«مغزى القراءة»... قصة مؤثرة لموت متوقع

الهولندي شتاينس يكتب عن كتب رافقته في رحلته المرضية

بيتر شتاينس
بيتر شتاينس
TT

«مغزى القراءة»... قصة مؤثرة لموت متوقع

بيتر شتاينس
بيتر شتاينس

القاهرة: حمدي عابدين

في كتابه «مغزى القراءة» ينطلق الكاتب الهولندي بيتر شتاينس، وهو يتجول في تفاصيل عوالم العديد من الأدباء والمفكرين والفلاسفة، قديماً وحديثاً، من تجربة شديدة الحساسية والذاتية، والمرارة، وهي إصابته بمرض التصَلب الجانِبِي الضمورِي، الذي تبدأ أعراضه بموت الخلايا العصبية التي تُغذي عضلات الجسم، وتؤدي إلى تدهور مستمر في حالة الجسد، ووظائفه التي يقوم بها.
الكتاب قدم نسخته العربية المترجم المصري محمد رمضان حسين، ويصدر قريباً عن دار «مصر العربية» للنشر والتوزيع المصرية، وتعرف عليه القراء في أوروبا من خلال طبعتين، الأولى كانت باللغة الهولندية عام 2015، أما الثانية فكانت في عام 2016 بالألمانية، وهي التي تُرجمت منها النسخة العربية.

