مارتن سكورسيزي في «هاربرز» يحيي فيلليني وفن السينما

كَتَبَ عن شبابه وأفلام الأمس الرائعة

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي
TT

مارتن سكورسيزي في «هاربرز» يحيي فيلليني وفن السينما

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي

نشرت مجلة «هاربرز» الأميركية (ثاني أقدم مجلة أميركية ما زالت مستمرة في الصدور منذ إنشائها سنة 1850) مقالة للمخرج مارتن سكورسيزي، قبل ثلاثة أيام، تحدث فيها عن موضوعه الآثر وهو، بطبيعة الحال، السينما.
لكن السينما موضوع شاسع جداً يتكوّن مما تتكوّن منه الحياة ذاتها. هناك الحاضر وهناك التاريخ. هناك الفرد وهناك المجتمع. وما يجول داخل الفرد والمجتمع من أفكار وما يقع من أحداث مروراً بالمواضيع والدلالات الوجودية كما مفردات اللغة التي نختارها لكي نعبّر فيها عما يجول داخل أنفسنا.
السينما هي حياة موازية لحياتنا. مرآة بحجم الكوكب الذي نعيش عليه وبل أكبر إذا أضفنا قدراتها غير المحدودة على النفاذ للكواكب البعيدة والفضاء الشاسع أو قدرتها على اختراق الزمن في الاتجاهين.
اختار المخرج الأميركي العريق، الذي ما زال نشطاً رغم سنوات حياته التي تبلغ 79 سنة موضوعاً محدداً ليدلف منه إلى موضوع آخر. كما الحال في الأفلام التي يحققها يلج المخرج ميدان اهتمام محدداً لكنه يطرح في موازاته خطوطاً أخرى تثريه.
والموضوع المحدد الذي اختاره سكورسيزي في مقالته هو فديريكو فيلليني، المخرج الإيطالي العبقري الذي تميّز، ككل مخرج رائع، بأسلوب لا يستطيع أحد حتى تقليده كونه نابعاً من داخل عقل وبصيرة وروح المخرج بالإضافة إلى ملكيّته لمفردات لغته السينمائية الخاصة.
لكن ما جاء في المقالة من خطوط يشي بأن سكورسيزي وظّف جزءاً من مقالته الرائعة عن فيلليني كمناسبة لموضوع سبق وتطرّق إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 2018 وهو حال السينما اليوم في الواقع الجديد المفروض عليها. عن سينما اليوم وكيف أن اختلافها عن سينما الأمس ليس في صالح الفن السينمائي، بل يتجه به نحو إبادة شاملة.

من صالة لأخرى
يبدأ بوصف مشهد مكتوب كصفحة من سيناريو بطله شاب يمشي في حي غرينيتش فيلدج النيويوركي متأبطاً كتباً في يد ونسخة من مجلة «ذا فيلدج فويس» في اليد الأخرى. يمشي بسرعة ويمر، والمشهد يقع في سنة 1959 كما حدد المخرج في السطر الأول، بالمشاة من كل صنف ونوع.
يمضي سكورسيزي في نصّه هذا فإذا بالشاب يصل إلى صالة «آرت ثيتر» التي تعرض، حسب وصف المخرج الذي غالباً ما يتحدث عن نفسه هنا، فيلم جون كازفيتز «ظلال» وفيلم كلود شابرول «بنات العم». لكن الشاب يمضي ليصل إلى صالة «بلايهاوس» التي تعرض «الكركيات تطير» (The Cranes Are Flying) و«هيروشيما مونامور».
يواصل سكورسيزي وصف بطله وهو ينتقل من صالة في ذلك الحي إلى أخرى وكل منها تعرض واحداً من تلك الكلاسيكيات الفنية الرائعة. وما يختاره من نماذج معروضة هو لأفلام كانت القاسم الكبير المشترك لكل الإنتاجات السينمائية قاطبة. أفلام لأساطير الفن السابع أمثال إنغمار برغمن ومايكل أنجلو أنطونيوني وميخائيل كالاتوزوف وأندريه فايدا وجان - لوك غودار وصولاً إلى المخرج الذي اختار الحديث عنه أساساً وهو فديريكو فيلليني.
الحديث عن فديريكو يبدأ بعد ما سبق من استعراض وفيه يأتي على كيف اكتشف المخرج الأميركي فيلليني وما عناه فيلليني آنذاك له ولهواة السينما وما زال. يقول، على سبيل المثال: «في الستينات أصبح فديريكو فيلليني أكثر من مجرد صانع أفلام. مثل تشابلن وبيكاسو وذا بيتلز، كان أكبر من فنه الحاص. وعند لحظة معيّنة لم يعد المهم هذا الفيلم أو ذاك الفيلم له بل كل الأفلام»
يواصل فيصف بعض إنجازات فيلليني بدءاً من سنة 1963 عندما حقق «8 ونصف» حيث «تجلت سيادة فيلليني البصرية». ويمر على فيلم La Strada ثم يتحدث عن كيف أن فيلليني عكس القلق الناتج عن الحياة في زمن السلاح النووي في «الحياة الحلوة» (La Dolce Vita). يصف ذلك بالقول: «هنا نجد الفنان القادر على التعبير عن قلقه من العصر النووي. الحس بأن لا شيء بات يهم لأن كل شيء صار يمكن إبادته في أي لحظة. شعرنا بتلك الصدمة لكننا شعرنا أيضاً بحب فيلليني للفن وللسينما وللحياة ذاتها».
في مكان يقع بين مقدّمته التي تصفه وهو ينتقل ما بين كلاسيكيات السينما المعروضة لجمهور حاشد، وبين الحديث عن فديريكو فيلليني، متوقفاً عن العديد من أفلامه وتأثيراته عليه، يعرج سكورسيزي للموضوع الظل: السينما اليوم في وضعها الراهن الذي يهدد فنّها بالاندثار.

عقارب الساعة
هنا يصب سكورسيزي نقده على هوليوود اليوم. يصف صانعي القرار السينمائي بالجهلة الذين لا يعرفون تاريخ الفن. بالنسبة إليهم، فإن «فيلماً لديفيد لين وفيديو عن قطّة ودعاية في حفل سوبر باول وجزء ثان لفيلم سوبرهيرو ليس أكثر من صور».
هذا الوصف مؤلم بقدر ما هو حقيقي. مثير للحزن من قرب وداع من نحب بقدر ما هو مثير للخوف مما هو قادم.
بعض الظواهر باتت حقائق لا مفر من الاعتراف بها: صانعو القرار السينمائي (المموّلون، رؤساء الإنتاج في الشركات والاستوديوهات والمتعاملون بجزئيات «البزنس» في صناعة السينما ليست لديهم فكرة عما يردمونه من حضارة كلما بنوا الصرح التجاري الكبير الذي بات كل شيء مهم في صناعة السينما.
وحتى من قبل أن يساهم وباء «كوفيد - 19» أو ما تلاه، في تعميم العروض المنزلية بديلاً للعروض في الصالات السينمائية، كان العمل لبدء توجيه الجمهور للاستغناء عن الصالة على قدم وساق. عقدان من الزمن فقط (من عام 2000 وإلى اليوم) كانتا كفيلان بالسعي لدحر السينما كفن وانعكاس إبداعي وروحاني خالص، ودفع سينما تؤمن بالمضمون وليس بالشكل الذي على هذا المضمون العمل تحت ستاره.
صحيح أن هذا التعامل القاصر بدأ قبل العقدين السابقين. لكن حتى في أفلام ما قبل الثمانينات، كانت الأفلام المسمّاة بالتجارية تكتنز أساليب وتعابير إبداعية وفنية. التنفيذ لم يكن مجرد تقنيات يهرع المخرج إليها لجذب الجمهور الكبير كما هو حاصل اليوم، بل كان عرضاً متواصلاً لمفردات اللغة السينمائية التي يشيدها. لولا إسهامات جون فورد وهنري هاذاواي وأورسن وَلز وسامويل فولر وأنطوني مان وألفريد هيتشكوك وعشرات سواهم لما أحببنا السينما. الفنانون الأوروبيون هضموا أعمال هؤلاء لكنهم نسجوا منوالهم الخاص للسينما رافعين أكثر من شأن فن السرد وفن العرض وفن الطروحات وبالتالي فن السينما بأسره.
مشاهدة أفلام اليوم على النت ما هي إلا سبيل آخر لهدم التذوّق الفني للفيلم وللثقافة. هنا يرتفع المضمون بما فيه من تصنيف العمل تبعاً لنوعه وبما فيه تركيز العمل السينمائي لبلورته تقنياً وليس فنيّاً.
عقارب الساعة قد لا تعود إلى الوراء والتاريخ حبيس الأمس، لكن سكورسيزي وعشّاق السينما ونقادها مطالبون بالوقوف بحزم حيال سيادة النوع الواحد من السينما وذلك دفاعاً عن كل السينما.
ما هو ساطع في مقالة المخرج اللامع هو الجمع بين ذكرياته الخاصة وذكريات السينما كلها، وإذ يكتب يفعل ذلك من داخل هوليوود كاشفاً عن حبه للماضي ونقده للحاضر.



«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.