أصدقائي الشعراء... لماذا رحلتم مبكراً؟

غابوا من دون أن يتركوا في العالم الافتراضي أي تسجيل أو حوار

رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي
رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي
TT

أصدقائي الشعراء... لماذا رحلتم مبكراً؟

رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي
رشيد الدليمي - علي البغدادي - خالد السعدي

ذكرت في مقالة سابقة الشعراء من أبناء جيلي الذين انسحبوا من المشهد الشعري، ولكنهم موجودون بيننا، نراهم ونجلس معهم، ولكنهم اختاروا طريقاً غير الشعر؛ شعرت أن هناك شعراء أصدقاء من جيلنا تركوا الشعر، ولكن ليس بخيارهم، إنما كانت يد الموت أسرع من الجميع، فاختطفتهم وهم في أول الطريق، فمنهم من أصدر عملاً أو عملين، ومنهم من لم يصدر أي شيء، فقد مررنا بكثير من الشعراء الذين كان لهم صوتٌ عالٍ في مرحلة من مراحل التجربة الشعرية، وكانوا أكثر حركة وحضوراً من كثير من الشعراء، لكنه الموت الذي اختفت بسببه قصائدهم التي كانوا يرددونها، فتحفظها جدران القاعات، واختفى صوتهم الهادر للأسف.
إن الذي حفزني أكثر هو رحيلهم دون أن يسجل لهم هذا العالم الافتراضي أي تسجيل أو حوار، أو ينشر قصائد بعض منهم، لهذا فذكرهم -كما أعتقد- واجب علينا جميعاً، كي نعيد لحضورهم بريقه الذي كان، لا من باب الرثاء واستذكارهم فقط، إنما نقول إن معنا في جيلنا شعراء كانوا هادرين رائعين، ولكنهم رحلوا سريعاً، فنحن هنا كأننا نستدرجهم من مدارج الغيب لنتحدث معهم ونسألهم ونطمئن على أوضاعهم، فقد غابوا في بدايات شبابهم، رحلوا مبكرين ولم يمهلهم الموت حتى يطبعوا نتاجاتهم، رغم أن بعضاً منهم طبع عملاً أو عملين، ولكنهم كانوا دفاقين، وفيهم نبضٌ متسارع لطباعة أكثر من ذلك. أتذكر في هذه اللحظات الشاعر رحيم كريم، ومحمد البياتي، ورشيد حميد الدليمي، ومحمد الحمراني، وعلي عبد اللطيف البغدادي، وحاتم حسام الدين، وخالد عبد الرضا السعدي، وأحمد آدم، ومهدي الشبلي... أتذكرهم كلهم، ولم أكن أتخيل أنَّي سأكتب عنهم وهم غائبون، لا يقرأون ما أكتبه، وقد يقرأونه فلا يُجيبون عنه.
الذاكرة الشعرية ممتلئة بهم جميعاً، كان «رشيد حميد الدليمي» الأقرب من بين جميع الأصدقاء، حيث كان يدرس في كلية الآداب - جامعة بغداد - قسم اللغة العربية، وكنا في العمر نفسه، نلتقي في رابطة الرصافة مساء كل ثلاثاء، لمدة 5 أعوام دون انقطاع. رشيد كان ممتلئاً صخباً وروحاً وهاجة في الشعر واللغة والحب، كنا نذرع شوارع بغداد بعد كل أمسية، فجيوبنا كانت خاوية -أيام الحصار- إلا أن قلوبنا كانت ممتلئة بالشعر: لا عالم لنا إلا القصائد، ولا صديقة لنا غير اللغة... وحتى حين نصادق امرأة ما، كنا نتخمها بقراءة الشعر. رشيد الفتى الأسمر حقق حضوراً سريعاً في تلك الفترة، واستطاع أن يقرأ قصيدة في إحدى المرابد الشعرية قبل 2001. كنا نلح عليه أن يجمع شعره بين دفتي ديوان، لكنه كان متراخياً عن ذلك. رشيد أحد الشعراء الموقعين على بيان قصيدة شعر عام 2002، وقد كان مقتنعاً بإمكانية وقدرة القصيدة العمودية على التحول، ولكن دهمه الموت سريعاً 2004، فتشظت قصائده فوق أطفاله هارون وآية، وما زلت أردد أبياته الرائعة:
مضى فأطفأ أعوامي برحلته
مضى وألبسني ميناء دمعته
مضى وقلدني عينيه كم حلمت
بالشمس تنبت فجراً في أزقته
مضى وخلف فجراً أخرساً وغداً
يضيء غربة روحي صوت شمعته
إن هذا النص فيه تنويع في القوافي وانتقالات دلالية تصاحب انتقالاته الإيقاعية، لكنه في نهاية القصيدة يرسل إشارات واضحة للموت، وأنه عصي على الشعراء، حيث يقول:
لن أطفئ العمر البريء وفي فمي الكلمات قمحٌ والتذكر منجلُ
وكأنني الآن فلاح وبيده منجل حين يتذكر أصدقاءه الشعراء الذين رحلوا مبكراً، رحلوا قبل أن تكون لهم صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تسجيلات مبثوثة على «اليوتيوب»، أو حوار في صحيفة، أو لقاء في تلفزيون.
رحيم كريم كان شاعراً عمودياً صارماً، دقيقاً في تفاصيل القصيدة وحبكتها، يشبه حسين مردان في جسمه وضخامته، لم يكن يزعل منا حين نشاكسه، كان يكتفي بشتمنا من بعيد؛ للأسف، رحل رحيم 1998 دون أن نعرف: أين كان يسكن؟ وأين أهله؟ وأين خبأ نصوصه؟ وحين أعيتني الحيل في الوصول لبعض ما كتبه رحيم كريم، استعنتُ بـ«غوغل»، حيث الملاذ الأخير، ولكني صُدمت حين كتبتُ اسمه؛ ظهر لي كل اسم يشبه اسمه: «رحيم كريم» الرياضي والممثل والفنان والشاعر الشعبي، ولكن لم يظهر لي رحيم كريم صديقي الشاعر الذي مات قبل أن يدون له هذا العالم الافتراضي ولو بيتاً شعرياً واحداً! ترى هل رحيم كريم قد مات بشكل كامل؟
ذلك أن محمد البياتي أول الراحلين 1996 بقيت نصوصه بيننا دائرة بشكل أو بآخر، فقد طبع له اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 1998، بعد سنتين من رحيله، ديوانه اليتيم «قمر المتاه»، وبهذا أنقذوه من الموت بشكل نهائي، وبقي كما يقول درويش: (لم يمت أحد تماماً | تلك أرواح تبدل شكلها ومقامها). لقد كان محمد البياتي -على قلة معرفتي به- مارداً يأتي من الموصل يقتحم الصحف والمهرجانات، حتى كتب عنه الدكتور علي جواد الطاهر، وبشَّر به عن طريق صديقه الأقرب وليد الصراف الذي كان وسيطاً لمعرفة الطاهر بالبياتي. كان البياتي شاعراً محافظاً على نسقية العمود الشعري، إلا أن روحه كانت متمردة أكثر من قصيدته، ولو أمهله الزمن قليلاً لرأينا كيف يتحول بالقصيدة من مناخ إلى مناخ آخر أكثر حداثة، وحين نتذكر شعره فإن قصيدته «معلقة الفارس» تقف في المقدمة، حيث يقول في بعض منها:
على مثلها الأيام وقف ركابها
وغصة حاديها ونوح غرابها
كأن الطلول الشائخات عوانسٌ
ينحن على مر العصور ببابها
وقفت بها والغيب يملي قرونه
على قدر يملي سنين احترابها
أنادي بأقصى الكون يا دهر ردَّني
إلى ساعة في العمر منها ابتدا بها
فأسمع أيامي ترد: عسى به
وأسمع أصداء ترد عسى بها
ونحن في الحالتين نردد عسى وعسى.
القادم الآخر الذي رحل مبكراً من الموصل أيضاً هو حاتم حسام الدين (2005)، الشاعر الوادع الصاخب في الوقت نفسه. كان يأتي من الموصل إلى بغداد وليس في روحه غير قصيدة تثقل أيامه وتربك حياته، لم يكن له هدف في الحياة سوى أن يكتب قصيدة حديثة في روحها قديمة في شكلها، وهذا ما فعله في عدد من النصوص التي تناثرت ولم نرها بعد موته. وهنا، أتذكر أنه حلَّ ضيفاً عليّ في عام 2000، وترك لي قصيدة مكتوبة بخط يده، ولكنني تعبت من البحث عنها فلم أجدها، متذكراً شطراً منها (نمضي وتجلد حزننا الأمطار). وهكذا رحل حاتم حسام الدين دون أن يوثق له هذا العالم بيتاً من الشعر أو قصيدة ملقاة بصوته.
محمد الحمراني، الشاب الجميل القادم من جنوب العراق من العمارة، حيث تعشعش قصيدة النثر في رأسه، وهو من القلائل في تلك الفترة ممن ارتبط معنا بصداقة كانت بسبب الشعر، دون أن ينظر للشكل الكتابي الذي كنا نكتبه، فقد كان ينظر لنا شعراء قصيدة النثر في تلك الفترة على أننا أقوام قادمون من غياهب التاريخ، مبللون بأتربة الزمن، لا علاقة لنا بالحاضر، فيما محمد الحمراني كان ودوداً، فارتبطنا بصداقة متينة عززتها مقاهي بغداد وشوارعها المتربة، كان يترك العمارة ويتسكع في بغداد، فقد سحب الشعر أقدامه ليدور فيها. ورغم رحيله المبكر (2007)، فإنه استطاع أن يطبع مجموعتين شعريتين، و4 روايات، كانت أشهرها «أنفي يطلق الفراشات»، ولكنه كان عجولاً، فاختطفه الموت سريعاً. أتذكر نصه «أنا لم أولد بعد»، في مجموعته «عواصف قروية»، حيث يقول: (هذا ليس أنا | الضوء لم يعلن ولادتي | تركني أنظر إلى جسدي فأجده بالوناً في مدينة الدبابيس | أهرب إلى الأصدقاء الجالسين على حافة الذاكرة | أنا لم أولد بعد | جسدي خرج ليتأمل | شخير العالم | فوضعوا عليه صخرة).
أحمد آدم الشاعر الذي يكتب قصائد النثر، ويسخر من العمودي أيضاً، حيث كنا نمزح معاً حول هذه الظاهرة التي تفشت في جيلنا -جيل التسعينات- حيث الانقسام في أعلى مناسيبه، ولكننا كنا نداوي انقساماتنا بالضحك والسخرية من هذا النوع من الانقسام، اختطفه الإرهاب وهو عائد إلى أهله في كربلاء قبل أكثر من 15 عاماً، رحل وله ديوانان؛ يقول في ديوانه «استدراك» (1999)، في بعض من قصيدته «ملحمة العمر الوهمي» (أقيس حياتي بالمتر أو الميل | حتى تمشي الروح بأقصى فضائها | أحس أن في وجهي الأتربة | وفي ياقتي العاصفة | أتدرين؟ | يذبل عمري حين أرى جسدي | يفتح صيحة في الأرض | والكلمات تزحزحه لينام على فراش روحي...).
خالد عبد الرضا السعدي، كان هذا الفتى أصغر الشباب الموجودين، ولكنه كان أكثر حركة وسفراً ونشاطاً ومسابقات، حيث عُرف بسرعة لافتة، وأصدر ديوانه اليتيم بطبعة أنيقة في وقتها (2007)، وربما أسعفته مشاركته في برنامج «أمير الشعراء» الذي ظهر فيه متسابقاً فحُفظ صوتُه، ودونِت كلماتُه، ولكنه حين عاد إلى ديالى، جوار أهله وناسه، أخذته مفخخة عمياء خطفت روحه وقصائده معاً: (وجهتُ وجهي للبساتين المطرزة الحدائق | ونويتُ أن أبقى مدى الأزمان عاشق | وبذرتُ أقماراً على شفة المساء | ولاح لي أملٌ على جرح اللقاء | حلماً تغازله الحمائمْ | وفراشة طارت فأضنتها المآتم...).
فيما رحل الشاعر مهدي الشبلي من العمارة مبكراً أيضاً، تاركاً لنا مجموعته «تجاعيد باسلة» (2001): (عندما تخرج من رأسي | هذه السهام | لم أكن أعني سوى الجسر الذي انحنى لي | وللآخرين | عندما يبدأ العد التنازلي للموت | لا تكثر من البكاء | أنصت فقط | لوصايا تصنع الحياة).
أما علي عبد اللطيف البغدادي، فقد رحل وترك مجموعتين شعريتين: «شظايا مورقة من بغداد» (1999)، و«سقفي ركام» (2001)، من اتحاد الكتاب العرب، ولكنه كان شاعراً محافظاً أكثر منه شاعراً منفتحاً، فمثلاً يقول في قصيدة «إلى مجتمعي»:
أي برقٍ يطالع العين غيهبْ
إن تناءى عن فكرها وتغيبْ
أي عسرٍ سيستحم بيسرٍ
لو أُحيلت له الإرادة مركبْ
وبسبب نمطية كتابات علي البغدادي، فقد استثنته جماعة قصيدة الشعر من الحوار الذي ظهرت به تلك المجموعة وهي تدعو للتجديد في النص التقليدي. ورغم حضوره معهم عام 1998، فإنهم لم يذكروه.
تُرى كم من الشعراء الراحلين من جيلي قد نسيت؟ وترى هل هذه الوقفة السريعة تفي حق صداقة كنا عقدناها معاً؟ وهل تلبي هذه الحروف عطشنا للسير في شوارع بغداد، وحلمنا في أن نكمل هذا الطريق الوعر؟ هل خاننا أولئك الشعراء فنزلوا في أول محطة لهم؟ ما الذي أتعبهم لينهوا تلك الرحلة؟ تُرى كم من القصائد اختفت معهم؟ وكم من القصائد التي لم تُقل بعد كانت بانتظارهم؟ هذه الكلمات ليست إلا تلويحة سلام لأرواح أصدقائي الشعراء الذين ربما غفلت عن ذكر آخرين، ولكني اكتفيت بأبناء جيلي الذي سرنا معاً في لحظة من لحظات هذا الزمن المبتل بالخوف والترقب، والدهشة أيضاً.



ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.