شارلوت ليزلي: القانون الدولي بحاجة إلى تحديث لملاءمة عصرنا

قالت لـ«الشرق الأوسط» إن وتيرة التغيير في السعودية «مثيرة للإعجاب»

شارلوت ليزلي
شارلوت ليزلي
TT

شارلوت ليزلي: القانون الدولي بحاجة إلى تحديث لملاءمة عصرنا

شارلوت ليزلي
شارلوت ليزلي

عندما كانت شارلوت ليزلي، النائبة المحافظة السابقة، تشارك في وفود بريطانية إلى دول الشرق الأوسط، كثيراً ما كانت تجد نفسها المرأة الوحيدة في وفد بلدها، فيما كانت مُحاطة بعدد من السيدات العربيات «صانعات القرار». وتستغرب ليزلي النظرة النمطية بأن النساء العاملات في مجال صنع السياسات يحظين باحترام أقل من نظرائهن الذكور في المنطقة، وقالت إن تجربتها كانت عكس ذلك.
تحدّثت «الشرق الأوسط» مع ليزلي التي تشغل اليوم منصب مديرة مجلس الشرق الأوسط لحزب المحافظين، حول مستقبل بريطانيا بعد «بريكست»، والعلاقات التجارية والأمنية مع دول الخليج، وسبل حل الأزمة اليمنية، ومعضلة إحياء الاتفاق النووي.
وشددت ليزلي على ضرورة تعزيز التعاون التجاري والأمني بين بلدها ودول الخليج، خصوصاً بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كما دعت إلى اعتماد مقاربة شاملة في اليمن تركّز على مواجهة أسباب النزاع وليس أعراضه فقط.
وفيما يلي أبرز ما ورد في الحوار
- «بريكست»... والعلاقات مع الخليج
توقّعت ليزلي أن تصبح العلاقات بين بريطانيا ودول الخليج «أكثر أهمية من أي وقت مضى بعد (بريكست)»، وأملت في أن تكون التحديات الحتمية التي ستمثلها عملية الانتقال بالنسبة للندن «حافزاً قوياً لتعزيز العلاقات العميقة التي تربطها بالمنطقة». وأوضحت: «أعلم أن الحكومة البريطانية تسعى بنشاط إلى إقامة روابط تجارية أقوى مع أصدقائنا في المنطقة، كما يشير التعيين الأخير لمستشار رئيس الوزراء، السير إدوارد ليستر، للتركيز بشكل خاص على التجارة مع الخليج».
واعتبرت ليزلي أنه فيما يتعلّق بالتجارة، «لدينا مصلحة مشتركة في الفرص التي يوفرها الاقتصاد الأخضر، والحوافز المماثلة للابتعاد عن اعتمادنا على الاقتصادات القائمة على الوقود الأحفوري لأسباب بيئية حيوية ولأسباب اقتصادية كذلك». ولفتت إلى أن هناك أيضاً «كثيراً من الفرص للسياحة في المنطقة، ليس أقلّها في دول مثل السعودية التي تعمل حالياً على تطوير هذا الجانب من اقتصادها».
تطرّقت ليزلي كذلك إلى التعاون الأمني، وقالت إنه «في وقت تواجه فيه منطقة الشرق الأوسط، والعالم، تحديات أمنية غير مسبوقة، أصبح التعاون في المجال الأمني أكثر أهمية من أي وقت مضى. فبالإضافة إلى التحديات الأمنية التقليدية، نواجه تحديات جديدة تطرحها المعلومات المضللة في العالم الرقمي، والهجمات السيبرانية، وجهات غير حكومية تحظى بتمويل وتنظيم جيّدين»، مشددة على أنه «من مصلحة كل من بريطانيا والخليج رؤية عالم قائم على دول مستقرة».
وأضافت أنه «يمكننا أيضاً التعلم بعضنا من بعض، إذ تمتلك بريطانيا خبرة وتجربة يمكنها مشاركتها، والخليج كذلك. على سبيل المثال، لقد شهدت بعض الأعمال المتعلقة بإعادة تأهيل المتطرفين العنيفين وبرامج مكافحة التطرف في الخليج، والتي يمكن لبريطانيا أن تتعلم منها بشكل كبير. لدينا الكثير لنشاركه ونتعلمه بعضنا من بعض، وفي هذه الأوقات، لا يمكننا تحمل عواقب عدم القيام بذلك».
أوجه إحياء الاتفاق النووي
ترى ليزلي أن محاولات إحياء الاتفاق النووي مع إيران لن تكون «بمثابة عودة إلى الاتفاق الأصلي، وذلك ببساطة لأن انسحاب الولايات المتحدة تحت قيادة (الرئيس السابق دونالد) ترمب غيّر السياق حتماً». وأعربت عن أملها في أن «يغتنم المجتمع الدولي هذه الفرصة لتقييم مزايا وعيوب وحدود خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) على أسس براغماتية بحتة»، إذ «لا يسع المجتمع الدولي أن يكون ساذجاً أو مثالياً»، على حد قولها. وأضافت موضحة: «لا أرى كيف يمكن فصل برنامج إيران النووي عن برامجها الباليستية والأنشطة المزعزعة للاستقرار التي يقوم بها وكلاؤها والميليشيات في جميع أنحاء المنطقة».
وقرأت ليزلي موافقة الرئيس الأميركي جو بايدن على شن ضربات استهدفت الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا، كإشارة إلى «استعداده للاعتراف بأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار الإقليمي والعمل على احتوائها». واستدركت قائلة: «لكن يجب أن نرى ما إذا كان من الممكن إدراج (هذا الاعتراف) في الاتفاق النووي أو أي ترتيبات أخرى».
- تحديث القانون الدولي
في ردها على سؤال حول الجهود البريطانية لإنهاء الصراع في اليمن، قالت ليزلي إنه «لا يوجد حد للمساعدات التي يحتاجها الشعب اليمني من أجل التخفيف من هذه الكارثة الإنسانية - التي تفاقمت بسبب الجائحة. لكن يجب توجيه المساعدات بعناية وحكمة لضمان وصولها فعلاً إلى من هم في أمس الحاجة إليها، وألا تدعم (المساعدات) الاقتصاد الأسود عن غير قصد».
وتابعت: «مع ذلك، فإن المساعدات الإنسانية تعالج الأعراض فقط. السبيل الوحيدة لحل هذه الأزمة من خلال معالجة الأسباب، كما يجب إيجاد حل سياسي. ومرة أخرى، لا يستطيع المجتمع الدولي أن يكون ساذجاً بشأن الأسباب. لا يزال القانون الدولي غير متكافئ عندما يتعلق الأمر بمساءلة جهات حكومية وأخرى غير حكومية».
وأوضحت طرحها بالقول إن القانون الدولي بحاجة إلى تحديث، «حتى يعترف بشكل مناسب بمسؤولية الجهات غير الحكومية عن انتهاكات حقوق الإنسان، بالطريقة نفسها التي يعترف بها بانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الدول، لا سيما أن كثيراً من الجهات غير الحكومية يتم تمويلها وتنظيمها من قبل دول أخرى».
وتابعت أنه في الوقت الحالي، «تُفلت الجهات غير الحكومية من المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها، وهذا يؤدي عادة إلى نقل وجهة نظر منقوصة عن النزاعات». فعلى سبيل المثال، تواصل ليزلي، «قد يكون عامة الناس في بريطانيا على دراية بأن السعودية مرتبطة بالنزاع في اليمن، في حين لم يسبق للكثيرين السماع بالحوثيين».
واستنتجت أنه «حتى يُحاسب القانون الدولي الجهات الحكومية وغير الحكومية (أو غير الحكومية ولكن ترعاها دول) على قدم المساواة، فسيحصل مواطنو الدول الديمقراطية على وجهة نظر منقوصة عن الصراعات من قبل وسائل الإعلام التقليدية». واعتبرت أن لدى بريطانيا «دوراً تلعبه في تطوير قانون دولي ملائم لعصرنا الحديث».
- تصنيف الحوثيين
وعودة إلى النزاع في اليمن، قالت ليزلي إن «تصنيف بعض الجماعات، مثل الحوثيين، على أنها منظمة إرهابية قد يساعد في محاسبتهم، ويجب على الجميع بالتأكيد إدانة استهداف الحوثيين المدنيين في السعودية بطائرات الدرون، وكذلك هجماتهم بالألغام على الملاحة». وتابعت: «لكن من الواضح أن التصنيف بحد ذاته لا يثني الحوثيين عن مهاجمة المدنيين».
وأكدت أن موقفها النهائي من إلغاء واشنطن تصنيف الحوثيين «سيعتمد على مدى فاعلية هذا القرار في مساعدة إدارة بايدن على التعامل مع الحوثيين واحتواء عدوانهم، والتوصل إلى حل مستدام، وإلى أي مدى سيسمح ذلك بإنهاء معاناة اليمن. أنا مهتمة بالنتائج أكثر من التصنيفات».
- النساء والدبلوماسية
شجّعت ليزلي مزيداً من النساء على دخول مجال السياسة، خصوصاً منها المهتمة بمنطقة الشرق الأوسط.
وقال إنه «عندما كنت أقود أو أشارك في وفود نواب بريطانيين لدى زيارة إلى منطقة الشرق الأوسط، كثيراً ما كنت أجد نفسي المرأة الوحيدة (في وفد بريطانيا)، فيما كان عدد النساء صانعات السياسة في المنطقة يفوقنا بكثير».
وتابعت أن «وتيرة التغيير في الخليج، والسعودية على وجه الخصوص، عندما يتعلق الأمر بتمثيل المرأة في مجال صناعة السياسات، أمر مثير للإعجاب»، مضيفة: «قد يتحدث الغرب كثيراً عن المساواة بين الجنسين، ولكن على الرغم من أن الأمور تتغير، فلا تزال أمامنا طريق طويلة لنقطعها بأنفسنا».
وتساءلت ليزلي عن سبب وجود عدد قليل من النساء في مناصب رفيعة في المجال الدبلوماسي. وقالت: «أعتقد أنه في بعض الأحيان، قد تكون السيدات أقل استعداداً لتقديم أنفسهن (لهذه المناصب)، بالمقارنة مع نظرائهن الذكور ذوي مؤهلات متساوية (أو أقل!)».
وتابعت: «لقد وجدت أيضاً فكرة خاطئة مفادها أنه من الصعب على امرأة العمل في مجال سياسات الشرق الأوسط، بسبب تصور أن المرأة قد تعاني من احترام أقل (من نظرائها الذكور) في المنطقة. هذه لم تكن تجربتي أبداً... بل كان العكس هو الصحيح».
وعادت لتقول: «سواء كنت امرأة من المملكة المتحدة أو الشرق الأوسط، فإنني أوصي بشدة بالعمل على سياسات الشرق الأوسط. إنه ليس عملاً محفزاً ومجزياً فحسب، ولكن العالم يحتاج إلى مشاركة المرأة».


مقالات ذات صلة

مسؤول سوري لـ«الشرق الأوسط»: «جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60»

المشرق العربي تعيين القيادي الكردي حجي محمد نبو المعروف باسم «جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري (أرشيفية)

مسؤول سوري لـ«الشرق الأوسط»: «جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60»

أكد المتحدث باسم الفريق الرئاسي لمتابعة تنفيذ اتفاق 29 يناير مع «قسد» تعيين حجي محمد نبو المشهور بـ«جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60» بمحافظتَي الحسكة وحلب.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الضابطة المنشقة يسرى ذياب القطاعنة التي جرت ترقيتها إلى رتبة عقيد (الداخلية السورية)

افتتاح «معهد الشرطة النسائية» في دمشق وترقية ضابطة منشقة

افتتح وزير الداخلية أنس خطاب، معهد الشرطة النسائية في مدينة التل بريف دمشق، في خطوة تهدف إلى تعزيز دور المرأة في العمل الشرطي والأمني، وتوسيع مشاركتها.

«الشرق الأوسط» (ريف دمشق)
العالم فتيات من مجتمع الدينكا يتجمعن تحت ظل شجرة في موقع لتجمّع النازحين بالقرب من مينغكامان في جنوب السودان... 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: العنف ضد النساء يمثل حالة طوارئ عالمية

ندَّد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الجمعة، بازدياد التهديدات لحقوق المرأة في أنحاء العالم.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
آسيا كوريا الجنوبية تُعد من الدول ذات أدنى معدلات المواليد في العالم (رويترز)

طرد مسؤول كوري جنوبي لاقتراحه «استيراد نساء» لزيادة المواليد

طُرد مسؤول كوري جنوبي من حزبه السياسي، عقب اقتراحه «استيراد» نساء من فيتنام وسريلانكا بهدف رفع معدل المواليد المتراجع في البلاد.

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق من كليوباترا إلى كوكو شانيل... «إنفلوينسر» و«فاشونيستا» من زمنٍ آخر

من كليوباترا إلى كوكو شانيل... «إنفلوينسر» و«فاشونيستا» من زمنٍ آخر

في زمن المؤثّرات، والمؤثّرين، تضجّ وسائل التواصل الاجتماعي بوجوه وأسماء توجّه الذوق العام. لكن من هنّ أولى المؤثّرات في التاريخ؟

كريستين حبيب (بيروت)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.