نائب قائد قوات «الدعم السريع» يكشف أسرار «ليلة التغيير» في السودان

عبد الرحيم دقلو روى لـ«الشرق الأوسط» الساعات الأخيرة لنظام البشير... ووقائع فض الاعتصام أمام قيادة الجيش

نائب قائد قوات «الدعم السريع» السودانية عبد الرحيم دقلو (الشرق الأوسط)
نائب قائد قوات «الدعم السريع» السودانية عبد الرحيم دقلو (الشرق الأوسط)
TT

نائب قائد قوات «الدعم السريع» يكشف أسرار «ليلة التغيير» في السودان

نائب قائد قوات «الدعم السريع» السودانية عبد الرحيم دقلو (الشرق الأوسط)
نائب قائد قوات «الدعم السريع» السودانية عبد الرحيم دقلو (الشرق الأوسط)

فوجئ الثوار الذين يطالبون بإسقاط نظام الرئيس السابق عمر البشير، في السودان، بقوات «الدعم السريع» التي أنشأها الرئيس نفسه لحمايته، توجه نيران أسلحتها بعيداً عنهم، بعد أيام من انطلاق الثورة في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018.
وبدلاً من أن تتصدى هذه القوات للمظاهرات والمواكب العارمة، حسبما هو مخطط لها بعد استدعائها إلى الخرطوم، فإذا بها توفر لهم الحماية، ما أدهش الكثيرين الذين كانوا يظنونها أتت لإنقاذ الرئيس البشير، الذي كان نظامه يصارع من أجل البقاء.
طمأن قائد هذه القوات محمد حمدان دقلو الشهير بـ«حميدتي»، الثوار بأنه لم يأتِ لقتلهم، في خطاب وجّهه إلى قواته في ضاحية «طيبة الحسناب» –جنوبي الخرطوم– في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2018، بعد أيام من انطلاق الثورة. وقال لهم إن «الدعم السريع لم تأتِ لقتلهم ولن يشارك في قمعهم» كما كانوا يظنون، ما عدّه البعض تمرداً مبكراً على قيادة البشير.
وبعد نجاح الثورة وسقوط نظام المعزول عمر البشير، هتف الثوار لـ«الدعم السريع»، وقبلوا وجود قواته بينهم، لكن فجأة انقلب الموقف منها «رأساً على عقب»، لا سيما بعد جريمة «فض الاعتصام»، في يوم الاثنين، الثالث من يونيو (حزيران) 2019، التي أشارت أصابع الاتهام فيها إلى «الدعم السريع» بالمشاركة فيها، لكنّ قادة «الدعم السريع» دأبوا على نفي هذه الاتهامات، ويؤكدون أن «قوى معادية للثورة» ورّطت قواتهم في العملية.
في تفسيره لموقف قواته من الثورة، قال القائد الثاني لقوات «الدعم السريع» عبد الرحيم حمدان دقلو، لـ«الشرق الأوسط»: «شعرنا بأهمية أن تكون قواتنا موجودة لحماية الثوار، ووقتها كنت أتهيأ للسفر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في 24 ديسمبر (كانون الأول 2018، وقبل مغادرتي طلبت من حميدتي ألاّ يُدخلنا في أي إشكالات، فاتفق معي، وطمأنني قائلاً: (مافي عوجة)، لكنه قال في خطابه في طيبة الحسناب بعد سفري بيوم واحد، كلاماً خطيراً أعلن فيه الانحياز للمحتجين، ما قد يشكّل خطراً على قواته بل حياته لأنه إعلان صريح للمواجهة مع نظام البشير ورأسه، ما اضطرني لقطع سفري والعودة للبلاد في اليوم التالي». بعد عودته للخرطوم، سأل عبد الرحيم شقيقه «حميدتي» عما فعله فأجاب بأنه لن يقف مع المجرمين، وهو على استعداد لتحمل النتائج.
- امتداد الثورة وتشكيل اللجنة الأمنية العليا
تطورت الأحداث دراماتيكياً وتفاقمت في البلاد بشكل كبير، واشتدت الثورة مع مرور الأيام واشتد معها القمع والقتل في الشوارع والأحياء. قال عبد الرحيم دقلو: «بدأت الأوضاع داخل الجيش تأخذ شكل عاصفة، وتفاقمت بشدة بعد خطاب الرئيس المعزول الأخير في 22 فبراير (شباط) 2019». في هذا الخطاب، فرض البشير، حالة الطوارئ لمدة عام، وحل الحكومة المركزية وحكومات الولايات، وكوّن حكومة أطلق عليها حكومة كفاءات، ووعد باتخاذ تدابير اقتصادية جذرية، وأن يكون رئيساً على مسافة واحدة من الجميع.
وكان الهدف من الخطاب كسب ثقة المعارضة ومواجهة الاحتجاجات، ولكن دون جدوى.
عقب الخطاب، الذي لم يجد استجابة من المحتجين ولم يهدئ ثائرة المواكب والمظاهرات المطالبة باستقالة الرئيس أو إقالته، قال عبد الرحيم: «ذهبنا معاً (مع حميدتي) لوزير الدفاع وقتها، الفريق عوض بن عوف، وقبل دخولنا مكتبه صاح قائلاً: يا حميدتي هيجت علينا الشارع». فردّ عليه حميدتي: هذه «كلمة حق وقلتها»، فطلب منه ابن عوف عدم تكرارها.
ووفقاً لعبد الرحيم، فقد انعقد اجتماع بينه وشقيقه حميدتي وبين الفريق ابن عوف، وصف فيه «حميدتي» ما يحدث بأنه «ظلم وخيانة للشعب»، وقال لوزير الدفاع: «بهذه الطريقة لن تمضي البلاد للأمام، ويمكن أن تضيع من يدنا جميعاً». وافقه ابن عوف قائلاً: «ما يحدث خطأ، لأن سياسات الحكومة أوصلت الأمور لهذه المرحلة، واقترح تشكيل لجنة أمنية عليا».
بالفعل تكونت اللجنة من وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقتها اللواء كمال عبد المعروف، ومدير جهاز الأمن صلاح قوش، ومدير عام الشرطة بابكر الطيب، وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، ثم انبثقت منها لجنة تنفيذية مهمتها تفريق المتظاهرين، مكونة من نائب رئيس جهاز الأمن جلال الشيخ، ونائب مدير الشرطة مصطفى أحمد المصطفى، وقائد ثاني قوات «الدعم السريع» عبد الرحيم دقلو.
يضيف عبد الرحيم: «في أول اجتماع للجنة تحدث الحاضرون بإيجابية عن قوات (الدعم السريع)، وقدراتها، بما يوحي بأنهم يريدون إشراكها في قمع الثورة وقمع المتظاهرين»، فبادرتهم بالقول: «كيف تفكرون بهذه الطريقة، هل تريدون أن يطارد (الدعم السريع) المتظاهرين في الشوارع؟»، فقاطعني جلال الشيخ قائلاً: «ألا تريد أن يشارك (الدعم السريع) في إخماد الثورة؟»، فقلت له بشكل صارم: «لن نشارك في قمع الثوار».
وأبلغ صلاح قوش اللجنة الأمنية العليا رفض قوات «الدعم السريع» المشاركة في تفريق الاحتجاجات، فردّ عليه «حميدتي» بحدّة: «قوات (الدعم السريع) لو وجدت المتظاهرين نائمين في الشوارع لن توقظهم»، ثم قرّع مديري الشرطة والأمن لفشلهم في تفريق المظاهرات، وأبلغهم بأن «الدعم السريع» لا علاقة له بقمع المظاهرات.
تدخل ابن عوف وطلب من حميدتي مساندتهم في توفير قوة جوالة من قواته، فوافق، لكنه حرص على إخراج قواته باكراً، وإعادتها لثكناتها قبل موعد بدء المواكب، حتى لا تصطدم بالمحتجين.
- أحداث 6 أبريل وإحباط انقلاب للإسلاميين:
قال عبد الرحيم إن قواته طوال أربعة أشهر من الاحتجاجات لم تتعرض للمتظاهرين، وأضاف: «كنا وحميدتي نخرج بسياراتنا للشوارع ونتابع المواكب، فسمعنا الأحاديث عن قمع المتظاهرين وإطلاق الرصاص عليهم وقتلهم، فواجهنا به كلاً من قوش وابن عوف ومدير الشرطة، مستنكرين الاعتداءات على المواطنين بالرصاص». وتابع: «حميدتي وصف ما يحدث بأنه بطش، وطالب بسحب سلاح جهاز الأمن، وبالفعل تم جمع السلاح من قوات الجهاز في 5 أبريل، أي قبل الاعتصام أمام قيادة الجيش بيوم واحد».
ويستطرد: «كان أفراد الأمن يتلثمون ويقودون سيارات من دون لوحات، فقلنا لضباط منهم، لو كنتم على قناعة بما تفعلون لماذا تُخفون وجوهكم؟ فقد كنا نريد حماية المتظاهرين من الرصاص».
شارك عبد الرحيم دقلو –حسب قوله- في 3 من اجتماعات اللجنة الأمنية التنفيذية، ثم أناب عنه مدير استخبارات «الدعم السريع» في الاجتماعات، بعد أن طلب منه عدم الاستجابة لأي طلب لقمع المتظاهرين. وقال: «ثم غادر حميدتي إلى دارفور قبل أسبوع –نهاية مارس (آذار) 2020- من وصول طلائع المتظاهرين للقيادة العامة للجيش، وكلفني بتسلم مهامه في اللجنة الأمنية العليا، وحماية المتظاهرين».
وأوضح أن مدير جهاز الأمن صلاح قوش حذّر اللجنة الأمنية في 4 أبريل 2019، من أن المتظاهرين سيدخلون القيادة العامة في 6 أبريل، وأضاف دقلو: «من خلال مجريات الاجتماع، أدركت أن الحكومة تنوي البطش بالمتظاهرين، إذ قال أحد المتحدثين: (الموت سيكون هنا)، مشيراً للقيادة العامة (مقر الجيش)». وتابع: «خرجت من الاجتماع، وأجريت اتصالات بالقيادات العسكرية وطلبت منهم إيقاف نشر القوات المتحركة لدارفور، ثم عدت لإكمال الاجتماع».
صبيحة يوم 6 أبريل قال عبد الرحيم، إنه طاف معسكرات «الدعم السريع» في منطقة «فتاشة» شمال أم درمان، وفي أثناء طوافه طلب منه ابن عوف العودة بسرعة قائلاً: «تعالَ بسرعة هناك انقلاب يجري، بعض الضباط في طريقهم لإذاعة البيان الأول». وأضاف: «بناءً على ذلك جمعت قواتي على وجه السرعة وأمرتها بالسيطرة على الكباري (الجسور) والدخول إلى القيادة العامة».
وتابع: «توجهت إلى الإذاعة في أمّ درمان، ووجهت القوات بالتعامل اللازم مع أي مجموعة تحاول دخول مباني الإذاعة، ثم توجهت لكوبري شمبات (على النيل الأبيض)، وعند مدخل مدينة بحري شاهدت القوة التي كانت تريد الانقلاب. وبعد وصولي القيادة العامة وزعت القوات داخلها».
وأوضح: «انعقد اجتماع اللجنة الأمنية، وحين دخلت عليهم وجدتهم في حيرة من أمرهم، فيما يحاصر المتظاهرون مباني القيادة، وقوات الأمن والشرطة تحاول تفريقهم بالغاز المسيل للدموع».
- اللقاء مع الرئيس المخلوع وفتوى قتل المتظاهرين
ووفقاً لإفادته، ذهب عبد الرحيم دقلو وبرفقته صلاح قوش مساء يوم 6 أبريل إلى الرئيس عمر البشير، فوجد معه كلاً من عبد الرحيم محمد حسين (وزير الدفاع السابق)، وأحمد هارون (نائب الرئيس)، وكان حسين يسب وزير الدفاع ابن عوف ويصفه بـالفاشل لأنه سمح بدخول المتظاهرين إلى الساحة التي تحيط بالقيادة، وكان ذلك بحضور الرئيس. وقال دقلو: «لم أتمالك نفسي، وانفجرت غاضباً، وقلت له لا داعي لهذا الحديث الفارغ، هذا يوم الحكمة لمعالجة مشكلة المواطنين في الشارع».
وقام قوش بإخبار ابن عوف بأن حسين سبّه في حضور الرئيس دون أن يحرّك الرئيس ساكناً، وأبلغه أن قائد ثاني «الدعم السريع» قرّع عبد الرحيم حسين بحضور الرئيس أيضاً. وأضاف دقلو: «خرجت من المكتب وصعدت إلى سطح القيادة العامة، وهناك جاءني أحمد الشايقي –أحد القيادات الإسلامية الأمنية- وقال لي مشيراً إلى المعتصمين: عاجبك المنظر دا؟».
يقول دقلو: «عاد حميدتي من دارفور يوم 8 أبريل، أي بعد يومين من بدء الاعتصام أمام قيادة الجيش. ومساء ذات اليوم تلقيت اتصالاً من قائد قوتنا التي كانت تحاصر مقر حزب المؤتمر الوطني (حزب البشير) بالخرطوم، وأبلغني أن البشير يريد دخول المقر، هل نسمح له أم نوقفه؟ فأمرته بالسماح له، مع الحرص على محاصرة المكان».
يروي دقلو تلك اللحظات الصعبة قائلاً: «في 9 أبريل ذهبت ومعي القائد حميدتي لمقابلة البشير، فوجدناه في أشد حالات الغضب، وحين سأله حميدتي عن الحل رد: اقتلوهم، فهناك فتوى تبيح قتل ثلث الشعب، بل فتوى أكثر تشدداً تبيح قتل نصفهم، ليعيش الباقون». وتابع دقلو: «استعذنا بالله في دواخلنا من ثقل مثل هذا القول، وبعد أن خرجنا اتفقنا على حماية المتظاهرين، لكننا لم نقرر تسلم السلطة، بل تركنا الأمر للجيش أو الأمن أو من يتحرك أولاً، مع تأكيد أهمية وجودنا لحماية المعتصمين».
