أصداء لغة الصفير تتردد في جزر الكناري

أصداء لغة الصفير تتردد في جزر الكناري

الأحد - 10 رجب 1442 هـ - 21 فبراير 2021 مـ رقم العدد [ 15426]
الطفلة أرانتكسا سفونتيس تشرح كيفية استخدام لغة الصفير (نيويورك تايمز)

على جزيرة لاغوميرا الوعرة في أرخبيل الكناري لا تزال لغة الصفير المعروفة باسم «سيلبو غوميرو» مستخدمة بفضل تدريسها لتلاميذ المدارس الابتدائية.
فيما كان يجلس على قمة منحدر في إحدى جزر الكناري، أطلق أنطونيو ماركيز نافارو نداءه «تعال إلى هنا، سنقوم بذبح الخنزير». قالها دون أن ينطق بكلمة واحدة، بل أطلق صفيرا عاليا.
على بعد مسافة كبيرة، تسمر ثلاثة متنزهين زائرين في أماكنهم عند سماع الصوت الثاقب وصدى ارتداده على جدران الوادي الذي يفصلهم.
قال ماركيز، 71 عامًا، إنه في شبابه عندما كان الرعاة المحليون – وليس السياح كما هو الحال الآن - يسيرون في ممرات المشاة شديدة الانحدار والوعورة لجزيرته كانوا يردون الصافرة في حينها بإطلاق صافرة عالية وواضحة.
لكن رسالته هذه المرة لم تجد صدى من قبل هؤلاء المتجولين الذين استأنفوا رحلتهم في «لاغوميرا»، إحدى جزر الكناري، وهي أرخبيل بركاني في المحيط الأطلسي يعتبر جزءا من إسبانيا.
يعتبر ماركيز هو الوصي الحارس الفخور بلغة الصفير في «لاغوميرا»، التي سماها «شعر جزيرتي» ووصفها بقوله، «مثل الشعر، لا يحتاج الصفير أن يكون مفيدًا حتى يكون مميزًا وجميلًا».
ورد ذكر صفير السكان الأصليين في «لاغوميرا» في روايات القرن الخامس عشر للمستكشفين الذين مهدوا الطريق للغزو الإسباني للجزيرة. وعلى مر القرون تكيفت هذه الممارسة للتواصل باللغة الإسبانية القشتالية.
تستبدل لغة صفير الـ«سيلبو» التي تختلف في نغمتها وطولها بحروف مكتوبة. ولسوء الحظ، هناك صفارات أقل من الأحرف الموجودة في الأبجدية الإسبانية، لذلك يمكن أن يكون للصوت معان متعددة، مما يتسبب في سوء الفهم.
الأصوات المكونة لبعض الكلمات الإسبانية هي نفسها – مثل «سي» (نعم) أو «تي» (أنت) - كما هو الحال بالنسبة لبعض الكلمات الطويلة التي تبدو متشابهة في اللغة الإسبانية المنطوقة، مثل «غالينا» أو «بالينا» (وتعني الدجاجة أو الحوت).
في هذا الصدد، قالت استيفانيا ميندوزا، معلمة اللغة «كجزء من الجملة، فإن هذه الإشارة واضحة، ولكنها لن تكون واضحه إذا خرجت كمجرد صافرة».
في عام 2009، تمت إضافة لغة الجزيرة، المعروفة رسميًا باسم «سيلبو غوميرو» من قبل اليونيسكو إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها «لغة الصفير الوحيدة في العالم التي تم تطويرها وممارستها بالكامل من قبل مجتمع كبير»، في إشارة إلى سكان «لاغوميرا» البالغ عددهم 22000 نسمة.
لكن نظرًا لأن الصفير لم يعد ضروريًا للتواصل، فإن بقاء لغة «سيلبو» يعتمد في الغالب على قانون صدر عام 1999 جعل تعليمه إلزاميًا ضمن المناهج الدراسية.
في صباح أحد الأيام الأخيرة في مدرسة في مدينة سانتياغو الساحلية، لم يجد فصل دراسي يضم أطفالًا في السادسة من العمر صعوبة كبيرة في التعرف على أصوات الصفير المتوافقة مع الألوان المختلفة، أو مع أيام الأسبوع.
لكن الأمور باتت أكثر تعقيدًا عندما تم دمج الكلمات في جمل كاملة، مثل «ما اسم الطفل ذي الحذاء الأزرق؟» رد طفلان بأنهما سمعاها بدلاً من ذلك صوت صفير يدل على اللون «الأصفر».
إذاً لم يكن تفسير الصفارة أمرًا سهلاً دائمًا، فقد يكون إخراج الأصوات الصحيحة أكثر صعوبة. إذ أن غالبية الصافرين يقومون بإدخال إصبع واحد منحنٍ في الفم، فيما يستخدم البعض الآخر طرف إصبع أو إصبعين، ويستخدم آخرون إصبعًا من كل يد.
تعليقا على ذلك، قال فرانسيسكو كوريا، منسق برنامج الصفير بمدرسة «لاغوميرا»: إن «القاعدة الوحيدة هي العثور على أفضل إصبع يطلق الصفير بسهولة، وفي بعض الأحيان للأسف لا ينجح شيء من ذلك على الإطلاق. حتى أن هناك بعض كبار السن الذين فهموا سيلبو تمامًا منذ طفولتهم، لكنهم لم يتمكنوا من إخراج أي أصوات واضحة من أفواههم».
قد يجد صافران صعوبة في فهم بعضهما البعض، خاصةً خلال لقاءاتهما الأولى - ويحتاجان إلى مطالبة بعضهما البعض بتكرار الجمل - مثل الغرباء الذين يتحدثون نفس اللغة بلهجات مختلفة. وبحسب كوريا، «بعد الصفير معًا لفترة من الوقت، يصبح تواصلهما سهلاً كما لو كانا يتحدثان الإسبانية».
كما هو الحال في العديد من اللغات، سواء أكانت صافرة أم لا، فهناك فجوة بين الأجيال في «لاغوميرا».
في هذا السياق، قال سيرو ميسا نيبلا، وهو مزارع يبلغ من العمر 46 عامًا، إنه كافح للتحدث مع جيل أصغر تم تدريبه في المدرسة لأنه، كما قال «أنا رجل جبل تعلمت في المنزل صفير الكلمات للإشارة إلى المحاصيل التي كانت عائلتنا تزرعها، لكني لا أملك مفردات هؤلاء الأطفال الذين يتعلمون نوعا من الصفير الذي يبدو خياليا جدًا بالنسبة لي».
توقف بعض كبار السن أيضًا عن الصفير بسبب مشاكل الأسنان، لكن ماركيز يواصل إطلاق الصفير باستخدام أطقم أسنانه، ويعلق قائلا «الأمر لم يعد سهلاً ولم تعد الصافرة تخرج مرتفعة مثلما كان الحال عندما كنت أضغط بإصبعي على أسناني الطبيعية».
وبفضل جغرافيتها المميزة، من السهل معرفة سبب استخدام الصفير في جزر الكناري. ففي غالبية الجزر، تمتد الوديان العميقة من قمم مرتفعة وهضاب وصولاً إلى المحيط، ويتطلب الأمر الكثير من الوقت والجهد للتنقل حتى لمسافة قصيرة براً. وقد جرى تطوير الصفير كطريقة بديلة جيدة لإيصال رسالة، حيث تحمل الصافرة الصوت لمسافات أبعد من الصياح – لمسافة قد تصل إلى ميلين عبر بعض الأخاديد وفي ظروف الرياح المواتية.
يتذكر السكان الأكبر سنًا في «لاغوميرا» كيف تم استخدام «سيلبو» كلغة تحذير، لا سيما عندما تم رصد دورية للشرطة تبحث عن ممنوعات. ففي فيلم خيالي حديث، بعنوان «الصافرين»، يستخدم أفراد العصابات لغة «سيلبو» كلغة تشفير سرية.
في بعض الجزر الأخرى في الأرخبيل، هناك لغات صفير خاصة بها لكن استخدامها تلاشى، رغم أن جزيرة أخرى هي «الهيارو»، بدأت مؤخرًا في تدريس نسختها الخاصة من اللغة. وذكر ديفيد دياز رييس، عالم الموسيقى العرقية، إنه «لم يتم اختراع لغة سيلبو في جزيرة لاغوميرا، لكنها الجزيرة التي جرى الحفاظ عليها بأفضل شكل.
في الوقت الحاضر، تعتمد جزيرة «لاغوميرا» بشكل كبير على السياحة، مما أتاح فرصة لبعض الصافرين الشباب مثل لوسيا دارياس هريرا (16 عامًا) التي تقدم عرض صفير أسبوعيا في فندق بالجزيرة. ورغم أنها تصفر عادةً باللغة الإسبانية القشتالية، فإنه يمكن لدارياس أيضًا تكييف لغة السيلبو مع اللغات الأخرى التي يتحدث بها جمهورها في جزيرة تحظى بشعبية خاصةً لدى الألمان.
لكن منذ الربيع الماضي، لم يصل فيروس «كورونا» إلى مثل هذه العروض فحسب، بل أجبر المدارس أيضًا على الحد من الصفير. ففي زمن أقنعة الوجه الإجبارية، لم يعد ممكنا للمدرس مساعدة طالبة على وضع إصبعها في فمها للتصفير بشكل أفضل.
وقال كوريا، منسق المدرسة، إن «الأطفال الأصغر سنًا يبذلون أيضًا جهودًا ضخمة لإطلاق الكثير من الهواء، مما يعني أن البعض يبصقون بدلاً من الصفير». لذا كإجراء احترازي ضد انتشار الفيروس، يقضي الأطفال الآن درس الصفير الأسبوعي في الاستماع إلى تسجيلات «سيلبو» بدلاً من الصفير بأنفسهم.
من الصعوبات الإضافية التي يواجهها الطلاب أنه ليس لديهم دائمًا فرصة كبيرة لممارسة لغة «سيلبو» خارج المدرسة. ففي الفصل الدراسي للطلاب البالغين من العمر ست سنوات، رفع خمسة طلاب فقط من أصل 17 أيديهم عندما سئلوا عما إذا كانت لديهم فرصة للصفير في المنزل. اشتكت إحدى الشابات وتدعى لورا ميسا ميندوزا بقولها «يمكن لأخي أن يطلق الصفير بصوت عال، لكنه لا يعلمني لأنه دائما مشغول إما بلعب «بلاي ستيشن» أو الجلوس مع الأصدقاء».
لا يزال بعض المراهقين يستمتعون بتحية الصفير لبعضهم البعض عندما يجتمعون في المدينة ويرحبون بفرصة الدردشة دون أن يفهمها الكثير من البالغين من حولهم. لدى البعض آباء ذهبوا إلى المدرسة قبل أن تصبح «سيلبو» مادة إلزامية، أو استقروا في الجزيرة بعد أن أصبحوا بالغين.
بغض النظر عن مدى تعلقها بهاتفها المحمول، فقد بدت إيرين غيرهاردس (15) عامًا حريصة على تحسين صفيرها والمساعدة في الحفاظ على تقاليد جزيرتها. وقالت «إنها طريقة لتكريم الناس الذين عاشوا هنا في الماضي وأيضا لنتذكر من أين أتى كل شيء».
- خدمة {نيويورك تايمز}


اسبانيا ثقافة الشعوب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة