أصدقائي الشعراء... لماذا رحلتم مبكراً؟

غابوا من دون أن يتركوا في العالم الافتراضي أي تسجيل أو حوار

رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي
رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي
TT

أصدقائي الشعراء... لماذا رحلتم مبكراً؟

رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي
رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي

ذكرت في مقالة سابقة الشعراء من أبناء جيلي الذين انسحبوا من المشهد الشعري، ولكنهم موجودون بيننا، نراهم ونجلس معهم، ولكنهم اختاروا طريقاً غير الشعر؛ شعرت أن هناك شعراء أصدقاء من جيلنا تركوا الشعر، ولكن ليس بخيارهم، إنما كانت يد الموت أسرع من الجميع، فاختطفتهم وهم في أول الطريق، فمنهم من أصدر عملاً أو عملين، ومنهم من لم يصدر أي شيء، فقد مررنا بكثير من الشعراء الذين كان لهم صوتٌ عالٍ في مرحلة من مراحل التجربة الشعرية، وكانوا أكثر حركة وحضوراً من كثير من الشعراء، لكنه الموت الذي اختفت بسببه قصائدهم التي كانوا يرددونها، فتحفظها جدران القاعات، واختفى صوتهم الهادر للأسف.
إن الذي حفزني أكثر هو رحيلهم دون أن يسجل لهم هذا العالم الافتراضي أي تسجيل أو حوار، أو ينشر قصائد بعض منهم، لهذا فذكرهم -كما أعتقد- واجب علينا جميعاً، كي نعيد لحضورهم بريقه الذي كان، لا من باب الرثاء واستذكارهم فقط، إنما نقول إن معنا في جيلنا شعراء كانوا هادرين رائعين، ولكنهم رحلوا سريعاً، فنحن هنا كأننا نستدرجهم من مدارج الغيب لنتحدث معهم ونسألهم ونطمئن على أوضاعهم، فقد غابوا في بدايات شبابهم، رحلوا مبكرين ولم يمهلهم الموت حتى يطبعوا نتاجاتهم، رغم أن بعضاً منهم طبع عملاً أو عملين، ولكنهم كانوا دفاقين، وفيهم نبضٌ متسارع لطباعة أكثر من ذلك. أتذكر في هذه اللحظات الشاعر رحيم كريم، ومحمد البياتي، ورشيد حميد الدليمي، ومحمد الحمراني، وعلي عبد اللطيف البغدادي، وحاتم حسام الدين، وخالد عبد الرضا السعدي، وأحمد آدم، ومهدي الشبلي... أتذكرهم كلهم، ولم أكن أتخيل أنَّي سأكتب عنهم وهم غائبون، لا يقرأون ما أكتبه، وقد يقرأونه فلا يُجيبون عنه.
الذاكرة الشعرية ممتلئة بهم جميعاً، كان «رشيد حميد الدليمي» الأقرب من بين جميع الأصدقاء، حيث كان يدرس في كلية الآداب - جامعة بغداد - قسم اللغة العربية، وكنا في العمر نفسه، نلتقي في رابطة الرصافة مساء كل ثلاثاء، لمدة 5 أعوام دون انقطاع. رشيد كان ممتلئاً صخباً وروحاً وهاجة في الشعر واللغة والحب، كنا نذرع شوارع بغداد بعد كل أمسية، فجيوبنا كانت خاوية -أيام الحصار- إلا أن قلوبنا كانت ممتلئة بالشعر: لا عالم لنا إلا القصائد، ولا صديقة لنا غير اللغة... وحتى حين نصادق امرأة ما، كنا نتخمها بقراءة الشعر. رشيد الفتى الأسمر حقق حضوراً سريعاً في تلك الفترة، واستطاع أن يقرأ قصيدة في إحدى المرابد الشعرية قبل 2001. كنا نلح عليه أن يجمع شعره بين دفتي ديوان، لكنه كان متراخياً عن ذلك. رشيد أحد الشعراء الموقعين على بيان قصيدة شعر عام 2002، وقد كان مقتنعاً بإمكانية وقدرة القصيدة العمودية على التحول، ولكن دهمه الموت سريعاً 2004، فتشظت قصائده فوق أطفاله هارون وآية، وما زلت أردد أبياته الرائعة:
مضى فأطفأ أعوامي برحلته
مضى وألبسني ميناء دمعته
مضى وقلدني عينيه كم حلمت
بالشمس تنبت فجراً في أزقته
مضى وخلف فجراً أخرساً وغداً
يضيء غربة روحي صوت شمعته
إن هذا النص فيه تنويع في القوافي وانتقالات دلالية تصاحب انتقالاته الإيقاعية، لكنه في نهاية القصيدة يرسل إشارات واضحة للموت، وأنه عصي على الشعراء، حيث يقول:
