باسمة العنزي: لم تَعُد هناك قضايا مسكوت عنها في الأدب الكويتي

الروائية الكويتية تقول إن الجهود الفردية هي المحرك لا المؤسسات الثقافية

باسمة العنزي
باسمة العنزي
TT

باسمة العنزي: لم تَعُد هناك قضايا مسكوت عنها في الأدب الكويتي

باسمة العنزي
باسمة العنزي

قدمت الروائية والكاتبة الكويتية باسمة العنزي مجموعة من الأعمال السردية والروائية حققت نجاحاً في فترة قياسية. صدر لها حتى الآن ثلاث مجموعات قصصية، وثلاث روايات، وكانت روايتها الأخيرة بعنوان «قطط إنستغرام». في هذا الحوار، الذي أُجري معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتحدث عن تجربتها القصصية والسردية، وعن روايتها الأخيرة، التي بطلها قِطّ، رمزاً للقطط السمان، والفساد المستشري.
هنا نص الحوار:
> كيف ترين مسيرتك بين عالم القصة والرواية... في أيهما تجدين نفسك أكثر؟
- واقع الأمر أنني بدأت كقاصة وكاتبة مقال ثقافي ومن ثم اتجهت للرواية، كلاهما من أسرة واحدة. حالياً أجد نفسي أكثر ميلاً للقصة القصيرة، للكلام الموجز، للقالب المحكم وللفكرة الخاطفة الواضحة، ربما بسبب الوقت ومشاغلي اليومية ورتم حياتي السريع الموزَّع ما بين عدة أدوار.
> روايتك الأولى «حذاء أسود على الرصيف» تناولت قضايا حساسة في المجتمع، بينها قضايا «البدون» والمرأة والمهمشين... إلى أي مدى ترين أن مثل هذه القضايا مسكوت عنها في الأدب الكويتي؟
- روايتي الأولى «حذاء أسود على الرصيف» هي «نوفيلا» كتبتُها لغرض النشر لاحقاً، قدمتها كمخطوطة لجائزة الشارقة للإبداع العربي وحصلت على جائزة عام 2012، وبالتالي تمت طباعتها. لا أجدها قدمت «قضايا حساسة» بقدر ما كانت محاولة للاقتراب من أسوار عالم الوظيفة في مجتمعاتنا الخليجية، المكان الذي تتحاشاه الرواية والقصة، وما يتبعه من مواضيع ذات صلة كالبطالة، والتغيرات الاقتصادية والديموغرافية. وبما أن بيئة الرواية مكان العمل فمن الطبيعي وجود العناصر الأخرى المتعلقة به، التي هي انعكاس لمكونات المجتمع.
بالنسبة للقضايا المسكوت عنها، لا أتفق معك في ذلك. المرأة والمهمشون و«البدون» مواضيع مطروقة باستمرار في الأدب الكويتي.
> هناك روايات كويتية عالجت قضايا تشبه «حذاء أسود على الرصيف» وأخذت مكانها في الدراما العربية، مثل «ساق البامبو»، هل تساعد الدراما الكاتب على إيصال رسالته، هل تفقد الرواية بعضاً من خصائصها إذا تجسدت درامياً؟
- «ساق البامبو» للروائي سعود السنعوسي الحاصلة على جائزة «البوكر»، ناقشت أزمة الهوية، والعمل الروائي كان أكثر احترافية من العمل الدرامي. تجسيد الأعمال الروائية درامياً يخدم الأدب في المقام الأول ويسهم في انتشاره، وفي الوقت ذاته امتزاج الأدب بالدراما مؤشر جيد على حراك الثقافة وقدرتها على التأثير ووصولها لشريحة أكبر من المجتمع. على سبيل المثال رواية «النمر الأبيض» للكاتب الهندي المعروف آرافيند آديغا الصادرة ترجمتها باللغة العربية عام 2011 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدأ الكثير من القراء البحث عنها بعد تحويل «نتفليكس» العمل هذا العام لفيلم حظي بنسبة مشاهدة عالية.
> روايتك الأخيرة «قطط إنستغرام»، رغم صغر حجمها، فإنها حققت نجاحاً، والأهم أنها فتحت باباً للسؤال عن تأثير وخطورة مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة في اقتحام الخصوصيات الفردية، كيف ترين تأثير هذا الانكشاف على الوعي الثقافي خصوصاً؟
- مهتمة جداً بالقضايا المعاصرة في مجتمعاتنا الخليجية الحديثة؛ أن يكون الأدب في مواجهة الحياة، ولعل من أهم هذه القضايا دور مواقع التواصل الاجتماعي في بلورة فكر شريحة كبيرة من أفراد المجتمع. نحن ننتقل بخطوات سريعة في عصر التحول الرقمي كمستهلكين من خانة لأخرى، وفي خضم تلك التحولات تتلاشى فرديتنا وخصوصيتنا، نحن أما مؤثرون أو تابعون، وفي الحالتين لا يتم السيطرة على الأمر في فضاء مفتوح تم تأسيسه لأهداف عميقة التأثير، وتبعاً لاستراتيجيات بعيدة المدى.
> استخدمتِ قِطّاً ليكون بطل الرواية، هل كان القط «سبايس» رمزاً للقطط السمان، في إشارة لعالم الفساد المالي المستشري؟
- نعم، هو قط سمين في موقعه، حيث تُنشر صوره وتحتها تعليق صاحبة «الأكاونت» ذات الاسم المستعار. ظاهرة التعبير من وراء ستار منتشرة وتحمل من المواربة والخوف الشيء الكثير.
> هناك أيضاً مدلولات فكرية وسياسية عميقة. نلحظ ذلك من خلال شخصية «منصور لافي» الذي يحاول الصعود في عالم التجارة والسياسة عبر توظيف «السوشيال ميديا» لصناعة نجوميته، هل ترين أن هذه الوسائل أصبحت أدوات لتكريس الهيمنة على البسطاء عوضاً عن منح المهمشين صوتاً؟
- هي كما ذكرت أدوات - لم نصنعها ولن نعمل على تطويرها - نحن مجرد مستخدمين مخلصين لها. في التجارة ما دامت هناك سلعة، فهناك مائة طريقة لتسويقها، توظيف «السوشيال ميديا» شمل كل أنواع السلع؛ من الكتاب الذي يكررون عليك أهمية اقتنائه إلى رحلة الطيران الأمثل، مروراً بمئات السلع التي تلاحقنا حفلة التبشير بها. السياسيون يلجأون لمنصات التواصل الاجتماعي لتلميع صورهم ونشر خطابهم، كما يلجأ المهمشون لنشر معاناتهم، البسيط الذي نخشى عليه من الهيمنة امتلك حرية رأي افتراضية، وقدرة على التعبير عنه، ووصوله كأناس لن يصادفهم على أرض الواقع. كل شيء أصبح صالحاً للنقاش العام! المعادلة متوازنة للطرفين. رغم جانبها الاستلابي القائم على الإدمان عليها، حسب رأي المفكر زيجمونت باومان، وأنها جميعها ذاتية التدمير.
> تقول الرواية: «في مجتمعنا من السهل أن تكون مشهوراً»... هل هذه الشهرة تمثل «غزو الأغبياء»، كما يصوره الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو حين قال: «إن وسائل التواصل أتاحت لجحافل الأغبياء أن يتحدثوا وكأنهم علماء»؟
- وسائل التواصل كشفت فقط قدرة الكثيرين على جعل حياتهم الخاصة منتجاً للمستهلكين. لا شروط للشهرة طالما تملك القدرة على أن تتحول حياتك لسلعة في رف بشري طويل، بإمكان الآخرين تفحص خصوصياتك ونقدك على مدار الساعة. أنت في مرمى هدفهم؛ يشتمونك، يواسونك، يسخرون منك أو يتعاطفون معك، أنت أيضاً في دائرة اهتمامهم الواسعة، وهذا الهدف من تسليعك وبالتالي إعادة تحويلك لمستهلك برغبات آنية لن يتم إشباعها. في «قطط إنستغرام» عرضت الصورة كاملة كما رأيتُها، لا كما تمنيت.
> هل ترين أننا نعيش في رواية افتراضية، تكتب فصولها وسائل التواصل، التي تنقل تفاصيل حياتنا اليومية في انكشاف مريع...؟
- وسائل التواصل تكتب اليومي المجرد من اللغة الأدبية، هي ذكريات اللحظة، المجردة من الخيال، رغبات التنفيس والبوح، خطوات على الرمال. عن نفسي أنا بعيدة عن أغلب منصات التواصل الاجتماعي التي يبذل صنّاعها الكثير لجني أعلى عائد اقتصادي منها.
> باعتبارك عضوة في رابطة الأدباء، كيف ترين مساهمة الرابطة في إنعاش الحياة الثقافية والأدبية في الكويت؟
- لا دور كبيراً للرابطة في السابق، والآن مع الجائحة تلاشت كل الأدوار. الجهود الفردية هي المحرك لا المؤسسات الثقافية.
> كيف ترين المشهد الثقافي في الكويت؟ هل تعاني الساحة الثقافية من قلة الأصوات الإبداعية؟
- العبرة ليست في الكثرة، إنما بالتميز. لست قلقة من شح الأعداد، إنما من القضايا التي كانت تُعدّ في سالف الزمان قضايا وما زلنا نكرر تناولها، ثيمات محددة تدور أغلب الأعمال حولها بإخلاص شديد منذ عقود. محلياً وخليجياً، خريطة التغيرات الراهنة التي نعيشها كمجتمعات شابة متنافرة مع نتاجنا الأدبي. أين نحن عن موضوعات باتت مقلقة مثل البطالة، الفساد الإداري، قلق ما بعد الحداثة السائلة، الفردية، منظومة التعليم، التلوث، وغيرها؟
> أين يذهب المبدعون الجدد...؟ لماذا هم نادرون ويتقدمون ببطء...؟
- كل كلمة وملاحظة وانطباع بالتأكيد تحملني مسؤولية جديدة، لذا أجدني مُقلّة في النشر. لا تأسرني فكرة الوجود سنوياً بعمل، فالتحدي الحقيقي أن أنشر ما يستحق القراءة والتداول بعيداً عن النمطية والدوران في الدائرة ذاتها.
> رغم تناول كثير من النقاد العرب لكتبك وحصولها على جوائز إلا أنها غير متوفرة بسهولة للقارئ، ما السبب؟
- بالنسبة لكتبي، فهي ليست متوفرة حتى في المكتبات المحلية. وأظن أنه من الصعوبة الحصول على نسخ سوى عبر بعض المواقع الإلكترونية. وبهذا يتحمل الناشر المسؤولية كاملة! النشر والتوزيع - أو بمعنى أدق الطباعة والتوزيع - في العالم العربي يمثل قصة محبطة للبعض وسعيدة للبعض الآخر، حسب المصالح، وأحياناً الحظ. لا أتوقف كثيراً عند هذه المسألة بسبب إدراكي لحجم الخراب.

> صدر لباسمة العنزي ثلاث مجموعات قصصية متتالية: الأولى عام 1998، تحت عنوان «الأشياء»، والثانية عام 2007 بعنوان «حياة صغيرة خالية من الأحداث»، أما الثالثة فصدرت عام 2010 بعنوان «يغلق الباب على ضجر»، كما صدرت لها روايتان: «حذاء أسود على الرصيف» 2012، و«قطط إنستغرام» 2015.
حصلت على جائزة الدولة التشجيعية للقصة القصيرة، عام 2007، عن مجموعتها «حياة صغيرة خالية من الأحداث»، كما اختيرت مجموعتها «يغلق الباب على ضجر» ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد فرع المؤلف الشاب العام 2011. وفازت روايتها «حذاء أسود على الرصيف» بالمركز الثالث في جائزة الشارقة للإبداع العربي 2012. وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية للقصة القصيرة عام 2013 عن مجموعتها «يغلق الباب على ضجر»، وتم تكريمها من قبل مجلس التعاون الخليجي عام 2016. وفازت بجائزة المرأة العربية عن فئة الأدب عام 2016.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي