الحلقة (2): الموجة الثانية للثورة في مصر وتونس

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي» (2 - 9)

الحلقة (2): الموجة الثانية للثورة في مصر وتونس
TT

الحلقة (2): الموجة الثانية للثورة في مصر وتونس

الحلقة (2): الموجة الثانية للثورة في مصر وتونس

* كان الهتاف بـ«إسقاط المرشد أو إسقاط النظام» في مصر وتونس باكورة الموجة الثانية من الثورات
* عادت مظاهرات ودعوات تدعو لعودة العسكر إنقاذا للبلاد وترسيم خطة انتقالية جديدة
* واستمرت احتجاجات ومظاهرات أعضاء النيابة العامة في مصر اعتراضا على تعيين السلطة التنفيذية للنائب العام الجديد مصرة على إسقاطه

تواصل «الشرق الأوسط» نشر حلقات من فصول كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي»، من تأليف الكاتب والباحث السياسي المصري هاني نسيره الذي يعمل حاليا مديرا لمعهد العربية للدراسات بقناة «العربية» بدولة الإمارات. ورصد المؤلف في كتابه الصادر عن «وكالة الأهرام للصحافة» - والتي حصلت «الشرق الأوسط» على حق نشر حلقات من فصوله - سنوات الثورات العربية الأربع وتابع الكاتب تشابهاتها واختلافاتها، وحاول تفسير أسباب تعثر ثورات ونجاح أخرى في إسقاط من ثارت بوجهه، حين اشتعلت من جسد بوعزيزي بتونس ومن أشباهه في مصر، إلى الانتقال من دعوى الربيع العربي ووعده وأمنياته إلى حقيقة «داعش» الداهمة.
وفيما يلي الحلقة الثانية من الكتاب:

* بداية مشتعلة
* كانت تونس باكورة الموجة الأولى من الثورات العربية عام 2011، واستلهمتها مصر في نفس العام سريعا، وبمقابل ذلك كانت ثورة 30 يونيو سنة 2013 المصرية التي أسقطت وأنهت حكم الإخوان المسلمين بالكامل، باكورة موجتها الثانية فاستلهمتها تونس التي شهدت في يونيو ويوليو سنة 2013 مظاهرات شبيهة بمظاهراتها تنادي بنهاية حكم الإسلاميين. وكما كانت أحداث الاتحادية في مصر زخما أودى بجلاديه كان مقتل محمد البراهمي بـ14 رصاصة أمام منزله على يد متطرفين زخما أودى بحكومة النهضة!
هذا بينما انتظر الليبيون كذلك انتهاء فترة المؤتمر الوطني العام الذي سيطر عليه هؤلاء ليثوروا في وجوههم من جديد، وأكد ثورتهم فوز القوى المدنية بانتخابات البرلمان الليبي التي عقدت في يونيو سنة 2014، ولكن ما هي الأزمات التي صنعها الإسلاميون وهم في الحكم أو الحكومة وسقطت بعد ذلك بهم؟ فكانت سببا في إنتاج هذه الموجة الثانية؟
في الشهور الأربعة الأولى من عصر مرسي، صدر عن منظمة حقوقية مصرية، معتمدا على وثائق وشهادات حية، تقرير بعنوان «القتل مستمر» يمتد رصده من بداية يوليو 2012 وحتى نهاية أكتوبر من العام نفسه. وقد وقعت الحالات الموثقة في هذا التقرير على نطاق 11 محافظة، وكانت حصيلة تلك الحالات التي تم رصدها، والتي لا تمثل إلا عينة من الانتهاكات المستمرة بشكل يومي على يد الشرطة: مقتل 11 شخصا عن طريق الاستخدام غير القانوني للقوة أو الإطلاق العشوائي للرصاص في المجال العام، وتعذيب ثلاثة أشخاص آخرين حتى الموت داخل أقسام الشرطة، بالإضافة إلى العديد من حالات التعذيب وسوء المعاملة في الأقسام وأماكن الاحتجاز الأخرى التابعة للشرطة، كما يضم التقرير قائمة بسبع حالات أخرى وقعت خلال الفترة المذكورة لوفيات داخل السجون وأقسام الشرطة توجد بها شبهة تعذيب أدى إلى الوفاة، وهذا مثال لا حصر من واقع المشهد في مصر، وهذا خلال الشهور التالية من حكم مرسي التي وصلت في نوفمبر وديسمبر عام 2012 لقمة تأزيماتها واستمرت طوال الشهور الثلاثة الأولى من عام 2013.
لذا من المهم ألا يمر عبورا ما شهدته مصر في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير سنة 2013 الماضي وقبلها، والتي هتف الكثيرون بإسقاط النظام والرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين بقوة فيها، وانتفضت أغلب محافظات مصر ضد نظام الرئيس محمد مرسي، وهو ما اعتبره العديد من المراقبين - مؤيدين ومعارضين - محاولة أو مخاض ثورة ثانية تولد في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير سنة 2011
وكذلك ينبغي ألا يمر عبورا إقدام شاب تونسي على حرق نفسه في 12 مارس سنة 2013 والذي توفي بعدها بيوم في نفس المشفى الذي قضى فيه بوعزيزي، في محاولة بوعزيزية جديدة ضد حكم النهضة، قامت على أثرها تظاهرات في شارع الحبيب بورقيبة والقصبة، وعاد الهتاف من جديد وعاد الغضب والاحتقان والعنف الناتج عن توالد الأزمات ولكن هل يمكن تكرار نفس التجربة حرفيا كما كان في موجة الثورات الأولى سنة 2011.
كان الهتاف بـ«إسقاط المرشد أو إسقاط النظام» في مصر وتونس باكورتي ما يسمى الربيع العربي، باكورة الموجة الثانية من الثورات، كانت أولى علامات نجاحها سقوط طلاب الإخوان والنهضة في الانتخابات الطلابية في مارس سنة 2013، ثم في عدد من النقابات، التي سيطروا عليها لأكثر من عقد، وهو ما فسر استمرار نزيف المصداقية الذي أصاب جماعة الرئيس المعزول والكثير من الإسلاميين منذ مشاركاتهم في البرلمان المنحل في يونيو سنة 2014، حتى توليهم الرئاسة، ففي عهدهم لم تكن تخلو أي مدينة يزورها مسؤول من حكومتيهما من مظاهرة ضده بل عادت تظاهرات ودعوات تدعو لعودة العسكر إنقاذا للبلد وترسيم خطة انتقالية جديدة كما شاهدت مصر في مظاهرات يوم الجمعة 15 مارس سنة 2013، ولكن حاول الجيش والقوات المسلحة التوسط في الحوار بعد أحداث الاتحادية في ديسمبر سنة 2013 ولكن رفضت رئاسة الإخوان توسطه بينها وبين القوى المدنية التي رفضت الحوار معها.

* أولا: أزمات الدولة الأصولية بين مصر وتونس:
* كما هي الأصولية منظومة وعد! تستند للماضي المثالي وتبني باسترجاعه ما تراه مستقبلا مأمولا، كانت دولتها كذلك دولة وعود، ولم تكن دولة واقع اصطدمت به واصطدم بها، كادت تسقطه فأسقطها..
شهد العام الأول من حكم الإخوان في مصر أو النهضة في تونس أزمات هددت المجتمع المصري والتونسي واصطدمت بمفهوم الدولة المعاصرة ومؤسساتها، قضاء وإعلاما ومكونات اجتماعية وسياسية، رأت المجتمع والدولة مجتمع دعوة بالمعنى الديني ومعارضة غير مقبولة بالمعنى السياسي.
بدأت الأزمة مصريا مع الإعلان الدستوري الذي حصن قرارات مرسي في 21 نوفمبر الماضي، وما ترتب عليها من إجراءات، رغم العنف في الخطاب ولغة التخوين الوطني والتفكير الديني السائدة، وكذلك مع مشاهد الحضور المسلح والأزمة التشريعية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية في مصر ومعها أزمة مختلف مؤسسات الدولة دون حل أو رؤية قادرة على الحل، يؤثر البعض معها البحث عن المجهول أو البحث بعيدا عن الأنقاض!
واشتعلت الأزمة أكثر مصريا مع الذكرى الثانية للثورة المصرية في 25 يناير سنة 2013، وللثورات ذكريات ونفحات تنشط فيها دائما، سواء في الموجة الأولى أو الموجة الثانية، ربما باستثناء ما تحول منها لما يشبه الحرب الأهلية سوريا وليبيا ويمنيا.
دفعت الذكرى الثانية للثورة المصرية المعارضين في الداخل، والمراقبين في الخارج، للحديث عن أزمة انهيار دولة القانون، بما فيهم وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي - الذي أصبح الرئيس المنتخب فيما بعد - في تصريحه المنشور في 29 يناير الماضي الذي أكد فيه نصا أن «الصراع السياسي في البلاد قد يؤدي إلى انهيار الدولة» ثم ازدادت الأحداث احتداما وصراعا وسقط عشرات القتلى في الذكرى الثانية للثورة وكذلك الذكرى الثانية لمذبحة بورسعيد التي راح ضحيتها في فبراير سنة 2012 سبعون شهيدا، مما يجعل الأزمة المصرية أكثر عمقا من مجرد الأزمة السياسية والدستورية والتشريعية، الماثلة في قرارات غير توافقية للرئيس المعزول الذي حصن قراراته في إعلانه الدستوري في 21 نوفمبر الماضي، وحصن معه التأسيسية المطعون في دستوريتها - وما نتج عنها - وتم تأجيل الحكم إلى جلسة 3 مارس سنة 2013، وكذلك استحواذ النظام الجديد على بنى الدولة وهياكلها واستهدافه لاستقلال القضاء والتشريع ومحاصرة أنصاره للهيئات القضائية مرات عديدة، بما فيها المحكمة الدستورية العليا، وهجومها على مقار لأحزاب وقوى المعارضة..
وبينما كان التوريث على سبيل المثال واحدا من أبرز تهم ومبررات الإسقاط لمبارك خصوصا وكذلك بن علي والقذافي وعلي عبد الله صالح، فقد استبدلت بالتوريث وشائج قرابات السلطة الجديدة ومصالحها، كما لم تحدث تحولات ملحوظة في مسارات ومستويات التنمية، وقد ارتفعت ديون مصر لأعلى مستوى لها على مدار تاريخها وهو 1.6 تريليون جنيه، و«وصل احتياطي النقد الأجنبي خلال شهر فبراير (شباط) عام 2013 إلى 13.5 مليار دولار، وهو ما يكفي بالكاد لتغطية واردات مصر لمدة ثلاثة أشهر» ويتراوح الاحتياطي السائل بالفعل بين ستة وسبعة مليارات دولار فقط، مما زاد صعوبة الحصول على الواردات بما فيها المواد الخام التي يحتاجها المصنعون المصريون، وشهدت البورصة المصرية تراجعا بنسبة 5 في المائة بداية مارس سنة 2013، مستشعرة خطرا يلوح في الأفق، وما يفعله الرئيس محمد مرسي لوقف هذا التراجع ليس بالكثير. وظل مرسي مترددا لمدة عام في التفاوض على حزمة إنقاذ قدرها 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، وهو مبلغ تحتاجه مصر بشدة، ويماطل مرسي لقلقه من الغضب الشعبي تجاه الإصلاحات التي يريدها صندوق النقد الدولي ومنها خفض الدعم، الذي يستنفذ 25 في المائة من ميزانية الدولة، وتذهب 50 في المائة من الميزانية لدفع فوائد الديون ورواتب العاملين في القطاع العام.
كما امتدت هذه الأزمة فكريا مع صعود فتاوى القتل وبعض وجوه العنف الديني في مصر وتونس، وانتشار الاحتجاجات وموجات العصيان المدني في بعض المناطق وقطاعات مهمة كالشرطة ورجال الأمن، وتهديد الأمن القومي الحدودي أو المصالح الحيوية كالموانئ والقناة، فضلا عن استمرار الأزمة السياسية والدستورية بعد إقرار الدستور الجديد أواخر شهر ديسمبر سنة 2012 رغم كونه أكثر اعتدالا. كذلك كان الصعود السلفي الجهادي الذي حاول أن يفرض أحكامه على الشارع في ظل حكم الإخوان والنهضة! ويمكننا التدليل على الأزمة العميقة للتسلطية الناشئة بأزمة الحكم في مصر مع مؤسستي القضاء والإعلام وكذلك مع قضية المدنية والمواطنة.

* معارك مع القضاء والإعلام:
* يبدو أن التسلطية الناشئة، بنظامها الآيديولوجي والتنظيمي، تخشى بشكل رئيسي القضاء كسلطة دستورية حاكمة وضابطة والإعلام كسلطة شعبية، ولا تريدهما إلا متحيزة لها ولمصالحها وممارستها بشكل رئيسي، ورغم أن القضاء هو من أشرف على كل الانتخابات التي فاز فيها الإسلاميون قبل الثورة مثل انتخابات 2005 أو الانتخابات النقابية، وكذلك على أربع اختيارات شعبية كبيرة منذ ثورة 25 يناير في مصر، بدءا من الاستفتاء على التعديلات الدستورية حتى الانتخابات الرئاسية، إلا أنه منذ حكم المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان في 14 يونيو تعالت نوبات التشنج والاتهام للقضاء من قبل الإسلاميين سلطة وقوى في الآن نفسه، وبدأوا يتلبسون قميص المحاكمات الثورية واتهامات المؤسسات القضائية على طريقة شباب الثورة في اتهام المؤسسة القضائية ورجالاتها وأنهم من بقايا النظام السابق، رغم أنهم من كانوا يرفضون ذلك أثناء انعقاد جلسات البرلمان المنحل!
ورغم أن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي أتى لناخبيه محمولا على وعود إنقاذ الثورة والفصل بين السلطات واحترام أحكام القضاء، واحترام الدستور، إلا أن أول قراراته كان لصالح جماعته أو عشيرته - التعبير الأثير لديه - في 8 يوليو معبرا عن ذلك ومصطدما بالمحكمة الدستورية العليا التي أقسم أمام جمعيتها العمومية على احترام الدستور، حيث أصدر القرار رقم 11 لسنة 2012 بعودة مجلس الشعب ويلغي قرار حله ويدعوه للانعقاد وأيده فيه عدد من المثقفين الذين عارضوه فيما بعد، وخاصة بعد الأزمة الدستورية، ولكنه تراجع عن هذا القرار يوم 11 يوليو.
ولكنه عاد لنفس المنطقة ثانية وبنفس التوجه مراوغا في 11 أكتوبر حيث أصدر قرارا بتعيين النائب العام عبد المجيد محمود سفيرا لمصر في الفاتيكان، والقضاة (النادي والمجلس الأعلى للقضاء) والنائب العام يرفضون، وأزمة تصر على تراجع الرئيس، واعتبر صدور القرار يوما أسود في تاريخ القضاء المصري.
ولكن بعد ذلك بيومين فقط 13 أكتوبر تراجع مرسي ثانية عن قراره واستقبله مع وفد من القضاء بحجة سوء الفهم، بعد ثورة وخضة كبيرة في أوساط القضاء، بشكل عنيف قادها نادي قضاة مصر وعدد كبير من ممثلي استقلال القضاء وانضم لهم بعض رموز القضاء مثل المستشار طارق البشري.
ثم أعاد الكرة ثالثة بإعلانه الدستوري الجديد في 21 نوفمبر سنة 2012 والذي أقال فيه النائب العام عبد المجيد محمود وحصن فيه قراراته السابقة واللاحقة وأصدر الرئيس محمد مرسي إعلانا دستوريا تضمن عدة مواد أهمها إعادة التحقيق في كافة قضايا القتل للمتظاهرين والتعذيب وإعادة التحقيق والمحاكمات في جرائم قتل الثوار وفقًا لقانون حماية الثورة، وهو ما يستحيل حدوثه ما لم تتوفر أدلة جديدة، كما اتضح في مادته الرابعة تمرير مشروع الدستور استعجالا حيث عدل وفقه المادة 60 من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس سنة 2011 لتكون مدته ستة شهور من تاريخ تشكيل التأسيسية وليس ثمانية شهور كما كان ينص الإعلان الدستوري المشار إليه.
وقد جاءت المادة الخامسة من هذا القرار تغولا وإلغاء واضحا لدور القضاء واستقلاله، حيث تنص تنصيصا على أنه «لا يجوز لأية جهة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور». كما صدر قرار من الرئاسة نشر في الجريدة الرسمية بتعيين نائب عام جديد بديلا للنائب العام السابق، وقرار آخر بمنع معاشات استثنائية لأسر الشهداء، وهو ما أتى متأخرا بمثابة لذة آخر الطعام الدسم، الذي تفجرت بسببه أزمات القضاء، وهو ما أعقبه عمومية طارئة للقضاء يوم 23 نوفمبر، وأخرى للصحافيين ومليونية واعتصام في التحرير، وتعليق محكمة النقض لعملها يوم 29 نوفمبر، وعمت المظاهرات ميادين مصر وتمت اشتباكات الاتحادية الأولى، واستقال على أثرها عشرة مستشارين من مستشاري الرئيس، وغيرها من الأحداث كان من أبرزها تعليق محكمة النقض لعملها في 29 نوفمبر الماضي بأغلبية 231 عضوا من أعضائها ومعارضة 19 عضوا فقط.
واستمرت احتجاجات وتظاهرات أعضاء النيابة العامة في مصر اعتراضا على تعيين السلطة التنفيذية للنائب العام الجديد مستمرة ومصرة على إسقاطه، رغم محاولات وزير العدل غير الناجعة لإيجاد مخرج آمن للمشكلة، رميا للكرة في ملعب المجلس الأعلى للقضاء والعكس، وقد أعلن نادي القضاة رفضه الإشراف على الاستفتاء على الدستور وهو ما التزم به غالبية القضاء الجالس أو العالي، بما يوازي 14 ألف قاض من بين 16500 قاض كثير منهم من معاوني النيابة المعينين حديثا، المهددين في وظائفهم حال لم يستجيبوا للإشراف.
وتونسيا نشب في ديسمبر سنة 2012 خلاف حاد في المجلس التأسيسي ضد ما أراده أعضاء حركة النهضة في المجلس التأسيسي من أنه لا يجب على هذه الهيئة أن تكون مستقلة، ويرى العديد من المراقبين أنه كان ثمة سعي جاد من النهضة للسيطرة على القضاة وإرهابهم في ظل عدم وجود هيئة لتسيير القضاء، ما برحت تعتمد سياسة «العصا والجزرة» مع القضاة، فإما «الإقصاء والعزل» وإما «إطاعة الأمر» وقد حاول إلغاء صفة الاستقلال عن الهيئة العدلية التي تماثل المجلس الأعلى للقضاء في مصر، مؤكدين أن هذه الهيئة يجب أن تكون تابعة للسلطة التنفيذية مباشرة، لكن رفض نواب المجلس التأسيسي المدنيون هذه التبعية المدعاة وحافظوا على استقلال القضاء في مسودة الدستور. وقد استمر النزاع بين النهضة الأكثر مرونة من الإخوان والقوى المدنية الأخرى خاصة مع صعود الإرهاب في جبل الشعانبي وعمليات أنصار الشريعة في عدد من الأماكن وانتهى بخروج ناعم للنهضة من الحكومة وتشكيل حكومة تكنوقراط بقيادة مهدي جمعة في 10 يناير سنة 2014 رغم ما أبدوه من عدم رغبة في ذلك طوال الفترة السابقة.
ولكن لا بد أن نشير إلى أن النهضة وحكومتها في تونس كانت أكثر مرونة وأقل قدرة ووطأة - إن لم تكن أقل رغبة - على حسم الأمور في تونس التي تقوى قواها المدنية ووعيها المدني الشعبي، قياسا لحكم الإخوان ومرسي في مصر الذي نجح سريعا في حرق المراحل، وتجاوزها رغم اعتراضات المعارضة وتحفظات مؤسسات رقابية وقضائية أخرى على ما خطه من مسار ومرجعية دستورية، فتونسيا وتحديدا في مارس 2012 تخلت النهضة عن مطلب بالتنصيص ضمن الدستور الجديد الذي يعكف على صياغته المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت) وهو ما أصاب التيارات الإسلامية بخيبة أمل كبيرة بعد تخلي النهضة عن مطلبها، وموافقتها على مقترحات المعارضة بالإبقاء على الفصل الأول من دستور 1959 الذي يقول إن «تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها»، كذلك تراجعت النهضة مرة أخرى في أغسطس (آب) 2012 وتحديدا «لجنة الحريات والحقوق» بالمجلس التأسيسي، تحت ضغوط واحتجاجات وتظاهرات المعارضة العلمانية ومنظمات المجتمع المدني، عن اعتماد مشروع قانون تقدمت به حركة النهضة وينص على مبدأ «التكامل» بين الرجل والمرأة عوضا عن «المساواة»، ورأى المحتجون أن عبارة «تكامل» قابلة لأكثر من تأويل وقد تكون مدخلا لضرب المكاسب الحداثية للمرأة التونسية التي تحظى بوضع حقوقي فريد من نوعه في العالم العربي بفضل مجلة الأحوال الشخصية الصادرة في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي حكم البلاد من 1956 إلى 1987. وقد دعت «هيئة التنسيق والصياغة» المكلفة بمراجعة ما يتم تضمينه في الدستور من مشاريع قوانين قبل أن يعتمدها المجلس، أن ينص الفصل 28 من باب الحقوق والحريات على «مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، والمحافظة على تكافؤ الفرص، مع اعتماد معيار الكفاءة»، إضافة إلى «تجريم العنف ضد المرأة».
وفي 17 أكتوبر 2012 أعلنت حكومة الجبالي (التي استقالت على وقع اغتيال شكري بلعيد في 19 فبراير سنة 2013) موافقتها على مطالب الصحافيين الذين نفذوا، في اليوم المشار إليه، إضرابا عاما هو الأول في تاريخ الصحافة التونسية، لتطبيق المرسومين 115 و116 اللذين ينظمان قطاع الصحافة والإعلام، بعد أن رفضت تطبيقهما المرسومين، رغم أنهما نشرا في الجريدة الرسمية بعدما صادقت عليهما الحكومة السابقة برئاسة الباجي قايد السبسي في نوفمبر 2011، وقال مراقبون إن الحكومة تعمدت عدم تطبيق المرسومين حتى يتسنى لها تعيين مقربين منها على رأس وسائل الإعلام العمومية «خدمة لأجنداتها السياسية والانتخابية». وينظم المرسوم 115 «حرية الصحافة والطباعة والنشر» فيما ينص المرسوم 116 على «إحداث الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري»، وهي هيئة «تعديلية» تتولى تعيين مسؤولي المؤسسات السمعية والبصرية العمومية وتحمي استقلاليتها إزاء السلطات.
ويرى محللون أن النهضة أخطأت التقدير عندما اعتقدت أنها تستطيع فرض مواقفها ومشاريعها على بقية الطبقة السياسية والمجتمع المدني في تونس بحجة امتلاكها «شرعية» انتخابات 23 أكتوبر 2011.، لذا تغبط النهضة حكم مرسي في مصر الذي استطاع فرض ما أراد وتحصين ما أراد من قرارات وجمع كل الصلاحيات بيده فترة طويلة من الوقت.
كذلك زادت حدة القمع للإعلام والمؤسسات الإعلامية، قبل نجاح الموجة الثانية من الثورات، تجاه حريات الرأي والتعبير، مثالا دالا على ذلك ما حدث في مصر فجر يوم التاسع من مارس سنة 2013 من هجوم جماعة «حازمون» على إحدى صحف المعارضة (جريدة الوطن) أو مقر جريدة «الوفد» وحزبها، الأقدم والأكثر عراقة في تاريخ مصر الحزبي الحديث، يوم 15 ديسمبر سنة 2012، أو حصار مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية الذي بدأ قبل ذلك بأسبوع في 7 ديسمبر من نفس العام.
وهو ما نراه يقف وراء نفس الذهنية التي هاجمت قناة «نسمة» التونسية في 10 أكتوبر سنة 2011 أو اقتحمت قناة «العاصمة» الليبية في 8 مارس 2013، وتعدت على مراسل إحدى القنوات، واحتجبت صحف ليبية في 9 مارس اعتراضا على هذا الحادث، كما لا يمكن فصل هذه الحوادث عن نحو مائة قضية حرية رأي وتعبير في بلد كمصر بعد الثورة، ما بين حجب وحظر وقتل وتعد وغلق قناة أو صحيفة واحتجاب 11 صحيفة مستقلة وحزبية يوم 4 ديسمبر سنة 2012 اعتراضا على الإعلان الدستوري للرئيس محمد مرسي في 21 نوفمبر وتداعياته حتى حصار المحكمة الدستورية العليا قبل ذلك بيومين وفي مارس تم الاعتداء على الصحافيين أثناء تغطيتهم للتظاهرات أمام مكتب الإرشاد في 16 مارس سنة 2013 وهو ما توالت حلقاته ولا تزال في مصر.
وفي نفس السياق لم تختلف أزمة الإعلام التونسي كثيرا عن أزمة الإعلام المصري، فحسب مركز تونس لحرية الصحافة تعرض 36 صحافيا لانتهاكات خلال شهر ديسمبر 2012، وأكثر من 50 صحافيا تعرضوا لانتهاكات مماثلة في شهر يناير الماضي، سواء عبر إحالتهم للقضاء، أو الاعتداء عليهم. كما تزايد عدد الدعاوى القانونية، المرفوعة ضد الصحافيين بتهمة «انتهاك القيم الإسلامية»، كما تمت محاكمة 6 صحافيين في شهر ديسمبر 2013 أي بمعدل محاكمة كل 6 أيام، وهو ما لم يحدث في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وفيما يتعلق بالقنوات التلفزيونية، تعرضت قناة «الحوار» الخاصة التي يملكها الناشط الحقوقي الطاهر بن حسين، والتي تنتقد بشدة سياسة حركة النهضة لمضايقات مختلفة.
وفي السادس من فبراير عام 2013 قتل المناضل والناشط السياسي المعارض لحكومة النهضة في تونس شكري بلعيد برصاصتين غادرتين أمام منزله، وفق فتاوى لتيارات سلفية صاعدة تستحل دمه، أعطتها سلطة الإسلاميين مساحات حاضنة ومتفاعلة معها، وأكدت المعارضة على أن من فتح قصر قرطاج لأمثال هؤلاء هو المسؤول عن اغتيال بلعيد، الذي يعد الثاني في تاريخ تونس بعد الاستقلال، ثم اغتيل بعده محمد البراهمي في 25 يوليو سنة 2013 وهو ما فتح الباب بقوة نحو التغيير ونحو خروج ناعم للنهضة من الحكم..

* ذكورية وتمييز معاد للمرأة والأقليات:
* ورغم أن المرأة كانت فاعلا في الثورات، وبرزت وجوهها في كل منها مصريا وتونسيا ويمنيا وسوريا وليبيا، فإن وضعية المرأة بعد الثورات لا تعبر ولا تترجم هذا الاستحقاق الواجب، أو الحق الطبيعي، فتم تهميشها في القوائم الحزبية للإسلاميين في مصر، لم تتجاوز نسبة مشاركتها في البرلمان المنحل قبل تولي الرئيس المعزول 2 في المائة حيث حصلت على 8 مقاعد فقط من أصل 498 مقعدا، كما غابت عن تشكيلة الحكومة الأولى لمرسي، وتعاطى معها الدستور تعاطيا ذكوريا وبطركيا مثاليا..
بينما نجدها في تونس رغم إقرار قاعدة التناصف في انتخابات المجلس التأسيسي، تعاني من التشدد السلفي، ومن إصرار النهضة على إقرار تعدد الزوجات كما حدث في ليبيا من أول يوم لتحريرها من نظام القذافي، كما يعارض الكثير من الإسلاميين في تونس - المعتدلين وغير المعتدلين - الحفاظ على المكاسب التي حققتها المرأة في العصر البورقيبي وفي مقدمتها مجلة الأحوال الشخصية.
وكذلك يمكن الحديث عن الطوائف أو الأقليات الدينية أو المذهبية كالشيعة والبهائيين - لم يعترف الدستور المصري بهما بعد الثورة - كان آخرها مشهد السحل الطائفي في مايو سنة 2013 لبعض المتشيعين المصريين في محافظة الجيزة.
نتجت الموجة الثانية من الثورات من أسباب عامة صنعت حالة احتقان شعبي، مسيس في بعض أجزائه، بمعنى انتمائه لرؤى وقوى سياسية معينة شأن جبهة الإنقاذ أو المعارضة التونسية، ولكن كانت في غالبيتها غير مسيسة تدفعها أسبابها الاقتصادية وأزمتها المعيشية بشكل رئيسي، وفي مقدمتها مشهد انهيار الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة القضائية مع عدم احترام السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الدولة لأحكامها أو نظامها العريق، وكيل الاتهامات لقضاتها متى أتت الاتهامات بغير ما تود السلطة وحلفاؤها، أو قطاع الشرطة.. الذي يرفض أن يكون طرفا في الصراع السياسي بين السلطة والمعارضة، وقبل ذلك وبعده عدم وضوح أي توجه تصالحي أو ديمقراطي جاد لدى السلطة التي بدا أنها تشتهي التسلطية التي كانت ضحيتها في عهود سابقة.

(يتبع غدا بالحلقة الثالثة)
* ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات


اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
TT

اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني تمسكه بحماية سيادة البلاد ورفض أي ترتيبات تسمح بتسيير رحلات جوية إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأُطر القانونية المعتمَدة، في وقت قرأ فيه مراقبون أن طهران حاولت احتواء تداعيات رحلة نقلت وفداً حوثياً إلى إيران، عبر طلب تسيير رحلة تابعة لشركة «ماهان» الإيرانية، لإعادته إلى العاصمة اليمنية المختطَفة.

وجاء الموقف اليمني خلال اجتماع استثنائي عقده مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، وبحضور جميع أعضائه، إلى جانب رئيس الوزراء شائع الزنداني، حيث ناقش الاجتماع التطورات الوطنية والإقليمية، والسياسات المقترحة للتعامل معها على المستويات السياسية والأمنية والدبلوماسية.

وخصص المجلس جانباً من مداولاته لبحث الطلب الإيراني، الذي قالت الحكومة اليمنية إنه قُدم عبر قيادة «تحالف دعم الشرعية»، لتسيير رحلة تابعة لشركة «ماهان» من طهران إلى صنعاء؛ بهدف إعادة عناصر حوثية سبق نقلها من مطار صنعاء، في الثالث من يوليو (تموز) الحالي.

جانب من اجتماع المجلس القيادي الرئاسي اليمني عبر الاتصال المرئي (سبأ)

وعدَّ المجلس الرئاسي اليمني أن الرحلة التي نقلت الوفد الحوثي إلى إيران مثّلت تجاوزاً للسيادة اليمنية، وتحدياً للأُطر القانونية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، مؤكداً أن أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالمنافذ الجوية اليمنية يجب أن تجري عبر الجهات الشرعية المختصة، وليس عبر تفاهمات أحادية تفرض أمراً واقعاً جديداً.

ووفق مراقبين، فإن صنعاء لم تعد مجرد ملف متعلق بحركة الطيران المدني، بل تحولت إلى قضية سيادية وأمنية، في ظل اتهامات للحوثيين بالسعي لإدخال شركة طيران إيرانية مرتبطة بطهران بديلاً عن الناقل الوطني اليمني، بما تعدُّه الحكومة محاولة لتعزيز النفوذ الإيراني داخل البلاد.

الناقل الوطني

أكدت الحكومة اليمنية، وفق مصادر، أنها قدّمت، خلال الفترة الماضية، مبادرات متعددة لإعادة تشغيل الرحلات التجارية من مطار صنعاء عبر الخطوط الجوية اليمنية، بوصفها الناقل الوطني، وفي مقدمة تلك المقترحات تسيير رحلات منتظمة بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمّان، بما يخفف معاناة المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين.

وترى الحكومة اليمنية أن تشغيل الرحلات المدنية لا يمثل عائقاً، وأنها أبدت استعداداً لتوفير الترتيبات اللازمة لاستمرار حركة السفر؛ شريطة ضمان سلامة الطائرات والأطقم وعدم التدخل في عمل الشركة أو التحكم في قراراتها التشغيلية.

طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية (إكس)

لكن تلك المبادرات اصطدمت، وفق الرواية الحكومية، بإجراءات اتخذتها الجماعة الحوثية عطّلت عمل الخطوط الجوية اليمنية، مِن بينها الاستيلاء على أربع طائرات تابعة للشركة خلال عام 2024، ومنع تشغيلها من مطار صنعاء، قبل أن تؤدي التطورات اللاحقة إلى تدمير تلك الطائرات وإلحاق أضرار بأصول الناقل الوطني.

وتتهم الحكومة اليمنية الحوثيين كذلك برفض الإفراج عن أموال تابعة لشركة الخطوط الجوية اليمنية موجودة في صنعاء، وتقول إن هذه الأموال، التي تُقدَّر بأكثر من 120 مليون دولار وفق تقديراتها، كان يمكن استخدامها في شراء أو استئجار طائرات جديدة، أو إيجاد حلول لاستمرار الرحلات التجارية.

وترى الحكومة أن جوهر الخلاف لا يرتبط فحسب بإعادة فتح مطار صنعاء، وإنما بمحاولة فرض السيطرة على مؤسسة وطنية وإخضاع إدارتها وإيراداتها لجهة واحدة، في حين تؤكد أن إدارة الشركة في عدن يقودها مسؤولون يمنيون سبق لهم العمل في المؤسسة قبل سيطرة الحوثيين على صنعاء في عام 2014.

اعتبارات أمنية

جاء رفض الحكومة اليمنية السماح باستخدام شركة «ماهان» الإيرانية لإعادة الوفد الحوثي إلى صنعاء، استناداً إلى اعتبارات أمنية مرتبطة بسِجل الشركة والعقوبات الدولية المفروضة عليها، إضافة إلى اتهامات سابقة باستخدام الطيران الإيراني لنقل دعم عسكري وخبراء إلى الحوثيين.

وتشير المصادر إلى أن الحكومة تعدُّ طلب تسيير رحلة «ماهان» محاولة لتصحيح ترتيبات وصفتها بأنها غير قانونية، بعد نقل الوفد الحوثي إلى إيران خارج الإجراءات المعتمَدة، مؤكدة أن استمرار الرحلات الإيرانية إلى مطار صنعاء قد يفتح الباب أمام استخدام الطيران المدني لأغراض تتجاوز الجانب الإنساني.

صورة متداولة لطائرة إيرانية في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إكس)

كما تتهم الحكومة الطائرة الإيرانية التي نقلت الوفد الحوثي بقطع إشارات التتبع أثناء عبورها الأجواء اليمنية، وعدَّت ذلك مؤشراً يثير مخاوف أمنية، في ظل معلومات تقول إنها مرتبطة باحتمال نقل عناصر وخبراء في مجالات الصواريخ والطائرات المُسيرة والاتصالات العسكرية.

وتؤكد الحكومة أن أي نشاط جوي خارج الرقابة والإجراءات المعتمَدة قد يشكل انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن، ويقوّض الجهود الرامية إلى الوصول لتسوية سياسية وإنهاء الصراع في اليمن.

بدائل يمنية

في مقابل رفضها الرحلات الإيرانية، طرحت الحكومة اليمنية بدائل لإعادة الوفد الحوثي إلى صنعاء؛ من بينها استئجار طائرة عبر الخطوط الجوية اليمنية بوصفها الناقل الوطني الوحيد، بدلاً من الاعتماد على شركة أجنبية ترى أنها مرتبطة بمصالح إيران والجماعة الحوثية.

كما جدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني تأكيده لليمنيين، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أن الخطوط الجوية اليمنية جاهزة لاستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء إلى عمّان وأي وجهات أخرى يجري الاتفاق عليها، متى توفرت الضمانات اللازمة لحماية الطائرات والأطقم ومنع أي تدخُّل في عمل الشركة.

طائرة أممية في مطار صنعاء تنقل شحنة إنسانية (الأمم المتحدة)

وأكد المجلس أن الحكومة اليمنية ستتعامل مع أي محاولات مماثلة من خلال الأدوات التي يكفلها الدستور والقانون الدولي، مشيراً إلى أن الخيارات السياسية والدبلوماسية والعسكرية ستظل متاحة لحماية السيادة الوطنية ومنع تكرار مثل هذه الوقائع.

وحمَّل مجلس القيادة الرئاسي اليمني إيران والجماعة الحوثية مسؤولية أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تسيير رحلات إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأُطر القانونية، داعياً طهران إلى وقف تدخلها في الشؤون الداخلية اليمنية واحترام سيادة البلاد ووحدة أراضيها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصدر لـ«الشرق الأوسط»: اجتماع مصري - إسرائيلي لتفادي تجدد حرب غزة

فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
TT

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: اجتماع مصري - إسرائيلي لتفادي تجدد حرب غزة

فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

تحدث مصدر مصري مطلع على ملف مفاوضات «اتفاق غزة» لـ«الشرق الأوسط»، عن تفاصيل اللقاء الذي انعقد خلال الساعات الماضية بين وفد مصري وآخر إسرائيلي في القاهرة، ضمن جهود مكثفة لتفادي تعقيدات قد تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

ومساء الخميس، قالت «هيئة البث الإسرائيلية» إن «وفداً من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وصل إلى القاهرة، وأجرى مناقشات مع كبار مسؤولي الجيش المصري خلال اليومين الماضيين»، بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

وجاء الاجتماع المصري - الإسرائيلي بالتزامن مع وجود وفد من قيادة حركة «حماس» برئاسة خليل الحية، في القاهرة لإجراء مباحثات مع الوسطاء بشأن تثبيت «اتفاق غزة» الذي جرى التوقيع عليه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

فلسطيني يحمل أمتعة على كتفه ويمر بمحاذاة الأنقاض في مخيم للنازحين جراء الحرب بحي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ورجَّح المصدر المصري قدوم وفد أميركي للتشاور بشأن غزة ومواصلة التفاهمات مع «حماس» لإنقاذ جهود الوساطة، مع معلومات تفيد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد لإعادة الحرب من أجل استغلالها انتخابياً.

وشدد المصدر ذاته على أن محادثات القاهرة تركزت حول الأفكار التي طُرحت الأسبوع الماضي، بشأن الاتفاق والتي أبدت حركة «حماس» اعتراضاً عليها، موضحاً أن الوفد الإسرائيلي أفصح عن رسالة قدمها إلى مبعوث مجلس السلام بالقطاع، نيكولاي ملادينوف، مفادها أنه في حال عدم نجاح الجهود الحالية المبنية على الصياغات الجديدة للورقة الخاصة به، فإن إسرائيل ستمضي قُدماً في مسار المواجهة العسكرية، والقيام بعمل عسكري داخل قطاع غزة.

وطُرحت على مدار الأشهر الثلاثة الماضية مقترحات من ملادينوف تتركز بشكل أساسي على أولوية نزع سلاح القطاع للمضي في الإعمار، وسط تحفظات من «حماس» ومطالبات بتنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى والتمسك بانسحاب إسرائيلي.

ووفق المصدر، فإن الوفد الإسرائيلي أكد، في رسالته، ضرورة التزام «حماس» ببنود الاتفاق وعلى رأسها نزع السلاح وفق الصيغ المطروحة، مشيراً إلى أن الوسطاء يتشاورون مع حركة «حماس» بشأن القبول بصياغة مباشرة وواضحة يتم إبلاغ نيكولاي ملادينوف بها لتمضي الأمور قُدماً، وتجنب استكمال إسرائيل للعمل العسكري.

فلسطينية تبكي خلال جنازة ضحية قُتلت في غارة إسرائيلية استهدفت خيمة وذلك في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وحذَّر المصدر من وجود معلومات متزايدة ومتصاعدة تفيد بأن نتنياهو سيقدِم على عمل عسكري مدفوعاً بحسابات الانتخابات المرتقبة خلال الشهور المقبلة، في ظل استطلاعات الرأي التي تعزز من فرص منافسين آخرين مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وغيرهما، حيث يسعى نتنياهو جاهداً لاستعادة شعبيته وأرضيته السياسية، ويمهد لذلك أيضاً الرفض القاطع من جانب ملادينوف لتعديل أي صياغات، وتمسكه بتعامل «حماس» بجدية مع المقترحات الحالية.

وعبَّر الوفد الإسرائيلي عن «رغبته في التجاوب مع التحركات المصرية المسؤولة»، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تعنت «حماس» سيؤدي حتماً إلى صدام مع الحركة، حسب المصدر.

وأكد المصدر أن قبول القاهرة استضافة الوفد الإسرائيلي، رغم ما يثار من توتر، يحمل دلالة واضحة على انفتاح مصر على كل الأطراف وسعيها الدؤوب لتقريب وجهات النظر مع الجميع، وأنه لا يوجد أي عائق أمام إجراء أي لقاءات في هذا التوقيت.

وقال: «القاهرة تحاول التفاعل بمسؤولية مع الأطراف كافة في هذا التوقيت؛ وذلك لاستشعارها الخطورة البالغة للمشهد الحالي؛ ولذا تتحرك مصر في دوائر مسؤولة لإنقاذ الوضع الإنساني المتدهور، وتخوفاً من فتح المشهد عسكرياً واغتيال مزيد من القيادات الميدانية وتدهور الأوضاع»، لافتاً إلى احتمالية وصول وفد أميركي لمصر للتشاور بشأن الأوضاع في غزة.

وتنسق مصر بشكل أساسي مع الطرف التركي، وبطبيعة الحال مع دولة قطر؛ لممارسة أكبر قدر من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية، وفق المصدر، الذي أشار إلى أن الأيام المقبلة ستشهد أيضاً اتصالات مصرية تشمل الجانب الأميركي؛ وذلك بغرض إلزام الإدارة الأميركية بالعودة إلى بنود خطة السلامة، وعدم إعطاء أي فرصة للانحراف عن بنود الخطة أو طرح مسارات بديلة، أو قيام ملادينوف بإعادة صياغة خطط أخرى قد تعقّد المشهد.

طفلان يملآن وعاءين بالماء في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ب)

ولا تستبعد تقديرات المصدر المصري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تواصل «حماس» استثمار عنصر الوقت مع الأطراف الوسيطة؛ ترقباً لتفاصيل المفاوضات والمواجهات الأميركية - الإيرانية على أمل أن تعزز مواقفها لاحقاً أو التذرع بعدم حسم الانتخابات الداخلية للحركة بعد، وبالتالي عدم القدرة على اتخاذ إجراءات وصياغات كاملة؛ ما قد يدفع الأمور إما باتجاه التجميد أو بترك الأمور معلقة لبعض الوقت بغرض التقييم.

ورغم ذلك، يعتقد المصدر ذاته أن الجهود المصرية ستسابق الوقت لتفادي التصعيد العسكري الإسرائيلي بالقطاع مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية واستحقاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، مشيراً إلى أنها أحداث متشابكة من شأنها أن تؤدي إلى تعطيل المسارات الدبلوماسية والسياسية بالكامل.

ويضيف المصدر، لتلك المسارات المعطلة، إمكانية طرح اسم نيكولاي ملادينوف مرشحاً أميركياً لتولي منصب دولي رفيع؛ وهو ما يضع الجميع أمام عنصر الوقت الحرج، مع احتمال شغور في الموقع لفترة طويلة لحين تسمية بديل له، مستدركاً: «لكن هناك معلومات تشير إلى جاهزية البدلاء المحتملين لملادينوف، هما رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير أو المبعوث ستيف ويتكوف».

