باسمة العنزي: لم تَعُد هناك قضايا مسكوت عنها في الأدب الكويتي

باسمة العنزي: لم تَعُد هناك قضايا مسكوت عنها في الأدب الكويتي

الروائية الكويتية تقول إن الجهود الفردية هي المحرك لا المؤسسات الثقافية
الثلاثاء - 18 رجب 1442 هـ - 02 مارس 2021 مـ رقم العدد [ 15435]

قدمت الروائية والكاتبة الكويتية باسمة العنزي مجموعة من الأعمال السردية والروائية حققت نجاحاً في فترة قياسية. صدر لها حتى الآن ثلاث مجموعات قصصية، وثلاث روايات، وكانت روايتها الأخيرة بعنوان «قطط إنستغرام». في هذا الحوار، الذي أُجري معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتحدث عن تجربتها القصصية والسردية، وعن روايتها الأخيرة، التي بطلها قِطّ، رمزاً للقطط السمان، والفساد المستشري.

هنا نص الحوار:

> كيف ترين مسيرتك بين عالم القصة والرواية... في أيهما تجدين نفسك أكثر؟

- واقع الأمر أنني بدأت كقاصة وكاتبة مقال ثقافي ومن ثم اتجهت للرواية، كلاهما من أسرة واحدة. حالياً أجد نفسي أكثر ميلاً للقصة القصيرة، للكلام الموجز، للقالب المحكم وللفكرة الخاطفة الواضحة، ربما بسبب الوقت ومشاغلي اليومية ورتم حياتي السريع الموزَّع ما بين عدة أدوار.

> روايتك الأولى «حذاء أسود على الرصيف» تناولت قضايا حساسة في المجتمع، بينها قضايا «البدون» والمرأة والمهمشين... إلى أي مدى ترين أن مثل هذه القضايا مسكوت عنها في الأدب الكويتي؟

- روايتي الأولى «حذاء أسود على الرصيف» هي «نوفيلا» كتبتُها لغرض النشر لاحقاً، قدمتها كمخطوطة لجائزة الشارقة للإبداع العربي وحصلت على جائزة عام 2012، وبالتالي تمت طباعتها. لا أجدها قدمت «قضايا حساسة» بقدر ما كانت محاولة للاقتراب من أسوار عالم الوظيفة في مجتمعاتنا الخليجية، المكان الذي تتحاشاه الرواية والقصة، وما يتبعه من مواضيع ذات صلة كالبطالة، والتغيرات الاقتصادية والديموغرافية. وبما أن بيئة الرواية مكان العمل فمن الطبيعي وجود العناصر الأخرى المتعلقة به، التي هي انعكاس لمكونات المجتمع.

بالنسبة للقضايا المسكوت عنها، لا أتفق معك في ذلك. المرأة والمهمشون و«البدون» مواضيع مطروقة باستمرار في الأدب الكويتي.

> هناك روايات كويتية عالجت قضايا تشبه «حذاء أسود على الرصيف» وأخذت مكانها في الدراما العربية، مثل «ساق البامبو»، هل تساعد الدراما الكاتب على إيصال رسالته، هل تفقد الرواية بعضاً من خصائصها إذا تجسدت درامياً؟

- «ساق البامبو» للروائي سعود السنعوسي الحاصلة على جائزة «البوكر»، ناقشت أزمة الهوية، والعمل الروائي كان أكثر احترافية من العمل الدرامي. تجسيد الأعمال الروائية درامياً يخدم الأدب في المقام الأول ويسهم في انتشاره، وفي الوقت ذاته امتزاج الأدب بالدراما مؤشر جيد على حراك الثقافة وقدرتها على التأثير ووصولها لشريحة أكبر من المجتمع. على سبيل المثال رواية «النمر الأبيض» للكاتب الهندي المعروف آرافيند آديغا الصادرة ترجمتها باللغة العربية عام 2011 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدأ الكثير من القراء البحث عنها بعد تحويل «نتفليكس» العمل هذا العام لفيلم حظي بنسبة مشاهدة عالية.