يوضح دقلو أنهم في بداية الأمر اتفقوا على أن يتولى مدير جهاز الأمن صلاح قوش مواجهة البشير، وأن حميدتي قال له: «إنت رئيس الجهاز، اذهب للبشير وأبلغه أن الشعب لن يرجع، وعليه أن يتنحى، فَرَاقَ له القول لأنه كان يلعب على الحبلين». وتابع: «لا أدري ما إن كان قوش قد التقى البشير أم لا، لكنه عاد إلى الاجتماع مرتبكاً، وردّد مرتين: (لن أخون الرئيس... لن أخون الرئيس)».
بعد نهاية الاجتماع توجه كل من حميدتي وعبد الرحيم إلى مكتب وزير الدفاع عوض بن عوف، فأبلغه حميدتي بأن الرئيس طلب منه قتل المتظاهرين، وقال له إنه لن يفعل ذلك، وبالتالي صار من المهم إطاحته. فردّ عليه ابن عوف قائلاً: «إن الرئيس مسح بكرامتنا الأرض أنا وكمال عبد المعروف (رئيس هيئة الأركان)، وطلب منّا ذات الطلب (قتل المتظاهرين)، ولو وافقتم على تغييره نحن معكم».
- اتفاق على تسلم السلطة والبرهان رئيساً
يقول دقلو: «اتفقنا على تغيير النظام نحن الأربعة عوض بن عوف (وزير الدفاع) وكمال عبد المعروف (رئيس هيئة الأركان) وحميدتي وشخصي، ثم دخل علينا صلاح قوش، فعاجله ابن عوف بأننا قررنا تنحية الرئيس، فأبدى موافقته على الفور، وبالطبع لا يستطيع أن يرفض، لأن الخيارات أمامه إما أن يُسجن وإما أن يكون جزءاً من العملية».
واستطرد: «خيَّم الصمت على الجميع، ثم علا صوت ابن عوف قائلاً إنه قدم النصح للحكومة قبل فوات الأوان، فعاجله حميدتي وطلب منه بصفته نائب الرئيس ووزيراً للدفاع بكتابة البيان. تردد قليلاً ثم وافق، وطلب من كمال عبد المعروف تسمية أعضاء المجلس العسكري. مساء نفس اليوم التقينا وحميدتي مع رئيس جهاز الأمن في مكتبه، ووجدنا معه نائبه جلال الشيخ الذي قال: (خلاص غيّرتو الرئيس، الشارع لن يقبل ابن عوف رئيساً للمجلس العسكري)، فردّ عليه حميدتي: (إذا الشارع سيرفضه من الأفضل أن نغيّره الآن قبل أن يذيع البيان الأول)، فسأل الشيخ عن البديل، فأجابه حميدتي: (نرشح قوش)، فردّ الشيخ: (أنا وقوش قتلنا الناس... ومكاننا السجن)، فعاجله حميدتي: (يا بطش... مش قلت ليك زمان ما تبطش)! ثم قال: (نرشح كمال عبد المعروف إذن) رغم كراهية عبد المعروف الشديدة لقوات (الدعم السريع)».
وتابع دقلو: «اتجهنا لمكتب كمال عبد المعروف، ولحق بنا صلاح قوش، فأبلغه حميدتي بأن الأوضاع تقول إن الشارع لن يقبل ابن عوف رئيساً، لذلك قررنا أن تكون أنت الرئيس، فوافق على الفور. ثم ذهبنا لمكتب عوض ابن عوف، فأبلغه حميدتي بأننا قد استبدلناه لأن الشارع لن يقبل به، فصمت الرجل لدقيقتين ثم مد يديه الاثنتين رافضاً بالقول: (إلاّ تقيدوني وترموني مع البشير)، وتابع: (اتركوا الشارع يقرر ذلك)».
وفي يوم 11 أبريل أذاع ابن عوف بيان تسلم السلطة واحتجاز البشير، ولكن سرعان ما رفض الشارع ابن عوف قبل مرور 24 ساعة. يقول دقلو: «ابن عوف اتصل بحميدتي وأبلغه بتنحيه عن الرئاسة مشترطاً ألّا يأتي كمال عبد المعروف رئيساً، ثم اقترح عليه عبد الفتاح البرهان بديلاً عنه، فوافقنا عليه، وتم إعلان المجلس العسكري الانتقالي».
- التحفظ على البشير وفض الاعتصام
بعد تنحية البشير تم التحفظ عليه في قصر الضيافة، ثم أشرف على نقله من بيت الضيافة إلى سجن كوبر عبد الرحيم دقلو، وقال: «دخلت البيت وتسلمنا منه المفاتيح وقام بفتح الخزائن، فعثرنا فيها على مبالغ كبيرة باليورو والدولار والجنيه السوداني، ومستندات حكومية. وقبل أن نأخذه إلى السجن، طلب مني البشير السماح له بالذهاب إلى منزله لأخذ دوائه، لكني رفضت طلبه».
انتصرت الثورة وأُعلن عبد الفتاح البرهان رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، لكنّ الثوار تمسكوا باعتصامهم أمام القيادة، ورفضوا الانصراف قبل تشكيل الحكومة المدنية، واستمر الاعتصام حتى بداية يونيو، وظل الجيش و«الدعم السريع» يؤكدان أنهما لن يفضا الاعتصام.
رحب المعتصمون والثوار بقوات «الدعم السريع» التي كانت تجوب أرض الاعتصام، بل علّقوا لافتة كبيرة تحمل صورة قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو مكتوباً عليها: «حميدتي الضكران (أي القوي) خَوَّف الكيزان»، لكن فجأة انقلب الميدان على «الدعم السريع»، وتحول وسط ذهول الكثيرين إلى خائن بعد أن كان بطلاً.
جاءت الطامة الكبرى عند عملية فض الاعتصام السلمي من أمام قيادة الجيش، وشهد الكثيرون تحريك قوة كبيرة صبيحة 3 يونيو 2019 استخدمت عنفاً مفرطاً، وارتكبت انتهاكات واسعة ضد المعتصمين، قُتل وجرح خلالها العشرات.
وتداولت بشكل كثيف صور وفيديوهات لعملية فض الاعتصام، وبدا لافتاً فيها وجود جنود بأزياء «الدعم السريع» يحملون العصيّ، كانوا يشاركون في عملية الفض.
وتفسيراً لوجود جنوده، قال عبد الرحيم: «قررت اللجنة الأمنية العليا فض اعتصام كولمبيا (منطقة إلى جوار الاعتصام استُخدمت وكراً للمخدرات وترويع المارة، لا علاقة لها بالاعتصام أمام القيادة)، لكن حدث اختراق على الخطة، ولم يكن هناك مخطط لفض الاعتصام، بل فض منطقة كولومبيا».
واعترف عبد الرحيم بأن القوات التي شوهدت بالفعل تابعة له، ولكن قيادة «الدعم السريع» لم تعطهم الأمر بفض اعتصام القيادة، قائلاً: «شاهدت أفراداً من (الدعم السريع) يحملون العصيّ ويشاركون في فض الاعتصام، فاتصلت بقائد عملية فض منطقة كولمبيا (عثمان)، وسألته عن هوية القوات المشاركة في العملية».
وتابع: «قلت له: هذه القوة تابعة لنا، وقائدها اللواء صادق سيد، ولم تصدر لها الأوامر بالمشاركة في فض الاعتصام وهذه خيانة وانقلاب». وبعدها تساءل حميدتي عن القوة التي شوهدت في ساحة الاعتصام بقوله: «لماذا دخلوا ساحة الاعتصام؟». فتلقى إجابة: «إن اللواء صادق سيد هو من جاء بها، وهم غير مسلحين ويحملون عصياً وسياطاً فقط. ومع هذا فإن الذين أطلقوا الذخيرة على المعتصمين ليسوا تابعين لـ(الدعم السريع)». وتابع: «لاحقاً ألقينا القبض على صادق سيد وكل القوة التي دخلت معه، وقدمناهم لمحكمة عسكرية، برّأت العساكر وحمّلت المسؤولية لمن أصدر الأوامر».
أكد دقلو أن القوة التي فضت الاعتصام ليست متفلتة كما يروج له، بل إنها تلقت أوامر من «شخص متآمر أراد فض الاعتصام، وتخريب سمعة (الدعم السريع)». وتساءل: «كيف نفض الاعتصام، وهو كان يحمينا من خطر الانقلاب؟ فالمجلس العسكري تعرض لتضليل من جهة معروفة (لم يسمها)».
وجدد عبد الرحيم التأكيد على أن قواته لا مصلحة لها في فض الاعتصام، وقال: «حميدتي أكد أننا داعمون لاستمرار الاعتصام لأنه إذا انفضّ، فهناك انقلاب الإسلاميين يتربص بنا، ويجري الإعداد له منذ 6 أبريل، ولولا الاعتصام لنجح هذا الانقلاب».
ويتهم عبد الرحيم البعض -لم يسمّهم- بمحاولة إلصاق تهمة فض الاعتصام بقواته، قائلاً: «هي مجموعة معروفة للجميع، يدفعها لذلك أن (الدعم السريع) أعاد تشكيل الواقع الجديد، بما يخالف الموروث عن الثورات السودانية». وأضاف: «كانت الثورة تأتي بالقيادات التي ظلت تسيطر على البلاد طوال 60 عاماً، ولهذا فهي ترفض الواقع الجديد الذي فرضه (الدعم السريع)».