فلسطينيون يعاينون سيارة استهدفها هجوم إسرائيلي في مدينة غزة الخميس (رويترز)

ومساء الخميس، قالت هيئة البث الإسرائيلية إن «وفداً من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وصل إلى القاهرة، وأجرى مناقشات مع كبار مسؤولي الجيش المصري خلال اليومين الماضيين»، بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

وفي 29 سبتمبر (أيلول) 2025 أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خطة لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، تضمنت في مرحلتها الأولى وقفاً لإطلاق النار وانسحاباً إسرائيلياً جزئياً والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين وإدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً.

وبينما التزمت حركة «حماس» باستحقاقات المرحلة الأولى، عبر الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، تنصلت إسرائيل من التزاماتها الإنسانية وواصلت اعتداءاتها؛ ما أسفر عن مقتل 1092 فلسطينياً وإصابة 3507 آخرين.

أما المرحلة الثانية، فتتضمن انسحاباً أوسع للجيش الإسرائيلي الذي يحتل أكثر من 70 في المائة من مساحة قطاع غزة، وبدء إعادة الإعمار، مقابل الشروع في نزع سلاح الفصائل، إلا أن إسرائيل لم تنفذ هذه المرحلة، وأصرت على أولوية نزع السلاح.

ويواجه قطاع غزة دماراً واسعاً جراء الحرب منذ أكتوبر 2023، وأسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 173 ألفاً، فضلاً عن تدمير نحو 91 في المائة من البنية التحتية في القطاع.


هل تُعيد «الرقابة البرلمانية» رسم الدور التنموي لـ«جهاز مستقبل مصر»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)
TT

هل تُعيد «الرقابة البرلمانية» رسم الدور التنموي لـ«جهاز مستقبل مصر»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)

يثير توسيع «الرقابة البرلمانية» على «جهاز مستقبل مصر»، وفقاً للتعديلات التي أقرتها اللجنة التشريعية بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) مؤخراً، تساؤلات بشأن مدى تأثيرها على دور الجهاز التنموي، بخاصة في المشروعات الزراعية.

وفي اعتقاد برلمانيين ومختصين في الاقتصاد الزراعي، فإن الرقابة البرلمانية على الجهاز «توفر الحماية للمستثمرين من داخل مصر وخارجها للمشاركة في استثمارات الجهاز التنموية»، مشيرين إلى أن «القانون يشكّل نقلة اقتصادية في عمل الجهاز، ويعزز دوره التنموي».

وأقرت اللجنة التشريعية بمجلس النواب، الخميس الماضي، تعديلات على قانون «جهاز مستقبل مصر»، تتضمن توسيع رقابة البرلمان على الجهاز؛ إذ اشترطت نصوص القانون «موافقة مجلس النواب في جلسة عامة على قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة».

وتأسس جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» بقرار رئاسي عام 2022، كإحدى الأذرع التنموية للحكومة عبر استصلاح آلاف الأفدنة في الصحراء، وربطها بالتصنيع الزراعي، ومن أبرز مشروعاته الزراعية مشروع «الدلتا الجديدة» (شمال غرب مصر)، والذي يضم نحو مليونَين ونصف مليون فدان.

ويمنح قانون «جهاز مستقبل مصر»، الذي يناقشه البرلمان، استقلالية إدارية ومالية في إطار مدني جديد، بتحويل تبعية الجهاز من وزارة الدفاع إلى كيان استثماري وتنموي بهيئة اقتصادية مستقلة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، بما يعزز قدرته على تنفيذ المشروعات التنموية، ودعم استدامة الاقتصاد الوطني، وتهيئة مناخ أكثر جذباً وثقة للاستثمارات المحلية والأجنبية.

وأجرت اللجنة المشتركة لمناقشة نصوص القانون، والتي تضم اللجنة التشريعية و17 لجنة برلمانية أخرى، تعديلات على مشروع القانون المقدم من الحكومة، من بينها «اشتراط موافقة مجلس النواب في جلسة عامة على قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة، فضلاً عن الموافقة على إدخال 5 مواد مستحدثة حاكمة راعت المناقشات النيابية».

ويستند مشروع القانون إلى المبادئ الدستورية المنظمة للنظام الاقتصادي، التي تقوم على تحقيق التنمية المستدامة، وتشجيع الاستثمار، وحماية الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في عملية التنمية، بما يسهم في رفع معدلات النمو، وزيادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي.

تعديلات تشريعية على القانون المنظم لعمل «جهاز مستقبل مصر» للمساهمة في جذب الاستثمارات (جهاز مستقبل مصر)

ويرى وكيل لجنة الزراعة بمجلس النواب المصري فريد واصل، أن «قانون (مستقبل مصر) يشكّل تحولاً نوعياً في عمل الجهاز، يسهم في نقله من مرجعيته العسكرية إلى الإطار المدني»، وقال إن «نصوص القانون ضرورية لتعزيز دوره التنموي في الاقتصاد المصري». وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الرقابة البرلمانية على عمل الجهاز ستوفر الحماية والضمانة لأي مستثمر من داخل مصر أو خارجها للمشاركة في الدور التنموي للجهاز»، وقال إن «الضوابط الرقابية التي نص عليها القانون تشكّل رسالة طمأنة للجميع، خصوصاً للمستثمر الأجنبي».

ويعيد مشروع القانون تنظيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي، من خلال إتاحة مساحة أكبر لمشاركة القطاع الخاص والشراكات الدولية في دفع عجلة التنمية، وتعزيز مساهمتهما في زيادة الناتج المحلي، وخلق فرص العمل، وتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية داخل مناطق التنمية المستدامة.

ومن المقرر أن تناقش الجلسة العامة لمجلس النواب مشروع القانون تمهيداً لإقراره بشكله النهائي. ويعزز قانون تنظيم «جهاز مستقبل مصر» دوره التنموي، وفق خبير الاقتصاد الزراعي مدحت عنيبر، الذي أشار إلى أن «القانون نقل تبعية الجهاز لرئيس الجمهورية مباشرة، بما يعكس زيادة الاهتمام بأعماله والتوسع في استثماراته».

وأوضح عنيبر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التوسع في استصلاح الأراضي الزراعية بالصحراء يستدعي وجود نصوص تنظم أعماله، بما يساعد في متابعة الاستثمارات في هذه الأراضي، وضمان استمرارية إنتاجها»، مشيراً إلى أن «المستثمرين دائماً ما يبحثون عن ضمانات، ونصوص القانون، ومن بينها بنود الرقابة، تتيح هذه الضمانات».

وأضافت الحكومة المصرية نحو 4.5 مليون فدان خلال السنوات الأخيرة، وفق إحصاءات رسمية.