«الهوت كوتير» بين العملية والحلم من أجل عيون الشابات

ربيع وصيف 2015.. الموسم الذي تحول فيه النظري إلى واقعي

 جيامباتيستا فالي
جيامباتيستا فالي
TT

«الهوت كوتير» بين العملية والحلم من أجل عيون الشابات

 جيامباتيستا فالي
جيامباتيستا فالي

السؤال القديم عن مدى جدوى «الهوت كوتير» ودورها في وقت أصبحت فيه المرأة تتبوأ مراكز مهمة قد توفر لها المال الكثير وتحرمها من الوقت الكافي لكي تقوم بعدة بروفات تحصل فيها بعد أشهر من الانتظار على فستان فريد مفصل على مقاسها، لم يعد مطروحا أو مناسبا للواقع. وهذا ما ترجمه المصممون في تشكيلاتهم لربيع وصيف 2015، التي جاءت تتأرجح بين الحلم والفخامة من جهة، وبين العملية التي تخاطب النهار من جهة الثانية. طبعا العملية هنا بمفهوم «الهوت كوتير» الفني والفريد وليس بالمفهوم المتعارف عليه، إذ إن التصاميم اكتسبت عصرية وحيوية تخاطب سيدة أعمال كما تخاطب سيدة مترفة ومرفهة بغض النظر عن عمرها أو بيئتها. صحيح أنها، أي «الهوت كوتير» لا تزال ترقص على نغمات مسرحية وفنية في بعض الحالات، إلا أنها لم تعد تجنح للسريالية أو الفانتازيا، التي كانت تجعلها في الماضي تبدو متجردة عن الواقع.
ومع ذلك، لا يختلف اثنان أن المفترض في أسبوع «الهوت كوتير» أن يقوم على بعض الدراما وشطحات الخيال، حتى يختلف عن أسبوع الأزياء الجاهزة أو تصاميم الـ«كروز» مثلا. فهو بالنسبة للمصممين المختبر الذي يجربون فيه أفكارهم ويستعرضون فيه خيالهم وقدراتهم الفنية، وبالنسبة للمرأة يعني قطعة فريدة جريئة في أفكارها، متميزة في تنفيذها بحيث يجب أن تكون أقرب إلى التحفة الفنية، منها إلى فستان، حتى تستعرضها وتستمتع بها قبل أن تضعها جانبا لكي ترثها إحدى بناتها أو حفيداتها. لهذا فإن بعض القطع تستغرق أكثر من 300 ساعة لتنفيذها وتقدر أسعارها بمئات الآلاف من الدولارات أحيانا. في السابق، وعندما كانت بيوت الأزياء ملكا لمصمميها، أي في عهد إيف سان لوران، كريستيان ديور، إلسا سكاباريلي وغيرهم، وقبل أن تدخل المجموعات الكبيرة على الخط لتتملكها وتفرض استراتيجيات تجارية جديدة، كان الهدف من «الهوت كوتير» تحقيق الربح لكن كان أيضا الوسيلة لإضفاء البريق على الدار وعلى اسم المصمم، الذي كان يعتبره نفسه في مصاف الفنانين. بعد ذلك أصبحت وسيلة لبيع الإكسسوارات ومستحضرات التجميل والأزياء الجاهزة، وليس بالضروري أن تحقق الربح لهذا كان يتبارى الكل على التفنن والتميز فيها، خصوصا أن بعض المصممين كانوا يرون أنفسهم كفنانين، مثل إلسا تشاباريللي، بينما كان ينظر آخرون إلى أنفسهم كمجددين ومبتكرين مثل كريستوبال بالنسياجا، مادلين فيونيه، أندريه كوريج، بيير كاردان. كل هؤلاء نجحوا في فرض صورة جديدة لـ«الهوت كوتير» أثبتت أنها كانت انعكاسا لعصرهم، وسابقة لأوانها بالنظر إلى أنها تتحدى زمنها ولا تزال تبدو عصرية إلى يومنا هذا.
لكن شتان بين الماضي والحاضر، حيث أصبح يتوقع من «الهوت كوتير» أن تحقق الأرباح لكي تسند نفسها عوض الاعتماد الكلي على مبيعات الأزياء الجاهزة والعطور والإكسسوارات، ما يحد من حرية المصممين الشباب، الذين توظفهم هذه المجموعات، ممن يجدون أنفسهم تحت ضغط كبير لإنتاج أكبر عدد من التشكيلات وكبح جماح خيالهم تقيدا بالنص المكتوب لهم. لحسن الحظ أن هذا لم يلغ قدرات بعضهم الفنية، ممن روضوها بشكل يراعي الجانب التجاري، وليس أدل على هذا من كارل لاغرفيلد لدار شانيل، وراف سيمونز لدار «ديور». فهذا الأخير، مثلا، تخلص من الكثير من الدراما التي كانت تصاحب عروض الدار في هذا الموسم، وتجعل الكل يحلم ويخرج منتشيا، ليقدم طبقا عصريا لذيذا. مع توجه راف سيمونز لشريحة جديدة من زبونات «الهوت كوتير» أغلبهن في عز الشباب، ويأتين من أسواق جديدة متعطشة للفريد من نوعه أيا كان ثمنه، نجح في تحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. فالتصاميم التي يقدمها في موسم «الهوت كوتير» أقرب إلى البساطة منها إلى الدراما المبهرة. في الجهة الثانية، هناك بيوت أزياء أخرى لا تريد أن تتخلى عن مفهوم «الهوت كوتير» القديم، وتكتفي بعصرنته بالألوان والحرفية، لهذا لا تزال تتحفنا وتجعلنا نحلم ونبتسم لا إراديا، مثل «راف أند روسو». فهذه الدار الشابة نجحت في أن تجمع أناقة التصاميم بالحرفية العالية التي يتطلبها هذا الخط، بشكل يشد الأنفاس ولا يخفى على العين. ما نجحت فيه أنها تذكرنا بأن أول عنصر في «الهوت كوتير» إضافة إلى الحلم أن التصاميم يجب أن تختلف عن تصاميم الأزياء الجاهزة، وبأن تتمتع بشخصية قوية مع بعض الدراما، وإلا فما الفائدة منها؟. بعبارة أخرى، فإن دار «رالف أند روسو» وغيرها من البيوت، التي نجحت في تطويع أدوال «الهوت كوتير» وجعلها ذات صلة بالواقع الحالي، حولت النظري إلى عملي يناسب الواقع.
في المقابل، اختارت الكثير من عروض الأزياء هذا الموسم الجمال الهادئ، ولسان حالها يقول بأن الترف يمكن أن يكون بسيطا وغير متكلف، وهو توجه مقبول ومرحب به، لكن ليس عندما يكون على حساب اكتشاف المجهول والجرأة. والمقصود هنا ليست الجرأة الحسية، فهذه كانت حاضرة في بعض العروض وعلى رأسها عرض فرساتشي، بل الجرأة في البحث عن أفكار جديدة، أو على الأقل، ترجمتها بأسلوب مختلف وتفاصيل مبتكرة. ربما يكون عرضي جون بول غوتييه وفكتور أند رولف الاستثناء.
السبب الثاني لهذا الرقي الهادئ أن الأزمة الاقتصادية لم تنته تماما، ورغم أن عدد زبونات هذا القطاع ارتفع بينما انخفضت أعمارهن، إلا أن عددهن تقلص في المواسم الماضية بشكل ملموس. فتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني ونكسة الاقتصاد الياباني في عام 2014. وتراجع الاقتصاد الروسي، فضلا عن الأوضاع السياسية المتوترة في الكثير من مناطق الشرق الأوسط، كان لها تأثير على رغبة المصممين في تبني هذا الأسلوب الذي يجعل القطعة معقولة يمكن استعمالها في عدة مناسبات، بما فيها مناسبات النهار، كما هو الحال بالنسبة لـ«ديور» و«شانيل» وجيامباتيستا فالي وغيرهم.

جيامباتيستا فالي.. تحية لكوكو شانيل وجانيس تشابلن

> جيامباتيستا فالي مصمم يتمتع بمطلق الحرية، فهو يمتلك داره، كما يعرف زبوناته، لهذا له القدرة على تقديم تصاميم درامية، تغوص في المجهول أحيانا ليخرج منها لآلئ ثمينة. في العمق، لم يقدم جديدا بالمعنى الثوري، إذ ركز على إعادة اكتشاف نفس الأفكار، حركها وقلبها من كل الجوانب، ليبرز أو ليمنحنا تفاصيل جديدة، بدليل ميله إلى فن الباروك، الذي يحضر دائما، أحيانا بأسلوب هندسي محسوب، وأحيانا بشكل رومانسي عصري.
قال المصمم إن الفكرة التي انطلق منها هي عبارة عن جدل خيالي بين كوكو شانيل وجانيس تشابلن، مسلطا الضوء على الكثير من القواسم المشتركة بينهما. فبالإضافة إلى أنهما عاشتا عدة تراجيديات في حياتهما الخاصة، فهما أيضا متحررتان لا تقبلان بالقيود الاجتماعية وتفضلان أسلوبا خاصا بهما تبنتا فيه أزياء رجالية بشكل أو بآخر. كوكو استلهمت تصاميم مثل جاكيت التويد من خزانة الرجل، وجانيس تبنت البنطلون وكانت ترتديه مع فساتين كوكتيل. وهذا تحديدا ما ظهر في الكثير من الإطلالات التي استمتعنا بها في عرضه لربيع وصيف 2015 في الأسبوع الماضي.
فقد ظهرت العارضات ببنطلونات تتسع من أسفل فوق تنورات شفافة من التول أو الحرير، إما تحت جاكيتات أو فساتين ومعاطف تصل إلى الساق، كما ظهرن بجاكيتات مفصلة مع تنورات مستديرة وطويلة، تارة بالأبيض والأسود وتارة بألوان هادئة جاء بعضها مطرزا بالورود، لتعزز ذلك الإحساس بالرومانسية، الذي ظهر أيضا من خلال الديكور والسجاد المطرز بالورود.

رالف أند روسو.. تتألق برحيق الزهور وعبق الماضي

> الورود كانت أيضا موضوعا قويا في عرض «رالف أند روسو» لكن بلمسة ساحرة تعكس قدرة الدار، التي دخلت برنامج الموضة الفرنسية منذ فترة قصيرة، على اللعب مع الكبار والتغلب على بعضهم، بدراسة مكامن قوتهم والاستفادة منها، كما الاستفادة من قدرات الأنامل الناعمة التي تدربت في ورشات باريسية قبل أن تلتحق بالعمل معها. كل هذا انعكس على تشكيلتها لربيع وصيف 2015. الحافلة بالورود والأزهار، التي تفتحت أحيانا على شكل تنورة بطيات أوريغامي، أو على شكل باقات أو بتلات مزروعة على جوانب كثيرة من فستان طويل بالأسود - أو بألوان هادئة تتراقص على درجات الأخضر أو الأزرق أو الوردي أو الأبيض. عندما طُلب من الدار المشاركة في أسبوع باريس للهوت كوتير أول مرة، لتكون أول دار بريطانية تشارك فيه منذ نحو قرن تقريبا، وعدت مصممتها الفنية، تمارا رالف، بأن تعيد الحلم للهوت كوتير، وتعيد لنا أناقة الخمسينات بلغة عصرية، وأوفت بوعدها، لأن عرضها الأخير كان حلم ليلة صيف ترقص فيها أميرات متوجات وغير متوجات على حد سواء في حديقة غناء.
الجميل أن هذه العودة إلى الخمسينات لم تترجم بأسلوب ريترو، بل العكس كانت تعبق بالعصرية، سواء في فستان كوكتيل ينتفخ عند الخصر، وبدل من أن يزيد من حجمه أو عرضه، يبرزه أنثويا ونحيفا، أو في فستان ينثني عند التنورة من الخلف ويرفع إلى الأكتاف ليأخذ شكلا مبتكرا، مع مزيد من «كاب» وذيل. لكن المهم فيه أنه مطرز ببتلات ورود ثلاثية الأبعاد، تنسيك كل شيء عدا جماله وتفرده. تخرج من العرض وأنت تتذكر الكبار، وكيف أن الثنائي تمارا رالف ومايكل روسو، مؤسسي الدار، يقدران الجمال وأيام زمان، وكيف أنهما مثل نحلتين تمتصان رحيق أجمل الورود وتقومان بصياغتها بحرفية عالية لتكون النتيجة تصاميم ولا أشهى من العسل.

جون بول غوتييه و61 طريقة للزواج

> عرض جون بول غوتييه كان عرسا، بالمعنى الحرفي والمجازي على حد سواء. فقد افتتح عرضه بفستان زفاف وعلى خلفية أغنية بيلي آيدول «زواج أبيض» تلته نحو 9 تصاميم يمكن أن تختار منها عروس هذا الصيف ما يناسبها، وكأنه يمهد بدخول مجال فساتين الأعراس بعد أن هجر مجال الأزياء الجاهزة في الموسم الماضي بعد 40 عاما. العنوان الذي أطلقه المصمم على هذه التشكيلة هو «61 طريقة للإجابة بنعم» والمقصود هنا نعم على طلب الزواج، وبالفعل كان هناك 61 تصميما معظمها تجنح إلى الفانتازيا في الظاهر، إلا أنها لم تحلق بعيدا عن الواقع في العمق، في مزيج مدهش بين الجرأة والفنية. وهو ما لا يترك أدنى شك بأن شقي الموضة الفرنسية يعيش فترة سعيدة من حياته الفنية، بعد أن تحرر من ضغوط الأزياء الجاهزة وكرس نفسه وجهوده لـ«الهوت كوتير». كان هناك إحساس في الجو يعبق بالديناميكية والفرح وكأننا في عرس حقيقي، يلمس وترا حساسا بداخل كل الحاضرات الشابات لأن كل واحدة منهن ستجد ما يعجبها في الباقة المتنوعة. بعضها جاء على شكل تايورات مفصلة مع تفاصيل مبتكرة، تتحول فيها ياقات الجزء الأمامي إلى الخلف لتزين الظهر، وبعضها على شكل فساتين مستلهمة من القفطان أو «السلهام» المغربي، وهو عبارة عن «كاب» بالأبيض طويل، وبعضها على شكل بنطلونات جينز أو تايور أسود مستلهم من البدلة الرجالية من الأمام يتحول إلى فستان من الخلف. أرسل المصمم أيضا العارضة ليندسي ويكسون ورأسها مغطى بقبعة مثل تلك التي يلبسها حراس النحل كبديل للطرحة التقليدية. رغم غرابته انتزع التصفيقات ورسم الابتسامات على الوجوه وهذا ما كان يهدف إليه غوتييه: تقديم عرض غير عادي، يكون عرسا يسلط فيه الضوء على الجانب المبتكر والجريء في شخصية كل عروس، والأهم من كل هذا، أن ينشر شعورا بالسعادة في الأجواء، وهو ما تحقق له.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.