انقسامات ليبية شرقاً وغرباً... وحكومة «ضعيفة» ومرتزقة

جولة على تحديات ستواجهها السلطة الجديدة «المؤقتة»

انقسامات ليبية شرقاً وغرباً... وحكومة «ضعيفة» ومرتزقة
TT

انقسامات ليبية شرقاً وغرباً... وحكومة «ضعيفة» ومرتزقة

انقسامات ليبية شرقاً وغرباً... وحكومة «ضعيفة» ومرتزقة

تستعد ليبيا هذه الأيام لامتحان جديد يدل على مدى استعداد الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي حالياً لتسليم الحكم إلى سلطة تنفيذية مؤقتة جديدة انبثقت عن منتدى الحوار السياسي في جنيف وتتمثل في مجلس رئاسي من رئيس وعضوين ورئيس للحكومة.
هذه جولة على بعض التحديات التي ستواجهها السلطة الجديدة.
- ثقة مجلس النواب
يتمثل التحدي الأول في الحصول على ثقة مجلس النواب، بحسب ما تم الاتفاق عليه في جنيف برعاية الأمم المتحدة. وفيما لا يبدو هذا الأمر مضموناً حتى الآن، تجري جهود لعقد جلسة للبرلمان، ربما في مدينة سرت، لمنح الثقة للحكومة التي سيقترحها رئيس الوزراء المكلف عبد الحميد دبيبة. ورغم أن دبيبة، وهو من مدينة مصراتة بغرب ليبيا، أعلن الخميس ملامح التشكيلة التي قدمها لمجلس النواب، ليس واضحاً تماماً ما إذا كانت ستحصل على ثقة النواب، المنقسمين أصلاً فيما بينهم. ويقول دبيبة إن تشكيلته ستضم وزراء قادرين على التنقل في عموم ليبيا، ما يعني أنهم يفترض أن يكونوا على علاقة جيدة مع مختلف الأطراف المتنازعة على السلطة. وقد يعني هذا بالتالي أن بعض الوجوه المشاركة في السلطة حالياً، بغرب البلاد وشرقها، ربما سيكونون مستبعدين من الحكومة الجديدة، وهو ما سيوسع دائرة المعارضين للحكم الجديد بحكم أن نقل السلطة سيؤدي إلى خسارتهم الامتيازات التي يتمتعون بها حالياً.
وإذا ما فشلت حكومة دبيبة في نيل ثقة النواب فإنه سيعني تكراراً للسيناريو الحالي الذي مر به المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج عقب اتفاق الصخيرات بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015. لم يمنح مجلس النواب ثقته للسراج، لكن ذلك لم يمنعه من تولي مهامه وفرض نفسه على رأس سلطة فعلية معترف بها دولياً بحكم دعمها من الدول الغربية الكبرى. وواضح الآن أن السلطة التنفيذية المؤقتة الجديدة، ممثلة برئيس المجلس الرئاسي الجديد محمد المنفي ونائبيه وبرئيس الحكومة الجديدة، تحظى بدعم كبير من المجتمع الدولي، تمثل خصوصاً بتحرك خماسي لحكومات فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة يدعو «السلطات والفاعلين الليبيين الحاليين إلى تسليمها (السلطة التنفيذية الجديدة) جميع الصلاحيات والمهام بشكل سلس وبناء». ويلعب السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاد دوراً أساسياً في هذا المجال، إلى جانب سفراء الدول الكبرى مثل بريطانيا التي يعتبر مسؤولها أن «تعيين سلطة تنفيذية مؤقتة موحدة جديدة يعتبر خطوة أساسية نحو حل شامل ومستدام للنزاع، ومستقبل أكثر سلاماً لكل الليبيين». كذلك كررت فرنسا، الخميس، «دعمها الكامل» للسلطة التنفيذية الليبية، وهو ما أبلغه وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لدبيبة والمنفي، بحسب الخارجية الفرنسية.
- سلطة جديدة «ضعيفة»
وليس واضحاً ما إذا كان المجلس الرئاسي الجديد وحكومته سيتسلمان السلطة عبر ثقة مجلس النواب، أو عبر العودة إلى ملتقى الحوار السياسي في جنيف (في حال تعذر الحصول على ثقة النواب)، أم عبر فرض الأمر الواقع، كما حصل مع حكومة السراج نتيجة حصولها على غطاء أممي. لكن انتقال السلطة بدون موافقة السلطات الحالية في شرق البلاد وغربها يمكن أن يعني ظهور حكم جديد لا يتمتع بقوة عسكرية تمسك بالأرض، كما حصل في بدايات حكم السراج عندما لم تكن سلطته تتجاوز مقره في القاعدة البحرية بطرابلس، قبل أن تنضم له جماعات مسلحة عديدة تنضوي، اسمياً، تحت لواء «حكومة الوفاق» لكن ولاءها يبقى في أحيان كثيرة لمناطقها في الدرجة الأولى (مثل بعض جماعات مصراتة والزاوية وغيرها). وفي مقابل الجماعات العديدة المنتشرة في الغرب والموالية لحكومة «الوفاق»، يبقى الشرق الليبي فعلياً تحت سلطة «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر الذي لا يتوقع أن يقبل بحكومة جديدة إلا إذا حصل على ضمانات بأنها لن تلجأ إلى عزله في حال نيلها ثقة مجلس النواب. ويصر معارضو حفتر في غرب البلاد على استبعاده من أي سلطة جديدة. وهو، في المقابل، يعتبر معارضيه إما موالين لجماعات إسلامية متشددة أو يعملون لمصلحة الأتراك.
لكن كلوديا غازيني، المحللة المختصة بليبيا في «مجموعة الأزمات الدولية»، لا ترى الوضع شديد القتامة. إذ تقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هناك في الواقع علامات على أن المسؤولين المنتخبين في جنيف يتمتعون بدرجة من الدعم من حفتر ومن العسكريين في غرب ليبيا». وتوضح: «السؤال الأساسي هو هل هؤلاء المسؤولون سيتمكنون من نيل ثقة مجلس النواب الذي هو المفتاح الذي يعطي قيمة قانونية لعملية الاختيار التي تمت في جنيف. للأسف، خريطة الطريق للانتخابات (المقررة في 24 ديسمبر المقبل) ما زالت غير محسومة. مندوبو منتدى الحوار السياسي الليبي ما زالوا يناقشون أي انتخابات سيتم إجراؤها، وكيف، ومتى. يجب الإقرار بأن فرص إجراء الانتخابات بحلول نهاية السنة ضئيلة، ولذلك يجب أن نتوقع تأخرها».
- الشرق والغرب
وليس سراً أن هناك تمايزات واضحة في شرق ليبيا بين المشير حفتر ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، ظهرت على وجه الخصوص خلال الهجوم الفاشل الذي شنه حفتر في غرب البلاد. لكن الغرب الليبي يعاني بدوره من تمايزات بين أطرافه المفترض أنها جميعاً تشكل جزءاً من حكومة {الوفاق}. ولعل أبرز مثال على هذا التمايز في الغرب ما حصل مع وزير الداخلية في حكومة «الوفاق» فتحي باشاغا الذي تحدث عن محاولة اغتيال استهدفته في طرابلس قبل أيام. وتقول المحللة غازيني في هذا الإطار: «هناك توترات بين التشكيلات المسلحة المختلفة في العاصمة، ولكن يجب أن نكون واضحين أن الحادثة التي تعرض لها باشاغا لم تكن محاولة اغتيال لكنها فوضى مرورية». وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الحقيقة معظم المجموعات المسلحة التي تنتمي إلى طرابلس هي ضد باشاغا، والشخص الذي تورط في حادثة باشاغا تبين أنه جزء من قوة حماية الاستقرار وهي تحالف لجماعات مسلحة معارضة للترشح السياسي لباشاغا. لكنني أعتقد أن وزارة الداخلية استعجلت في وصفها الحادثة بأنها محاولة اغتيال. ورغم ذلك، لا أتوقع اندلاع مواجهات كبرى في العاصمة، لكن الوضع متوتر».
- المرتزقة
ومن التحديات الأخرى التي تواجه السلطة الجديدة توحيد المؤسسة العسكرية وإخراج المقاتلين الأجانب الذين يدعمون الطرفين المتقاتلين في شرق البلاد وغربها. ومنذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشهد ليبيا وقفاً للنار عند خط سرت – الجفرة الذي انكفأت إليه قوات «الجيش الوطني» بعد انكسار هجومها في غرب البلاد. وتعمل لجنة عسكرية مشتركة من قوات الشرق والغرب (لجنة 5+5) على تنفيذ خطوات تسمح بإعادة فتح الطريق الساحلي بين سرت وغرب ليبيا. وحتى ولو أعيد فتح طريق سرت – مصراتة، فإنه غير واضح ماذا سيحصل للمقاتلين الأجانب المفترض أنهم ينتشرون إلى جانب قوات حفتر في سرت (مرتزقة فاغنر مثلاً) أو إلى جانب قوات «الوفاق» قرب مصراتة (مرتزقة سوريون يعملون بإشراف الاستخبارات التركية). تقول المحللة غازيني، في هذا الإطار، إنه «إذا نال المسؤولون الجدد الذين تم اختيارهم الثقة (في مجلس النواب) فهذا يعني ازدياد فرص الاتجاه نحو سحب المرتزقة لأن الحكومة الجديدة سيكون لديها قاعدة قانونية أقوى للعمل والسير فعلياً نحو توحيد القوات المسلحة. إذا لم يحصلوا على ذلك، فالأمور قد تصير معقدة، حتى فيما يخص سحب المرتزقة الأجانب».



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».