«حكايات كانتربري»... ألف ليلة وليلة على الطريقة الغربية

«حكايات كانتربري»... ألف ليلة وليلة على الطريقة الغربية

تشوسر يستعير قناع شهرزاد
الاثنين - 11 رجب 1442 هـ - 22 فبراير 2021 مـ رقم العدد [ 15427]

رغم أنها رويت بغرض الترفيه عن مجموعة من المسافرين الذين يحجون إلى أحد الأديرة، فإن «حكايات كانتربري» للشاعر الإنجليزي جيفري تشوسر أصبحت واحدة من عيون تراث الحكي الشعبي في أوروبا، حيث يعدها قسم من الباحثين النسخة الغربية من حكايات «ألف ليلة وليلة».
الحكايات صدرت في طبعة جديدة مؤخراً ضمن سلسلة «آفاق عالمية» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بترجمة وتقديم وتعليق د. مجدي وهبه ود. عبد الحميد يونس.
لا يُعرف بالضبط متى ولد «تشوسر»، إلا أنه في سنة 1386 كانت هناك قضية مرفوعة ضده، وكان قد تجاوز الأربعين من عمره.
أبوه كان تاجر خمور، وأمه من أسرة عريقة ريفية، فقد كان عمها مديراً لدار صك النقود في لندن، كما كانت متزوجة سابقاً من موظف بالبلاط الملكي. ويبدو أن هذه الصلة القديمة بالقصر الملكي رفعت من مقام جيفري تشوسر الصبي.
ويبدو من الكتاب أن تشوسر انضم إلى الحملة العسكرية التي قادها الملك إدوارد الثاني ضد ملك فرنسا سنة 1359، لكنه أسر وبقي في الحبس سنة تقريباً حتى دفعت له الدية في أول مارس (آذار) 1360. وتبرع الملك إدوارد الثالث بـ16 جنيهاً من قيمة الدية. كما يبدو أنه حظي بثقة عالية، إذ إن الملك أرسله في مهمة دبلوماسية دقيقة دامت سنتين ليتفاوض مع حكومة جمهورية «جنوا» المستقلة حول تخصيص ميناء إنجليزي لتجارتها في إنجلترا، واستغل إقامته في إيطاليا ليسافر من جنوا إلى فلورنسا، حيث تعرف على روائع الأدب الإيطالي المعاصر لدانتي وبتراركا وبوكاتشيو.
وفي سنة 1390، في أثناء إحدى رحلاته العملية من أجل وظيفته، هاجمه قطاع الطرق وجردوه من كل ما يملك، فامتلأ قلبه يأساً، وطلب من الملك أن يعفيه من عمله، وأن يمنحه معاشاً صغيراً يسمح له بالحياة الكريمة والتفرغ للأدب والعلم، فعينه الملك نائباً لمدير إدارة الغابات الملكية في مقاطعة «سمرست». واستمر على هذا النحو، متنقلاً بين مسكنه المتواضع في لندن ومقر عمله في الريف حتى مات في 25 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1400، بعد أن تم الاعتراف بعمله الأدبي وامتيازه بصفته شاعر بالإنجليزية، الأمر الذي سمح بدفنه فيما يسمى «ركن الشعراء» بكنيسة وستمنستر الكبرى.
وتعد «حكايات كانتربري»، بعنوانها الفرعي «من تاريخ الأوبئة»، مجموعة قصصية شعرية من أنواع وحكايات مختلفة في إطار قصصي واحد صدرت بعد 1386، وهي السنة التي أجمع المؤرخون على أنه ألف فيها مقدمته الشهيرة لسير السيدات الفاضلات. وهناك أيضاً أدلة على أن تشوسر نفسه قد اشترك في زيارة دينية لمقبرة القديس الشهير توماس بيكيت في أوائل 1387 استشفاعاً بالقديس لشفاء زوجته من مرضها العضال. وهناك احتمال أن رحلته قد ألهمته فكرة شخصيات الحجاج المختلفين اجتماعياً وأخلاقياً في رفقة واحدة، ناسباً لكل منهم قصة مؤلفة. ومن أمثلة تلك الحكايات حكاية الطبيب التي تنطلق من تصور خيالي لتاريخ روما وأساطيرها، وهناك حكاية توباس التي نسبها تشوسر إلى نفسه وتركها غير كاملة، فهي تقليد للقصص الخيالية التي تعالج موضوعات الفروسية والحب الرفيع. وكذلك عنصر القصص الشعبي المحلي، ممثلاً في حكاية «رجل القانون وامرأة باث»، فضلاً عن قصص الراهب الجوال والمحضر الكنسي وعالم أكسفورد ومتعهد المؤن، وهي كما يبدو تكون الجزء الأكبر من حكايات كانتربري.


تراث شعبي
ويوضح د. وهبة في تعليقه أنه لا بد أن يكون للحكايات نظائر ومقابلات في التراث الشعبي العالمي، شرقياً أم غربياً. وعلى سبيل المثال، هناك حكايات الطحان والطاهي والبحار وناظر الضيعة التي تندرج دون شك تحت جنس «الفايليو»، كونها عبارة عن حكاية شعرية هزلية قصيرة تتميز غالباً بالمجون والاستهتار. وقد كانت شائعة في فرنسا في أثناء القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وأما حكاية «القسيس وبائع شهادات الغفران»، فهي من نوع الموعظة المستندة إلى أمثلة قصصية لإبراز العبرة فيها. ويبدو أن حكايتي «رئيسة الدير» و«الراهبة الثانية» مستلهمتان من سير القديسين التي كانت منتشرة حين ذاك. وتتألف حكاية «الراهب» من مجموعة من القصص الأخلاقية التي تصور فهم العصور الوسطى لمعنى المأساة المتأثر إلى حد بعيد بفلسفة بوثيوس في كتابه الشهير «سلوى الفلسفة». وأما حكاية «ميليبي»، فهي نوع من القصة الرمزية المشتملة على شخصيات ليست سوى معانٍ مجسدة تحمل في ثناياها عبرة يغلب أن تكون أخلاقية أو دينية بعيدة عن المعنى الظاهري لها. وتأتي حكاية «قسيس دير الراهبات» على غرار «القصص الحيواني»، وهي شبيهة بما عرفه الشرق من أمثال «كليلة ودمنة»، إذ إنها تصدر حيوانات متقمصة خصائص البشر، من خبث ومكر وفضائل وأخلاق بصفة عامة؛ إنها حكايات رمزية المقصود بها نقد المجتمع عامة، والكنيسة خاصة، في العصور الوسطى الأوروبية.


بين الشرق والغرب
ويذكر الكتاب أن عصر تشوسر يعرف بإنجلترا، بل في أوروبا، بأنه عصر الفروسية التي غلبت على كثير من مقومات السلوك عند الفرد والجماعة، حيث هناك نظام اجتماعي متكامل له أعرافه وتقاليده. وهذه الفروسية هي التي كان يصدر عنها المجتمع العربي الإسلامي أيضاً في تلك المرحلة، ولعلها كانت أعرق عند العرب منها عند الأوروبيين، حيث اشتهرت الفَرس في المجتمع العربي منذ الجاهلية، وصاغت الحياة بربوع الجزيرة العربية زمناً طويلاً. كما عدت مقياساً من مقاييس الوجاهة بين الجماعات البدوية والحضرية على السواء، ومثل العرب في ذلك مثل الجماعات الأوروبية، ومنها الإنجليزية بطبيعة الحال، وليس من شك في أن الأمراء وذوي المال هم الذين كانوا يملكون الأفراس.
وفي «حكايات كانتربري» صورة نموذجية لأحد الفرسان يقدمها لنا تشوسر بقوله: «رجل فاضل شريف، منذ امتطاء صهوات جياده في الحملات الحربية كان ولوعاً بالفروسية، معروفاً بالإخلاص والشرف والكرم وآداب اللياقة، كان مقداماً كل الإقدام في حروب مليكه، يخوض غمارها متفوقاً على كل فارس آخر. وكان دائماً مكرماً لصفاته النبيلة، وقد شارك في معركة الإسكندرية عند فتحها، وكم من مرة ترأس مائدة الفرسان مقدماً عليهم جميعاً في أمم بروسيا، وكثيراً ما خاض غمار الغزوات في أقطار لتوانيا وروسيا، ولم يناظره في ذلك مسيحي آخر من الطبقة نفسها».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة