادرة عن الحكومة.
تنفق الحكومة ما متوسطه 150 مليون دولار كل عام على دعم الصحافة، من خلال التقارير الصحافية مدفوعة الأجر، والإعلانات، والرسوم الجمركية المنخفضة، والنشرات المباشرة.
تمتلك الصحافة الإيرانية عددا كبيرا من الصحافيين المدربين تدريبا جيدا الذين، إذا سنحت لهم الفرصة، يمكنهم العمل وفق المعايير الصحافية الدولية. وكثير منهم من الشباب الصغير، ومن النساء أيضا بصورة متزايدة، والذين تخرجوا من معهد الدراسات الإعلامية الذي أسسته صحيفة «كيهان» في فترة الستينات في العاصمة طهران. إنهم يعلمون أساليب الصناعة فضلا عن أي مراسل في المجتمعات الحرة ولكنهم غير قادرين على إنتاج نوع العمل الذي يريدون نظرا «للخوف والرقابة».
وتنعكس تلك المشكلة من خلال قصة قصيرة كتبها ولي خليلي، وهو مراسل قسم الجرائم في صحيفة «طهران» اليومية، تدور حول تحقيق أجراه صحافي شاب حول حادثة اختفاء غامضة. وفي عدة مناسبات كان الصحافي الشاب يفكر في «ترك الأمر برمته» نظرا لعلمه أنه إذا وضع قدمه خارج منطقة «الخطوط الحمراء» فسوف يُفصل من عمله بكل سهولة، أو يُقتل، أو ما هو أسوأ، الإجبار على النفي. ومنذ اعتلى الملالي سدة الحكم في 1979. تعرض أكثر من 100 صحافي للإعدام أو القتل، وغيرهم قابعون في غياهب السجون. وفر المئات الآخرون إلى منفاهم. والآن، هناك عشرات الصحافيين في السجون بينما يُمنع الكثير منهم من العمل في مجال الإعلام. ويُطلق عليهم هناك مسمى «الأقلام المحرمة».
مثل أي شخص مغرم بالصحافة، فإن خليلي على استعداد للتخلص من صديقته المتبرمة، وتجاهل والدته المحتضرة، وإهمال رئيسه المتعجرف، والمخاطرة بحياته عن طريق مواجهة الشخصيات الخطيرة فقط لاستكمال تحقيقه الصحافي. كما أنه يتساءل كيف «التعامل مع تلك الرقابة المثيرة للسخط» ناهيك عن الرقابة الذاتية. نصحه صديقه بالتوقف والتخلي عن الأمر. ولكنه يتقابل بعد ذلك مع بولوري، وهو من محرري الجرائم المخضرمين في عصر ما قبل الثورة، والذي حثه على عدم التراجع عن كتابة «القصة الجيدة».
يتذكر بطل رواية خليلي عشرات الزملاء الذين فروا إلى الخارج للعمل في القنوات الإذاعية والتلفزيونية الناطقة باللغة الفارسية في بريطانيا، والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، والدول العربية لمناهضة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
لكنه يعرف كذلك أن الكثير من الصحافيين لاقوا حتفهم وألقيت جثثهم على جوانب الطرقات خلال عهد الرئيس رفسنجاني ومحمد خاتمي.
كما أن احتمال النفي يحطم قلبه، فقد كتب يقول: «أريد أن أكون في جوف الوحش، أريد أن أبقى في طهران، أشتم رائحتها، وأشعر بها، وأعرف أوجاعها وآلامها، وأحزان سكانها». إن الصحيفة التي بلا مدينة ما هي إلا ظل للحقيقة والصحافي الذي بلا صحيفة ليس إلا شبحا هائما في الأجواء».
الطريقة الوحيدة لتجنب المخاطر تكمن في الابتعاد عن «القضايا الساخنة»، وخصوصا السياسية منها.
ذلك هو السبب وراء العدد الكبير من الصحف اليومية في طهران والتي تتعاطى مع القضايا الاقتصادية والتجارية والرياضية. ويخرج الصحافيون الإيرانيون بطبعات جيدة حينما يتعلق الأمر بالموضوعات الاقتصادية والرياضية. ويأتي عملهم متسقا مع المعايير العالية عند التعامل مع موضوعات مثل الكوارث البيئية. كما تتمتع الصحافة الإيرانية بنقاد للسينما والمسرح من المختصين والكتاب في الموضوعات الأدبية والثقافية.
ولكن الرقابة تعمل بطرق مختلفة برغم ذلك إحداها الحرمان من مصادر المعلومات الصحافية التي تنبني عليها القصة الإخبارية. وذلك يرجع إلى أن أجهزة الدولة والأجهزة شبه الحكومية تسيطر بالفعل على غالبية مظاهر الحياة الإيرانية كما أنهم يعدون المصادر الرئيسية لأي معلومات. فإذا ما قرروا إبقاء شيء ما خارج نطاق المناقشة العامة فإنهم غالبا ما ينجحون في ذلك.
والمثال على ذلك أنه من المثير للاهتمام عدم مناقشة القضية النووية الإيرانية بطريقة جادة قط، ولا حتى داخل المجلس الإسلامي أو البرلمان المصطنع. وتبرز تلك القضية من واقع أنها الاهتمام الاستراتيجي الأول للحكومة الإيرانية، غير أنه محظور على أي صحافي إيراني التطرق إليها أو معالجتها.
كما تعد إيران من كبار مصدري النفط على مستوى العالم. وبرغم ذلك، لا يعمل أي صحافي إيراني اليوم كمراسل نفطي حكومي تابع للنظام كما كان الحال مع علي أكبر خيرخاه وعلي باستاني في فترات ما قبل اندلاع الثورة الإسلامية.
تستحوذ المؤسسة العسكرية والأمنية على ما يقرب من ثلث الميزانية الوطنية بالبلاد. أيضا، وبرغم ذلك، يُحظر على الصحافة الإيرانية تدريب وتوظيف المراسلين العاملين على مثل تلك القضايا. وحتى مع الإفراج عن المعلومات، يكون من المستحيل التأكد منها نظرا لأن المسؤولين يعرفون جيدا كيف يغلقون أفواههم أو، حيثما أمكن، منح الرشاوى للصحافيين الأقل تدقيقا لاعتماد النسخ الرسمية فقط من المعلومات.
ثم تأتي مشكلة الرقابة اليومية عندما يقوم شخص ما من وزارة الإرشاد الإسلامي والثقافة بالاتصال بمحرري الصحف ليخبرهم «بالخطوط الحمراء» الواجب تجنبها في موضوعات ذلك اليوم.
ونظرا لأن القضايا ذات الأهمية الحقيقية لا يمكن التعامل معها بذات القدر من الجدية، يظل الشعب الإيراني تحت مستوى التغطية الإعلامية، إن جاز التعبير.
والشيء المؤسف في ذلك هو امتلاك إيران لما يكفي من الصحافيين الموهوبين، الذين إذا أتيح لهم قدر من الحرية، يمكنهم الخروج بصحافة ذات مستوى عالمي.
وبقدر الاهتمام بالمهارات الصحافية، على سبيل المثال، يعتبر محمد كوشأني، رئيس تحرير صحيفة «الشرق» اليومية، هو من المحترفين الموهوبين في مجاله. ومع ذلك، فهو غارق في متاهة الخلافات الحزبية، وغالبا ما يُجبر على إعلاء مصالح حزبه فوق تقديم قصة صحافية أو إخبارية جيدة.
وعلى الطرف الآخر من الطيف، نجد حسين شريعتمداري، مدير تحرير صحيفة «كيهان»، وهو من المجادلين المحنكين الذين دائما ما يعكسون وجهات نظر «المرشد الأعلى».
مع ذلك، فإنه، أيضا، غالبا ما يجد نفسه منزلقا على قشرة الموز البلاغية تحت ضغوط واجبه ليتملق «قطعة الجبن الكبيرة». مثالا على ذلك، زعم شريعتمداري في مقالة افتتاحية كتبها مؤخرا أن الرسالة الصادرة عن علي خامنئي إلى «شباب أوروبا»، والتي تجوهلت بشدة، يقول: إنها كان لها «تأثير مزلزل على الغرب».
هناك بعض الساخرين الذين يفرون من دون محاسبة تذكر، ومن بينهم ايدين سيار - ساري وشاهرام شايدي، مع بعض الصحف اليومية القليلة، على غرار صحيفة «ماردوم - سالاري»، التي تتيح مساحة ما للرسوم الكاريكاتيرية اللاذعة. وبرغم ذلك، فإن إيران التي كانت قبل ثورتها تمتلك الكثير من المجلات الساخرة، نادرا ما تسمح بإصدار واحدة اليوم.
إن مقولة «لا تنشر ذلك»، ما هي إلا نمط من أنماط الرقابة المفروضة على الصحافة في إيران. والأسوأ منها هو نمط آخر يبدأ بعبارة «عليك نشر ذلك!».
من واقع تلك الفئة فإن الصحف غالبا ما تستخدم كأوراق للدعاية الآيديولوجية الخمينية، والشعارات المؤيدة لحركة حزب الله العالمية، وغيرها الموجهة للمعاداة الكلاسيكية للولايات المتحدة وللعرب ولإسرائيل، وأحلام اليقظة المستمرة حول عودة الإمام الغائب والتحول النهائي للإنسانية إلى ولاية الفقيه، أو الحكم تحت ملا واحد.
تذكرني الصحف الإيرانية بالعداء الحريص والمستعد جيدا للاستدارة حول محوره في مساحة ضيقة للغاية مثل الحصان معصوب العينين بدلا من مشاركة الآخرين في المجال أو المضمار الذي يمكن أن يبزغوا من خلاله.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.