رئيس صريح لضبط الهدوء في البرلمان البريطاني

جون بيركو يلجأ إلى الصياح لإسكات النواب.. ومهمته الصعبة أكسبته خصومة بعضهم

رئيس صريح لضبط الهدوء في البرلمان البريطاني
TT

رئيس صريح لضبط الهدوء في البرلمان البريطاني

رئيس صريح لضبط الهدوء في البرلمان البريطاني

من السهل رصد جون بيركو خلال حصة مساءلة رئيس الوزراء، عندما يصيح المشرعون البريطانيون في وجه بعضهم البعض ويسخرون من بعضهم البعض مثل طلبة غير مهذبين. ويردد بيركو، رئيس مجلس العموم البريطاني (البرلمان) «نظام، نظام»، محاولا حمل المشرعين على الصمت في خضم الجلبة. وقال بيركو ذات مرة موجها كلامه إلى تيم لوتون، الذي كان حينها وزيرا لشؤون الأطفال: «حاول أن تهدأ وتتصرف كناضج». كما قال مرة أخر إلى غراهام ستيوارت، النائب المنتمي إلى المحافظين محذرا: «لا تهز رأسك نحوي». وقال لمايكل إليس، المحامي الذي أصبح عضوا في البرلمان: «إنك محام ممارس مميز، لم تكن لتأتي بمثل هذا السلوك في المحاكم، لا تتصرف بهذه الطريقة في هذا البرلمان». وأحيانا يصغي إليه المشرعون وأحيانا لا يصغون.
يعد بيركو رئيس مجلس العموم رقم 157، علما بأن هذا المنصب يعود تاريخه إلى عام 1377. مع ذلك فإن بيركو شديد التعصب لمهمته، وهو يريد من المشرعين أن يتصرفوا كأشخاص ناضجين لا مراهقين هائجين قضوا وقتا طويلا في قراءة رواية «أمير الذباب» ويلقون بالأشياء في وجه بعضهم البعض في الكافتيريا. وقال بيركو البالغ من العمر 50 عاما في مقابلة أجريت مؤخرا في مكتبه الفخم في البرلمان: «عندما تتعالى الأصوات إلى حد يتجاوز ما حلم به فريق ديب بيربل في أوج نجاحه في السبعينات فهذا أمر سلبي».
يقيم بيركو في شقة بالطابق العلوي مع أبنائه الثلاثة وزوجته سالي، المؤيدة القوية لحزب العمال والتي ظهرت في برنامج «سليبريتي بيغ براذر» وتتجه آراؤها الاستفزازية نحو تعقيد حياة بيركو، وقال بيركو: «أرى أنها ليست مجرد ظل لزوجها، إنها زوجتي، لكنها ليست جارتي». ولدى العائلة قطة تسمى «أوردر» (نظام)، وهي التي تمنحه على الأرجح فرصة التدرب على تقنيات الصياح.
تم انتخاب بيركو رئيسا لمجلس العموم عام 2009 بعد منافسة قوية على المنصب. إنه محافظ استعدى بعض زملائه بانتقاله من التيار اليمين إلى الجناح الأيسر من حزب المحافظين. واستقال من الحزب عندما أصبح رئيسا للبرلمان كما هو متبع. وفي الوقت ذاته حظي بدعم كثير من أعضاء حزب العمال لاعتقادهم أن وجوده في هذا المنصب سيزعج حزب المحافظين، وقد كانوا محقين في ذلك.
وأوضح بيركو أنه ترشح للمنصب عندما كان البرلمان في وضع مخز بعد الكشف عن إنفاق كثير من الأعضاء الأموال التي يحصلون عليها في شراء مواقد جديدة وتنظيف القنوات المائية. وقال، إن من الأسباب التي دفعته إلى الترشح التقدم بخطى أسرع والمزيد من الشرعية الديمقراطية وتعزيز الرقابة من خلال الإصلاح. وأضاف: «يمكنني القول إن جذور دوافع مثل تلك الإصلاحات في صالح البرلمان».
يتحدث بيركو بأسلوب مستثار لكنه منضبط وكأنه رجل دولة يدلي بخطاب سياسي مهم. إنه مغرم بتقنية أحاديث يتخذ فيها وضعا معينا ويجيب عن الأسئلة الموجهة إليه. وقبل أن يتولى منصب رئيس البرلمان، كان يعرف بيركو بإضفاء نزعة مولعة بالتفاصيل على السجالات البرلمانية؛ فقد شرح يوما ما لأحد الزملاء الفرق بين «أقل» التي تستخدم مع الكلمات التي لا تجمع و«أقل» التي تستخدم مع الكلمات التي لا تجمع. وفي مرة أخرى قاطع وزيرا ليقول له «لا تباعد بين مصادر الأفعال»، وما كان من الرجل المهذب المنزعج إلا القول، إن من الضروري أن يتحلى المرء بالحرص وإلا سيأتي أحدهم ليباعد بين مصادر أفعاله.
يكره الكثير من أعضاء البرلمان المواعظ أو السيطرة، لذا لا يتمتع بيركو بشعبية كبيرة. ويعبر بعض الأعضاء المحافظين عن بغضهم له علانية. ويميل منتقدوه إلى استخدام كلمات مثل «متعجرف» و«متفاخر» و«طموح» لوصفه. ويقول كثيرون، إن سبب هذا هو أن بيركو دخيل على المؤسسة النخبوية التي يهيمن عليها محافظون صغار وخريجو كلية «إيتون».
قال عضو سابق في البرلمان: «لديك أعضاء في حزب المحافظين بوجوه حمراء غاضبة وحانقة لا تتحمل وجود هذا الدخيل الصغير في موقع الرئاسة»، في إشارة إلى طول بيركو الذي يبلغ 5 أقدام ونصف القدم وليس من خريجي «إيتون». ورفض هذا العضو ذكر اسمه حتى لا يعرف عنه التفوه بأوصاف غير لائقة.
نشأ بيركو، وهو ابن ليهودي يعمل بالمبيعات عاش أياما عصيبة قبل أن يقود سيارة أجرة، في شمال لندن وارتاد مدرسة حكومية محلية ثم التحق بجامعة إسكس واجتهد كثيرا وساعد نفسه بنفسه وهو أمر صعب جدا في بريطانيا.
انخرط بيركو المنضبط وصاحب العزيمة القوية إلى حزب المحافظين ودخل البرلمان عام 1997 وسرعان ما ضبط لكنته ولغة خطابه، والتحق بدورات تعليمية للحديث أمام الناس. في مكان مثل مجلس العموم البريطاني، لا يوجد شيء يماثل عزلة ووحدة رجل صنع نفسه بنفسه ووصل إلى موقع نفوذ. وقال أحد النواب: «كان البعض وقحا جدا معه».
ويقول منتقدوه، إنه يرد على الوقاحة بوقاحة وهو راض عن نفسه إلى حد كبير. وقال بيركو: «إذا كان أحدهم وقحا جدا، سيكون من الممتع التعامل معه، لكن إذا سألتني ما إذا كنت رغبت في أن أكون رئيسا للبرلمان حتى ألقن هؤلاء درسا، فسأقول لك لا، لأنني أعتقد أن هذا سبب مؤسف، بل مثير للشفقة. أنا أريد أن أصبح رئيسا للبرلمان لأنني لطالما آمنت بالبرلمان ودوره».
يشعر المحافظون أن بيركو يتعامل بصرامة معهم أكثر مما يتعامل مع المعارضين، وعرف عنه توجيه رئيس الوزراء ديفيد كاميرون في ما يتعلق بفروق ضئيلة خاصة بإجراءات برلمانية. ومع ذلك لم يقف بعض أشد منتقديه دون أن يحركوا ساكنا، ومنهم مارك بريتشارد، العضو في حزب المحافظين، الذي وجه إليه سبابا خلال محادثة غير لطيفة عام 2011 وأشار بقسوة إلى أن بيركو ليس «من العائلة المالكة». تصالح الاثنان بعد ذلك، حتى أن بريتشارد أصبح ضمن فريق بيركو. وقال في رسالة إعجاب عبر البريد الإلكتروني: «ساعد رئيس البرلمان في عودة مجلس العموم إلى وضعه الصحيح مرة أخرى. إنه يمنح أعضاء البرلمان الذين لا يشغلون منصبا وزاريا فرصة للتعبير عن آرائهم. وهذا أمر إيجابي بالنسبة إلى البرلمان والديمقراطية. إنه يحظى باحترام أكثر الأشخاص الموضوعيين لهذا السبب». ومع ذلك ليس من ضمن هؤلاء وزير النقل، سايمون بيرنز، الذي نعت بيركو ذات مرة بـ«القزم الغبي المتظاهر بالقوة» في مجلس العموم. وبعد اعتراض مجموعة مصالح تدافع عن حقوق الأقزام، اعتذر بيرنز لكل مجموعة رأت أن ملاحظاته مهينة، لكنه رفض الاعتذار إلى بيركو.
وقال بيرنز في مقابلة تمت عبر الهاتف: «إذا تأملنا ما حدث، سنجد أن وجود القصير كان غير ضروري». وتجاوز بيركو هذا الأمر وقال: «لا أريد أن أزحف على آثار خلافات الماضي». لقد كانت لديه أمور أخرى في ذهنه، حيث ذكر مؤخرا أنه وزوجته كانا يناقشان عدم الانضباط في مجلس العموم عندما قاطعهما ابنهما فريدي ذو السبعة أعوام. وقال بيركو: «لقد التفت ابني إلي وقال لي إن أكثر من في مجلس العموم وقحين، لكنك لست كذلك، فأنت تحاول منعهم من التصرف بوقاحة مع بعضهم البعض. وقلت له إن هذا هو أفضل توصيف يلخص الوضع حقا».
* خدمة «نيويورك تايمز»



في غياب رونالدو... النصر لتعزيز الصدارة من شباك نيوم

لاعبو النصر خلال تدريباتهم الأخيرة (موقع النادي)
لاعبو النصر خلال تدريباتهم الأخيرة (موقع النادي)
TT

في غياب رونالدو... النصر لتعزيز الصدارة من شباك نيوم

لاعبو النصر خلال تدريباتهم الأخيرة (موقع النادي)
لاعبو النصر خلال تدريباتهم الأخيرة (موقع النادي)

يسعى فريق النصر لمواصلة إحكام قبضته على صدارة ترتيب الدوري السعودي، عندما يستقبل نظيره نيوم على ملعب الأول بارك بالعاصمة الرياض، في ختام منافسات الجولة 25، فيما يحل القادسية ضيفاً على الخلود بمدينة الرس بعد تأجيل المواجهة من مساء الخميس إلى السبت.

ويحتدم التنافس عندما يلتقي الاتفاق بنظيره الشباب على ملعب إيغو بمدينة الدمام، كما يستضيف الأخدود نظيره الفيحاء على ملعب مدينة الأمير هذلول بن عبد العزيز الرياضية بنجران.

ويدخل النصر المباراة بعدما استعاد توازنه ونجح في الصعود إلى صدارة الترتيب برصيد 61 نقطة، حيث يسعى لمواصلة حضوره في القمة، وتجاوز نيوم وسط غياب هداف الفريق ونجمه البرتغالي كريستيانو رونالدو الذي تعرض لإصابة الجولة الماضية أمام الفيحاء، وسيغيب معها عن تمثيل فريقه في عدة مباريات مقبلة، بدءاً من مواجهة نيوم.

ويعمل خيسوس المدير الفني للفريق، على استمرار النهج الفني المتصاعد والزخم الهجومي الذي أظهره الفريق في مبارياته السابقة، ويتوقع أن يبدأ عبد الله الحمدان لاعباً أساسياً لتعويض غياب رونالدو، في وقت يمتلك فيه الفريق قوة هجومية بحضور ساديو ماني وكومان وجواو فيليكس الذي نجح في العودة للتسجيل بالمواجهة الماضية أمام الفيحاء بعد غيابه عدة جولات.

نيوم بدوره يدخل المواجهة بعد خسارته الأخيرة أمام الخلود وبقائه في المركز الثامن برصيد 32 نقطة، ويأتي للقاء النصر وسط أزمة دفاعية تعرض لها الجولة الماضية، بعد الإصابة التي طالت المدافع أحمد حجازي، إضافة إلى حصول خليفة الدوسري مدافع الفريق على بطاقة حمراء في مواجهة الخلود وغيابه عن لقاء النصر.

ويعمل الفرنسي كريستوف غالتييه على العودة إلى تبوك بنتيجة إيجابية، لكن مسيرة الفريق أمام الفرق الكبرى لم تسفر عن نتيجة إيجابية لنيوم هذا الموسم، وهو أمر يسعى المدرب لكسره في مواجهة النصر رغم صعوبة المهمة.

وفي الدمام، يحتدم التنافس والصراع بين الاتفاق مستضيف اللقاء، ونظيره الشباب الخارج من خسارة ثقيلة في الجولة الماضية أمام الهلال بخماسية، حيث يعمل على استعادة توازنه والبحث عن انتصار جديد يعزز من تقدمه نحو مراكز الأمان.

سعيد بن رحمة أحد أهم أوراق نيوم الرابحة (موقع النادي)

ويملك الشباب في رصيده 25 نقطة، ونجح في تجاوز لحظاته العصيبة، لكنه لم يضمن البقاء في الأضواء بعد، حيث يطمح لمزيد من النتائج الإيجابية.

الاتفاق بدوره قادم من إخفاقين متتاليين أمام القادسية، ثم الحزم في الجولة الماضية، ويتطلع لتجاوز الشباب بنتيجة إيجابية لتعزيز موقعه في لائحة الترتيب، حيث يحتل الفريق المركز السابع برصيد 38 نقطة.

وفي مدينة الرس، يسعى القادسية لاستعادة المنافسة على صدارة الترتيب بعد تعثره بالتعادل أمام التعاون الجولة الماضية، واتساع الفارق النقطي بينه وبين المتصدر إلى 7 نقاط، و4 نقاط عن الهلال صاحب المركز الثالث.

ويحاول القادسية تجنب رمي ورقة الاستسلام مبكراً في المنافسة على أحد أبرز أهدافه هذا الموسم؛ وهو الحصول على مقعد مؤهل للمشاركة في النسخة المقبلة من بطولة دوري أبطال آسيا للنخبة، ما يعني أن الفريق يتعين عليه تجنب الخسارة والبحث عن مزيد من الانتصارات، خصوصاً أن مواجهات قوية تنتظره أمام الفرق المنافسة أبرزها الأهلي في الجولة المقبلة، ثم النصر في الجولة 31.

وكان تعادل القادسية أمام التعاون محبطاً على صعيد المنافسة على مراكز القمة، لكنه تعادل منطقي بعد سلسلة طويلة ومميزة من الانتصارات التي حققها القادسية، إضافة إلى كون المواجهة أمام منافس عنيد وقوي.

ويخشى القادسية في الوقت ذاته، الصحوة التي يعيشها الخلود بعد أن حقق انتصارين متتاليين قاداه للابتعاد بصورة كبيرة عن مناطق خطر الهبوط على صعيد النقاط.

الخلود الذي عاد من تبوك بفوز ثمين على صاحب الأرض نيوم، في مواجهة تألق فيها القائد هتان باهبري بتسجيله هدفين خطف معها نجومية المواجهة، يسعى لاستكمال مشواره المثالي في المباريات الأخيرة بتحقيق الفوز، أو في أقل الأحوال تجنب الخسارة أمام القادسية.

ويملك الخلود في رصيده 25 نقطة ويحضر في المركز الرابع عشر بلائحة الترتيب، لكنه يبتعد بفارق نقطي يصل إلى 9 عن أقرب منافسيه الرياض وضمك، ورغم ذلك لا يبدو الأمر مريحاً بصورة كبيرة للفريق في رحلة بحثه عن الهروب من شبح الهبوط.

وفي نجران، يستقبل الأخدود الجريح نظيره الفيحاء بحثاً عن تحقيق انتصار جديد يعزز من خلاله آمال البقاء، حيث يحتل المركز قبل الأخير برصيد 13 نقطة، وبفارق نقطي يحتاج معه لمزيد من الانتصارات مع تعثر الفرق التي تسبقه في لائحة الترتيب من أجل الخروج من دائرة خطر الهبوط.

الفيحاء بدوره يملك 27 نقطة ويحتل المركز الثاني عشر قبل بدء منافسات هذه الجولة، وكان الفيحاء تعرض لخسارة في الجولة الماضية أمام النصر، حيث يبحث عن استعادة نغمة انتصاراته والنهوض مجدداً نحو مراكز الأمان.


العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


السعودية: تدمير 4 «مسيّرات» متجهة لحقل شيبة

اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية (واس)
اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية (واس)
TT

السعودية: تدمير 4 «مسيّرات» متجهة لحقل شيبة

اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية (واس)
اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية (واس)

أعلن اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، فجر السبت، اعتراض وتدمير 4 طائرات مسيّرة في الربع الخالي متجهة لحقل شيبة النفطي (جنوب شرقي المملكة).

كان المتحدث باسم الوزارة أعلن، الجمعة، اعتراض وتدمير 3 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه قاعدة الأمير سلطان الجوية في محافظة الخرج (80 كيلومتراً جنوب شرقي الرياض)، وصاروخين من نوع «كروز» شرق المحافظة.

وذكر اللواء الركن تركي المالكي، أنه تم اعتراض وتدمير 6 طائرات مسيَّرة، يوم الجمعة، ثلاثة منها شرق منطقة الرياض، وواحدة في كل من شمال شرقي العاصمة، والمنطقة الشرقية، وشرق الخرج.