جماعات منفلتة تتحكم بمفاصل نينوى نيابة عن فصائل «الحشد»

«ربع الله» تنشر الرعب في الموصل

عراقي يمر أمام لافتة تطالب بحصر السلاح بيد الدولة في الموصل مركز محافظة نينوى (أ.ف.ب)
عراقي يمر أمام لافتة تطالب بحصر السلاح بيد الدولة في الموصل مركز محافظة نينوى (أ.ف.ب)
TT

جماعات منفلتة تتحكم بمفاصل نينوى نيابة عن فصائل «الحشد»

عراقي يمر أمام لافتة تطالب بحصر السلاح بيد الدولة في الموصل مركز محافظة نينوى (أ.ف.ب)
عراقي يمر أمام لافتة تطالب بحصر السلاح بيد الدولة في الموصل مركز محافظة نينوى (أ.ف.ب)

خرج من الموصل وهو يتلفّت وراءه ليرى المدينة التي دخلها مع قوات الجيش بعد ثلاث سنوات من هروبه بعد سيطرة تنظيم «داعش» على المدينة عام 2014. لم يعرف أنه سيغادر المدينة مرة أخرى ولكن هذه المرة بعد تهديد ممن يدّعي تحريرها.
فراس (اسم مستعار) صحافي وناشط مدني من الموصل، شارك في معظم حملات إعادة إعمار المدينة ويكتب تقارير وقصصاً عن معاناة المدينة بسبب الرواسب التي خلّفتها سيطرة التنظيم على المدينة لثلاث سنوات. يقول فراس لـ«الشرق الأوسط»: «تعرضت للتهديد المباشر من مجموعة تُدعى (ربع الله) بعد أن نشرتُ مدونة على (فيسبوك) انتقدت فيها نشر صور قائد (الحرس الثوري) الإيراني قاسم سليماني في ذكرى مقتله»، مبيناً أن «التهديدات جاءت بأشكال عدة اتصالات هاتفية ورسائل نصية بالإضافة إلى هجمة شرسة من خلال الجيوش الإلكترونية على حسابي في موقع (فيسبوك)، ما اضطرني إلى الخروج من المدينة خوفاً على حياتي».
أما صباح (اسم مستعار أيضاً) ناشط مدني من الموصل، فتراجع عن موقفه حتى لا يُضطر للخروج من الموصل، فقام بمسح ثلاثة منشورات من صفحته الشخصية على موقع «فيسبوك» تنتقد أداء أشخاص لهم علاقة بفصائل «الحشد الشعبي» في الموصل، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أنه «تلقى تهديداً مباشراً من جماعة (ربع الله) التي أجبرته على مسح منشوراته وإلا سيكون مصيره السجن بتهمة الانتماء لتنظيم (داعش)».
لم تقتصر تهديدات جماعة «ربع الله» على صباح وفراس، إنما طالت كل شخص ينتقد ولو حتى بالكلام دون النشر أي شخص له علاقة بفصائل «الحشد الشعبي» حتى بات كل ناشط أو صحافي في الموصل يواجه حملة تكميم أفواه منظمة تقوم بها هذه الجماعة التي دخلت مدينة الموصل منذ بداية العام الجاري، كما لم يسلم منه رجال الأعمال والتجار الذين يلقون مواجهة ومنافسة شرسة من المكاتب الاقتصادية التابعة لفصائل «الحشد الشعبي» في الموصل.
يأتي ذلك في ظل الانتشار الواسع لفصائل «الحشد الشعبي» في مدينة الموصل وأطرافها، ويصف الخبير العسكري اللواء المتقاعد فيصل حسن، هذا الانتشار بأنه «شبه طوق على المدينة وخطوط انتشار استراتيجية داخل المدينة من خلال نقاط تفتيش»، مبيناً أن «اللواء 30 من الحشد الشعبي والذي يتكون من مجاميع تابعة لـ(كتائب حزب الله) وأخرى تابعة لـ(عصائب أهل الحق) ينتشر على الحدود ابتداءً من منطقة بعشيقة شمال شرقي الموصل وصولاً إلى منطقة نمرود جنوب شرقي المدينة، فيما تنتشر فصائل تابعة لـ(سرايا السلام) في منطقة الكوير وصولاً إلى منطقة حمام العليل التي تبدأ منها سيطرة فصائل (الكتائب) و(العصاب) وصولاً إلى سنجار التي يتمركز فيها هذان الفصيلان إلى جانب جماعات (بدر) وتحت مسميات مختلفة منها (لواء الإمام حسين) و(اللواء 80) و«الحشد الإيزيدي» وغيرها».
من جهته، أكد مصدر من القوات الأمنية في نينوى لـ«الشرق الأوسط» أن «وجود جماعة (ربع الله) وغيرها من المسميات المختلفة واقع وحقيقة، رغم أنهم غير مرئيين للعوام، ووجودهم مرتبط بوجود فصائل (الحشد الشعبي) في أي مكان، ويقومون بالدور الخفي الذي لا تريد الفصائل أن تتحمل عواقبه». المصدر، الذي رفض الكشف عن اسمه خوفاً من الملاحَقة، أكد أن «هذه المجاميع لديها الصلاحيات كافة، والقدرة على الوصول إلى أي شخص مهما كان منصبه المدني أو رتبته العسكرية».
- نشر الرعب
يقول المحامي حسن الحمداني إن «وصول جماعة (ربع الله) إلى الموصل في هذا التوقيت هو تحضير مبكر للانتخابات، بهدف نشر الرعب وفرض الإرادات السياسية في منطقة هشة مثل الموصل، إضافةً إلى تصفية الخصوم ومنع أي صوت يغرد خارج السرب».
وهذا ما تعرض له فراس عندما كتب في منشوره على صفحات التواصل الاجتماعي إنه «من الممكن قبول الاحتفاء بمقل شخص مثل أبو مهدي المهندس، كونه قائد فصيل رسمي تابع لـ(الحشد الشعبي)، شارك في عملية تحرير الموصل، ولكن ليس من المعقول قبول نشر صور قاسم سليماني الإيراني الذي ليست له أي رمزية في الموصل وبين شعبها سوى أنه قائد عسكري في دولة تسببت في استشهاد الآلاف من أبناء الموصل في الحرب الإيرانية العراقية». على أثرها تعرض فراس للتهديد بالقتل والملاحقة هو وعائلته، ما اضطره إلى مغادرة الموصل خوفاً على حياته.
الحمداني يؤكد أن «هدف نشر هذه المجاميع (ربع الله) إلى الموصل هو نشر الرعب، لتكميم أفواه كل ناشط أو صحافي يعمل على نشر الحقائق عن الانتهاكات والفساد التي يقوم بها متنفذون تابعون للفصائل الموجودة في الموصل».
هذا ما تعرض له صباح عندما نشر على مواقع التواصل الاجتماعي عن قيام مجاميع باستغلال نفوذهم في تبرئة شخص متهم بالفساد والرشوة، ويقول صباح: «نشرتُ على صفحتي في موقع (فيسبوك) منشوراً تحدثت فيه عن قيام بعض المتنفذين في الدفاع ومساندة بعض المتهمين باستغلال الأراضي المملوكة للدولة، وقلت بشكل صريح إن مساندة الجهات السياسية لهؤلاء الأشخاص تضعهم في دائرة شبهة التورط بهذه الجرائم، وعلى أثرها تلقيت سيلاً من التهديدات المباشرة وغير المباشرة كان آخرها تهديد من خلال اتصال هاتفي من شخص يدّعي انتمائه إلى (ربع الله) قال بالحرف الواحد: إن لم تحذف المنشور ستكون غداً في سجن الحوت (في الناصرية جنوب العراق) بتهمة الإرهاب».
- السيطرة الاقتصادية