تأمل الألم
مع معرفته بحالته المرضية، انطلق شتاينس في رحلة مع المؤسسات الطبية، وقد عبر عنها في مقالات عديدة كتبها في صحيفة «إن آر سي هاندلسبلاد» الهولندية ببساطة ومرح، آخذاً القراء في رحلة ممتعة مع مطالعاته في كلاسيكيات الأدب الأوروبي والحديث، مثل «كونت مونت كريستو»، و«سُباعية المكتب»، و«أبلوموف»، و«الجبل السحري»، و«مذكرات هادريان»، وقد جعل من رحلته مع الكتاب والمبدعين نقطة بداية لحالة تأملية استغرق فيها في مراحل العجز والفراق والاستسلام والألم، التي مر بها، فضلاً عن الأشياء الجميلة التي افتقدها في مرضه المميت، الذي أدى إلى وفاته في 29 أغسطس (آب) 2016 بمدينة هارلم شمال هولندا.
يتضمن الكتاب 52 مقالة قصيرة عن مرضه، وقبل كل شيء عن كُتُبِه ومُؤَلِفِيه المُفَضلِين؛ ديكنز، وألكسندر دوماس، وشكسبير، وستيفنسون، وتوماس مان، وبروست، وأوفيد، وسينيكا، وشيمبورسكا، وأيضاً عن جاك بريل، واستريد ليندجرين. وفي تأملاته المُؤثرَة والمُبهجة، والمُضحكة كذلك، يربط بيتر شتاينس بين تدهور حالته الجسدية وشخصيات روائية بارزة في القصص العالمي؛ وخلالها مثلاً لجأ إلى «صورة دوريان غراي» لأوسكار وايلد وهو يتمعن في التغييرات الحاصلة بجسده، وإلى «فنان الجوع» لكافكا، التي تَحدث فيها عن الصعوبات المتزايدة التي يعانيها وهو يتناول طعامه، وإلى «الحورية الصغيرة» لأندرسون، التي كان عليها الاختيار بين المشي والكلام، وهذه القصة مَنَحَت شتاينس البديل المناسب لقصة فُقْدَان صوتِه.
ويقدم شتاينس كتابه بحديث عن مرضه، وأعراضه، ويشير إلى أنه تعرف في صيف 2013 على إصابته، وأن حياته ستنتهي قريباً، لكنه لم يستسلم وبدأ بعد ستة أشهر من ذلك التاريخ في كتابة مقالة أسبوعية في صحيفة «إن آر سي هاندلسبلاد» الهولندية، ربط فيها مسار مرضه بالمؤلفات التي قرأها أو أعاد قراءتها، لكتاب أصبحوا رفقاء رحلته المرضية، ولم تكن مقالاته مُجَرد قصة مؤثرة لموت متوقع، لكن نظرة استثنائية على الأدب العالمي، والقراءة ومغزاها ومعنى الأدب، وإِدْرَاكِ الحياة.
في مقدمة الكتاب يقول شتاينس إن الكتابة أتاحت له فرصة متابعة رائعة ودقيقة لحالة تدهور جسده ورحلته مع المؤسسات الطبية. وفي مقال بعنوان «كأس سم سقراط، أفلاطون: مُحاورة فيدون... حوالي عام 380 قبل الميلاد»، واصل تشاينس الحديث عن مرضه، وأعراضه، ومراحل اكتشافه، وتطورات حالته التي وصفها بأنها تشبه «الوقوع في ثقب أسود»، ويربطها بتجرع سقراط السم في عام 399 قبل الميلاد، بعد اتهامه بعدم الإيمان بالآلهة اليونانية وإفساد الشباب. وهو يقول عن ذلك: «وفاة سقراط بالسم تكاد تشبه نسخة فائقة السرعة من تطورات مسار مرض التصَلب الجَانِبِي الضمُورِي؛ حيث تفقد السيطرة على ذراعيك وساقيك، وفي النهاية تموت بسبب شلل عضلات تنفسك».
وفي مقالة ثانية يتضمنها الكتاب بعنوان «تسريع مشاهد نهاية الحياة... أوسكار وايلد: صورة دوريان غراي (عام 1891)»، يقول شتاينس: «في صورة دوريان غراي، الرواية الوحيدة لأوسكار وايلد، يقع بطلها المنحل تحت سحر صورة رسمها له فنان. شَعَرَ كم أن الأمر خَداع أن تحتفظ اللوحة بجمال بات يغادره هو شخصياً، فهتف بتنهد: آه لو كان الأمر خلاف ذلك! لو بقيتُ شاباً وكبرت الصورة!». ومن الحديث عن الرواية وأحداثها، يعود شتاينس لحالته وقد طغت صورة دوريان سريعة التلاشي على ذهنه، ليذكر أنه رغم كل سلبيات المرض إلا أن لديه ميزة أنه في الغالب لا يهاجم الدماغ أو الرغبة الجنسية، ويرتبط بألم أقل من السرطان أو الروماتيزم.
ويتضمن الكتاب خاتمة بعنوان «غيبوبة القراءة» كتبها الكاتب الهولندي فان دير هايدن، ويتحدث فيها عن رحلة تَطَورَ بيتر شتاينس إلى مؤلف على مدار خمسة وعشرين عاماً، مشيراً إلى أنه ظل صادقاً مع نفسِه كقارئ، وغالباً ما كان موضوعه هو الأدب نفسه، وقد كان كتابه العظيم «صُنِعَ في أوروبا» محور اهتمام الكثيرين من المفكرين والقراء على السواء. ويذكر هايدن أن شتاينس تعامل مع مرضه بشفافية وشجاعة مطلقة، وأهدى كتابه «مغزى القراءة» لقرائه وربطه بمرضه. وعندما أدرك أن التصلب الجَانِبِي الضمُورِي هو المصير الذي ينتظره، لم يترك المرض يشل قواه العقلية، وواجهه بنفسه وتحداه.
وُلِدَ بيتر شتاينس في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1963 في روتردام، وفي مدينة ماس التحق بمدرسة مونتيسوري، أما بقية طفولته وشبابه فقضاهما في قرية روسوم، التي كانت مستوطنة حدودية في العصر الروماني، وفي مدينة زالتبومل الصغيرة، التي تدين بشهرتها إلى السونيته الشهيرة التي خصصها الشاعر مارتينوس نيهوف لجسر فوق نهر فال.
بعد حصوله على الثانوية من مدرسة الألعاب الرياضية في مدينة هيرتوجنبوش، انتقل شتاينس إلى أمستردام في عام 1981 لدراسة التاريخ، وتخصص في العصور الكلاسيكية القديمة، وأكمل دراساته «بامتياز» بأطروحة حول تاريخ العقليات الرومانية، وفي جامعة ماساتشوستس في أميرست، أنهى دراسته عام 1989 بأطروحة حول صورة أميركا عند بوب ديلان وراندي نيومان ولو ريد.
وقام شتاينس بتدريس تاريخ العصور الكلاسيكية القديمة في جامعة أمستردام من عام 1986 إلى عام 1990. وعمل كمُحَرر عام في الملحق الثقافي، ثم مُحَرر أفلام، ومُحَرر أدبي، وترأس الملحق الأدبي (كُتب) من 2006 إلى 2012. وكَتَبَ العديد من المقالات والمراجعات عن الأدب الأميركي والهولندي. وفي فبراير (شباط) 2012، ترك الصحافة، وأصبح مديراً للمؤسسة الهولندية للآداب، وهي مؤسسة حكومية لتعزيز الأدب الهولندي في الداخل والخارج، وفي صيف 2013، بعد تشخيص حالته المرضية، اضطر للتخلي عن مُعظم واجباته، واكتفى بكتابة عموده الأسبوعي.
قدم شتاينس ثمانية عشر كتاباً كان أولها عمله «السيد فان ديل ينتظر إجابة»، ثم نَشَرَ بعد اثني عشر عاماً كتابه الأكثر مبيعاً «القراءة وهلم جرا»، ثم نشر بالتعاون مع ابنته «يِت»، طبعة مُحَدثة ومُعَدلة بدقة من دليله الأدبي في عام 2015. وفي مارس (آذار) 2014 حصل على جائزة «ريشة الشرف الذهبية» الشهيرة، وجائزة «التوليب الذهبي» عام 2014، عن كتابه «صُنع في أوروبا، الفن الذي يربط قارتنا»، كما وصل إلى القائمة الطويلة للجائزة الأدبية البلجيكية «البومة الذهبية»، وحصل على جائزة من «هيلينا فاز دا سيلفا». وقد تم تكريمه في عام 2014 من قِبَلِ الحركة الأوروبية في هولندا، «لمساهمته الاستثنائية والبناءة في النقاش الأوروبي بهولندا».



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.