لمح مسؤول سعودي رفيع المستوى أمس، إلى أهمية النظر في سياسة الدعم الحكومي لأسعار السلع والمحروقات، يأتي ذلك في الوقت الذي تدعم فيه البلاد كثيرًا من السلع الغذائية الأساسية، وحليب الأطفال مما ساهم في انخفاض الأسعار، إلا أن الارتفاع الجديد الذي حققه الريال السعودي (بسبب ارتباطه بالدولار) من جهة، وتراجع أسعار النفط بأكثر من 50 في المائة من جهة أخرى، باتت عوامل اقتصادية جديدة من شأنها خفض تكاليف الاستيراد والإنتاج على حد سواء.
وفي هذا الشأن، أصبح المراقبون لأسعار السلع الأساسية في السعودية ينظرون إلى إمكانية انخفاض أسعارها بنسبة لا تقل عن 20 في المائة، وهو الأمر الذي أصبح تحقيقه يتطلب تفاعل السوق المحلية مع المستجدات الاقتصادية العالمية المتعلقة بقيمة الدولار وأسعار النفط.
وفي ذات السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة، يوم أمس، أن فكرة توجيه الدعم الحكومي إلى المستهلك السعودي أصبحت واردة جدًا، في وقت يتجه فيه الدعم الحالي الموجه للسلع الأساسية إلى المستورد أو المنتج، وقد يكون هذا التحول واردًا في حال عدم تفاعل السوق المحلية مع التغيرات الاقتصادية العالمية الجديدة، التي تنبئ بانحسار التضخم.
وأكد خبير اقتصادي تحدث لـ«الشرق الأوسط» يوم أمس، أن المساهمة نحو تحقيق هدف كفاءة الطاقة لن يتم بمعزل عن إعادة النظر في آلية الدعم الحالية، مشددًا على أن المقصود في إعادة النظر هو تغيير الآلية الحالية، وليس إلغاء الدعم نهائيًا.
وتأتي هذه التطورات، في الوقت الذي نجح فيه المركز السعودي لكفاءة الطاقة، نحو إتمام خطوات فعلية من شأنها الحد من هدر الطاقة في السوق المحلية، حيث تشير الأرقام الاقتصادية إلى أن السعودية تستهلك محليًا نحو 2.4 مليون برميل نفط يوميًا، وهو رقم يشكل ما نسبته 25 في المائة من مجموع الإنتاج البالغ نحو 9.6 مليون برميل.
ورغم أن المركز السعودي لكفاءة الطاقة لم يمض على تأسيسه سوى نحو 5 سنوات، فإنه نجح في تطبيق خطوات فعلية من شأنها الحد من هدر الطاقة محليًا، يأتي ذلك في وقت كشف فيه الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، رئيس اللجنة الفرعية للبرنامج الوطني لكفاءة الطاقة قبل نحو 21 يومًا، أنه جرى الاتفاق على آلية عمل بين 11 جهة حكومية من ضمنها المركز، لضمان تطبيق وتفعيل كفاءة الطاقة المقرة من قبل اللجنة الإدارية للمركز السعودي لكفاءة الطاقة بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، مؤكدا أهمية التزام الشركات العاملة في مجال صناعة الحديد والإسمنت والبتروكيماويات بهذه المعايير والمتطلبات.
وبيّن الأمير عبد العزيز حينها، أن المهام وآلية العمل المتفق عليها بين هذه الجهات الحكومية، إضافة إلى الحزم في تنفيذ العقوبات والجزاءات من قبل هذه الجهات كل حسب اختصاصه، ستكفل التزام جميع المصانع القائمة بمتطلبات كفاءة الطاقة، التي تهدف إلى الوصول إلى مستويات المؤشرات العالمية لكفاءة استهلاك الطاقة، مستفيدة من آلية المرونة التي أعدها البرنامج، وتسهيلات الإقراض التي جرى الاتفاق عليها مع صندوق التنمية الصناعية السعودي.
وفي شأن متصل، قال الدكتور فهد المبارك محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما»: «من التحديات القائمة، رفع مستوى كفاءة الاستخدام الداخلي للطاقة والمياه، مما نتج عنه تشوه وهدر كبير لتلك الموارد المهمة، إضافة إلى زيادة الأعباء المالية على الدولة، وهذا يتطلب إعادة النظر في سياسة دعم الأسعار واستبدالها بشكل تدريجي ومدروس باستمرار الدعم الذي يستهدف شرائح الفئات منخفضة ومتوسطة الدخل مع مراعاة للآثار الاجتماعية لأي تغيير».
وأضاف: «من التحديات التي تواجه الاقتصاد رفع مستوى الكفاءة والإنتاجية، حيث إن الباب الأول من الميزانية العامة للدولة المشتمل على الرواتب يمثل نسبة عالية، ويتطلب العمل على تخفيضها من خلال رفع مستوى الإنتاجية، وتخصيص بعض المرافق العامة، والحد من التوسع في هذا الباب لصالح المشاريع التنموية والإنتاجية، ومن المؤكد أن معهد الإدارة العامة يقوم بدور مشكور في التدريب والتعليم لرفع كفاءة وإنتاجية منسوبي القطاع العام».
وقال المبارك في ورشة عمل «السياسات الاقتصادية وأبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السعودي لتحقيق التنمية المستدامة»: «اتخذ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في الأسبوع الأول من توليه مقاليد الحكم سلسلة من القرارات التاريخية والمهمة التي جاء توقيتها تأكيدًا على حرصه الشديد على استمرار سياسة تعزيز التنمية والتطور في هذا البلد الكريم على مختلف المستويات، شملت إعادة تشكيل مجلس الوزراء، وهيكلة المجالس العليا بالدولة وضم مهامها في مجلسين رئيسيين هما مجلس الشؤون السياسية والأمنية، ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية».
وتابع: «وشملت القرارات تخصيص مبالغ سخية لتلبية احتياجات المواطن ودعم القطاعات الخدمية، وهذه القرارات كان لها صدى طيب لدى المجتمع السعودي، وسيمثل بداية قوية لاستمرار التنمية الشاملة والمستدامة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز».
وأكد أن السعودية اتخذت مجموعة واسعة من السياسات والقرارات والإجراءات الهادفة إلى إعادة هيكلة وتنظيم الاقتصاد، وتحديث الأنظمة والتشريعات بما يعزز رفع مستوى كفاءة وتنافسية الأداء ويدعم التشغيل الأمثل لعوامل الإنتاج، علاوة على توفير إطار تنظيمي وإداري متطور وبيئة جاذبة للاستثمار.
وأضاف: «ركزت السياسات الاقتصادية على أربعة مجالات حيوية يأتي في مقدمتها تنمية وتطوير القوى البشرية الوطنية، وتحديث وصيانة مشاريع البنية التحتية، وإطفاء الدين العام، وبناء الاحتياطيات المالية للدولة بهدف مواجهة الدورات الاقتصادية والتطورات غير المواتية في الأسواق العالمية».
واستطرد المبارك «تجاوبًا مع هذا التوجه، شهدت السياسة المالية توسعًا مستمرًا وكبيرًا في السنوات العشر الماضية، وتضاعف إجمالي المصروفات الفعلية إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، وهذه أطول فترة انتعاش يشهدها الاقتصاد الوطني في تاريخه، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقطاع غير النفطي بمتوسط سنوي نسبته 7.5 في المائة». وأضاف: «في المقابل، سعت السياسة النقدية إلى اتخاذ إجراءات احترازية عدة للحد من أثر التوسع المالي على مستويات التضخم خلال عام 2007. ومعظم عام 2008. إلا أنها اضطرت إلى اتباع سياسة نقدية توسعيه في الربع الأخير من عام 2008 للتعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، وذلك بهدف تحقيق الاستقرار المالي، ودعم النشاط الاقتصادي المحلي عبر تعزيز السيولة، وتجاوز القطاع المالي تداعيات تلك الأزمة، وبدأت معدلات التضخم في الانخفاض المستمر لتبلغ في عام 2014 نحو 2.7 في المائة».
