«مغزى القراءة»... قصة مؤثرة لموت متوقع

الهولندي شتاينس يكتب عن كتب رافقته في رحلته المرضية

بيتر شتاينس
بيتر شتاينس
TT

«مغزى القراءة»... قصة مؤثرة لموت متوقع

بيتر شتاينس
بيتر شتاينس

القاهرة: حمدي عابدين

في كتابه «مغزى القراءة» ينطلق الكاتب الهولندي بيتر شتاينس، وهو يتجول في تفاصيل عوالم العديد من الأدباء والمفكرين والفلاسفة، قديماً وحديثاً، من تجربة شديدة الحساسية والذاتية، والمرارة، وهي إصابته بمرض التصَلب الجانِبِي الضمورِي، الذي تبدأ أعراضه بموت الخلايا العصبية التي تُغذي عضلات الجسم، وتؤدي إلى تدهور مستمر في حالة الجسد، ووظائفه التي يقوم بها.
الكتاب قدم نسخته العربية المترجم المصري محمد رمضان حسين، ويصدر قريباً عن دار «مصر العربية» للنشر والتوزيع المصرية، وتعرف عليه القراء في أوروبا من خلال طبعتين، الأولى كانت باللغة الهولندية عام 2015، أما الثانية فكانت في عام 2016 بالألمانية، وهي التي تُرجمت منها النسخة العربية.

تأمل الألم
مع معرفته بحالته المرضية، انطلق شتاينس في رحلة مع المؤسسات الطبية، وقد عبر عنها في مقالات عديدة كتبها في صحيفة «إن آر سي هاندلسبلاد» الهولندية ببساطة ومرح، آخذاً القراء في رحلة ممتعة مع مطالعاته في كلاسيكيات الأدب الأوروبي والحديث، مثل «كونت مونت كريستو»، و«سُباعية المكتب»، و«أبلوموف»، و«الجبل السحري»، و«مذكرات هادريان»، وقد جعل من رحلته مع الكتاب والمبدعين نقطة بداية لحالة تأملية استغرق فيها في مراحل العجز والفراق والاستسلام والألم، التي مر بها، فضلاً عن الأشياء الجميلة التي افتقدها في مرضه المميت، الذي أدى إلى وفاته في 29 أغسطس (آب) 2016 بمدينة هارلم شمال هولندا.
يتضمن الكتاب 52 مقالة قصيرة عن مرضه، وقبل كل شيء عن كُتُبِه ومُؤَلِفِيه المُفَضلِين؛ ديكنز، وألكسندر دوماس، وشكسبير، وستيفنسون، وتوماس مان، وبروست، وأوفيد، وسينيكا، وشيمبورسكا، وأيضاً عن جاك بريل، واستريد ليندجرين. وفي تأملاته المُؤثرَة والمُبهجة، والمُضحكة كذلك، يربط بيتر شتاينس بين تدهور حالته الجسدية وشخصيات روائية بارزة في القصص العالمي؛ وخلالها مثلاً لجأ إلى «صورة دوريان غراي» لأوسكار وايلد وهو يتمعن في التغييرات الحاصلة بجسده، وإلى «فنان الجوع» لكافكا، التي تَحدث فيها عن الصعوبات المتزايدة التي يعانيها وهو يتناول طعامه، وإلى «الحورية الصغيرة» لأندرسون، التي كان عليها الاختيار بين المشي والكلام، وهذه القصة مَنَحَت شتاينس البديل المناسب لقصة فُقْدَان صوتِه.
ويقدم شتاينس كتابه بحديث عن مرضه، وأعراضه، ويشير إلى أنه تعرف في صيف 2013 على إصابته، وأن حياته ستنتهي قريباً، لكنه لم يستسلم وبدأ بعد ستة أشهر من ذلك التاريخ في كتابة مقالة أسبوعية في صحيفة «إن آر سي هاندلسبلاد» الهولندية، ربط فيها مسار مرضه بالمؤلفات التي قرأها أو أعاد قراءتها، لكتاب أصبحوا رفقاء رحلته المرضية، ولم تكن مقالاته مُجَرد قصة مؤثرة لموت متوقع، لكن نظرة استثنائية على الأدب العالمي، والقراءة ومغزاها ومعنى الأدب، وإِدْرَاكِ الحياة.
في مقدمة الكتاب يقول شتاينس إن الكتابة أتاحت له فرصة متابعة رائعة ودقيقة لحالة تدهور جسده ورحلته مع المؤسسات الطبية. وفي مقال بعنوان «كأس سم سقراط، أفلاطون: مُحاورة فيدون... حوالي عام 380 قبل الميلاد»، واصل تشاينس الحديث عن مرضه، وأعراضه، ومراحل اكتشافه، وتطورات حالته التي وصفها بأنها تشبه «الوقوع في ثقب أسود»، ويربطها بتجرع سقراط السم في عام 399 قبل الميلاد، بعد اتهامه بعدم الإيمان بالآلهة اليونانية وإفساد الشباب. وهو يقول عن ذلك: «وفاة سقراط بالسم تكاد تشبه نسخة فائقة السرعة من تطورات مسار مرض التصَلب الجَانِبِي الضمُورِي؛ حيث تفقد السيطرة على ذراعيك وساقيك، وفي النهاية تموت بسبب شلل عضلات تنفسك».
وفي مقالة ثانية يتضمنها الكتاب بعنوان «تسريع مشاهد نهاية الحياة... أوسكار وايلد: صورة دوريان غراي (عام 1891)»، يقول شتاينس: «في صورة دوريان غراي، الرواية الوحيدة لأوسكار وايلد، يقع بطلها المنحل تحت سحر صورة رسمها له فنان. شَعَرَ كم أن الأمر خَداع أن تحتفظ اللوحة بجمال بات يغادره هو شخصياً، فهتف بتنهد: آه لو كان الأمر خلاف ذلك! لو بقيتُ شاباً وكبرت الصورة!». ومن الحديث عن الرواية وأحداثها، يعود شتاينس لحالته وقد طغت صورة دوريان سريعة التلاشي على ذهنه، ليذكر أنه رغم كل سلبيات المرض إلا أن لديه ميزة أنه في الغالب لا يهاجم الدماغ أو الرغبة الجنسية، ويرتبط بألم أقل من السرطان أو الروماتيزم.
ويتضمن الكتاب خاتمة بعنوان «غيبوبة القراءة» كتبها الكاتب الهولندي فان دير هايدن، ويتحدث فيها عن رحلة تَطَورَ بيتر شتاينس إلى مؤلف على مدار خمسة وعشرين عاماً، مشيراً إلى أنه ظل صادقاً مع نفسِه كقارئ، وغالباً ما كان موضوعه هو الأدب نفسه، وقد كان كتابه العظيم «صُنِعَ في أوروبا» محور اهتمام الكثيرين من المفكرين والقراء على السواء. ويذكر هايدن أن شتاينس تعامل مع مرضه بشفافية وشجاعة مطلقة، وأهدى كتابه «مغزى القراءة» لقرائه وربطه بمرضه. وعندما أدرك أن التصلب الجَانِبِي الضمُورِي هو المصير الذي ينتظره، لم يترك المرض يشل قواه العقلية، وواجهه بنفسه وتحداه.
وُلِدَ بيتر شتاينس في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1963 في روتردام، وفي مدينة ماس التحق بمدرسة مونتيسوري، أما بقية طفولته وشبابه فقضاهما في قرية روسوم، التي كانت مستوطنة حدودية في العصر الروماني، وفي مدينة زالتبومل الصغيرة، التي تدين بشهرتها إلى السونيته الشهيرة التي خصصها الشاعر مارتينوس نيهوف لجسر فوق نهر فال.
بعد حصوله على الثانوية من مدرسة الألعاب الرياضية في مدينة هيرتوجنبوش، انتقل شتاينس إلى أمستردام في عام 1981 لدراسة التاريخ، وتخصص في العصور الكلاسيكية القديمة، وأكمل دراساته «بامتياز» بأطروحة حول تاريخ العقليات الرومانية، وفي جامعة ماساتشوستس في أميرست، أنهى دراسته عام 1989 بأطروحة حول صورة أميركا عند بوب ديلان وراندي نيومان ولو ريد.
وقام شتاينس بتدريس تاريخ العصور الكلاسيكية القديمة في جامعة أمستردام من عام 1986 إلى عام 1990. وعمل كمُحَرر عام في الملحق الثقافي، ثم مُحَرر أفلام، ومُحَرر أدبي، وترأس الملحق الأدبي (كُتب) من 2006 إلى 2012. وكَتَبَ العديد من المقالات والمراجعات عن الأدب الأميركي والهولندي. وفي فبراير (شباط) 2012، ترك الصحافة، وأصبح مديراً للمؤسسة الهولندية للآداب، وهي مؤسسة حكومية لتعزيز الأدب الهولندي في الداخل والخارج، وفي صيف 2013، بعد تشخيص حالته المرضية، اضطر للتخلي عن مُعظم واجباته، واكتفى بكتابة عموده الأسبوعي.
قدم شتاينس ثمانية عشر كتاباً كان أولها عمله «السيد فان ديل ينتظر إجابة»، ثم نَشَرَ بعد اثني عشر عاماً كتابه الأكثر مبيعاً «القراءة وهلم جرا»، ثم نشر بالتعاون مع ابنته «يِت»، طبعة مُحَدثة ومُعَدلة بدقة من دليله الأدبي في عام 2015. وفي مارس (آذار) 2014 حصل على جائزة «ريشة الشرف الذهبية» الشهيرة، وجائزة «التوليب الذهبي» عام 2014، عن كتابه «صُنع في أوروبا، الفن الذي يربط قارتنا»، كما وصل إلى القائمة الطويلة للجائزة الأدبية البلجيكية «البومة الذهبية»، وحصل على جائزة من «هيلينا فاز دا سيلفا». وقد تم تكريمه في عام 2014 من قِبَلِ الحركة الأوروبية في هولندا، «لمساهمته الاستثنائية والبناءة في النقاش الأوروبي بهولندا».



حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.