السعودية: دعوات اقتصادية إلى إعادة النظر في آلية دعم الأسعار

محافظ «ساما»: من التحديات التي تواجه الاقتصاد رفع مستوى الكفاءة والإنتاجية

السعودية: دعوات اقتصادية إلى إعادة النظر في آلية دعم الأسعار
TT

السعودية: دعوات اقتصادية إلى إعادة النظر في آلية دعم الأسعار

السعودية: دعوات اقتصادية إلى إعادة النظر في آلية دعم الأسعار

لمح مسؤول سعودي رفيع المستوى أمس، إلى أهمية النظر في سياسة الدعم الحكومي لأسعار السلع والمحروقات، يأتي ذلك في الوقت الذي تدعم فيه البلاد كثيرًا من السلع الغذائية الأساسية، وحليب الأطفال مما ساهم في انخفاض الأسعار، إلا أن الارتفاع الجديد الذي حققه الريال السعودي (بسبب ارتباطه بالدولار) من جهة، وتراجع أسعار النفط بأكثر من 50 في المائة من جهة أخرى، باتت عوامل اقتصادية جديدة من شأنها خفض تكاليف الاستيراد والإنتاج على حد سواء.
وفي هذا الشأن، أصبح المراقبون لأسعار السلع الأساسية في السعودية ينظرون إلى إمكانية انخفاض أسعارها بنسبة لا تقل عن 20 في المائة، وهو الأمر الذي أصبح تحقيقه يتطلب تفاعل السوق المحلية مع المستجدات الاقتصادية العالمية المتعلقة بقيمة الدولار وأسعار النفط.
وفي ذات السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة، يوم أمس، أن فكرة توجيه الدعم الحكومي إلى المستهلك السعودي أصبحت واردة جدًا، في وقت يتجه فيه الدعم الحالي الموجه للسلع الأساسية إلى المستورد أو المنتج، وقد يكون هذا التحول واردًا في حال عدم تفاعل السوق المحلية مع التغيرات الاقتصادية العالمية الجديدة، التي تنبئ بانحسار التضخم.
وأكد خبير اقتصادي تحدث لـ«الشرق الأوسط» يوم أمس، أن المساهمة نحو تحقيق هدف كفاءة الطاقة لن يتم بمعزل عن إعادة النظر في آلية الدعم الحالية، مشددًا على أن المقصود في إعادة النظر هو تغيير الآلية الحالية، وليس إلغاء الدعم نهائيًا.
وتأتي هذه التطورات، في الوقت الذي نجح فيه المركز السعودي لكفاءة الطاقة، نحو إتمام خطوات فعلية من شأنها الحد من هدر الطاقة في السوق المحلية، حيث تشير الأرقام الاقتصادية إلى أن السعودية تستهلك محليًا نحو 2.4 مليون برميل نفط يوميًا، وهو رقم يشكل ما نسبته 25 في المائة من مجموع الإنتاج البالغ نحو 9.6 مليون برميل.
ورغم أن المركز السعودي لكفاءة الطاقة لم يمض على تأسيسه سوى نحو 5 سنوات، فإنه نجح في تطبيق خطوات فعلية من شأنها الحد من هدر الطاقة محليًا، يأتي ذلك في وقت كشف فيه الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، رئيس اللجنة الفرعية للبرنامج الوطني لكفاءة الطاقة قبل نحو 21 يومًا، أنه جرى الاتفاق على آلية عمل بين 11 جهة حكومية من ضمنها المركز، لضمان تطبيق وتفعيل كفاءة الطاقة المقرة من قبل اللجنة الإدارية للمركز السعودي لكفاءة الطاقة بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، مؤكدا أهمية التزام الشركات العاملة في مجال صناعة الحديد والإسمنت والبتروكيماويات بهذه المعايير والمتطلبات.
وبيّن الأمير عبد العزيز حينها، أن المهام وآلية العمل المتفق عليها بين هذه الجهات الحكومية، إضافة إلى الحزم في تنفيذ العقوبات والجزاءات من قبل هذه الجهات كل حسب اختصاصه، ستكفل التزام جميع المصانع القائمة بمتطلبات كفاءة الطاقة، التي تهدف إلى الوصول إلى مستويات المؤشرات العالمية لكفاءة استهلاك الطاقة، مستفيدة من آلية المرونة التي أعدها البرنامج، وتسهيلات الإقراض التي جرى الاتفاق عليها مع صندوق التنمية الصناعية السعودي.
وفي شأن متصل، قال الدكتور فهد المبارك محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما»: «من التحديات القائمة، رفع مستوى كفاءة الاستخدام الداخلي للطاقة والمياه، مما نتج عنه تشوه وهدر كبير لتلك الموارد المهمة، إضافة إلى زيادة الأعباء المالية على الدولة، وهذا يتطلب إعادة النظر في سياسة دعم الأسعار واستبدالها بشكل تدريجي ومدروس باستمرار الدعم الذي يستهدف شرائح الفئات منخفضة ومتوسطة الدخل مع مراعاة للآثار الاجتماعية لأي تغيير».
وأضاف: «من التحديات التي تواجه الاقتصاد رفع مستوى الكفاءة والإنتاجية، حيث إن الباب الأول من الميزانية العامة للدولة المشتمل على الرواتب يمثل نسبة عالية، ويتطلب العمل على تخفيضها من خلال رفع مستوى الإنتاجية، وتخصيص بعض المرافق العامة، والحد من التوسع في هذا الباب لصالح المشاريع التنموية والإنتاجية، ومن المؤكد أن معهد الإدارة العامة يقوم بدور مشكور في التدريب والتعليم لرفع كفاءة وإنتاجية منسوبي القطاع العام».
وقال المبارك في ورشة عمل «السياسات الاقتصادية وأبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السعودي لتحقيق التنمية المستدامة»: «اتخذ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في الأسبوع الأول من توليه مقاليد الحكم سلسلة من القرارات التاريخية والمهمة التي جاء توقيتها تأكيدًا على حرصه الشديد على استمرار سياسة تعزيز التنمية والتطور في هذا البلد الكريم على مختلف المستويات، شملت إعادة تشكيل مجلس الوزراء، وهيكلة المجالس العليا بالدولة وضم مهامها في مجلسين رئيسيين هما مجلس الشؤون السياسية والأمنية، ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية».
وتابع: «وشملت القرارات تخصيص مبالغ سخية لتلبية احتياجات المواطن ودعم القطاعات الخدمية، وهذه القرارات كان لها صدى طيب لدى المجتمع السعودي، وسيمثل بداية قوية لاستمرار التنمية الشاملة والمستدامة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز».
وأكد أن السعودية اتخذت مجموعة واسعة من السياسات والقرارات والإجراءات الهادفة إلى إعادة هيكلة وتنظيم الاقتصاد، وتحديث الأنظمة والتشريعات بما يعزز رفع مستوى كفاءة وتنافسية الأداء ويدعم التشغيل الأمثل لعوامل الإنتاج، علاوة على توفير إطار تنظيمي وإداري متطور وبيئة جاذبة للاستثمار.
وأضاف: «ركزت السياسات الاقتصادية على أربعة مجالات حيوية يأتي في مقدمتها تنمية وتطوير القوى البشرية الوطنية، وتحديث وصيانة مشاريع البنية التحتية، وإطفاء الدين العام، وبناء الاحتياطيات المالية للدولة بهدف مواجهة الدورات الاقتصادية والتطورات غير المواتية في الأسواق العالمية».
واستطرد المبارك «تجاوبًا مع هذا التوجه، شهدت السياسة المالية توسعًا مستمرًا وكبيرًا في السنوات العشر الماضية، وتضاعف إجمالي المصروفات الفعلية إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، وهذه أطول فترة انتعاش يشهدها الاقتصاد الوطني في تاريخه، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقطاع غير النفطي بمتوسط سنوي نسبته 7.5 في المائة». وأضاف: «في المقابل، سعت السياسة النقدية إلى اتخاذ إجراءات احترازية عدة للحد من أثر التوسع المالي على مستويات التضخم خلال عام 2007. ومعظم عام 2008. إلا أنها اضطرت إلى اتباع سياسة نقدية توسعيه في الربع الأخير من عام 2008 للتعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، وذلك بهدف تحقيق الاستقرار المالي، ودعم النشاط الاقتصادي المحلي عبر تعزيز السيولة، وتجاوز القطاع المالي تداعيات تلك الأزمة، وبدأت معدلات التضخم في الانخفاض المستمر لتبلغ في عام 2014 نحو 2.7 في المائة».
وقال المبارك «إن استقرار سعر صرف الريـال مارس دورًا مهمًا وحيويًا في استقرار التنمية الاقتصادية بالسعودية، وكان له أثر إيجابي كبير في تعزيز الثقة بالنظام المالي واستقرار الأسعار المحلية، مما نتج عنه تحقيق تحسن كبير في نشاط الأعمال وتشجيع لمزيد من الاستثمار المحلي والأجنبي في الاقتصاد الوطني».
وأوضح أنه على الصعيد النقدي والمصرفي، تضاعفت السيولة المحلية بنحو ثلاثة أضعاف ونصف، كما زادت مطلوبات المصارف من القطاع الخاص بنحو أربعة أضعاف، ونتيجة لهذه التطورات، تحسن تقييم السعودية في التقارير العالمية مثل تقرير التنافسية وتقرير مزاولة الأعمال، كما رفعت مؤسسة فتش العالمية تصنيفها الائتماني للمملكة في عام 2014م من –AA إلى AA مع نظرة مستقبلية مستقرة، وتحققت هذه الإنجازات على الرغم مما يعصف بمنطقة الشرق الأوسط من أزمات متنوعة لم تشهد لها مثيلًا في تاريخها الحديث. وتابع المبارك «من ضمن البرامج التي قطعت الدولة فيها شوطًا كبيرًا، برنامج تخصيص بعض القطاعات والخدمات الحكومية من أجل زيادة رفع كفاءة الإنتاج والقدرة التنافسية من خلال تحرير الأسواق، وتقديم وإنتاج تلك الخدمات على أسس اقتصادية.
وبيّن أن مؤسسة النقد العربي السعودي، واكبت التطورات المتعاقبة في القطاع المالي، ففي قطاع التأمين، استمرت المؤسسة في توجيه هذا القطاع لمزيد من التنظيم والعمل وفق معايير وممارسات مهنية عالية، أما في مجال الرقابة والإشراف على قطاع التمويل العقاري وشركات التمويل، فقد استعدت المؤسسة مبكرًا للقيام بالمسؤوليات المناطة بها بموجب أنظمة التمويل، وقد رخصت المؤسسة لثلاثين مصرفا وشركات لممارسة نشاط التمويل العقاري وغير عقاري، ومنحت موافقات أولية لعدد 13 شركة لاستكمال إجراءات الترخيص، كما أصدرت أخيرًا قواعد التمويل متناهي الصغر التي ستسهم في خلق وظائف وتمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة الحرفيين.
وفيما يتعلق بجهود المؤسسة لحماية عملاء القطاع المالي، فقد قامت المؤسسة بالعمل على حماية مصالح وحقوق العميل، والتأكد أن تعامل القطاعات المالية مع العميل يجري بطريقة مهنية عادلة، وقامت المؤسسة بإنشاء «إدارة حماية العملاء» التي من أهم أهدافها حصول عملاء القطاعات التي تشرف عليها المؤسسة من مصارف وشركات تأمين وشركات تمويل على معاملة عادلة بشفافية وصدق وأمانة في التعاملات المالية وكذلك الحصول على الخدمات والمنتجات المالية بكل يسر وسهولة وبتكلفة مناسبة وجودة عالية، وكذلك إنشاء مركز الاتصال بالمؤسسة لاستقبال وحل شكاوى العملاء.
وأصدرت المؤسسة مبادئ حماية عملاء القطاع المصرفي ومبادئ حماية عملاء قطاع التأمين ومن المتوقع صدور مبادئ حماية عملاء قطاع التمويل قريبًا، وتجري المؤسسة رقابة صارمة على البنوك والشركات لتطبيق هذه المبادئ.
وعن التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، قال الدكتور المبارك «من المعروف أن التحديات حافزٌ ملازمٌ وموازٍ للطموحات والأهداف، ولا يخلو أي اقتصاد متقدم أو ناشئ منها، ورغم الإنجازات والمكتسبات الاقتصادية الوطنية الضخمة التي تحققت، فلا تزال هناك تحديات قائمة تتطلب استمرار تكثيف العمل لمواجهتها».
وأشار إلى أن من أبرز التحديات الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل والقاعدة الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية، فرغم استمرار نمو ناتج القطاع الخاص بشكل مستمر وملحوظ منذ أكثر من ربع قرن، فإن هذا الناتج يعتمد على معطيات القطاع العام ويتركز معظمه في قطاع الخدمات، ولذلك لا بد من التركيز على القطاعات الإنتاجية مثل قطاع الصناعة، وفتح مجالات أوسع للتخصيص.
وأضاف: «من التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، تواضع توطين القوى العاملة المحلية في القطاع الخاص، وهذا يتطلب تكثيف الجهود الحالية لوضع استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى وبمشاركة فاعلة من القطاعين الخاص والعام للحد منها مع ترشيد استقدام العمالة الأجنبية، ومواصلة تطوير برامج التعليم العام والفني والمهني وكذلك مخرجات التعليم العالي لتواكب احتياجات السوق».
وفي ختام حديثه أوضح الدكتور فهد المبارك محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما»، أن التحديات قصيرة أو ربما متوسطة المدى التي تواجه المالية العامة هو تراجع أسعار النفط بشكل كبير خلال الأشهر الماضية، ما أدى إلى تراجع الإيرادات النفطية التي تشكل نسبة عالية من إجمالي إيرادات الميزانية العامة للدولة.
من جهة أخرى، قال فضل البوعينين الخبير الاقتصادي والمالي لـ«الشرق الأوسط» يوم أمس: «أعتقد أن سياسة الدعم الحكومي السعودي في المحروقات تحتاج إلى إعادة نظر، وليس إلغاء، حتى يمكن للدعم بأن يصل إلى المستحقين، فهنالك 11 مليون أجنبي في السعودية جميعهم يستفيدون من هذا الدعم، وهنالك من لديه مجموعة كبرى من السيارات والمركبات التي تستفيد من هذا الدعم، وبالتالي نحن في حاجة إلى دعم ذكي يوجه إلى المستحقين بشكل مباشر، وهذا يمكن تحقيقه من خلال التقنيات الحديثة والدراسات والمستفيضة التي يمكن أن تجعل من سياسة الدعم سياسة ذات كفاءة، يتم من خلالها التوجه مباشرة إلى المستهلك السعودي المستحق».
وحول الدعم الحكومي السعودي للسلع الأساسية أضاف البوعينين: «أما السلع الأساسية فإن غالبية الدعم غير مجدٍ لأنه في النهاية يذهب إلى مصلحة التجار لا المستفيدين، وعليه فإنه من المهم إيجاد آلية يمكن من خلالها، إيصال الدعم مباشرة إلى المستفيدين، وهنالك أكثر من آلية مطبقة عالميًا وفي بعض دول الجوار يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف، ومن ضمنها البطاقة التموينية»، مؤكدًا على أن تحقيق هدف كفاءة الطاقة لن يتم بمعزل عن إعادة النظر في آلية الدعم الحالية.
يشار إلى أن بدأت السعودية باتخاذ خطوات فعلية نحو ترشيد استهلاك الطاقة في السوق المحلية، حيث وضعت البلاد عام 2030 هدفا زمنيا للوصول إلى أهداف الاستراتيجية التي رسمتها من خلال برامج ترشيد استهلاك الطاقة، وسط تحديات كبرى يواجهها هذا البرنامج، حيث تتلخص هذه التحديات في ارتفاع استهلاك كل من الكهرباء والوقود في السوق المحلية، وهو الأمر الذي يجعل من مهمة المركز السعودي لكفاءة الطاقة في ترشيد الاستهلاك أمرا في غاية الصعوبة، إلا أنه من المتوقع تحقيقه في ظل الدعم الكبير الذي يجده المركز من قبل حكومة البلاد.



صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

سجلت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات خارجة أسبوعية منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول) خلال الأيام السبعة المنتهية في 11 مارس (آذار)؛ إذ أدت اضطرابات إمدادات النفط الناجمة عن الصراع الأميركي - الإسرائيلي - الإيراني المستمر إلى تصاعد المخاوف بشأن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي»، بلغت قيمة التدفقات الخارجة من صناديق الأسهم العالمية 7.05 مليار دولار خلال الأسبوع، وهو أعلى مستوى منذ الأسبوع المنتهي في 17 ديسمبر 2025، الذي شهد تدفقات خارجة بلغت 46.68 مليار دولار، وفق «رويترز».

وتجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل يوم الجمعة، في وقت تعاني فيه أسواق النفط العالمية ما وصفه المتداولون بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعد أن توقفت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز بشكل شبه كلي.

في الوقت نفسه، ارتفع مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو للخيارات، المعروف في وول ستريت باسم «مقياس الخوف»، إلى 28.15 نقطة في وقت سابق من هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يعكس ارتفاع حالة عدم اليقين في الأسواق.

وعلى صعيد التدفقات الإقليمية، سجلت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات خارجة بنحو 7.77 مليار دولار، بعد صافي مبيعات أسبوعية بلغ 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. كما سحب المستثمرون نحو 7.71 مليار دولار من الصناديق الأوروبية، في حين استقطبت الصناديق الآسيوية تدفقات داخلة بقيمة 6.15 مليار دولار.

أما صناديق الأسهم القطاعية فسجلت صافي مبيعات بلغ 2.71 مليار دولار، مع تخارج المستثمرين من صناديق القطاع المالي والرعاية الصحية بقيمة 2.31 مليار دولار و1.31 مليار دولار على التوالي، في حين اجتذبت صناديق القطاع الصناعي تدفقات داخلة بلغت 1.31 مليار دولار.

وقال راي شارما-أونغ، نائب الرئيس العالمي لحلول الأصول المتعددة في شركة «أبردين» للاستثمارات، إن التراجع الأخير في أسواق الأسهم في شمال آسيا يبدو غير متناسب مع الأساسيات الاقتصادية. وأضاف أن استقرار المخاطر الجيوسياسية قد يؤدي إلى انعكاس سريع في مراكز الاستثمار ومعنويات المستثمرين، ما قد يفتح المجال أمام انتعاش قوي في المنطقة.

في المقابل، تراجعت التدفقات الأسبوعية إلى صناديق السندات العالمية إلى أدنى مستوى لها في عشرة أسابيع عند 5.72 مليار دولار. وسجلت صناديق السندات عالية العائد صافي مبيعات بقيمة 3.17 مليار دولار، وهو أكبر تدفق خارجي أسبوعي منذ منتصف أبريل (نيسان) 2025.

وعلى النقيض، ارتفعت التدفقات الداخلة إلى صناديق السندات قصيرة الأجل إلى أعلى مستوى لها في أربعة أسابيع، مسجلة 5.75 مليار دولار، في حين جذبت صناديق أسواق المال 6.93 مليار دولار، محققة تدفقات إيجابية للأسبوع السابع على التوالي مع توجه المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً.

ومع ذلك، شهدت صناديق السلع المرتبطة بالذهب والمعادن الثمينة صافي تدفقات خارجة قدرها 2.84 مليار دولار، بعدما سجلت صافي مبيعات خلال ثلاثة أسابيع من الأسابيع الأربعة الماضية.

كما تعرضت الأسواق الناشئة لضغوط بيعية، حيث سحب المستثمرون نحو 2.69 مليار دولار من صناديق الأسهم بعد موجة شراء صافية استمرت 11 أسبوعاً. وأظهرت بيانات شملت 28,809 صندوقاً أن صناديق السندات في الأسواق الناشئة سجلت أيضاً تدفقات خارجة أسبوعية صافية بلغت 656 مليون دولار.

وفي التفاصيل، تعرضت صناديق الأسهم الأميركية لضغوط بيعية للأسبوع الثاني على التوالي، وباع المستثمرون ما قيمته 7.77 مليار دولار من صناديق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع، بعد صافي مبيعات بلغ نحو 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. وجاء ذلك بالتزامن مع قفزة حادة في أسعار النفط؛ إذ ارتفع الخام الأميركي بنسبة 9.7 في المائة يوم الخميس، لتصل مكاسبه منذ بداية الشهر إلى نحو 42.88 في المائة، وسط ما وصفه المتداولون بأكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعدما كادت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز أن تتوقف بالكامل.

وعلى مستوى القطاعات، سجلت صناديق الأسهم ذات رؤوس الأموال الكبيرة والمتوسطة والصغيرة صافي تدفقات خارجة بلغت 20.98 مليار دولار و405 ملايين دولار و8 ملايين دولار على التوالي، في حين استقطبت صناديق الأسهم متعددة رؤوس الأموال تدفقات داخلة أسبوعية صافية قدرها 9.32 مليار دولار.

كما تخلى المستثمرون عن صناديق أسهم النمو بقيمة 4.48 مليار دولار، بينما واصلوا التوجه نحو صناديق القيمة للأسبوع الخامس على التوالي، بضخ استثمارات بلغت 2.91 مليار دولار.

في المقابل، حافظت صناديق السندات على جاذبيتها للأسبوع العاشر على التوالي، مسجلة صافي تدفقات داخلة بنحو 8.21 مليار دولار. واستقطبت صناديق السندات الحكومية وصناديق الخزانة قصيرة إلى متوسطة الأجل نحو 4.05 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 24 ديسمبر.

كما جذبت صناديق السندات ذات التصنيف الاستثماري قصيرة إلى متوسطة الأجل وصناديق ديون البلديات صافي مشتريات بقيمة 2.77 مليار دولار و614 مليون دولار على التوالي.

وفي الوقت نفسه، سجلت صناديق أسواق المال الأميركية تدفقات داخلة صافية تقارب 1.5 مليار دولار، ليواصل المستثمرون ضخ السيولة فيها للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل سعيهم إلى الملاذات الأكثر أماناً.


تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
TT

تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)

تواجه الصين تحديات اقتصادية متزايدة مع استمرار ضعف الطلب على الائتمان وتباطؤ النشاط الاقتصادي، ما دفع الحكومة إلى التحرك على مسارين متوازيين، هما تشديد الرقابة على الإعانات المالية التي تقدمها الحكومات المحلية، وفي الوقت نفسه البحث عن أدوات جديدة لدعم النمو وتحفيز الطلب الداخلي.

وتأتي هذه الخطوات في وقت أظهرت فيه بيانات رسمية تراجع القروض المصرفية الجديدة بأكثر من المتوقع خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، ما يعكس استمرار الحذر لدى الشركات والأسر في ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وأعلن مجلس الدولة الصيني خلال اجتماع برئاسة رئيس الوزراء لي تشيانغ عن توجه جديد لتنظيم سياسات الدعم المالي التي تقدمها الحكومات المحلية.

وحسب وسائل الإعلام الرسمية، تعتزم بكين إنشاء آلية قائمة سلبية تحدد الحالات التي يُمنع فيها على السلطات المحلية تقديم إعانات مالية، في خطوة تهدف إلى الحد من التشوهات في المنافسة وتعزيز بناء سوق وطنية موحدة. ويرى صناع القرار في بكين أن الدعم المالي المحلي غير المنظم قد يؤدي إلى منافسة غير متكافئة بين المناطق الصينية؛ إذ تسعى بعض الحكومات المحلية إلى جذب الاستثمارات عبر حوافز مالية كبيرة قد تُضعف كفاءة السوق وتخلق اختلالات في توزيع الموارد. ولذلك شدد مجلس الدولة على ضرورة تحسين «دقة السياسات وفاعليتها» واعتماد إجراءات عملية أكثر انضباطاً في تقديم الدعم الحكومي.

• تباطؤ الائتمان

ويأتي هذا التحرك التنظيمي في وقت تواجه فيه الصين تباطؤاً ملحوظاً في الطلب على الائتمان. فقد أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن القروض الجديدة المقومة باليوان بلغت نحو 900 مليار يوان (130 مليار دولار) في فبراير، منخفضة بشكل حاد مقارنة بـ4.71 تريليون يوان في يناير (كانون الثاني)، وأقل من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 979 مليار يوان.

ورغم أن تراجع الإقراض في فبراير يُعد ظاهرة موسمية إلى حد ما بسبب زيادة القروض في بداية العام وعطلة رأس السنة القمرية التي تقلل النشاط الاقتصادي، فإن البيانات تشير أيضاً إلى ضعف هيكلي في الطلب، خصوصاً من جانب الأسر. فقد سجلت قروض الأسر، بما في ذلك قروض الرهن العقاري، انخفاضاً بنحو 650.7 مليار يوان خلال الشهر، بعدما كانت قد ارتفعت في يناير بنحو 456.5 مليار يوان.

ويعكس هذا التراجع استمرار تأثير أزمة سوق العقارات الممتدة منذ سنوات، والتي أضعفت ثقة المستهلكين وأثرت على الإنفاق والاقتراض. كما يشير محللون إلى أن برامج دعم فوائد القروض الاستهلاكية التي أطلقتها الحكومة لم تحقق حتى الآن تأثيراً كبيراً في تحفيز الطلب، حيث لم ترتفع قروض الأسر إلا بنسبة طفيفة للغاية على أساس سنوي. وفي المقابل، أظهرت البيانات أن قروض الشركات سجلت انتعاشاً محدوداً، وهو ما قد يعكس تأثير إجراءات التيسير النقدي الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي الصيني. فقد أكد محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، أن بلاده ستواصل اتباع سياسة نقدية توسعية معتدلة خلال العام الحالي، مع استخدام أدوات مثل خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي وأسعار الفائدة بشكل مرن لدعم الاقتصاد.

• مخاوف التضخم

بعض الاقتصاديين يرون أن المجال المتاح لمزيد من التيسير النقدي قد يكون محدوداً في الأجل القريب. فحسب تشو هاو، كبير الاقتصاديين في شركة غوتاي جونان الدولية، فإن المخاوف المتعلقة بالتضخم قد تقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي قريباً، ما يعني أن الجزء الأكبر من الدعم الاقتصادي قد يأتي عبر السياسة المالية وليس النقدية.

وفي هذا السياق، أعلنت بكين بالفعل مجموعة من الإجراءات لتعزيز الطلب المحلي ودعم القطاعات الاستراتيجية. فقد حددت الحكومة هدف نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة لعام 2026، وهو أقل قليلاً من هدف العام الماضي، في إشارة إلى توقعات أكثر حذراً لمسار الاقتصاد. كما كشفت السلطات عن خطط لضخ 300 مليار يوان في البنوك الحكومية الكبرى لتعزيز قدرتها على الإقراض ودعم الاستقرار المالي. إضافة إلى ذلك، ستخصص الحكومة 250 مليار يوان من سندات الخزانة الخاصة طويلة الأجل لتمويل برامج استبدال السلع الاستهلاكية، في محاولة لتحفيز الاستهلاك المحلي وتعزيز الطلب الداخلي.

وأظهرت بيانات السيولة أن المعروض النقدي الواسع (M2) ارتفع بنسبة 9 في المائة في فبراير مقارنة بالعام السابق، متجاوزاً توقعات السوق، في حين ارتفع المعروض النقدي الأضيق (M1) إلى 5.9 في المائة. كما استقر نمو إجمالي التمويل الاجتماعي – وهو مؤشر واسع للائتمان والسيولة في الاقتصاد – عند 8.2 في المائة.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن السلطات الصينية تحاول تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي ومنع تراكم المخاطر المالية، خصوصاً في ظل مستويات الدين المرتفعة لدى الحكومات المحلية والشركات.

• خاتمة

تعكس الإجراءات الأخيرة لبكين توجهاً مزدوجاً يجمع بين تشديد الرقابة على الدعم الحكومي المحلي وتعزيز أدوات التحفيز الاقتصادي على المستوى الوطني. وبينما تسعى الصين إلى الحفاظ على استقرار سوقها الداخلية وتحفيز الطلب، يبقى نجاح هذه السياسات مرهوناً بقدرتها على إعادة الثقة إلى المستهلكين والشركات في مرحلة حساسة من مسار الاقتصاد الصيني.


تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
TT

تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)

أظهرت بيانات صادرة عن «يوروستات» انخفاضاً غير متوقع في الإنتاج الصناعي بمنطقة اليورو خلال يناير (كانون الثاني)، حيث سجَّلت غالبية الدول الكبرى في المنطقة تراجعاً، ما يثير المخاوف حول تعافي القطاع الذي طال انتظاره، في ظلِّ استمرار زيادة تكاليف الطاقة التي تضيف أعباء جديدة على قطاع يعاني منذ سنوات.

وأفادت البيانات بأنَّ الإنتاج في الدول الـ21 التي تشترك في عملة اليورو انخفض بنسبة 1.5 في المائة خلال الشهر، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 0.6 في المائة، مع تسجيل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا انخفاضات كبيرة.

وعلى أساس سنوي، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة مقارنة بالعام السابق، مقابل توقعات بنمو 1.4 في المائة وفق استطلاع أجرته «رويترز» لآراء الاقتصاديين، وهو تراجع تفاقم بعد قيام «يوروستات» بمراجعة أرقام ديسمبر (كانون الأول). ويشهد قطاع الصناعة في منطقة اليورو ركوداً ممتداً، حيث يقل الإنتاج حالياً بنسبة 3 في المائة عن مستويات عام 2021، متأثراً بعوامل عدة، منها ارتفاع تكاليف الطاقة، والمنافسة الشديدة من الصين، والتعريفات الأميركية، وضعف نمو الإنتاجية، وانخفاض الطلب العالمي على السيارات الأوروبية.

وكان صناع السياسات يأملون أن يشهد عام 2026 بداية انتعاش اقتصادي جزئي، بفضل الجهود المستمرة لدعم الإنتاجية، إلا أنَّ أرقام يناير والارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية يشيران إلى احتمال استمرار الاضطرابات.

وقال بيرت كولين، الخبير الاقتصادي في بنك «آي إن جي»: «يتلاشى التفاؤل في قطاع التصنيع بمنطقة اليورو مع انخفاض الإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوى له منذ عام 2024 في يناير، وقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى تجدُّد مخاطر الإنتاج، خصوصاً في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة».

ويُلقي الانكماش في آيرلندا بظلاله على المنطقة، حيث سجَّل إنتاج الطاقة ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالشهر السابق، بينما تراجع إنتاج السلع المعمرة وغير المعمرة والسلع الوسيطة بشكل حاد؛ بسبب وجود عدد كبير من الشركات متعددة الجنسيات التي تؤثر على تقلبات الأرقام بشكل كبير.

وكانت ألمانيا، أكبر دولة في منطقة اليورو وصانعة السيارات المهيمنة، من بين الأكثر تضرراً، حيث انخفض إنتاجها بنسبة 9 في المائة عن مستويات عام 2021، وتشير أرقام الطلبات الضعيفة إلى استمرار الوضع دون تحسن قريب. ويشهد الإنتاج الألماني تراجعاً مستمراً منذ سنوات، ما أسهم في ركود الاقتصاد الألماني خلال السنوات الثلاث الماضية، رغم توقع حدوث انتعاش جزئي هذا العام بفضل الإنفاق الحكومي الكبير على الدفاع والبنية التحتية.

ومع ذلك، يُهدِّد الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة أي انتعاش محتمل، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو الثلثين منذ بداية العام، وارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 80 في المائة؛ نتيجة الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في إيران، ما يُشكِّل ضربةً مزدوجةً للصناعة من خلال رفع التكاليف وتقليل القدرة الشرائية.

وقال دييغو إسكارو من شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «يعتمد القطاع الصناعي الأوروبي بشكل كبير على النفط والغاز المستورَدين، وهو معرض أيضاً لاضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الصراع».

وتُعدُّ أوروبا مستورداً صافياً للطاقة، ما يجعل صناعتها حساسة بشكل خاص لصدمات أسعار السلع الأساسية نظراً لمحدودية مواردها الطبيعية نسبياً.