منح البرلمان التونسي أمس الثقة لحكومة الحبيب الصيد الائتلافية التي يهيمن عليها حزب نداء تونس الفائز بالانتخابات التشريعية ليوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2014.
وتضم الحكومة حركة النهضة الخصم السياسي الرئيسي لنداء تونس، التي حلت ثانيا في الانتخابات التشريعية.
وصوت لصالح الحكومة 166 نائبا من إجمالي 204 حضروا الجلسة من مجموع 217 نائبا، في حين عارض منح الثقة 30 نائبا وامتنع 8 نواب عن التصويت.
وقال رئيس البرلمان محمد الناصر، القيادي في نداء تونس، إن حكومة الصيد حصلت على «غالبية مريحة»، مضيفا: «بدأنا مرحلة جديدة. اليوم سنبدأ مرحلة من العمل لبناء تونس الجديدة».
وطالب الناصر رئيس الحكومة بضرورة الالتزام بالوعود التي قدمتها لنواب الشعب.
من جهته، قال علي العريض رئيس الحكومة الأسبق، إن الصيد أنهى مرحلة الشك والتردد بإعلانه تركيبة حكومته. لكنه أشار إلى أن العبرة ليست في الحصول على ثقة البرلمان بل في المحافظة على تلك الثقة.
وبحسب الدستور الجديد، كان يكفي حكومة الصيد الحصول على ثقة «الغالبية المطلقة» أي 109 نواب من إجمالي 217. ويمنح الدستور صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة مقابل صلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية.
وسيتسلم الصيد (65 عاما) اليوم منصبه بشكل رسمي من مهدي جمعة رئيس الحكومة غير الحزبية التي تقود البلاد منذ مطلع 2014.
والأربعاء، قدم الصيد تشكيلة حكومته وبرنامج عملها إلى «مجلس نواب الشعب». وتتكون الحكومة من 27 وزيرا و14 كاتب دولة (وزير دولة) بينهم 8 نساء (3 وزيرات بحقائب و5 وزيرات دولة).
وتضم الحكومة مستقلين ومنتمين إلى 5 أحزاب سياسية ممثلة في البرلمان هي نداء تونس (86 نائبا) وحركة النهضة (69 نائبا) و«الاتحاد الوطني الحر» (16 نائبا) وآفاق تونس (8 نواب) والجبهة الوطنية للإنقاذ (نائب واحد).
وأسند الصيد وزارات الداخلية والعدل والدفاع إلى شخصيات من دون انتماءات سياسية معلنة، بينما أسند وزارة الخارجية إلى الطيب البكوش الأمين العام لحزب «نداء تونس». وحصلت حركة النهضة على وزارة التشغيل و3 وزراء دولة.
وكانت «النهضة» حكمت تونس نحو عامين إثر فوزها بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي جرت في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011. وكانت أول انتخابات حرة في تاريخ البلاد.
ومطلع 2014 اضطرت الحركة إلى التخلي عن السلطة لحكومة غير حزبية من أجل إخراج البلاد من أزمة سياسية حادة اندلعت في 2013 إثر اغتيال اثنين من قادة المعارضة العلمانية هما شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
وتعهد الصيد في خطاب ألقاه أمام البرلمان الأربعاء بأن «يبذل قصارى الجهد للكشف عن ملابسات جريمتي اغتيال» بلعيد والبراهمي القياديين في «الجبهة الشعبية» (ائتلاف أحزاب يسارية).
ورفضت الجبهة الشعبية التي حلت خامسا في الانتخابات التشريعية (15 مقعدا) أن تكون جزءا من حكومة تضم حركة النهضة.
وقال الصيد في خطابه أمس «من الأولويات والاستحقاقات العاجلة المطروحة على الحكومة، استكمال مقومات بسط الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، والوقاية من كل أشكال الجريمة والتصدي لكل مظاهر التطرف والغلوّ»، داعيا البرلمان إلى «الإسراع في المصادقة على قانون مكافحة الإرهاب».
على الصعيد الداخلي، تعهد الصيد بـ«مقاومة كل أشكال الفساد والمحسوبية واستغلال النفوذ وتجاوز القانون، وتجسيد مبادئ الحوكمة الرشيدة والمساءلة». وقال إن «تونس قطعت نهائيا ومن دون رجعة مع التسلط والاستبداد»، وتعهد بـ«حماية» الحريات التي اكتسبها التونسيون بعد الثورة.
وكان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي كلف في الخامس من يناير (كانون الثاني) الماضي الصيد تشكيل الحكومة الجديدة بعدما رشحه إلى هذه المهام نداء تونس باعتباره الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية.
وأعلن الصيد في 23 يناير الماضي تشكيلة حكومة أولى ضمت مستقلين ومنتمين إلى حزبين فقط هما نداء تونس والاتحاد الوطني الحر. واضطر إلى توسيع تركيبتها لتشمل 3 أحزاب أخرى هي حركة النهضة وآفاق تونس والجبهة الوطنية للإنقاذ.
وتأتي عملية التوسيع إثر تلويح عدة أحزاب ممثلة في البرلمان منها حركة النهضة بأنها لن تمنح الثقة للحكومة لأنها «لا تعكس تعددية المشهد السياسي» في مجلس نواب الشعب. وليس لرئيس الحكومة الجديد انتماءات سياسية معلنة. وقد وصفه حزب نداء تونس عندما رشحه إلى هذه المهام بأنه شخصية «مستقلة». وشغل الصيد مسؤوليات عدة في عهد زين العابدين بن علي بينها رئيس ديوان وزير الداخلية.
وبعد الثورة، تولى الصيد وزارة الداخلية في حكومة قائد السبسي التي قادت البلاد حتى إجراء انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011. وعينه حمادي الجبالي الأمين العام السابق لحركة النهضة ورئيس أول حكومة منبثقة عن انتخابات المجلس التأسيسي، مستشارا للشؤون الأمنية.
وشهدت البرلمان أول من أمس وأمس تدخل أكثر من 160 نائبا تقدموا بتساؤلات إلى رئيس الحكومة. وحصلت حكومة الصيد على أعلى رصيد للثقة بالمقارنة مع بقية الحكومات التي تعاقبت بعد ثورة 2011، إذ حصلت حكومة حمادي الجبالي على 154 صوتا، في حين حصلت حكومة علي العريض على 139 صوتا، وتمكنت حكومة الكفاءات المستقلة التي برئاسة جمعة من الحصول على 149 صوتا. وكان من المنتظر أن تحظى حكومة الصيد حسابيا بثقة 180 صوتا، وذلك باحتساب أصوات نواب الأحزاب المشكلة للحكومة.
ورفض نواب تحالف الجبهة الشعبية (15 مقعدا) منح الثقة لحكومة الصيد لتجاهلها خلال مشاورات تشكيل الحكومة ولاختلاف برامجها الاقتصادية والاجتماعية مع برامج الأحزاب المشكلة للحكومة. كما أعلن نواب حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (4 مقاعد) وحزب التحالف الديمقراطي (3 مقاعد) معارضتهم للحكومة الجديدة.
بينما ذكرت مصادر برلمانية لـ«الشرق الأوسط» أن بعض نواب حركة نداء تونس (الحزب الحاكم) امتنعوا عن التصويت لفائدة الحكومة أو احتفظوا بأصواتهم على خلفية اعتراضهم على إشراك حركة النهضة في الحكومة.
وعقب نيل حكومته الثقة، قال الصيد إنه يشكر من صوت لفائدته ومن صوت ضده، وقال: إن العمل الحكومي «مسؤولية جماعية»، وأن شعار الحكومة خلال الفترة المقبلة هو «العمل أولا ثم العمل ثانيا، ولا شيء غير العمل ثالثا».
وتابع قوله «ندرك أن المهمة ليست يسيرة ولكنها ليست مستحيلة». ودعا جميع الأطراف السياسية إلى توفير المناخ السياسي والأمني الملائم للعمل والإنتاج. ووعد بتشكيل مجلس استشاري للأحزاب السياسية يجمع مختلف الأطياف السياسية لدراسة الملفات الشائكة واتخاذ القرارات المناسبة لها. كما وعد باحترام فصول الدستور التونسي خاصة المتعلقة منها بالحريات والحقوق الفردية والجماعية وقرارات كل الهياكل والمؤسسات الدستورية.
ودافع الصيد عن برنامج الحكومة وأعضائها في مواجهة السيل المتواصل من الانتقادات التي وجهت لها طوال يومين سواء على مستوى اختيار أعضائها أو كذلك من خلال البرنامج المقدم أمام مجلس نواب الشعب. وقال في رده على تلك التدخلات، إن شعار حكومته هو التدخل الميداني وقبل نهاية مدة المائة يوم الأولى سيجري جميع أعضاء الحكومة زيارات إلى مختلف الولايات (المحافظات) على أن يقدموا تقارير مفصلة حول تلك الزيارات بصعوباتها وإكراهاتها لتحديد حاجيات وانتظارات التونسيين، على حد تعبيره. وأضاف الصيد أن كل وزارة ستقدم خلال الأيام العشرة الأولى من النشاط، 5 ملفات كبرى ليجتمع لدى رئاسة الحكومة نحو 120 ملفا هاما تمثل وثيقة العمل الأساسية التي سيجري تنفيذها.
وتابع قائلا إنه سيعتمد مؤشرات كمية في متابعة العمل الحكومي. وأشار إلى مجموعة من الإجراءات الضرورية لدعم عمل الحكومة من بينها تصديق البرلمان على مجموعة من القوانين على غرار قانون حماية أعوان الأمن وقانون مكافحة الإرهاب. ووعد الصيد بإعداد مخطط اقتصادي للفترة المتراوحة بين 2016 و2021.
ووصف الصيد حكومته بأنها حكومة وحدة وطنية مدعمة بكفاءات وطنية مستقلة». وقال إن الأحزاب السياسية ممثلة داخلها بنحو 25 عضوا فيما أسندت 16 حقيبة وزارية للكفاءات المستقلة. ولخص مقاييس الانضمام إلى الحكومة في «الكفاءة ونظافة اليد». وأضاف أن كل عضو في الحكومة تثبت ضده قضايا فساد من أي نوع سيغادرها في أقرب وقت، على حد قوله.
وتطرق الصيد إلى موضوع عودة التونسيين من ليبيا وسوريا، وقال إن الحكومة ستشكل لجنة للنظر في ملفات العائدين من بؤر التوتر، وتتكون هذه اللجنة من ممثلين عن وزارات الداخلية والدفاع والعدل والخارجية إضافة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، وهي التي ستحدد طريقة التعامل ومحاولة إدماجهم في المجتمع التونسي.
حكومة الصيد تنال ثقة مجلس البرلمان التونسي.. وتعلن أن شعارها العمل أولاً وأخيرًا
صوت لصالحها 166 نائبًا من إجمالي 204 حضروا جلسة البرلمان
الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة خلال استقباله الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في العاصمة الجزائر أمس (أ.ف.ب)
حكومة الصيد تنال ثقة مجلس البرلمان التونسي.. وتعلن أن شعارها العمل أولاً وأخيرًا
الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة خلال استقباله الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في العاصمة الجزائر أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





