حول ييتس الذي يصعب فهم العصر الحديث من دونه

اعتبر حياته تجربة في العيش جديرة بالتحليل والتسجيل

الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس
الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس
TT

حول ييتس الذي يصعب فهم العصر الحديث من دونه

الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس
الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس

ذكر مارك توين ذات مرة نكتة تقول إن مسرحيات شكسبير مثقلة بالاقتباسات. ربما حتى في عصرها كان فيها القليل. كان بإمكان الشاعر الكبير، العارف بكل شيء عن الحب والسرقة، أن ينهب السطر المناسب مثلما ينهب الحبكة الغريبة. لكنه مثل بوب ديلان صار بمرور الوقت المسروق منه أكثر منه السارق.
قد يكون وليم بتلر ييتس الثاني بعد شكسبير في بانثيون شعراء الإنجليزية المقتبسين: وقد كتب ربما نفس العدد من الأسطر القابلة للاقتباس. جعل هذا بعض النقاد في حالة يقظة، كما لو أن الأسطر صممت لمدرسة المقتبسين المشغوفين، الأرواح الحساسة الرفيعة الذائقة. لقد لاحظ أكثر من محلل حاد الذهن أن ثمة ما يبرر شكوك المرء تجاه الشعر «القابل للاقتباس».
يشار غالباً إلى قصيدة ييتس «المجيء الثاني» بوصفها اختباراً - فهي مليئة بالأسطر المدهشة دون أن تكون واضحة بالضرورة، لكن تشعرنا بمضمون عميق بما يكفي لتوفير العديد من عناوين الكتب: «الدائرة الحلزونية المتزايدة»؛ «مجرد فوضى»؛ «طقس البراءة»؛ «تتساقط الأشياء»؛ «أي وحش خشن؟»؛ «يزحف باتجاه بيت لحم». نسبة ليست قليلة من الصدف لا سيما حين تضيف الأسطر ذات الطابع الشعاري مثل «الأفضل بينهم يفتقر إلى الاقتناع، بينما الأسوأ مملوء بالعاطفة الجياشة».
لم كل هذه الشكوك؟ أليس من المفترض في الشعر الجيد أن يكون قابلاً للحفظ؟ قد تتولد الشكوك لأن العديد من السياسيين والشخصيات العامة ينهون خطبهم الرديئة بسطر شعري مسروق حول عبارة «الجمال الرهيب» منتزعة من سياقها - كثير من مدوري سطر مثل «كن صادقاً مع نفسك» يتمكنون من نسيان أن قائله هو الأحمق كلوديوس (الوزير في مسرحية «هاملت»).
في كتابه «ييتس الآن»، يسعى جوزيف هاسيت باستمرار إلى استعادة السياق الشعري والشخصي للعديد من الاقتباسات الشهيرة. غالباً ما يربط مقولة لييتس بمقولات لشعراء حداثيين آخرين (هيني، ريلكه، إليوت)، أو برسوم توضيحية جميلة في الكتب أو بلوحات ذات دلالة. وحين يقتبس فإن اقتباساته طويلة، تصل أحياناً إلى مقاطع كاملة (يذكرنا أن كلمة «ستانزا»، أي مقطع، كانت كلمة إيطالية تعني «غرفة») أو قصائد قصيرة كاملة. النتيجة لهذا هي واحد من أجمل وأمتع الكتب حول ييتس التي تستدعي مهارات مصمم موهوب. وهو من تأليف ناقد حقيقي، فقد سبق للدكتور هاسيت أن أصدر دراستين توضيحيتين، «ييتس وشعرية الكراهية» و«ييتس وربات الشعر».
هنا نرى الباحث في مزاج أكثر هدوءاً واستمتاعاً حسياً، يتذوق إيقاعات وصوراً، ويلاحظ مع ذلك أن الناس يلتفتون إلى أسطر كثيراً ما تقتبس لأنها، بما فيها من انفتاح، تقول لنا وبالنيابة عنا، لا سيما في أزمنة المعاناة. يجدها د. هاسيت منفتحة على العديد من الدلالات، نعم، لكنه يجدها أيضاً ممتلئة بـ«التكثيف الشعري». يستوحي قوة تنبؤية في «المجيء الثاني» ليس لأنها إحدى القصائد القليلة في عصرها التي تتحدث بثقة عن المستقبل، وإنما أيضاً لأننا ذلك المستقبل الذي تتحدث عنه. يُنظر إلى تلك القصيدة عادة، وهي التي كتبت عام 1919 من حيث هي ردة فعل قلقة تجاه قيام البلشفية (ولذا أمكن لجوان ديديون أن تقرأها على أنها نبوءة بالثورات «الفوضوية، التائهة» في ستينيات القرن الماضي) - لكن السياق الأقرب كانت جائحة الإنفلونزا الإسبانية، المرض الذي قتل من الناس أكثر مما قتلت الحرب العالمية الأولى، التي هددت حياة زوجة الشاعر الجديدة وكذلك حياة والده. أي وحش قاس كان ذلك فعلاً؟
لقد استجلى ييتس معالم عصره بعمق جعل شكل المستقبل واضحاً إلى حد ما. أدرك أن أولئك الذين لا يقدمون سوى أدوية وهمية لعصرهم ينتهون بسرعة (مثل أغنية قديمة)، ولكن أولئك الذين يعارضون روح عصرهم يتمكنون غالباً من الإمساك بطاقاته الفاعلة ويعرفونه من الداخل. بمعرفة ذلك القدر قد يتخيلون عالماً مستقبلياً يصحو فيه الحالم (تبدأ المسؤولية في الأحلام).
من هنا تأتي الدقة في عنوان كتاب «ييتس الآن». قد يكون ييتس شاعراً لكل الأزمنة، لكن الحاجة تشتد لحكمته في زمننا. سبق لإليوت أن قال إنه (أي ييتس) كان من أولئك الذين امتلكوا معرفة عميقة بالعصر الحديث يصعب فهمه بدونها. بعد أن تحول مبكراً إلى شاعر كبير، نجح ييتس في البقاء معاصراً إلى الأبد، إلى الحد الذي يجعل من الصعب لنا أن نرى مقدار ما ابتكره من تفكيرنا. ومن هنا تأتي ردة فعلنا الغامضة بشكل غريب تجاه قابليته للاقتباس. بعض القراء «المقاومين» قد يفضلون لو شعروا بمدينية أقل.
العنوان الجانبي لكتاب د. هاسيت هو «صداه في الحياة». فمع أنه أكثر مهارة ورهافة من تأكيد كهذا للذات، فإن كتابه قد يبدو لبعض القراء بوصفه من كتب تطوير الذات، بفصول تحمل عناوين مثل «يعمل»، «يحب»، «يتزوج»، «يتعلم»، «يشيخ»، «يواجه الموت»، «الكلمات الأخيرة». ليست هذه سلسلة مأخوذة من عالم الأداء العملي لأناس مثل ساميول سمايلز أو ديل كارنيغي. لكنها توحي بلطف، كما فعل ألان دي بوتون مع بروست، أن أعمال فنان حداثي قد تعلمنا كيف نحيا حياة أكثر اكتمالاً، حياة مختبرة أكثر، وأكثر إبداعاً.
بعض النقاد المعاصرين، مثل بيث بلَم، زأروا بغضب إزاء نسبة هدف كذلك للفنانين الذين آمن أولئك النقاد أن أعمالهم يجب أن تكون لا أن تعني. لكن الحقيقة تبقى أن ييتس اعتبر حياته تجربة في العيش، وأنها بذلك جديرة بالتحليل والتسجيل - ولذا رأى بالتأكيد بعض القيم المثالية في تجاربه. لم يحول كل تلك القيمة إلى نظام صارم. اقترب من ذلك كثيراً في (كتابه) «رؤية» ولكنه في النهاية رفض الفن الذي تحل فيه الإرادة محل المخيلة. ومع ذلك فقد آمن بأن بإمكان الفنان أن يعلم الناس كيف يعيدون اختراع الذات - مثلما فعل دانتي وكيتس - وفي تلك العملية تقبل ذاته الخفية أو ظله المصاحب، كما فعلت أرواح كثيرة شجاعة، من هومر إلى يونغ.
أحد مباهج هذا الكتاب هو رفضه للتسلسل الزمني. قد ينتهي في «كلمات أخيرة»، لكنه يفضل أن يصنع عناقيد من الاقتباسات حول موضوعات محددة (دورات، أماكن، أصدقاء، حرب)، مستلة من ييتس المبكر أو المتأخر، ربما ليثبت الاتساق لدى رجل آمن مع ذلك بقوة التناقض. جزء من سحر الكتاب هو موهبة هاسيت في صنع المقارنات القصيرة، الحادة، والمدهشة - مع جويس وبيكيت - التي تترك أثرها في مضاعفة أسطر ييتس الشعرية؛ لكنها تجتذبنا أيضاً بالطرق التي تبدو فيها اقتباساته الرشيقة وهي تشجع القارئ على ربط السطر من الشعر بسطر يتذكره من النثر. «بهجة الحب تدفع حبه بعيداً/ فرشاة الرسام تستهلك أحلامه» قد يشير إلى الطرق التي تستنفد فيها كل حركة فنية كبرى دوافعَها الأولى؛ لكنه يذكر البعض أيضاً بتلك الرسالة التي قال فيها شاعر متعب «رسائل حبنا تنهك حبنا». إن ييتس في نهاية المطاف هو الذي قال له أوسكار وايلد إنه رأى من الرجال الذين دمرتهم زوجة أو عشيقة عدداً أقل من العدد الذي أنهكه الرد بصورة فعالة على الرسائل في ستة أشهر.
لكم كان ييتس محظوظاً أنه لم يعش في عصر التوفر البائس على الإنترنت. لكن كم كان ييتس محظوظاً أيضاً أن وجد مفسراً هادئاً، عارفاً ورقيقاً مثل جوزيف هاسيت.

* مراجعة لكتاب
«ييتس الآن: صداه في الحياة»
تأليف جوزيف هاسيت
«دبلن ريفيو أوف بوكس» (1/2/2021)



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».