لن أطفئ العمر البريء وفي فمي الكلمات قمحٌ والتذكر منجلُ
وكأنني الآن فلاح وبيده منجل حين يتذكر أصدقاءه الشعراء الذين رحلوا مبكراً، رحلوا قبل أن تكون لهم صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تسجيلات مبثوثة على «اليوتيوب»، أو حوار في صحيفة، أو لقاء في تلفزيون.
رحيم كريم كان شاعراً عمودياً صارماً، دقيقاً في تفاصيل القصيدة وحبكتها، يشبه حسين مردان في جسمه وضخامته، لم يكن يزعل منا حين نشاكسه، كان يكتفي بشتمنا من بعيد؛ للأسف، رحل رحيم 1998 دون أن نعرف: أين كان يسكن؟ وأين أهله؟ وأين خبأ نصوصه؟ وحين أعيتني الحيل في الوصول لبعض ما كتبه رحيم كريم، استعنتُ بـ«غوغل»، حيث الملاذ الأخير، ولكني صُدمت حين كتبتُ اسمه؛ ظهر لي كل اسم يشبه اسمه: «رحيم كريم» الرياضي والممثل والفنان والشاعر الشعبي، ولكن لم يظهر لي رحيم كريم صديقي الشاعر الذي مات قبل أن يدون له هذا العالم الافتراضي ولو بيتاً شعرياً واحداً! ترى هل رحيم كريم قد مات بشكل كامل؟
ذلك أن محمد البياتي أول الراحلين 1996 بقيت نصوصه بيننا دائرة بشكل أو بآخر، فقد طبع له اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 1998، بعد سنتين من رحيله، ديوانه اليتيم «قمر المتاه»، وبهذا أنقذوه من الموت بشكل نهائي، وبقي كما يقول درويش: (لم يمت أحد تماماً | تلك أرواح تبدل شكلها ومقامها). لقد كان محمد البياتي -على قلة معرفتي به- مارداً يأتي من الموصل يقتحم الصحف والمهرجانات، حتى كتب عنه الدكتور علي جواد الطاهر، وبشَّر به عن طريق صديقه الأقرب وليد الصراف الذي كان وسيطاً لمعرفة الطاهر بالبياتي. كان البياتي شاعراً محافظاً على نسقية العمود الشعري، إلا أن روحه كانت متمردة أكثر من قصيدته، ولو أمهله الزمن قليلاً لرأينا كيف يتحول بالقصيدة من مناخ إلى مناخ آخر أكثر حداثة، وحين نتذكر شعره فإن قصيدته «معلقة الفارس» تقف في المقدمة، حيث يقول في بعض منها:
على مثلها الأيام وقف ركابها
وغصة حاديها ونوح غرابها
كأن الطلول الشائخات عوانسٌ
ينحن على مر العصور ببابها
وقفت بها والغيب يملي قرونه
على قدر يملي سنين احترابها
أنادي بأقصى الكون يا دهر ردَّني
إلى ساعة في العمر منها ابتدا بها
فأسمع أيامي ترد: عسى به
وأسمع أصداء ترد عسى بها
ونحن في الحالتين نردد عسى وعسى.
القادم الآخر الذي رحل مبكراً من الموصل أيضاً هو حاتم حسام الدين (2005)، الشاعر الوادع الصاخب في الوقت نفسه. كان يأتي من الموصل إلى بغداد وليس في روحه غير قصيدة تثقل أيامه وتربك حياته، لم يكن له هدف في الحياة سوى أن يكتب قصيدة حديثة في روحها قديمة في شكلها، وهذا ما فعله في عدد من النصوص التي تناثرت ولم نرها بعد موته. وهنا، أتذكر أنه حلَّ ضيفاً عليّ في عام 2000، وترك لي قصيدة مكتوبة بخط يده، ولكنني تعبت من البحث عنها فلم أجدها، متذكراً شطراً منها (نمضي وتجلد حزننا الأمطار). وهكذا رحل حاتم حسام الدين دون أن يوثق له هذا العالم بيتاً من الشعر أو قصيدة ملقاة بصوته.
محمد الحمراني، الشاب الجميل القادم من جنوب العراق من العمارة، حيث تعشعش قصيدة النثر في رأسه، وهو من القلائل في تلك الفترة ممن ارتبط معنا بصداقة كانت بسبب الشعر، دون أن ينظر للشكل الكتابي الذي كنا نكتبه، فقد كان ينظر لنا شعراء قصيدة النثر في تلك الفترة على أننا أقوام قادمون من غياهب التاريخ، مبللون بأتربة الزمن، لا علاقة لنا بالحاضر، فيما محمد الحمراني كان ودوداً، فارتبطنا بصداقة متينة عززتها مقاهي بغداد وشوارعها المتربة، كان يترك العمارة ويتسكع في بغداد، فقد سحب الشعر أقدامه ليدور فيها. ورغم رحيله المبكر (2007)، فإنه استطاع أن يطبع مجموعتين شعريتين، و4 روايات، كانت أشهرها «أنفي يطلق الفراشات»، ولكنه كان عجولاً، فاختطفه الموت سريعاً. أتذكر نصه «أنا لم أولد بعد»، في مجموعته «عواصف قروية»، حيث يقول: (هذا ليس أنا | الضوء لم يعلن ولادتي | تركني أنظر إلى جسدي فأجده بالوناً في مدينة الدبابيس | أهرب إلى الأصدقاء الجالسين على حافة الذاكرة | أنا لم أولد بعد | جسدي خرج ليتأمل | شخير العالم | فوضعوا عليه صخرة).
أحمد آدم الشاعر الذي يكتب قصائد النثر، ويسخر من العمودي أيضاً، حيث كنا نمزح معاً حول هذه الظاهرة التي تفشت في جيلنا -جيل التسعينات- حيث الانقسام في أعلى مناسيبه، ولكننا كنا نداوي انقساماتنا بالضحك والسخرية من هذا النوع من الانقسام، اختطفه الإرهاب وهو عائد إلى أهله في كربلاء قبل أكثر من 15 عاماً، رحل وله ديوانان؛ يقول في ديوانه «استدراك» (1999)، في بعض من قصيدته «ملحمة العمر الوهمي» (أقيس حياتي بالمتر أو الميل | حتى تمشي الروح بأقصى فضائها | أحس أن في وجهي الأتربة | وفي ياقتي العاصفة | أتدرين؟ | يذبل عمري حين أرى جسدي | يفتح صيحة في الأرض | والكلمات تزحزحه لينام على فراش روحي...).
خالد عبد الرضا السعدي، كان هذا الفتى أصغر الشباب الموجودين، ولكنه كان أكثر حركة وسفراً ونشاطاً ومسابقات، حيث عُرف بسرعة لافتة، وأصدر ديوانه اليتيم بطبعة أنيقة في وقتها (2007)، وربما أسعفته مشاركته في برنامج «أمير الشعراء» الذي ظهر فيه متسابقاً فحُفظ صوتُه، ودونِت كلماتُه، ولكنه حين عاد إلى ديالى، جوار أهله وناسه، أخذته مفخخة عمياء خطفت روحه وقصائده معاً: (وجهتُ وجهي للبساتين المطرزة الحدائق | ونويتُ أن أبقى مدى الأزمان عاشق | وبذرتُ أقماراً على شفة المساء | ولاح لي أملٌ على جرح اللقاء | حلماً تغازله الحمائمْ | وفراشة طارت فأضنتها المآتم...).
فيما رحل الشاعر مهدي الشبلي من العمارة مبكراً أيضاً، تاركاً لنا مجموعته «تجاعيد باسلة» (2001): (عندما تخرج من رأسي | هذه السهام | لم أكن أعني سوى الجسر الذي انحنى لي | وللآخرين | عندما يبدأ العد التنازلي للموت | لا تكثر من البكاء | أنصت فقط | لوصايا تصنع الحياة).
أما علي عبد اللطيف البغدادي، فقد رحل وترك مجموعتين شعريتين: «شظايا مورقة من بغداد» (1999)، و«سقفي ركام» (2001)، من اتحاد الكتاب العرب، ولكنه كان شاعراً محافظاً أكثر منه شاعراً منفتحاً، فمثلاً يقول في قصيدة «إلى مجتمعي»:
أي برقٍ يطالع العين غيهبْ
إن تناءى عن فكرها وتغيبْ
أي عسرٍ سيستحم بيسرٍ
لو أُحيلت له الإرادة مركبْ
وبسبب نمطية كتابات علي البغدادي، فقد استثنته جماعة قصيدة الشعر من الحوار الذي ظهرت به تلك المجموعة وهي تدعو للتجديد في النص التقليدي. ورغم حضوره معهم عام 1998، فإنهم لم يذكروه.
تُرى كم من الشعراء الراحلين من جيلي قد نسيت؟ وترى هل هذه الوقفة السريعة تفي حق صداقة كنا عقدناها معاً؟ وهل تلبي هذه الحروف عطشنا للسير في شوارع بغداد، وحلمنا في أن نكمل هذا الطريق الوعر؟ هل خاننا أولئك الشعراء فنزلوا في أول محطة لهم؟ ما الذي أتعبهم لينهوا تلك الرحلة؟ تُرى كم من القصائد اختفت معهم؟ وكم من القصائد التي لم تُقل بعد كانت بانتظارهم؟ هذه الكلمات ليست إلا تلويحة سلام لأرواح أصدقائي الشعراء الذين ربما غفلت عن ذكر آخرين، ولكني اكتفيت بأبناء جيلي الذي سرنا معاً في لحظة من لحظات هذا الزمن المبتل بالخوف والترقب، والدهشة أيضاً.



مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
TT

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)

في جدة التاريخية، يبدأ المساء متأخراً في رمضان. بعد الإفطار وصلاة التراويح تتبدل ملامح الأزقة القديمة؛ تفتح المقاهي أبوابها على إيقاع مختلف، وتتحول الجلسات إلى محطات لقاء لا يقصدها الزوار بحثاً عن القهوة فقط، بل عن تجربة كاملة يعيشون فيها تفاصيل المكان. بين برحة نصيف وشارع الذهب، تتشكل اليوم هوية جديدة لمقاهي «البلد»، حيث يلتقي الجيل الجديد بتاريخ المدينة، في محاولة لإعادة تعريف المقهى داخل فضاء تراثي عمره قرون.

«ميناء»... حين يصبح المقهى نقطة انطلاق

خلف بيت نصيف مباشرة، اختار مقهى ميناء أن يكون جزءاً من التحول الذي تشهده المنطقة، لا مجرد مشروع جديد داخلها. المقهى يصفه مالكه محمد جوجو بأنه محاولة للمشاركة في صناعة التغيير نفسه، عبر تقديم القهوة المختصة ضمن قراءة معاصرة للمكان، تحافظ على التاريخ دون أن تمسّه.

مقهى ميناء نقطة التقاء وانطلاق لاكتشاف أزقة جدة التاريخية (الشرق الأوسط)

يقول جوجو لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة لم تكن إنشاء مقهى فقط، بل إعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة داخل بيئة تاريخية، بحيث يلتقي الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة. فالمكان معاصر بطبيعته، لكنه يعيش داخل تاريخ طويل يجب احترامه لا استبداله. فاختيار الموقع جاء نتيجة علاقة شخصية مع جدة التاريخية؛ إذ أمضى جوجو عاماً كاملاً في دراسة الهندسة الإسلامية، والحرف التقليدية في البلد، متتبعاً تفاصيل الرواشين، والنجارة، والخزف، والجبس، قبل أن يقرر أن يبدأ مشروعه من هنا تحديداً.

يقول جوجو: «أصل جدة هو البلد»، معتبراً أن تأسيس المشروع في هذا الموقع منحه جذوراً حقيقية قبل التفكير في أي توسع لاحق. ولا يركّز ميناء على المنتج وحده، بل على التجربة الكاملة. فالقهوة المختصة -خاصة البن اليمني- تكتسب معنى إضافياً بوجود المقهى في حارة اليمن، بينما تتحول الخدمة والتواصل مع الزوار إلى جزء أساسي من هوية المكان.

«نحن لا نبيع قهوة فقط، بل نبيع تجربة»، يوضح جوجو، مشيراً إلى أن الزوار يقصدون جدة التاريخية لا للشراء السريع، بل للعيش داخل المكان. ومن هنا جاء اسم «ميناء»؛ نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد. كثير من الزوار يبدأون جولتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً لتوجيهات جديدة لاكتشاف بقية الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محطة تجمع تنطلق منها تجربة البلد كاملة.

ويمتد ارتباط المقهى بالمنطقة إلى التعاون مع حرفيين محليين شاركوا في تصميم عناصر المكان، من الإضاءة المصنوعة يدوياً إلى البلاطات والزخارف، في محاولة لخلق علاقة حقيقية بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة به. وخلال رمضان، يتجه المقهى إلى تطوير منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية، ومشروبات مرتبطة بالمذاق الرمضاني، في استمرار لفكرة المزج بين التجربة المعاصرة وروح المكان التاريخي.

زوار جدة التاريخية يتجمعون في المقاهي بعد صلاة التراويح (الشرق الأوسط)

رمضان... موسم المقاهي الأكبر

يرى القائمون على المقاهي في المنطقة أن رمضان يمثل الذروة الحقيقية لحضور جدة التاريخية، إذ تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقبل ملايين الزوار، معظمهم من داخل المملكة، يبحثون عن تجربة مختلفة لليالي الشهر الفضيل. وعلى شارع الذهب، أحد أكثر شوارع البلد حركة، افتُتح مقهى ميغوستا، وكانت انطلاقته الفعلية في منتصف شهر رمضان الماضي. ويقدم المقهى، المصمم بأسلوب ريفي بسيط داخل بيئة تاريخية، القهوة والمشروبات الحديثة، مع جلسات داخلية وخارجية تستوعب الزوار خلال جولتهم الليلية. يؤكد مالكه بسام ياسر أن رمضان يشكل موسماً رئيساً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدّم لهم المشروبات، ما يدفع المقاهي إلى إضافة منتجات موسمية، ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

ومن أمام بيت نصيف مباشرة، يواصل مقهى هولا لوبز حضوره في جدة التاريخية حيث اختار مالكه أحمد أبو طه الموقع انطلاقاً من قناعته بأن البلد تمثل البيئة الأصدق لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.

مقاهي جدة التاريخية تستعد لاستقبال زوارها مساءً في رمضان (الشرق الأوسط)

في رمضان، تتغير هوية المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة تُقدَّم بنكهات حديثة تمنح الزوار تجربة متجددة دون الابتعاد عن روح المكان. ويبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية، والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس طريقة استقبال أهل جدة قديماً.

وتتمثل الطقوس اليومية في تزيين المكان، واستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما ينسجم مع هوية الموقع. ويختصر أبو طه ليالي رمضان بوصفه ليالي رمضان في المقهى بأنها «ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية».

مقاهي جدة التاريخية تجمع بين القهوة الحديثة وروح المكان التراثي (الشرق الأوسط)

المقاهي... قلب المشهد الليلي

وفي الشهر الفضيل، لا تعد مقاهي جدة التاريخية مجرد أماكن جلوس، بل نقاط اجتماع، ومحطات انطلاق داخل المدينة القديمة. يجلس الزوار طويلاً، يتبادلون الأحاديث، أو يخططون لمحطتهم التالية، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء أكثر، ومع كل موسم رمضاني تعيد مقاهي جدة التاريخية رسم علاقتها بالمدينة؛ بين الماضي الذي يحتفظ به المكان، والحاضر الذي يصنعه رواده.


عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
TT

عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

قد يبدو شهر رمضان فرصة مثالية لمن يسعون للتخلص من الوزن الزائد؛ إذ يعتقد بعضهم أن الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب يكفي لإنقاص الدهون تلقائياً. لكن خبراء التغذية يؤكدون أن فقدان الوزن لا يعتمد على الصيام وحده، بل يتأثر بشكل كبير بالعادات الغذائية الخاطئة خلال وجبتَي الإفطار والسحور. ويحذر المختصون من أن بعض السلوكيات الشائعة قد تعرقل خسارة الوزن، بل قد تؤدي إلى زيادته رغم الصيام، وفق صحيفة «بورنيو بوست»، الماليزية.

وتشدد الدكتورة نورشام جوليانا نور الدين، رئيسة مجموعة أبحاث الإيقاع الحيوي ونمط الحياة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، على أن فقدان الوزن يعتمد على إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام وحجم الحصص والنشاط البدني.

وتوضح أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال الإفطار أو السحور قد يؤدي إلى زيادة الوزن، خصوصاً عند قلة الحركة واضطراب النوم؛ لأن الطاقة الزائدة تُخزن على شكل دهون. ومع ذلك، تشير إلى أن الصيام يمكن أن يساعد في ضبط الوزن إذا ترافق مع تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم.

القهوة والسهر ليلاً

في السنوات الأخيرة، أصبحت جلسات القهوة بعد التراويح شائعة، خصوصاً بين الشباب. وتوضح نور الدين أن شرب القهوة ليلاً ليس مثالياً من الناحية الفسيولوجية؛ إذ يعرقل النوم بسبب تأثير الكافيين الذي يمنع إفراز المواد المحفزة للنوم في الدماغ، ما يؤدي إلى تعب خلال النهار. كما أن القهوة مدرّة للبول، ما يزيد فقدان السوائل في وقت يحتاج فيه الجسم لتعويضها. بالإضافة إلى ذلك، قد تعوق مركبات القهوة امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم، وتنصح بتجنب القهوة عند الإفطار.

الأكل الليلي المتكرر

يميل بعض الصائمين إلى تناول وجبات إضافية بعد التراويح، غالباً تكون غنية بالكربوهيدرات والسكريات. ويحذر الخبراء من أن الأكل المتأخر ليلاً يُبطئ عملية الأيض، ويعيد الجسم إلى وضع تخزين الطاقة، مما يقلل من فوائد الصيام في حرق الدهون. وتوصي نورشام بالاعتدال وتجنب الأطعمة الثقيلة أو السكرية التي قد تسبب اضطرابات في الهضم والنوم.

أهمية وجبة السحور

تشير نور الدين إلى أن تخطي السحور قد يخل بتوازن الجسم؛ لأن توقيت الوجبات يلعب دوراً مهماً في ضبط الساعة البيولوجية؛ فالسحور يهيئ الجسم لبداية يوم الصيام ويساعد الأعضاء على العمل بكفاءة، ما يدعم استقرار الطاقة.

كما تحذر من بدء الإفطار أو السحور بمشروبات وأطعمة شديدة الحلاوة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات؛ لأنها تسبب ارتفاعاً سريعاً في سكر الدم يتبعه هبوط مفاجئ يؤدي إلى التعب وزيادة الرغبة في تناول السكريات. وتشير أيضاً إلى أن الإفراط في الملح يزيد الشعور بالعطش ويؤثر على جودة النوم، مما قد يؤدي إلى الجفاف أثناء الصيام.

توقيت الوجبات

تؤكد الدكتورة أرياتي أحمد، الأستاذة المشاركة بكلية العلوم الصحية في جامعة السلطان زين العابدين الماليزية، أن توقيت الإفطار والسحور عامل أساسي للحفاظ على الصحة خلال رمضان.

وتنصح بالبدء بأطعمة خفيفة سهلة الهضم لتجنب الانتفاخ أو الارتجاع، وللحد من الإفراط في الأكل نتيجة الجوع الشديد. أما السحور، فيوفر طاقة مستدامة ويحسن مستوى الترطيب قبل ساعات الصيام الطويلة.

الرياضة خلال الصيام

تدحض الدكتورة أرياتي الاعتقاد بأن النشاط البدني لا بدَّ أن يتوقف خلال رمضان، مشيرة إلى أن التمارين الخفيفة إلى المتوسطة مفيدة للحفاظ على اللياقة والكتلة العضلية وضبط الوزن.

وتوصي بممارسة أنشطة خفيفة قبل الإفطار بنحو 30 إلى 60 دقيقة، مثل المشي أو التمدد، أو بعد الإفطار بساعة إلى ساعتين لممارسة تمارين القوة المعتدلة.


قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.