وقال المبارك «إن استقرار سعر صرف الريـال مارس دورًا مهمًا وحيويًا في استقرار التنمية الاقتصادية بالسعودية، وكان له أثر إيجابي كبير في تعزيز الثقة بالنظام المالي واستقرار الأسعار المحلية، مما نتج عنه تحقيق تحسن كبير في نشاط الأعمال وتشجيع لمزيد من الاستثمار المحلي والأجنبي في الاقتصاد الوطني».
وأوضح أنه على الصعيد النقدي والمصرفي، تضاعفت السيولة المحلية بنحو ثلاثة أضعاف ونصف، كما زادت مطلوبات المصارف من القطاع الخاص بنحو أربعة أضعاف، ونتيجة لهذه التطورات، تحسن تقييم السعودية في التقارير العالمية مثل تقرير التنافسية وتقرير مزاولة الأعمال، كما رفعت مؤسسة فتش العالمية تصنيفها الائتماني للمملكة في عام 2014م من –AA إلى AA مع نظرة مستقبلية مستقرة، وتحققت هذه الإنجازات على الرغم مما يعصف بمنطقة الشرق الأوسط من أزمات متنوعة لم تشهد لها مثيلًا في تاريخها الحديث. وتابع المبارك «من ضمن البرامج التي قطعت الدولة فيها شوطًا كبيرًا، برنامج تخصيص بعض القطاعات والخدمات الحكومية من أجل زيادة رفع كفاءة الإنتاج والقدرة التنافسية من خلال تحرير الأسواق، وتقديم وإنتاج تلك الخدمات على أسس اقتصادية.
وبيّن أن مؤسسة النقد العربي السعودي، واكبت التطورات المتعاقبة في القطاع المالي، ففي قطاع التأمين، استمرت المؤسسة في توجيه هذا القطاع لمزيد من التنظيم والعمل وفق معايير وممارسات مهنية عالية، أما في مجال الرقابة والإشراف على قطاع التمويل العقاري وشركات التمويل، فقد استعدت المؤسسة مبكرًا للقيام بالمسؤوليات المناطة بها بموجب أنظمة التمويل، وقد رخصت المؤسسة لثلاثين مصرفا وشركات لممارسة نشاط التمويل العقاري وغير عقاري، ومنحت موافقات أولية لعدد 13 شركة لاستكمال إجراءات الترخيص، كما أصدرت أخيرًا قواعد التمويل متناهي الصغر التي ستسهم في خلق وظائف وتمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة الحرفيين.
وفيما يتعلق بجهود المؤسسة لحماية عملاء القطاع المالي، فقد قامت المؤسسة بالعمل على حماية مصالح وحقوق العميل، والتأكد أن تعامل القطاعات المالية مع العميل يجري بطريقة مهنية عادلة، وقامت المؤسسة بإنشاء «إدارة حماية العملاء» التي من أهم أهدافها حصول عملاء القطاعات التي تشرف عليها المؤسسة من مصارف وشركات تأمين وشركات تمويل على معاملة عادلة بشفافية وصدق وأمانة في التعاملات المالية وكذلك الحصول على الخدمات والمنتجات المالية بكل يسر وسهولة وبتكلفة مناسبة وجودة عالية، وكذلك إنشاء مركز الاتصال بالمؤسسة لاستقبال وحل شكاوى العملاء.
وأصدرت المؤسسة مبادئ حماية عملاء القطاع المصرفي ومبادئ حماية عملاء قطاع التأمين ومن المتوقع صدور مبادئ حماية عملاء قطاع التمويل قريبًا، وتجري المؤسسة رقابة صارمة على البنوك والشركات لتطبيق هذه المبادئ.
وعن التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، قال الدكتور المبارك «من المعروف أن التحديات حافزٌ ملازمٌ وموازٍ للطموحات والأهداف، ولا يخلو أي اقتصاد متقدم أو ناشئ منها، ورغم الإنجازات والمكتسبات الاقتصادية الوطنية الضخمة التي تحققت، فلا تزال هناك تحديات قائمة تتطلب استمرار تكثيف العمل لمواجهتها».
وأشار إلى أن من أبرز التحديات الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل والقاعدة الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية، فرغم استمرار نمو ناتج القطاع الخاص بشكل مستمر وملحوظ منذ أكثر من ربع قرن، فإن هذا الناتج يعتمد على معطيات القطاع العام ويتركز معظمه في قطاع الخدمات، ولذلك لا بد من التركيز على القطاعات الإنتاجية مثل قطاع الصناعة، وفتح مجالات أوسع للتخصيص.
وأضاف: «من التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، تواضع توطين القوى العاملة المحلية في القطاع الخاص، وهذا يتطلب تكثيف الجهود الحالية لوضع استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى وبمشاركة فاعلة من القطاعين الخاص والعام للحد منها مع ترشيد استقدام العمالة الأجنبية، ومواصلة تطوير برامج التعليم العام والفني والمهني وكذلك مخرجات التعليم العالي لتواكب احتياجات السوق».
وفي ختام حديثه أوضح الدكتور فهد المبارك محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما»، أن التحديات قصيرة أو ربما متوسطة المدى التي تواجه المالية العامة هو تراجع أسعار النفط بشكل كبير خلال الأشهر الماضية، ما أدى إلى تراجع الإيرادات النفطية التي تشكل نسبة عالية من إجمالي إيرادات الميزانية العامة للدولة.
من جهة أخرى، قال فضل البوعينين الخبير الاقتصادي والمالي لـ«الشرق الأوسط» يوم أمس: «أعتقد أن سياسة الدعم الحكومي السعودي في المحروقات تحتاج إلى إعادة نظر، وليس إلغاء، حتى يمكن للدعم بأن يصل إلى المستحقين، فهنالك 11 مليون أجنبي في السعودية جميعهم يستفيدون من هذا الدعم، وهنالك من لديه مجموعة كبرى من السيارات والمركبات التي تستفيد من هذا الدعم، وبالتالي نحن في حاجة إلى دعم ذكي يوجه إلى المستحقين بشكل مباشر، وهذا يمكن تحقيقه من خلال التقنيات الحديثة والدراسات والمستفيضة التي يمكن أن تجعل من سياسة الدعم سياسة ذات كفاءة، يتم من خلالها التوجه مباشرة إلى المستهلك السعودي المستحق».
وحول الدعم الحكومي السعودي للسلع الأساسية أضاف البوعينين: «أما السلع الأساسية فإن غالبية الدعم غير مجدٍ لأنه في النهاية يذهب إلى مصلحة التجار لا المستفيدين، وعليه فإنه من المهم إيجاد آلية يمكن من خلالها، إيصال الدعم مباشرة إلى المستفيدين، وهنالك أكثر من آلية مطبقة عالميًا وفي بعض دول الجوار يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف، ومن ضمنها البطاقة التموينية»، مؤكدًا على أن تحقيق هدف كفاءة الطاقة لن يتم بمعزل عن إعادة النظر في آلية الدعم الحالية.
يشار إلى أن بدأت السعودية باتخاذ خطوات فعلية نحو ترشيد استهلاك الطاقة في السوق المحلية، حيث وضعت البلاد عام 2030 هدفا زمنيا للوصول إلى أهداف الاستراتيجية التي رسمتها من خلال برامج ترشيد استهلاك الطاقة، وسط تحديات كبرى يواجهها هذا البرنامج، حيث تتلخص هذه التحديات في ارتفاع استهلاك كل من الكهرباء والوقود في السوق المحلية، وهو الأمر الذي يجعل من مهمة المركز السعودي لكفاءة الطاقة في ترشيد الاستهلاك أمرا في غاية الصعوبة، إلا أنه من المتوقع تحقيقه في ظل الدعم الكبير الذي يجده المركز من قبل حكومة البلاد.
السعودية: دعوات اقتصادية إلى إعادة النظر في آلية دعم الأسعار
محافظ «ساما»: من التحديات التي تواجه الاقتصاد رفع مستوى الكفاءة والإنتاجية
السعودية: دعوات اقتصادية إلى إعادة النظر في آلية دعم الأسعار
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
