وثيقة أوروبية ترفض مسبقاً الانتخابات الرئاسية السورية

الدول الأعضاء بدأت مناقشتها... و«الشرق الأوسط» تنشر مضمونها

رجلان يرفعان إشارة النصر أمام صورة للرئيس بشار الأسد في دمشق عام 2011 (أ.ف.ب)
رجلان يرفعان إشارة النصر أمام صورة للرئيس بشار الأسد في دمشق عام 2011 (أ.ف.ب)
TT

وثيقة أوروبية ترفض مسبقاً الانتخابات الرئاسية السورية

رجلان يرفعان إشارة النصر أمام صورة للرئيس بشار الأسد في دمشق عام 2011 (أ.ف.ب)
رجلان يرفعان إشارة النصر أمام صورة للرئيس بشار الأسد في دمشق عام 2011 (أ.ف.ب)

بدأت دول أوروبية تحركاً لإقرار وثيقة قدمتها فرنسا باسم مجموعة ذات تفكير متشابه، وحصلت «الشرق الأوسط» على مسودتها، تقترح رفض «أي انتخابات رئاسية سورية لا تحصل بموجب القرار الدولي (2254)»، وقطع الطريق على «التطبيع» مع دمشق بعد الانتخابات الرئاسية المقررة في نهاية مايو (أيار) المقبل.
وتخطط دمشق لإجراء انتخابات رئاسية، بموجب الدستور الحالي لعام 2012، حيث يتوقع أن يفوز بها الرئيس بشار الأسد. وتدعم موسكو وطهران هذا التوجه، مع جهود روسية كي تكون «الانتخابات نقطة انعطاف وطي صفحة» السنوات العشر الماضية، عبر بدء دول عربية وأوروبية عملية تطبيع دبلوماسي وسياسي مع دمشق، وإرسال أموال لدعم الإعمار في سوريا، والاعتراف بـ«شرعية الانتخابات».

فصل المسارين
تبلغ المبعوث الأممي غير بيدرسن أن لا علاقة بين الانتخابات الرئاسية المقررة بموجب دستور 2012 وأعمال اللجنة الدستورية التي عقدت 5 جلسات دون اتفاق على صوغ مسودة للوثيقة التشريعية بموجب القرار (2254).
ويواصل بيدرسن جهوده بلقاء المعارضة في إسطنبول، بعد لقائه وزير الخارجية فيصل المقداد، ورئيس «الوفد المدعوم من الحكومة» أحمد الكزبري، الذي قدم للمرة الأولى وثيقة تتناول آليات عمل اللجنة الدستورية لصوغ «مبادئ الدستور»، ولقاءات دورية بينه وبين رئيس وفد «هيئة التفاوض» المعارضة هادي البحرة.
وعملياً، النتيجة تتعلق بإصلاح دستوري بعد الانتخابات، وعدم حصول أي تقدم قبل إجراء الانتخابات، ونهاية ولاية الرئيس الأسد في منتصف يوليو (تموز)، بحيث تجري بموجب الدستور القائم الذي يعطي صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، ويدشن ولاية ثالثة للأسد مدتها 7 سنوات، ويحدد معايير الترشح للانتخابات الرئاسية، بينها: الإقامة 10 سنوات متواصلة قبل التقدم للترشح، والحصول على موافقة 35 نائباً في البرلمان. وتلمح موسكو إلى أن الإصلاح قد يطبَّق في أول انتخابات برلمانية مقبلة في 2024، ما لم يقدَّم موعدها.
وكانت «الجبهة الوطنية التقدمية» التي تضم تحالف أحزاب مرخصة، بقيادة «البعث» الحاكم، قد فازت بـ183 مقعداً (بينها 166 بعثياً) من 250 مقعداً في انتخابات البرلمان في يوليو (تموز) العام الماضي، ما يعني أن قرار الترشح الرئاسي بأيدي الحزب الحاكم وتحالف الأحزاب المرخصة.
ولم يعلن أحد بعد عن ترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة، لكن مؤشرات حملة إعلامية بدأت تظهر في مناطق الحكومة التي تشمل المدن الرئيسية والعدد الأكبر من السكان، مع أنباء عن اتصالات مع «الإدارة الذاتية» شرق الفرات لتفاهم حول نشر مراكز اقتراع في مناطق تشكل نحو ربع مساحة سوريا، علماً بأن للحكومة ثلاثة مراكز في القامشلي ومطارها والحسكة. ومن المستبعد وجود مراكز اقتراع في إدلب وشمال البلاد، أو مناطق انتشار غالبية اللاجئين في دول الجوار، مثل تركيا والأردن، باستثناء بعض مناطق لبنان.
وأعربت دول غربية عن انتقاد البيانات الروسية التي تشير إلى «إمكانية الفصل بين الانتخابات الرئاسية واللجنة الدستورية لأنها تثير قدراً عميقاً من القلق، وتُلحق الأضرار بالعملية السياسية وإجماع الآراء المتفق عليها في مجلس الأمن». ورفضت الدول الغربية الاعتراف بالانتخابات البرلمانية في 2012 و2016 و2020، والرئاسية في 2014.

رفض الانتخابات
وبدأ ممثلو الدول الأوروبية اجتماعات لإقرار مسودة لـ«الورقة فرنسية»، واتخاذ موقف موحد من الانتخابات الرئاسية، بناء على مسودة سابقة كانت تتناول الانتخابات البرلمانية والرئاسية. وحسب المسودة التي حصلت «الشرق الأوسط» على نصها، فإنها ترمي إلى «منح وساطة الأمم المتحدة المتوقفة منذ 3 سنوات بشأن الدستور زخماً سياسياً جديداً يساهم في معاودة ربط العملية السياسية بالشعب السوري، داخل وخارج البلاد، مع مواجهة القيادة الروسية بشأن العملية السياسية»، إضافة إلى «معارضة محاولات النظام السوري وحلفائه إعلان نهاية الأزمة، من خلال إجراء انتخابات صورية مزيفة في عام 2021 الحالي، من دون الالتزام بتنفيذ العملية السياسية المستندة إلى القرار (2254)، أو التعامل المباشر مع الأسباب العميقة للأزمة الراهنة».
وأضافت الورقة: «من شأن الانتخابات الرئاسية السورية المقبلة لعام 2021 أن تنعقد بموجب الأحكام الدستورية والقوانين المعمول بها راهناً، تحت مظلة وسيطرة النظام السوري الحاكم منفرداً، وستُستغل هذه الانتخابات من جانب النظام الحاكم ومؤيدوه للإعلان من جانب واحد عن نهاية الأزمة السورية، من دون الالتزام بأي شيء يتفق مع تطلعات الشعب، ومن شأن هذه الانتخابات أن تشكل حاجز ردع كبيراً في وجوه اللاجئين».
وأشارت إلى أن «الدول الأوروبية التي كابدت التبعات المباشرة والدائمة للأزمة السورية المستمرة، أمنياً وبالهجرة، لديها مصلحة كبيرة في الحيلولة دون انحراف العملية السياسية عن مسارها الصحيح بواسطة الانتخابات الرئاسية الصورية»، مؤكدة أن «إجراء الانتخابات الحرة النزيهة ذات الاتساق التام مع القرار (2254) هو ما يساهم بصورة حقيقية فاعلة في تسوية الأزمة، وليس تفاقهما. ومن الواضح أن مثل هذه الانتخابات لن تتم في المنظور قصير المدى».
وعليه، فإن الورقة اقترحت خطة عمل مشتركة للدول الأعضاء للتعاطي مع الانتخابات تتضمن خطوات، بينها «الإيضاح عبر رسالتنا العامة أن الانتخابات التي تُعقد بمنأى عن القرار (2254) لا يمكن الاعتداد بها بصفتها مساهمة فاعلة في حل الأزمة السورية، وإنما من شأنها العمل على تقويض فرص التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية مستديمة للنزاع السوري»، و«دعوة المبعوث الأممي إلى طرح السلة الانتخابية ضمن العملية السياسية، مع الإشارة بوضوح إلى أنه لا يمكن التوصل إلى حل سياسي يتسق مع القرار (2254) من دون إجراء انتخابات رئاسية حرة نزيهة، مع عدم ادخار الجهود لتمهيد الأجواء المناسبة لعقد هذه الانتخابات بمجرد انتهاء اللجنة الدستورية السورية من أعمالها».
ومن حيث المبدأ، اقترحت الورقة 4 خطوات عمل، هي: «أولاً، ضمانات لمشاركة اللاجئين من الخارج والنازحين في الداخل في عملية الاقتراع. ثانياً، تنفيذ خطوات بناء الثقة، وإيجاد البيئة الآمنة المحايدة. ثالثاً، تهيئة الظروف القانونية والعملية لإجراء الاقتراع التعددي. رابعاً، إشراف منظمة الأمم المتحدة على الانتخابات، وضمان أقصى درجات الحياد».

دعم الحلفاء
ومن المقرر أن تقوم الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي بإقرار عناصر من هذه الورقة في بيان أوروبي في الذكرى العاشرة للاحتجاجات في 15 الشهر الحالي، إضافة إلى «رفع مستوى النفوذ في الأمم المتحدة، وتعزيز الحيازة العربية لمسار الانتخابات السورية، بصفتها ركناً ركيناً في جهود تسوية الأزمة السورية». كما ستعرض على الدول المجاورة لسوريا لـ«إدماج إسهاماتها، بصفتها أطرافاً فاعلة رئيسية في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مع تشجيع وتيسير مشاركتهم فيها، بالتعاون مع المبعوث الأممي الخاص بالأزمة السورية في أعمال التحضير لإجراء التصويت خارج البلاد»، إضافة إلى «حشد المغتربين السوريين والمجتمع المدني وقوى المعارضة السورية، من أجل مساعدتها على الإعراب الواضح عن مطالبها بشأن الانتخابات الرئاسية المقبلة ضمن مجريات العملية السياسية».
وفي مقابل هذا الموقف من الانتخابات المقبلة في مايو (أيار)، تقترح الوثيقة الشروع مع الأمم المتحدة «في الأعمال التحضيرية للانتخابات المستقبلية بما يتسق مع القرار (2254)، لا سيما من خلال التواصل مع المغتربين السوريين، وبما يتفق مع أحكام التصويت الانتخابي خارج البلاد التي لا تتطلب الحصول على موافقة رسمية من السلطات السورية. ويستلزم هذا الأمر التوضيح للمواطنين السوريين أن تلك الأعمال التحضيرية لا تهدف إلى السماح لهم بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة لعام 2021».
وبالتالي، فإنه استعداداً للانتخابات المقبولة غربياً، يجب أن تتضمن 4 معايير، هي: «الضمانات الصارمة التي تؤكد ضرورة مشاركة اللاجئين والنازحين السوريين، وخطوات بناء الثقة على أرض الواقع بُغية خلق البيئة الآمنة المحايدة للناخبين، وتهيئة الظروف القانونية والعملية لإجراء الاقتراع التعددي، وإشراف منظمة الأمم المتحدة على الانتخابات مع ضمان أقصى درجات الحياد في أثناء العملية الانتخابية».
وقد اقترحت دعوة المبعوث الأممي لـ«بدء الأعمال التحضيرية المكثفة اللازمة لتنظيم التصويت الانتخابي خارج البلاد، وذلك بما يتسق مع القرار (2254)، مع المواطنين السوريين كافة، بمن فيهم المغتربين». وقالت: «هذا الأمر لا يستلزم التفاعل المباشر مع النظام السوري الحاكم، ولا ضرورة للحصول على موافقته المسبقة». وكان بيدرسن قد رفض الانخراط في الإعداد للانتخابات، قائلاً إن مهمته بموجب القرار (2254) لا تتعلق بأي انتخابات لا تجري بموجب مضمون القرار الدولي. والانتخابات الرئاسية المقبلة هي رقم 18 منذ عام 1932 التي لم تحظَ بأهمية كبيرة، كونها جرت في ظل الحكم الفرنسي، مقابل اهتمام أكبر بانتخابات 1955 التي تنافس خلالها شكري القوتلي وخالد العظم. أما باقي الانتخابات جميعها، فكانت إما استفتاءات وإما انتخابات يخوضها منافس لا يواجهه فيها أحد. وسمح دستور 2012 بترشح أكثر من شخص للانتخابات بعد عقود من الاستفتاء.



القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
TT

القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)

عززت القوات اليمنية، الثلاثاء، عملياتها العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن» على امتداد عدد من الجبهات، في وقت بدأت فيه القوات المهاجمة تثبيت المكاسب التي حققتها في اليوم الأول، بالتزامن مع تسجيل تقدم جديد في محافظة تعز، واستمرار العمليات في مأرب والساحل الغربي، وضربات جوية استهدفت قدرات عسكرية حوثية في صنعاء وصعدة والحديدة.

يأتي ذلك غداة إعلان القوات الحكومية بدء عملية واسعة لاستعادة الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في تحول نقل العمليات من محاولة احتواء التقدم الحوثي الأخير إلى هجمات متعددة المحاور. وأكدت القيادة العسكرية أن العملية مستمرة حتى تحقيق أهدافها المعلنة.

وفي محافظة تعز، أعلن المركز الإعلامي لمحور تعز أن القوات المسلحة، مسنودة بالمقاومة الشعبية، حققت، الثلاثاء، تقدماً جديداً في مديرية حيفان جنوب المحافظة، بعد تمكنها من تحرير جبال المنظرة والأشاريف وذيبان، في تطور يوسّع نطاق الضغط على القوات الحوثية في الريف الجنوبي.

وقال المركز إن المعارك اشتدت كذلك في عزلة قدس بمديرية المواسط، حيث تخوض القوات الحكومية والمقاومة الشعبية مواجهات مع الحوثيين، في وقت تواصل فيه قوات المحور عملياتها الهجومية ضمن «فجر اليمن».

كانت قوات محور تعز قد نفّذت، الاثنين، خمس عمليات هجومية في جبهات الأربعين شمال المدينة، والأقروض جنوباً، والعنين وجبل حبشي غرباً، والبيرين في أطراف جبهة الكدحة. وقال المركز إن تلك العمليات أسفرت، وفق حصيلته، عن مقتل نحو 100 من عناصر الحوثيين وإصابة 150 آخرين، إلى جانب إسقاط خمس طائرات مسيّرة وتدمير وإعطاب ستة أطقم ودبابة.

وتواصلت العمليات في جبهات جبل حبشي والأقروض والعنين والكدحة، في وقت تحدثت فيه القوات الحكومية عن انتقالها من وضع الدفاع إلى الهجوم، مستفيدةً من نتائج عمليات اليوم الأول.

وفي الأقروض، كانت القوات قد دحرت الحوثيين من مواقع عدة ودمرت دبابة وعربة واستولت على طاقم، بينما نفذت في العنين هجوماً خاطفاً على مواقع الجماعة، وفي البيرين نفذت هجوماً استهدف تجمعات ومعدات عسكرية، وأسفر عن إحراق طقم ومقتل عدد من العناصر وأسر آخرين، وفق المركز الإعلامي لمحور تعز.

جندي من قوات ألوية العمالقة خلال التقدم في جبهة باب المندب (رويترز)

وتكتسب جبهة تعز أهمية خاصة في العملية الجديدة، بعدما كان الحوثيون قد ضغطوا خلال الأيام السابقة على طرق المدينة ومنافذها الجنوبية، في محاولة لتوسيع نطاق سيطرتهم وعزل تعز عن المناطق الحكومية في اتجاه لحج وعدن. وتقول مصادر عسكرية إن العمليات الحالية تستهدف استعادة زمام المبادرة ومنع تثبيت تلك المكاسب الحوثية.

الساحل تحت الضغط

في الساحل الغربي، واصلت القوات الحكومية تثبيت نتائج الهجوم الذي بدأ الاثنين، بعد العمليات التي قادتها «قوات العمالقة» و«قوات درع الوطن» بدعم جوي من «التحالف».

كانت القوات قد أعلنت السيطرة على مطار ذوباب وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين المخا وباب المندب، مع فرض ضغط على القوات الحوثية الموجودة في المنطقة، بالتزامن مع استمرار التحرك شمالاً باتجاه المخا والحديدة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى استعادة السيطرة على الساحل الغربي (رويترز)

وأفادت تقارير ميدانية بأن القوات الحكومية أحكمت سيطرتها على مواقع استراتيجية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، فيما تواصلت التحركات باتجاه المخا، وسط تراجع عناصر حوثية من بعض المواقع.

وتقول مصادر ميدانية إن القوات تتمهل في دخول المخا، إذ تسعى لتأمين خطوط دفاعها شرقاً باتجاه مديرية الوازعية ومنطقة مفرق البرح؛ تجنباً لأي عملية التفاف تتعرض لها.

وتندرج هذه التحركات ضمن محور الساحل الغربي الذي يمثل أحد المسارات الرئيسية للعملية، إلى جانب تعز ومأرب والجوف وميدي، مع اختلاف مستوى العمليات من جبهة إلى أخرى، حسب الخطط العسكرية.

مأرب تتقدم

في مأرب، واصلت القوات المسلحة اليمنية عملياتها الهجومية في قطاعات عدة، بعدما تمكنت، وفق مصادر عسكرية، من دحر الحوثيين من مواقع في قطاع البور جنوب المحافظة، عقب مواجهات عنيفة وإسناد مدفعي.

وقالت المصادر إن القوات اخترقت تحصينات حوثية وفككت حقول ألغام، بينما شهد القطاع الشمالي إغارة على مواقع للجماعة تزامنت مع قصف مدفعي استهدف تجمعاتها ومرابض المدفعية والعيارات، مما أدى، حسب الرواية العسكرية، إلى سقوط قتلى وجرحى وإعطاب معدات وآليات.

وفي القطاع الشمالي الغربي، استهدفت القوات مصادر نيران حوثية وعدداً من العيارات والمعدات، فيما واصل الطيران الحربي والمسيّر غاراته على مخازن أسلحة وتحشيدات ومراكز قيادة في قطاعات مختلفة من المحافظة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في اليوم الأول من العملية إطلاق هجمات من محاور متعددة في مأرب، بينها الجبهتان الجنوبية والشمالية الغربية، وتحقيق تقدم في مواقع قالت إنها مهمة، بالتزامن مع غارات على مخازن أسلحة ووسائل محملة بالذخائر.

ضرب القدرات الصاروخية

في تطور موازٍ، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، ومخزن للصواريخ داخل موقع جبلي في صعدة، قال إن المخزن كان يضم 20 صاروخاً باليستياً.

وقال المتحدث باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، إن الضربات استهدفت قدرات مرتبطة بالقدرات الصاروخية الحوثية، في إطار العمليات الجارية بالتزامن مع «فجر اليمن».

قوات الحكومة اليمنية تتقدم بحذر نحو المخا حيث تسعى لتأمين دفاعاتها شرقاً (رويترز)

كما أعلن التحالف تنفيذ عملية بحرية في محافظة الحديدة استهدفت، وفق روايته، مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخخة وألغام بحرية، وقال إن العملية أحبطت مخططاً لهجمات وشيكة على الممرات المائية جنوب البحر الأحمر، في إطار مساعي حماية الملاحة في منطقة باب المندب.

من جهته قال رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة في الجيش اليمني، الفريق الركن صغير بن عزيز، إن عملية «فجر اليمن» مستمرة ولن تتوقف حتى تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة والعودة إلى صنعاء، مؤكداً جاهزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية لتنفيذ المهام الموكلة إليها.


«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
TT

«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)

منذ ليلتين تنام مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قبل مغيب الشمس، ويسود أحياءها صمتٌ مطبق حتى الفجر، ما حدا بأحد سكانها إلى تخيلها كمقبرة لا تتحرك فيها سوى عناصر الجماعة الحوثية الذين شبَّههم بأشباح توزع الخوف وتعيشه بالقدر ذاته، بينما تعود الحركة خلال ساعات النهار بشكل محدود.

لم يكن الخوف وليد لحظة اقتحام الحوثيين للمدينة، إلا أنه تضاعف حال وصولهم إليها، وحسب مصادر محلية في مديرية الشمايتين؛ فإن عناصر الجماعة أصرت على تثبيته في قلوب السكان عندما قتلت مدنياً بشكل أشبه بالإعدام الميداني، ساعة اقتحامها مركز المديرية (مدينة التربة) بعد إعلانه رفض وجودهم فيها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل خرج من محله التجاري ليقف أمام العربات العسكرية الحوثية التي تتقدم إلى المدينة مطالباً بمغادرتها، فوجَّه عناصر الجماعة أسلحتهم نحوه وطلبوا منه إعلان الولاء بأداء الصرخة الخمينية، إلا أنه رد عليهم بالضحك، فأطلقوا عليه النار وأردوه في الحال.

وتسببت سيطرة الجماعة الحوثية على المدينة بدفع السكان إلى العودة إلى منازلهم، في حين أُغلقت المحال التجارية وخفَّت حركة التسوق، بينما سارع المتسوقون القادمون من مختلف مناطق المديرية والمديريات المجاورة إلى المغادرة، قبل أن يتمكنوا من شراء احتياجاتهم.

قافلة غذائية وجَّهها سكان مدينة التربة إلى جبهات غرب تعز قبل استيلاء الحوثيين عليها (فيسبوك)

وقبل أن تصل المعارك إلى أبواب المدينة، كانت أصوات القصف والصواريخ قد أصبحت جزءاً من يوميات الأهالي، وأدى التصعيد إلى نزوح عائلات من مناطق قريبة من خطوط المواجهة، فيما اتجه آخرون إلى مناطق أكثر أمناً داخل تعز أو نحو محافظة لحج.

محاولات لتطبيع النفوذ

قضى غالبية السكان ليلتهم الأولى في ظلام دامس، إذ أطفأوا أضواء المنازل وقضوا أوقاتهم في ترقب أي تطورات للأحداث، بينما كانت أصوات الاشتباكات تأتي من محيط المدينة، حيث استمرت الاشتباكات بين الجماعة وقوات من الجيش الحكومي إلى ساعات متأخرة من الليل.

تكشف إحدى ربات المنازل لـ«الشرق الأوسط» عن أن اضطرار السكان لإطفاء أضواء المنازل كان تخوفاً من إقدام عناصر الجماعة على اقتحامها أو تفتيشها أو اشتباههم بمن يضيء الأنوار، إلى جانب القلق من اقتحامها للمبيت أو طلب أي مساعدة.

مقاتل في الجيش اليمني يقف على مرتفع صخري بإحدى الجبهات الجبلية في تعز (فيسبوك)

كما لجأ عناصر الجماعة الحوثية إلى استخدام مكبرات الصوت ظهيرة الاثنين، لدعوة التجار والباعة إلى فتح متاجرهم ومحالهم، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة في البداية.

وحسب شهادات سكان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» فإن المطالبة تحولت بعد نحو ساعة إلى تهديد بكسر أبواب المحال التجارية بالقوة، وهو ما دفع عدداً من الباعة إلى العودة لممارسة أنشطتهم خوفاً على سلعهم من النهب أو من أي عقوبات تطولهم جراء استمرار تعطيل التسوق، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لعودة الحركة في المدينة إلى وضعها الطبيعي.

وطلب عناصر الجماعة من السكان مساعدتهم في الحصول على المواد الغذائية، خصوصاً مع إغلاق المطاعم والمحال التجارية، واضطروا إلى تناول الأغذية المعلبة التي حصلوا عليها من المحال التجارية التي فتحت أبوابها تحت التهديد، بينما توسل عدد منهم إلى السكان لشراء أغذية مطبوخة من منازلهم.

يذكر أحد السكان، وهو ينتمي إلى مديرية المقاطرة المجاورة، والتابعة لمحافظة لحج، أن عدداً من أقاربهم حزموا بعض أمتعتهم الخفيفة ومقتنياتهم الثمينة وغادروا إلى قراهم التي قدِموا منها للسكن في التربة، أو لجأوا إلى أقارب لهم في مناطق أخرى.

مشهد من المعارك التي شهدتها مديرية الشمايتين خلال الأيام الماضية (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الخوف من ممارسات الحوثيين كان هو الدافع الأبرز للنزوح المستمر منذ بدء سيطرة الجماعة على المدينة، إلى جانب مخاوف العديد من الأسر الفقيرة على مدخراتها ومقتنياتها من النهب، وهو ما ظهر من خلال ازدياد حركة شاحنات النقل المحملة بالأثاث والممتلكات على عديد من الطرق.

توجس من السكان

تكشف مثل هذه الشهادات جانباً لا يظهر في البيانات العسكرية، فالمعركة التي توصف في نشرات الأخبار بأنها تقدم أو تراجع على محور قتالي، تعني بالنسبة إلى العائلات قراراً عاجلاً بشأن مغادرة المنزل، وإلى أين تذهب، وما الذي يمكن حمله معها، وما إذا كان الطريق الذي تسلكه سيظل مفتوحاً.

يروي ناشط اجتماعي في المدينة مشاهدته لتصرفات أظهرت توجس عناصر الجماعة من السكان، ومخاوفهم من ردة فعل شعبية على وصول النفوذ الحوثي إلى مساكنهم، وظهر ذلك من خلال تجنبهم الدخول إلى الأزقة الضيقة ونصب نقاط تفتيش في كل الشوارع المحيطة العامة وعلى أطرافها ومداخلها، وعقد اجتماعات مع أئمة المساجد.

محافظة تعز تستعد لحصار حوثي يفاقم سوء الأوضاع الإنسانية بعد استيلاء الجماعة على مدينة التربة (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على إظهار هويته، أن الجماعة لم تطلب، حتى الآن، ترديد الصرخة الخمينية في المساجد، إلا أن عناصرها حذروا الأئمة من أي دعوات لمقاومتهم تنطلق منها، وطالبوا بالإبلاغ عن أي تجمعات فيها مهما كان الهدف منها.

واستخدم المقاتلون الحوثيون المساجد للاستراحة والمبيت والاغتسال وغسل ملابسهم في مرافقها، بعد أن جلبوا إليها مواد التنظيف وأواني بلاستيكية.

وتبسط الجماعة الحوثية نفوذها على مدينة التربة ومنطقة الصافية القريبة منها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية، وبذلك يكون الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن خارج إدارة الحكومة اليمنية، مما سيؤدى إلى تطويق الحوثيين لمدينة تعز من جهات عدة.

بالنسبة إلى سكان المنطقة، لا يمثل الطريق مجرد خط على خريطة عسكرية، بل هو المسار الذي تمر عبره المواد الغذائية، والمرضى، والمسافرون، والعمال، وتتحرك من خلاله البضائع بين تعز وعدن. ومع إغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة، تصبح المسارات البديلة أطول وأكثر تكلفة وأشد خطورة، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات من تراجع قدرتها على تحمل تبعات الحرب.


صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
TT

صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)

يترقب سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ما ستؤول إليه العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة اليمنية تحت اسم «فجر اليمن»، وسط آمال بأن تفتح الطريق أمام إنهاء سنوات الانقلاب والحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وعودة الحياة العامة إلى مسار أرسخ استقراراً.