> روايتك الأخيرة «قطط إنستغرام»، رغم صغر حجمها، فإنها حققت نجاحاً، والأهم أنها فتحت باباً للسؤال عن تأثير وخطورة مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة في اقتحام الخصوصيات الفردية، كيف ترين تأثير هذا الانكشاف على الوعي الثقافي خصوصاً؟

- مهتمة جداً بالقضايا المعاصرة في مجتمعاتنا الخليجية الحديثة؛ أن يكون الأدب في مواجهة الحياة، ولعل من أهم هذه القضايا دور مواقع التواصل الاجتماعي في بلورة فكر شريحة كبيرة من أفراد المجتمع. نحن ننتقل بخطوات سريعة في عصر التحول الرقمي كمستهلكين من خانة لأخرى، وفي خضم تلك التحولات تتلاشى فرديتنا وخصوصيتنا، نحن أما مؤثرون أو تابعون، وفي الحالتين لا يتم السيطرة على الأمر في فضاء مفتوح تم تأسيسه لأهداف عميقة التأثير، وتبعاً لاستراتيجيات بعيدة المدى.

> استخدمتِ قِطّاً ليكون بطل الرواية، هل كان القط «سبايس» رمزاً للقطط السمان، في إشارة لعالم الفساد المالي المستشري؟

- نعم، هو قط سمين في موقعه، حيث تُنشر صوره وتحتها تعليق صاحبة «الأكاونت» ذات الاسم المستعار. ظاهرة التعبير من وراء ستار منتشرة وتحمل من المواربة والخوف الشيء الكثير.

> هناك أيضاً مدلولات فكرية وسياسية عميقة. نلحظ ذلك من خلال شخصية «منصور لافي» الذي يحاول الصعود في عالم التجارة والسياسة عبر توظيف «السوشيال ميديا» لصناعة نجوميته، هل ترين أن هذه الوسائل أصبحت أدوات لتكريس الهيمنة على البسطاء عوضاً عن منح المهمشين صوتاً؟

- هي كما ذكرت أدوات - لم نصنعها ولن نعمل على تطويرها - نحن مجرد مستخدمين مخلصين لها. في التجارة ما دامت هناك سلعة، فهناك مائة طريقة لتسويقها، توظيف «السوشيال ميديا» شمل كل أنواع السلع؛ من الكتاب الذي يكررون عليك أهمية اقتنائه إلى رحلة الطيران الأمثل، مروراً بمئات السلع التي تلاحقنا حفلة التبشير بها. السياسيون يلجأون لمنصات التواصل الاجتماعي لتلميع صورهم ونشر خطابهم، كما يلجأ المهمشون لنشر معاناتهم، البسيط الذي نخشى عليه من الهيمنة امتلك حرية رأي افتراضية، وقدرة على التعبير عنه، ووصوله كأناس لن يصادفهم على أرض الواقع. كل شيء أصبح صالحاً للنقاش العام! المعادلة متوازنة للطرفين. رغم جانبها الاستلابي القائم على الإدمان عليها، حسب رأي المفكر زيجمونت باومان، وأنها جميعها ذاتية التدمير.

> تقول الرواية: «في مجتمعنا من السهل أن تكون مشهوراً»... هل هذه الشهرة تمثل «غزو الأغبياء»، كما يصوره الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو حين قال: «إن وسائل التواصل أتاحت لجحافل الأغبياء أن يتحدثوا وكأنهم علماء»؟

- وسائل التواصل كشفت فقط قدرة الكثيرين على جعل حياتهم الخاصة منتجاً للمستهلكين. لا شروط للشهرة طالما تملك القدرة على أن تتحول حياتك لسلعة في رف بشري طويل، بإمكان الآخرين تفحص خصوصياتك ونقدك على مدار الساعة. أنت في مرمى هدفهم؛ يشتمونك، يواسونك، يسخرون منك أو يتعاطفون معك، أنت أيضاً في دائرة اهتمامهم الواسعة، وهذا الهدف من تسليعك وبالتالي إعادة تحويلك لمستهلك برغبات آنية لن يتم إشباعها. في «قطط إنستغرام» عرضت الصورة كاملة كما رأيتُها، لا كما تمنيت.

> هل ترين أننا نعيش في رواية افتراضية، تكتب فصولها وسائل التواصل، التي تنقل تفاصيل حياتنا اليومية في انكشاف مريع...؟

- وسائل التواصل تكتب اليومي المجرد من اللغة الأدبية، هي ذكريات اللحظة، المجردة من الخيال، رغبات التنفيس والبوح، خطوات على الرمال. عن نفسي أنا بعيدة عن أغلب منصات التواصل الاجتماعي التي يبذل صنّاعها الكثير لجني أعلى عائد اقتصادي منها.

> باعتبارك عضوة في رابطة الأدباء، كيف ترين مساهمة الرابطة في إنعاش الحياة الثقافية والأدبية في الكويت؟

- لا دور كبيراً للرابطة في السابق، والآن مع الجائحة تلاشت كل الأدوار. الجهود الفردية هي المحرك لا المؤسسات الثقافية.

> كيف ترين المشهد الثقافي في الكويت؟ هل تعاني الساحة الثقافية من قلة الأصوات الإبداعية؟

- العبرة ليست في الكثرة، إنما بالتميز. لست قلقة من شح الأعداد، إنما من القضايا التي كانت تُعدّ في سالف الزمان قضايا وما زلنا نكرر تناولها، ثيمات محددة تدور أغلب الأعمال حولها بإخلاص شديد منذ عقود. محلياً وخليجياً، خريطة التغيرات الراهنة التي نعيشها كمجتمعات شابة متنافرة مع نتاجنا الأدبي. أين نحن عن موضوعات باتت مقلقة مثل البطالة، الفساد الإداري، قلق ما بعد الحداثة السائلة، الفردية، منظومة التعليم، التلوث، وغيرها؟

> أين يذهب المبدعون الجدد...؟ لماذا هم نادرون ويتقدمون ببطء...؟

- كل كلمة وملاحظة وانطباع بالتأكيد تحملني مسؤولية جديدة، لذا أجدني مُقلّة في النشر. لا تأسرني فكرة الوجود سنوياً بعمل، فالتحدي الحقيقي أن أنشر ما يستحق القراءة والتداول بعيداً عن النمطية والدوران في الدائرة ذاتها.

> رغم تناول كثير من النقاد العرب لكتبك وحصولها على جوائز إلا أنها غير متوفرة بسهولة للقارئ، ما السبب؟

- بالنسبة لكتبي، فهي ليست متوفرة حتى في المكتبات المحلية. وأظن أنه من الصعوبة الحصول على نسخ سوى عبر بعض المواقع الإلكترونية. وبهذا يتحمل الناشر المسؤولية كاملة! النشر والتوزيع - أو بمعنى أدق الطباعة والتوزيع - في العالم العربي يمثل قصة محبطة للبعض وسعيدة للبعض الآخر، حسب المصالح، وأحياناً الحظ. لا أتوقف كثيراً عند هذه المسألة بسبب إدراكي لحجم الخراب.


> صدر لباسمة العنزي ثلاث مجموعات قصصية متتالية: الأولى عام 1998، تحت عنوان «الأشياء»، والثانية عام 2007 بعنوان «حياة صغيرة خالية من الأحداث»، أما الثالثة فصدرت عام 2010 بعنوان «يغلق الباب على ضجر»، كما صدرت لها روايتان: «حذاء أسود على الرصيف» 2012، و«قطط إنستغرام» 2015.

حصلت على جائزة الدولة التشجيعية للقصة القصيرة، عام 2007، عن مجموعتها «حياة صغيرة خالية من الأحداث»، كما اختيرت مجموعتها «يغلق الباب على ضجر» ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد فرع المؤلف الشاب العام 2011. وفازت روايتها «حذاء أسود على الرصيف» بالمركز الثالث في جائزة الشارقة للإبداع العربي 2012. وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية للقصة القصيرة عام 2013 عن مجموعتها «يغلق الباب على ضجر»، وتم تكريمها من قبل مجلس التعاون الخليجي عام 2016. وفازت بجائزة المرأة العربية عن فئة الأدب عام 2016.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة