ميك مكارثي... مدرب يحقق طفرة إعجازية مع كارديف سيتي

يستخدم كل سنوات خبرته لتحويل النادي من فريق يعاني في دوري الدرجة الأولى إلى متأهل للممتاز

تحت قيادة مكارثي أصبح كارديف سيتي فريقاً خطيراً يصعب التغلب عليه (الغارديان)
تحت قيادة مكارثي أصبح كارديف سيتي فريقاً خطيراً يصعب التغلب عليه (الغارديان)
TT

ميك مكارثي... مدرب يحقق طفرة إعجازية مع كارديف سيتي

تحت قيادة مكارثي أصبح كارديف سيتي فريقاً خطيراً يصعب التغلب عليه (الغارديان)
تحت قيادة مكارثي أصبح كارديف سيتي فريقاً خطيراً يصعب التغلب عليه (الغارديان)

عندما تستمع إلى أولئك الذين يعيشون وسط الطفرة الإعجازية التي شهدها كارديف سيتي منذ تولي ميك مكارثي قيادة الفريق، الشهر الماضي، تدرك على الفور أن القاسم المشترك بين جميع أحاديثهم يركز على أن المدير الفني المخضرم قد بسط جميع الأمور داخل النادي، وكان أول يوم له في الوظيفة أبرز مثال على ذلك.
يقول لاعب خط وسط كارديف سيتي، ويل فولكس: «لم يكن هناك حديث طويل، لكنه قال فقط: (اسمعوا، أنا هنا لكي أحاول ولكي أساعدكم على التطور والتحسن. أنا أعرف كم أنتم جيدون، وأريد أن أساعدكم على تقديم أفضل ما لديكم). لقد كانت مقدمة لمدة 30 ثانية، ثم طالبنا بعد ذلك بالنزول إلى أرض الملعب لكي يساعدنا على التحسن». ومنذ توليه المسؤولية، نجح مكارثي في الحصول على 27 نقطة من أصل 33 نقطة ممكنة. ولكي نعرف مدى التأثير الهائل الذي تركه مكارثي على الفريق، يجب أن نعرف أنه في اليوم الذي تم فيه تعيينه على رأس القيادة الفنية لكارديف سيتي، كان الفريق يتأخر عن بورنموث بفارق 13 نقطة كاملة ويحتل المركز الخامس عشر في جدول ترتيب دوري الدرجة الأولى، بعد الخسارة سبع مرات في آخر ثماني مباريات.
ويوم الثلاثاء الماضي، سجل كارديف سيتي أربعة أهداف في مرمى ديربي كاونتي، قبل أن يتعادل مع ميدلسبره ويحقق الفوز على بورنموث وبريستون نورث ايند ليقفز إلى المركز السادس. لقد منح مكارثي كارديف سيتي الأمل في إنهاء الموسم ضمن المراكز المؤدية لملحق الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز، من خلال إعادة إحياء ذلك الفريق المتعثر وإعادته إلى المسار الصحيح.
وعندما وصل مكارثي، كان كارديف سيتي لا يبتعد عن المراكز المؤدية للهبوط سوى بتسع نقاط فقط، وكان مسؤولو النادي قلقين من إمكانية الهبوط لدوري الدرجة الثانية، وهو ما كان سيشكل كارثة مالية بالنسبة للنادي. وربما يكون النجاح الذي حققه مكارثي مع كارديف سيتي قد دفع أندية أخرى للسير على نفس الخطى وتغيير مديريها الفنيين والتعاقد مع آخرين من ذوي الخبرات الكبيرة، حيث تعاقد ميدلسبره مع المدير الفني المخضرم نيل وارنوك، وهو في السبعينيات من عمره، ونوتنغهام فورست مع كريس هيوتون، كما تعاقد بريستول سيتي مؤخراً مع نايغل بيرسون حتى مايو (أيار) المقبل.
يقول مكارثي عن ذلك: «ربما يلقي الناس نظرة على الأمر، ويرون نتائجنا هنا، ويقولون: (حسناً، ربما يعرف هؤلاء المديرون الفنيون ذوو الخبرة شيئاً ما عما يفعلونه ولديهم دور يلعبونه حقاً). كل ما أسمعه عندما تظهر وظيفة جديدة هو أنه يجب أن تكون لمدير فني شاب لديه أفكار جديدة ومشرقة، لكن ما هي الخبرات التي يمتلكها؟ ليس هناك الكثير من الأفكار الجديدة التي تظهر في عالم كرة القدم، فهي لا تزال متشابهة، حيث تتعلق بحرمان الخصم من الكرة وتسجيل الأهداف واستعادة الكرة من المنافس في أسرع وقت ممكن!».