إضافة إلى التحضيرات المبكرة للانتخابات تهدف هذه المجاميع إلى السيطرة على المفاصل الاقتصادية لمدينة الموصل، حيث تنشط المكاتب الاقتصادية مستخدمةً كل إمكاناتها لتضخيم واردات الأحزاب السياسية والفصائل من خلال استغلال موارد المدينة، حسب رجل الأعمال حسن فتح الله، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «عمل الفصائل وتوابعها من (ربع الله) وغيرها، ليس سياسياً فحسب بل فيه جانب اقتصادي كبير، حيث تعمل هذه المجاميع على مساندة كل المقاولين والتجار والشركات التابعة لـ(الحشد) والتي تقوم باستغلال كل ما هو ممكن وغير ممكن في الموصل حتى استباحوا كل شيء دون استثناء»، مبيناً إن إحدى هذه الجماعات تساند شركات ومقاولين استغلوا الأرض المعروفة بأنها أثرية تابعة لنينوى القديمة بالقرب من حي نور وقاموا ببيعها بأسعار خيالية بعد أن استغلوا موارد البلدية في تخطيطها وفتح الشوارع فيها، هذا بالإضافة إلى عشرات المناطق الأخرى التي استُغلت بالآلية نفسها».
كان خلاف قد نشب بين الوقف السني والشيعي في الموصل على عائدية أملاك وزارة الأوقاف السابقة، آخرها قيام الوقف الشيعي باستغلال قطة أرض مقابل جامع النبي يونس وبنوا عليها مجمعاً تجارياً، رغم وجود قرار يمنع البناء فيها للاشتباه بكونها أثرية، هذا بالإضافة إلى عشرات المجمعات التجارية والمحلات التي يود الوقف الشيعي استملاكها كإرث لوزارة الأوقاف السابقة.
- إتاوات في سهل نينوى
أما في سهل نينوى فتتحكم الميليشيات تحت المسميات المختلفة بجميع مفاصل الحياة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وصولاً إلى فرض الإتاوات على الحركة التجارية عبر نقاط التفتيش، حسب شاهد عيان من المنطقة، رفض ذكر اسمه خوفاً من الملاحَقة. وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «عناصر (الحشد الشعبي) يفرضون إتاوات قدرها 300 دولار على كل سيارة حمل صغيرة تحمل بضائع تدخل إلى المنطقة، إضافة إلى فرض إتاوات على أصحاب المعامل الموجودة في سهل نينوى وغيرها من الممارسات التي تدرّ ملايين الدولارات على قادة الفصائل»، مبيناً أن «سيطرة الجماعات التي تعمل تحت مظلة اللواء 30 من (الحشد الشعبي) أخذت مناحي مختلفة منها استملاك الأراضي الزراعية، وتهديد كل شخص يواجه تمددهم المستمر».
- غياب الدولة
المحامي حسين الحمداني الذي ترك الموصل بعد عدة تهديدات، أكد أن «تغول هذه الميليشيات وسيطرتها على كل مفاصل الحياة جاء كنتيجة طبيعية لضعف الدولة وأجهزتها الأمنية المتعددة والتي يغيب عنها التنسيق المشترك، إضافة إلى السطوة السياسية لهذه المجاميع من خلال ممثليهم في الكتل السياسية في بغداد». فراس، الذي هرب من الموصل مرتين؛ في الأولى خوفاً من تنظيم «داعش» عام 2014 والأخرى بعد تهديده من جماعة «ربع الله» أوائل هذا العام، فقد الأمل في إمكانية العيش في مدينة تتحكم بها مجاميع يصفها بـ«المافيات» وقرر الرحيل دون عودة، قائلاً: «لا حل لهذه المشكلة دون وجود دولة مؤسسات قوية تستطيع بسط القانون، والحد من ممارسات هذه المجاميع التي استباحت نينوى دون أي حدود».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.