ووجه دقلو أصابع الاتهام أيضاً إلى جهات تعمل بتنسيق تام على «شيطنة (الدعم السريع)»، وإبعاده من المشهد «خوفاً وحرصاً على مصالحها التاريخية، ووجوده يجيء خصماً من مكتسباتها».
وفيما يتعلق بدمج القوات في جيش واحد وفقاً لنصوص اتفاقية سلام جوبا، يقول دقلو: «هذه كلمة حق أُريد بها باطل»، ويضيف: «(الدعم السريع) ليس حركة مسلحة ولا ميليشيا، بل قوات نظامية مدرَّبة تتبع للقوات المسلحة، وتعمل تحت إمرته وإمرة القائد الأعلى، ويحكمها قانون مُجاز من المجلس التشريعي، وتحرس الحدود وتكافح الهجرة غير الشرعية والإرهاب، فمع من يدمجونها ولماذا ما دامت هي جزء من القوات المسلحة وتحت إمرة القائد العام؟».
ويصف عبد الرحيم امتلاك قواته لـ«استخبارات خاصة وإدارات منفصلة» بأنه أمر طبيعي لأي مؤسسة عسكرية، يساعدها على تنفيذ مهماتها وحماية نفسها من الاختراق، ما دامت لا تخلق حالة ازدواج في المؤسسة النظامية «الجيش».
ويقول دقلو إنهم يواجهون الاتهامات المغرضة بالصبر والقانون: «نسكت ونصبر عليها، ولا نتسرع، ونترك القول الفصل للقانون. ونواجه اتهامات كثيرة تستهدف تشويه سمعتنا، تصنعها جهات من مصلحتها إضعاف (الدعم السريع)».
ويشير دقلو إلى حادثة مقتل أحد المواطنين في إحدى وحدات «الدعم السريع»، بقوله: «حاولتْ جهات نحن نعرفها ونعرف أهدافها، استغلال الحادثة للإساءة لـ(الدعم السريع)، نحن نعترف بأنه توفي نتيجة لأفعال بعض المحسوبين علينا، لذلك، نقوم بتحقيق دقيق داخل القوات لمعرفة مَن قتله داخل (الدعم السريع) وما دوافعه». ويستطرد: «نحن حريصون على الحقيقة مثل أسرة الراحل إن لم نكن أكثر حرصاً، لأن ما حدث مخالف لتقاليد قواتنا، ومدسوس عليها. إجرائياً، أوقفنا أي شخص له علاقة بهذه القضية، وسلمنا مَن وُجهت إليهم اتهامات للشرطة، ويجري التحقيق الداخلي حول كيفية مقتله ولا يُستثنى الضباط ولا الأفراد».
وأضاف: «سنعرف صاحب المصلحة في القتل، وهل تم لمصلحة مجموعات داخل (الدعم السريع) تعمل ضده، من الذين ضربت الثورة مصالحهم، ويعملون على إفشالها. هناك من يستهدفون (الدعم السريع) ويتربصون به لأنه حارس التغيير والثورة والثوار، لا أريد تحديد الأسماء، لكن المؤكد أن هناك مَن تتقاطع مصالحهم مع وجود (الدعم السريع) ونجاح الانتقال».
وتواجه قوات «الدعم السريع» في الخرطوم، حملة انتقادات شرسة على وسائط التواصل الاجتماعي، تتعلق بوجودها واتهامات ملصقة بها، وتطالب بإعادتها إلى حيث أتت. وعن ذلك يقول عبد الرحيم: «تم تأليف كثير من الروايات، فالبعض وصفنا بأننا امتداد للمهدية والتعايشي الثاني -في إشارةٍ للصراع التاريخي على الثورة المهدية في 1885 بين سكان الغرب والوسط- الواقع مختلف تماماً عن هذه الإشاعات المغرضة، فـ(الدعم السريع) مكوّن من أبناء الشعب، ويعمل على حماية المواطنين، وتوحيد المواطنين على قضية الوطن».
وتتدوال وسائل التواصل الاجتماعي معلومات عن خفوت صوت لجنة الطوارئ الاقتصادية المشكّلة برئاسة قائد «الدعم السريع» والمخصصة لمعالجة أدواء الاقتصاد، وعن ذلك يقول عبد الرحيم: «هناك تقاطعات كثيرة وحيل يستخدمها مَن يسعون لإفشال الفترة الانتقالية، ومع ذلك لم يخفت صوت اللجنة الاقتصادية». ويتابع: «عملوا ضد رئيس اللجنة –النائب الأول لرئيس مجلس السيادة– وحاولوا الحيلولة دون تنفيذ فكرة اللجنة، ورغم كل هذه المعوقات، فـ(الدعم السريع) وقيادته، يساندون رئيس الوزراء لمعالجة الوضع الاقتصادي».
وتُوجَّه لأسرة «دقلو» من نشطاء وسياسيين اتهامات بالهيمنة على اقتصاد البلاد، لا سيما تعدين الذهب وتجارته، وعلى ذلك يرد عبد الرحيم بحسم، ويصف تلك الاتهامات بـ«المؤامرة»، ويقول: «المؤامرة انتقلت من (الدعم السريع) لتستهدف أسرة (آل دقلو) وشركة العائلة».
وتملك عائلة دقلو شركة تحمل اسم شركة «الجنيد»، وعنها يقول عبد الرحيم: «شركة (الجنيد) لا تتحكم في سوق الذهب، فهي منذ حدوث التغيير، لم تشترِ جرام ذهب واحداً من السوق، بل سلّمت كل ما كان عندها من ذهب لبنك السودان بعد أسبوع من التغيير».
ويستطرد: «لا شيء يمكن إخفاؤه بشأن تجاره الذهب، لأن تجار وملّاك مصانع الذهب يعرف بعضهم بعضاً، وأي حركة بيع وشراء لا يمكن إخفاؤها، ولو كانت (الجنيد) تشتري الذهب، لتدخل كل تجار عمارة الذهب ضدها، ولَقاموا برفع السعر للسماء».
وكانت شركة «الجنيد» تنقّب عن الذهب في منجم اشتُهر باسم «جبل عامر» بدارفور، أُثير حوله كثير من الأقاويل، وعنه يقول عبد الرحيم: «تحدث كل العالم عن امتلاك (الدعم السريع) لجبل ذهبي (ينجرون) منه الذهب الأطنان، لكننا سلّمناه للحكومة ورئيس الوزراء عن طيب خاطر، ومنذ أكثر من سنة الحكومة هي التي تدير مناجم جبل عامر».
ولشركة «الجنيد» أنشطة في مجال تعدين الذهب في ولاية جنوب كردفان، وهي الأخرى أثارت لغطاً كبيراً، يقول عبد الرحيم: «تم إحراق مصانعنا وآلياتنا في جنوب كردفان، ولم يستثنوا حتى الآليات التي تعمل ضمن المسؤولية الاجتماعية».
وتابع: «هذا عمل مقصود به إدخال (الدعم السريع) في مواجهة مع المواطنين»، واستطرد: «الهدف الخفيّ من العملية هي صناعة (فض اعتصام جديد) وتوريطنا فيه، لحسن الحظ كشفنا المخطط، فتركنا مصانعنا وآلياتنا تحترق أمامنا، وسحبنا قوات الحراسة، ونحن الآن لا نملك جرام ذهب واحداً في جنوب كردفان».
وحسب عبد الرحيم، فإن شركة «الجنيد» عائلية، يقول عنها: «شركة (الجنيد) التي يكثر الحديث عنها، هي شركة عائلية أسستُها أنا شخصياً كـ(اسم عمل) في 2005 وذلك قبل تكوين (الدعم السريع)، ثم طوّرتُها لشركة في 2008، وكنت أديرها ومعي أطفالي القصّر وقتها، وكل ما يثار حولها إشاعات مغرضة».
وفي توصيفه للأوضاع في البلاد، يقول عبد الرحيم: «أي ثورة أو تغيير عادةً يواجَه بتحديات كثيرة»، ويستطرد: «في تقديري الآن نحن في وضع أفضل، رغم أننا نواجه أزمة اقتصادية، فقد تجنبنا الفشل الذي صاحب الثورات التي حدثت حولنا –يقصد ثورات الربيع العربي– وتحولت لاحتراب واقتتال».
وبدا عبد الرحيم متفائلاً وهو يتحدث للصحيفة، بقوله: «رغم الحديث عن صراعات داخل المؤسسات، وبين (الدعم السريع) والقوات المسلحة، ومحاولات شيطنة هذه المؤسسات، فقد حققنا أكبر نجاح في الجانب الأمني، وأفلحنا في تحقيق المرحلة الأولى من السلام، بقيادة النائب الأول لرئيس مجلس السيادة، هذه أمثلة لأني لا أريد تعداد الأعمال الكبيرة التي نقوم بها».
وعدّ دقلو تكوين «مجلس شركاء الانتقال» –هو مجلس يتكون من «قوى إعلان الحرية والتغيير» وشركاء السلام ورئيس الوزراء، ويترأسه البرهان- واقعاً جديداً فرضه توقيع اتفاق السلام، وقال: «كانت هناك حرية وتغيير ومجلس عسكري، لكن بتوقيع السلام دخل طرف جديد هم شركاء السلام، وتأكيداً يجب أن يكونوا طرفاً في إدارة البلاد والتخطيط للانتقال، لذلك جاء مجلس الشركاء»، واستطرد: «يعمل مجلس الشركاء بالتشاور مع مجلس الوزراء ومجلس السيادة للتخطيط لمستقبل البلاد».
وحذر قائد ثاني «الدعم السريع»، ممن أطلق عليهم «الذين يروّجون للفتنة بين المواطنين، لقطع الطريق أمام إكمال الفترة الانتقالية»، بقوله: «لولا الوقفة الأمنية الصلبة التي وقفتها القوات الأمنية، لاندلع القتال في الشوارع»، وأضاف: «الأجهزة الأمنية تدير الوضع بشكل طيب حتى الآن».
ويتهم -دون أن يسمّي– طرفاً ثالثاً بالسعي لإثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار في البلاد، بقوله: «كان من المقرر توقف الصراعات القبلية بعد التغيير، لكنّ الطرف الثالث صاحب المصلحة في عدم استقرار الأوضاع، يعمل على تأجيج الصراعات، لكننا لم نستسلم له، استطعنا إطفاء أي فتنة يُشعلها في الوقت المناسب ومواجهتها، ففي غرب دارفور استطعنا إعادة الوئام بين الأطراف وأقنعناهم بالعيش المشترك، وكل الأشياء قيد المعالجة النهائية، هناك أشخاص ارتكبوا جرائم، ويجب أن يخضعوا للقانون، وأن تُعقد المصالحات الأهلية، لكن الآن الحياة عادت لطبيعتها بين الناس، وهذا أكبر نجاح»، وهذه إشارة إلى التوتر الذي شهدته ولاية غرب دارفور أخيراً، وأدى لمقتل وجرح العشرات.
وتعليقاً على ما تتداوله وسائط تواصل من أن هناك تنسيقاً بين «الدعم السريع» والحركات المسلحة للسيطرة على البلاد، يقول دقلو: «التنسيق بين الحركات المسلحة والدعم السريع طبيعي، من أجل خدمة الشعب وحل مشكلاته، وليس للتآمر عليه».
ويتابع: «هم يريدون أن يتقاتل (الدعم السريع) والحركات بإثارة مثل تلك الاتهامات، ويطلقون شائعات بأننا نسعى لحكم المركز وطرد (الجلابة)»، ويقول: «هذه اتهامات غير أخلاقية وغير صحيحة ولا تملك مصداقية، مجرد إشاعات تهدف لإغراق لبلاد في الفتن وإثارة الرعب وتغذية الكراهية بين المواطنين».
ويستطرد: «هذا الطرف الثالث الذي نتكلم عنه ولم نفصح عنه، يصر على تأجيج الفتن وبث الكراهية، لكننا نقول له: ما تفعله (فرفرة مذبوح)، مهما تفعلون سيبقى ما ينفع الناس ويذهب الزبد جفاءً».
ويقطع دقلو بأنهم «الدعم السريع» والحركات الدارفورية يثق كلاهما بالآخر، ويقول: «نثق برفاقنا في الكفاح المسلح ويثقون بنا، ومن حقنا التشاور والتنسيق، فنحن أبناء وطن وجيران مدن وقرى وتجمعنا منطقة واحدة، وبيننا مصاهرات ولحم ودم، لذلك لن نتراجع عن علاقتنا بعضنا مع بعض».
ويقول: «استغل أعداء الثورة مفردات (جلابة وغرابة) طوال ثلاثين سنة، ووظّفوا عاطفة الشعب لإشاعة الفتنة بين مكوناته»، ويستطرد: «استُخدم مثل هذه العبارات مع جنوب السودان، وقسّموا المواطنين إلى مسلمين ومسيحيين وكفار يحل قتالهم، واستنفروا لذلك الشباب تحت رايات تكفير الجنوبيين، ولاحقاً أنكروا ووصفوا مَن كانوا يطلقون عليهم (شهداء) بأنهم (مجرد جيف - فطائس - وليسوا شهداء)، وبنفس الطريقة خلقوا لنا فتنة في دارفور بأن هناك عرباً وزرقة (أفارقة) ليحكموا مرتاحين». وتابع: «للأسف لم يفطن لها كبارنا، لكننا كشباب فطنّا لها، ولن يقاتل بعضنا بعضاً».
ووصف عبد الرحيم مصطلح «هامش ومركز» بأنها كلمة حق أُريد بها باطل، وقال: «لا عندنا زرقة ولا عرب ولا جلابة ولا غرابة، نحن شعب سوداني واحد وموحّد، وسيرون عكس ما ينادون به تماماً».
وأضاف: «هناك أشخاص يحاولون تمرير كذبتهم القديمة لتحقيق أجندتهم بإثارة الفتنة وخلق حالة من عدم الاستقرار، ليُغطّوا على فضائحهم وأموال الشعب السوداني التي نهبوها، لذلك نحن مصرّون على تأكيد أن كل شعب السودان واحد وموحد».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.