ويصر مكارثي على أن لاعبيه، وليس هو ولا مساعده الذي يثق به كثيراً تيري كونور، هم المحرك الأساسي لهذا النجاح، لكنهما قاما فقط بمساعدة اللاعبين على تقديم أفضل ما لديهم داخل المستطيل الأخضر. لكن الحقيقة أن مكارثي نجح في إحياء المسيرة الكروية للاعبين مثل جوش مورفي، الذي تعاقد معه النادي مقابل 10 ملايين جنيه إسترليني عند الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز، وآدين فلينت، الذي خرج على سبيل الإعارة إلى شيفيلد وينزداي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو ما يوضح أن دور المدير الفني يتجاوز مجرد الحديث المباشر بشكل جيد للاعبين أو القيام بأشياء نمطية معتادة. يقول مكارثي عن ذلك: «مرحباً، أنا متصالح تماماً مع عمري الكبير ومع خبراتي ومع أنفي الكبير وجبهتي المتجعدة وشعري الذي يتساقط، وأدرك أنني لست في نزهة».
ومنذ أن قام مكارثي بتغيير طريقة اللعب بالاعتماد على ثلاثة لاعبين في الخط الخلفي ومنح ظهيري الجنب حرية التقدم للأمام والخروج بنقطة ثمينة بعد التأخر بهدفين أمام بارنسلي في أول مباراة له مع الفريق، يبدو أن كارديف سيتي قد أصبح قوياً للغاية في الخط الخلفي، ويشكل خطورة هائلة على مرمى الفرق المنافسة في كل هجمة تتاح له. يقول فولكس: «نعم، إنه يعامل اللاعبين بشكل رائع ويساعد على رفع روحهم المعنوية كثيراً، لكن ليس هناك من ينكر أنه يمتلك خبرات هائلة فيما يتعلق بالنواحي التكتيكية والخططية».
ويشير فولكس إلى أن اختيارات مكارثي للتشكيلة الأساسية للفريق تعتمد على أداء اللاعبين في التدريبات، موضحاً أنه قد تم استبعاد اللاعب المعار من ليفربول، هاري ويلسون، من تشكيلة الفريق في أول مباراتين تحت قيادة المدير الفني البالغ من العمر 62 عاماً، قبل أن يعود اللاعب ويصبح إحدى الركائز الأساسية للفريق منذ ذلك الحين. وقد حدث نفس الأمر مع ميرفي، الذي لم يشارك في التشكيلة الأساسية في أي من المباريات الأربع الأولى لمكارثي على رأس القيادة الفنية للفريق. كما انتهز حارس المرمى ديلون فيليبس الفرصة، ويقدم مستويات مثيرة للإعجاب منذ مشاركته مع الفريق للمرة الأولى في الدوري هذا الشهر، وخير دليل على هذا التألق نجاحه في التصدي لركلتي جزاء في غضون دقيقة واحدة فقط أمام بريستون. وعلى الجانب الآخر، يقوم تيري كونور، المساعد الذي يعمل مع مكارثي منذ 13 عاماً، بدور كبير في تطوير الجوانب الهجومية للفريق.
يقول مكارثي، الذي يفصله خمس مباريات فقط عن الاحتفال بمباراته رقم 1000 كمدير فني: «هناك شيء ما بشأن الوجود في المراكز الستة الأولى يزيد من هذه الضغوط. من المضحك أنه عندما تكون في مركز متوسط أو عندما تكون ضمن المراكز الثلاثة الأخيرة فإنك تلعب بأريحية أكبر. لكن لو كنت تحتل المركز الرابع أو الخامس من أسفل جدول الترتيب، فإن فكرة الهبوط إلى المراكز الثلاثة الأخيرة، أو الخروج من المراكز الستة الأولى، يكون لها تأثير كبير على الفريق، خاصة في هذه المرحلة من الموسم».
لقد أصبح كارديف سيتي فريقاً خطيراً يصعب التغلب عليه، وقادر على خلق الكثير من المشاكل لأي منافس، تماماً كما كان الحال عندما قاده وارنوك إلى الصعود في عام 2018. يقول فولكس: «هذه الطريقة في اللعب تناسبني تماماً كلاعب. إننا فريق يصعب اللعب ضده، فنحن نتحلى بقوة بدنية هائلة، ونركض أكثر من الفرق الأخرى، ونفوز في المعارك التي نخوضها، لكن لدينا أيضاً المهارات والإمكانات الكبيرة».
وكان مكارثي قد قضى موسماً في اللعب بالخارج مع ليون الفرنسي في الثمانينيات من القرن الماضي، كما تولى تدريب بطل قبرص، أبويل، لمدة 64 يوماً العام الماضي، قبل أن تنتهي هذه المغامرة بسبب تداعيات تفشي فيروس كورونا. ولولا الوباء أيضاً، لقاد مكارثي منتخب جمهورية آيرلندا في بطولة كأس الأمم الأوروبية 2020، لكن أبرز إنجازاته تكمن في دوري الدرجة الأولى بإنجلترا، حيث نجح في التتويج بلقب هذا الدوري مرتين؛ الأولى مع سندرلاند عام 2005، والثانية مع وولفرهامبتون بعد ذلك بأربع سنوات. ومن يراهن الآن ضد إمكانية تحقيقه هذا الإنجاز للمرة الثالثة؟


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.