وبعد نحو 12 عاماً منذ سيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية، يقول سكان إن الحديث عن العملية أعاد إلى كثير منهم مشاعر الأمل التي غابت طويلاً، وإن ما ينتظرونه «لا يقتصر على تحول عسكري، وإنما يتصل بعودة الدولة والقانون والحريات وتحسن الخدمات»، وإنهاء ما يصفونها بـ«سنوات من الخوف والجبايات والتضييق الأمني».

ويقول سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن العاصمة «تبدو مثقلة بإرث طويل من الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية»، وإن كثيراً من المواطنين باتوا «ينظرون إلى أي تغيير محتمل بوصفه فرصة للخروج من واقع فرضته الجماعة على المدينة منذ سيطرتها عليها».

قوات من «ألوية العمالقة» تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

ويؤكد «عبد الله»، وهو موظف حكومي من صنعاء، أن الحديث عن عملية «فجر اليمن» أعاد إلى كثير من المواطنين شيئاً من الأمل، موضحاً أن ما يريده السكان هو «دولة تحميهم وتوفر لهم الأمن والخدمات، وليس مزيداً من القمع ومصادرة الحريات».

ويضيف أن الخوف من تبعات المواقف السياسية دفع كثيراً من المواطنين إلى تجنب النقاش في الشأن العام، حتى داخل منازلهم. ويقول: «هناك أشياء كثيرة يتحدث عنها الناس همساً فقط. المواطن يريد أن يتكلم بحرية، لكنه يخاف من أن يدفع ثمن كلامه».

بحث عن عودة الدولة

في السياق نفسه، تقول ناشطة من ضواحي صنعاء، إن السنوات الماضية «أكلت أعمار اليمنيين»، مشيرة إلى أن الأسر أصبحت منشغلة بتأمين الغذاء والدواء والإيجار، في ظل استمرار الأزمات.

وتضيف: «نحن لا نبحث عن الحرب؛ نبحث عن نهاية الحرب والانقلاب. نريد أن تعود الدولة ونعيش مثل بقية الناس».

وترى أن «النساء تحملن جانباً كبيراً من الأعباء التي خلفتها الأزمة، خصوصاً في الأسر التي فقدت معيلها أو مصدر دخلها»، مشيرة إلى أن استمرار الحرب «انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر وعلى قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية».

سعيُ الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

أما «صلاح»، وهو من محافظة إب ويعمل بائع خضراوات في صنعاء، فيقول إن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيداً من سنوات الخوف، مؤكداً أن مطلبهم الأساسي يتمثل في وجود مؤسسات وقانون يحمي الجميع.

ويضيف: «نريد أن نستيقظ يوماً ولا نخاف من حملات الجباية، أو الابتزاز في نقاط التفتيش، أو من اعتقال أحد أفراد الأسرة بسبب رأيه».

ويشير إلى أن تداعيات الحرب «انعكست على أوضاع الأسر، بعدما فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن العمل والأمان».

مدينة تحت الضغط

على مدى السنوات الماضية، واجه سكان صنعاء أعباء اقتصادية وأمنية متصاعدة، مع انتشار نقاط التفتيش وتوسع الإجراءات القمعية والجبايات التي أثرت على التجار وأصحاب الأعمال والأسر.

ويرى ناشطون أن هذه الظروف عمقت حالة السخط داخل المجتمع، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تضييق المساحة المتاحة أمام التعبير عن المواقف المخالفة للجماعة.

ويقول «بشير» إن «الناس صمتوا طويلاً لأنهم خائفون، وليس لأنهم راضون»، عادّاً أن أي تحول يعيد للمؤسسات دورها سيحظى باهتمام واسع بين المواطنين.

عناصر أمن حوثيون يجوبون شوارع صنعاء (رويترز)

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أعلن، الاثنين، انطلاق العملية العسكرية «فجر اليمن»، قائلاً إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وقال العليمي في منشور على منصة «إكس»: «على بركة الله... انطلقت عملية (فجر اليمن) لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية».