الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي» (1 - 9)

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات
TT

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

* كانت العسكرة مبكرة في مساري الثورة الليبية والسورية تحديدا حيث برزت في الأولى عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة
* نجح الحوثيون منذ أوائل عام 2014 في عسكرة المسار وإعاقة التحول في اليمن ومحاولة ابتلاع الدولة

تبدأ «الشرق الأوسط» اعتبارا من اليوم نشر حلقات من فصول كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي»، من تأليف الكاتب والباحث السياسي المصري هاني نسيره الذي يعمل حاليا مديرا لمعهد العربية للدراسات بقناة «العربية» بدولة الإمارات. ورصد المؤلف في كتابه الصادر عن «وكالة الأهرام للصحافة» - والتي حصلت «الشرق الأوسط» على حق نشر حلقات من فصوله - سنوات الثورات العربية الأربع وتابع الكاتب تشابهاتها واختلافاتها، وحاول تفسير أسباب تعثر ثورات ونجاح أخرى في إسقاط من ثارت بوجهه، حين اشتعلت من جسد بوعزيزي بتونس ومن أشباهه في مصر، إلى الانتقال من دعوى الربيع العربي ووعده وأمنياته إلى حقيقة «داعش» الداهمة.
يقول المؤلف الذي أهدى كتابه إلى «أطفال درعا مفجري الثورة السورية»: «إن في هذا الكتاب كثيرا من السياسية وكثيرا من الاجتماع وكثيرا من الأحداث المؤلمة ولكن الأهم أنه إعادة اعتبار للفكر النظري والفلسفي في فضاء وواقع عربي صعدت فيه أصوات الضجيج دون اعتبار لهدوء الفكر وبصره».
للمؤلف هاني نسيره عدد من الكتب منها: الآيديولوجيا والقضبان: نحو أنسنة للفكر القومي العربي، والليبراليون الجدد في مصر إشكالات الخطاب والممارسة، وأزمة النهضة العربية وحرب الأفكار، والحنين إلى السماء والمتحولون دينيا ومذهبيا. كما شارك مع آخرين في عشرات الكتب حول الفكر العربي وحقوق الإنسان والتاريخ الثقافي، وله العديد من الدراسات حول الحركات الآيديولوجية والتيارات الفكرية والفلسفية العربية، ومئات المقالات نشرت بالعربية والإنجليزية في العديد من المواقع الأكاديمية العربية والغربية، وترجمت بعض أعماله للغات الإنجليزية والفرنسية والتركية والفارسية.
وفيما يلي الحلقة الأولى من 9 حلقات تنشرها «الشرق الأوسط» ابتداءً من اليوم:

* موضوع الكتاب
* يسعى هذا الكتاب لمراجعة 4 سنوات من الثورات العربية، بعد عام 2011 وحتى تاريخ تأليف هذا الكتاب، لعلها الأهم في تاريخ العرب الحديث، ونشير ابتداء أنه بينما حاولت الثورات العربية عند ولادتها استعادة روح الحداثة العربية واستئناف نهضتها العالقة والمأمولة، على حوامل معلوماتية ما بعد حداثية، إلا أن توترها البنيوي والفكري والفراغ الذي أعقبها وغياب الرأس أو العقل حيث كانت ثورات بلا رأس، أتت في حقبة ما بعد الآيديولوجيات، وصلت وتحاول التغلب عليها محطة الداعشية التي تهدد الحداثة العربية التي بدأت قبل قرنين من الزمان، كما أن غياب مقولات حاكمة ومائزة لها، جعلها سهلة السرقة والفشل في آن، وهو ما أنتج في النهاية موجات متتابعة لها..
ولكن على كل.. لا شك أن الثورات العربية حققت تغييرا ما، جزئيا أو كليا، في منطق السلطة، وفي علاقة الشعب بالحاكم والحاكم بالشعب، بل وفي علاقة السلطة بالدين والمجتمع، وتصالحت مع تطوراتها ومحطاتها التالية ثنائية الثورة والدولة، ولولا عوائق بنيوية فيها وخارجة عنها أعاقتها، نظرا لغياب رؤيتها وهشاشة وسيولة مرجعيتها، لتمت المصالحة بين هذه الثنائيات بشكل كامل، ولرأينا واقعا ومشهدا عربيا مختلفا عن هذه الحقبة الداعشية الراهنة.
4 سنوات و4 محطات: 4 سنوات، هي عمر الثورات العربية، يمكننا تقسيمها لـ4 محطات أو اتجاهات رئيسية، تداخلت مقولاتها وتصارعت فيها، بعد مرور المرحلة الأولى.

* المحطة الأولى:
* الولادة المدنية اللاعنفية: ويمكن أن نصفها بإرهاصات الربيع العربي وهي أقصر المحطات زمنا، وكانت أكثرها وعدا، ويمكن تحديدها بما شاهدته تونس بعد وفاة بوعزيزي في 17 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2010، حتى هروب بن علي في 14 يناير (كانون الثاني) والمظاهرات المصرية في 25 يناير حتى تخلي مبارك عن السلطة في 11 فبراير (شباط)، وكانت أطول في سوريا حيث اندلعت ثورة درعا البريئة في 15 مارس (آذار) سنة 2011 ولم تتم عسكرتها إلا مع المنشقين عن جيش بشار الأسد منذ أواخر يونيو (حزيران)، ورغم إرهاصاتها المبكرة في 14 فبراير باجتماع 213 شخصية ممثلة لمجموعة من الفصائل والقوى السياسية والتنظيمات والهيئات الحقوقية الليبية، مطالبة بتنحي معمر القذافي، مؤكدين على حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه بمظاهرات سلمية دون أي مضايقات أو تهديدات من قبل النظام ثم اندلاعها في 17 فبراير سنة 2011 في ليبيا إلا أن قمع الأجهزة الأمنية ونظام القذافي حولها سريعا منذ البداية، وخاصة في بنغازي لحرب الأهلية، حتى سقوطه ومقتله في 20 أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام.

* المحطة الثانية:
* الصراع بين العسكرة وحكم الإسلاميين: كانت العسكرة مبكرة في مساري الثورة الليبية والسورية تحديدا، حيث برزت في الأولى عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة، رغم مصالحتها مع نظام القذافي واعتذارها عن سابق أفعالها ومجابهتها له، كما أنها بدأت مع اعتقال فتحي تربل محامي مذبحة أبو سليم (راح ضحيتها 1200 قتيل) في 15 فبراير التي كان عناصر الجماعة المقاتلة وغيرهم من الجهاديين ضحاياها، وكون هذه الجماعات هي من عانت في مذبحة أبو سليم المشار إليها في تسعينات القرن الماضي، وسوريا، فجاءت ردا على الميليشيات الطائفية التي استعان بها نظام بشار الأسد ورفضا للقمع الذي مارسته قواته، حين أصرت على إعدام الثورة واستخدمت القوات البرية في مايو (أيار) ثم الجوية في يونيو (حزيران)، وتلت ذلك باستخدام الكيماوي والبراميل الحارقة! ووجد الإسلاميون الليبيون فرصا كبيرة للصعود والسيطرة على المجلس الانتقالي ثم الفوز سياسيا ثم الانكسار والهزيمة والدخول في مرحلة صراع مع البرلمان المنتخب والحكومة الشرعية المنبثقة عنه في يونيو ويوليو (تموز) سنة 2014.
ويمنيا نجح الحوثيون منذ أوائل عام 2014 في عسكرة المسار وإعاقة التحول في اليمن، ومحاولة ابتلاع الدولة وهو ما كان بالتعاون والتحالف غير المعلن مع عدوهم السابق الرئيس السابق على عبد الله صالح، ونجحوا في السيطرة على المحافظة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) سنة 2014 في مراوغة واضحة ومكشوفة لابتلاع الدولة اليمنية وتحديد مسارها كما يشاءون..
وجد ربيع الجهاديين فرصة في ضعف الدولة وثغرات الفوضى والملاذات الآمنة، في الموجة الأولى من الثورات أو الموجة الثانية، ولكن بدأ ربيع الإسلام السياسي الذي هادنه ولم يصطدم به عبر الانتخابات التي تحالفا فيها تحالفات مؤقتة، أو عبر التحالف والتحول نحو الجهادية في بعض البلدان أبرزها ليبيا وبدرجة ما مصر، ولكن فشل الإسلام السياسي في أن يتجاوز فقه الجماعة نحو فقه الدولة فانقلب على الثورة وقواها وأصر على الانفراد بالحكم فسقط ممثله الأشهر وهو جماعة الإخوان سقوطا قسريا عنيفا، كما اضطر ممثله الأكثر مرونة منها للخروج خروجا ناعما في تونس، ولا زال التحالف الجهادي الإخواني في ليبيا يصارع للبقاء بأدوات العنف بعد خسارته الانتخابات البرلمانية في يونيو 2014، وهو ما سنفصله في هذا الكتاب في مواضعه.

* المحطة الثالثة:
* عودة الدولة والموجة الثانية من الثورات: وهو الحراك الذي مهد لانتهاء حكم الإسلاميين، الذين سعوا لإنشاء أنظمة شمولية دينية جديدة، عبر حراك شعبي أو خروج طوعي، وعودة الطلب على الدولة في هذه المرحلة التي يمكن التأريخ لها بـ30 يونيو مصريا، و23 أكتوبر سنة 2013 تونسيا، ويوليو سنة 2014 ليبيا وإن كان التحالف الإخواني الجهادي فيها وفي غيرها لا زال يصارع من أجل بقائه واسترداده السيطرة على السلطة والحكم فيها.
لم تولد هذه الموجة الثانية للثورات العربية إلا نتيجة لفشل الموجة الأولى في هذه البلاد، فاستدعت بعد فترة موجة ثانية في بعضها، تقدم فيها مطلب الاستقرار على مطلب الحرية ومطلب الأمن والدولة على مطلب الثورة والفوضى الخلاقة بعد أن تحولت لفوضى غير خلاقة، واستعادت فكرة النظام والدولة حضورا وشرعية سلبت منهما مع شعارات إسقاط النظام، في بواكير الثورات، بل وإسقاط بقاياه «فلول النظام» التي كانت شعارات حاكمة خلال المراحل الانتقالية الموجة الأولى لهذه الثورات بشكل كبير..

* المحطة الرابعة:
* زمن «داعش» وأخواتها: هذه المحطة أكثر صلابة، فقد اخترقت سوابقها، اخترقت الثورة السورية مبكرا، واستغل ظهورها نظام بشار الأسد، وقد ولدت بعد أن عسكر صراعه وانشق عنه عسكره، كما لا زالت تنازع الدول والثورات معا في عدد من البلدان، حيث تسعى لإقرار محطتها الخاصة «الخلافات والإمارات الدينية» مستغلة الأنظمة الهشة والبنى الفاشلة، في العراق وسوريا، وإرهاقا لغيرها.
ظهر تنظيم داعش في أبريل (نيسان) سنة 2013، بعد أن كان يحمل اسم «القاعدة في العراق»، وكان سوريًا جزءا من جبهة النصرة المرتبطة بـ«القاعدة»، وكانت صحوته الأكبر عراقيا وسوريا في 9 و10 يونيو سنة 2014 حيث نجح في السيطرة على المحافظات السنية في العراق، ثم أعلن خلافته في 29 يونيو، وواصل تمدده سوريا وعراقيا وهدد دول الجوار، وطالب الجهاديات العالمية بمبايعته، واستنفر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بعد تواصل تهديداته وتمدداته للحرب عليه في العراق وسوريا معا.. وهو ما يجعله خاتمة غير مريحة وصادمة لـ4 سنوات من الثورات العربية، قد أعاقت الثورة السورية ووأدت كل وعود الربيع العربي، ولا زالت تفتحنا على أسئلة مفتوحة في صددها.
من خلال هذه المحطات نحاول هنا استخلاص قوانين لطفرة ما عرف بالثورات العربية، والتي لم يتوقع أحد شرقا وغربا انبجاسها، كما لم يتوقع صناع هذه الثورات ما بعدها، لعل مراجعة التاريخ ومراجعة المسارات يساعدنا في استكشافها لتجيب على الأسئلة الثقيلة التي لا نبوح بها من المسكوت عنه في فضاء وطني وإقليمي صار مهددا ومرتبكا بامتياز..

* الثورات آحاد وليست واحدة:
* كانت ثورات العرب التي اندلعت سنة 2011 آحادا ولم تكن واحدة، تشابهت واختلفت في المخاضات ولكن تعثرت جميعها في المسارات، فانتقلت من المدنية بمعناها الحرياتي إلى الأصولية في شكلها الدوغمائي والعنيف، كما انتقلت من المدنية بمعناها اللاعنفي إلى فوضى السلاح والتنظيمات والميليشيات وهو ما مثل مخاض موجتها الثانية التي أشرنا إليها وفقدان جاذبيتها ونموذجها لدى الشعوب التي عاشت أو لم تعش تجربتها.
وأول دروس وقوانين هذه الثورات العربية أنها حققت نجاحها بالإجماع الثوري وروح التوافق، ولكن بعد نجاحها انتقلت إلى نزوعات الهيمنة والاحتكار والإقصاء من قبل من يملكون السلاح أو التنظيم! واستمر الشتات المدني في عدد منها غير قادر على تحقيق ما رمت إليه وحلمت به.
وصلنا لمرحلة خطيرة، غدا ممكنا وجائزا فيها الحديث عن دبلوماسية عشوائية بين دول وبين مجموعات مسلحة صغيرة تسيطر على مناطق ما، أو تقوم بعمليات خطف لدبلوماسيين وسفراء، كما حدث في ليبيا، حادث خطف ثم استعادة سفير المملكة الأردنية الهاشمية في 15 أبريل سنة 2014، وحدث مع نيف وعشرين دبلوماسيا آخرين من قبل الميليشيات المسيطرة في غرب ليبيا خلال العامين المنصرمين، 2013 و2014، تمددت فيها التنظيمات في عالم الواقع، على الفيسبوكيات والنخب المنعزلة في العالم الافتراضي.
أخطر ما كان في هذه الثورات، واعتبره البعض - أسفا - ميزة لها، أنها كانت ثورات بلا عقل أي بلا فلسفة للثورة، احتجاجية فقط في دعواها، كما كانت أيضا بلا رأس..أي بلا زعيم.. وإن التمس لها الكثيرون في فضاء المواقع التواصلية، «فيسبوك» و«تويتر»، زعيما أو زعماء، كما طرح البعض الآخر وجوها سريعا ما تبخرت واندثرت أو آثرت العزلة، ولم تكن إلا التنظيمات ومرشدوها الأقدر على إثبات قيادتها، فقد حضرت بعد النجاح مرحلة الفرز السياسي حيث التنظيمات والآيديولوجيات، التي تنتصر بقوانين الواقع لا قوانين العالم الافتراضي، ولا تصمد أمامها شظاياه التواصلية غير المنظمة المتاحة للجميع مؤمنا بالحداثة التي أنتجتها أم كافرا بها..
من الخطأ الذي وقع فيه الكثير من المراقبين للثورات العربية أنهم قرأوها ابتهاجا ما بعد حداثيا دون انتباه لبنيويتها وواقعها وتوتراتها التي أنتجت حالة ما قبل حداثية في النهاية، تستعصي على البنية والتنظيم وتهدد فكرة الاستقرار ودولة القانون لتصعد مكانها إمارة دينية أو سلطة جماعة دون الجميع.
وكذلك قراءتها كحالة واحدة، وعدم قراءتها آحادا، فقد اختلفت طولا وقصرا، انسيابا وتعثرا من بلد لآخر، بحكم بنيوية وطبيعة الأنظمة حينا وبنيوية وخارطة المعارضة حينا آخر، اختلفت حين صدرت من الميدان الواحد (التحرير – القصبة)، وحين صدرت من ميادين وأزقة متفرقة (مثال الحالة السورية)، كما اختلفت حين تصدر تظاهراتها المدنيون والإجماع الثوري في البداية، عنها حين حضر الفرز الآيديولوجي والمدني/ الإسلامي عند انطلاقها وهو ما أعاق بعضها.. كما اختلفت حسب خارطة المواقف في الداخل وخارطة المواقف في الخارج، وكانت كل ثورة تؤثر مباشرة وبشكل غير مباشر في التي بعدها.. هذا الاختلاف وهذه العوامل وحدها - كما سيوضح هذا الكتاب - هو ما يفسر اختلاف خرائطها الانتقالية وموجاتها الثانية، من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن، ولا زالت تعالج تعثر موجتها الأولى في سوريا..
لم ينتبه الفاعلون في الثورات المدنية للبعد السياسي والاجتماعي الخطير في مقولة إسقاط النظام، أو إقصاء فلوله وأنصاره! فكان الانتقال انتقاما متبادلا أحيانا كثيرة، يفتقد لأول مبادئ العدالة الانتقالية ذاتها، وهي المصالحة وكشف الحقيقة..
كانت تجربة الثورات العربية وموجتها الأولى مختلفة عن ثورة مانديلا، الذي كان أكثر نجاحا.. كانت الثورات دعوات انتقال مشروعة في بلدانها ولكن تعثرت في بعضها بفعل طبيعة الفاعلين فيها حينا وطبيعة الأنظمة التي واجهتها حينا.. وتحولت بعد النجاح من ثورات مدنية إلى ربيع إخواني أو جهادي..! مصريا وليبيا وتونسيا..
وبعد هذا التحول من المدني إلى الديني ومن السلمي إلى الإقصائي والعنيف صعد التساؤل: أين ذهب شباب هذه الثورات؟ ولماذا تعثرت وتحولت الموجة الأولى لهذه الثورات لفوضى غير خلاقة، مصريا وتونسيا وليبيا استدعت موجة ثورية ثانية ضد مخرجاتها وانحرافاتها ضد العسكرية واستعادة الاستبداد، كانت تعديلا أو تصحيحا للسابق، وثالثة ورابعة اشتعلت شرارتها شعبيا ومؤسساتيا في مصر في 30 يونيو 2012 خرج الإخوان ومرشحهم على أثرها قسرا من الحكم، بينما خرجت حركة النهضة التونسية من الحكومة خروجا ناعما في 14 يناير (كانون الثاني) سنة 2014، ورفض إسلاميو ليبيا الخروج عبر صناديق الانتخابات بعد انتهاء مدة المؤتمر الوطني العام الذي كانوا يسيطرون عليه، ولا زالت هذه الموجة الثانية تعاني مخاضا صعبا للسيطرة على الأمور ليبيًا بالخصوص، ومصريا وتونسيا بدرجة أقل.
هذا بينما لا تزال الثورة السورية تعالج تعثرها بعد أن أنتجت دموية الأسد والانشقاقات عليه عسكرتها في البداية، وأنتجت صحوة «النصرة» و«داعش»، التي تشربت نموها عراقيا من سياسات رئيس الوزراء العراقي الراحل نوري المالكي، وأخذت شرعيتها كجهادية سنية من القمع والتمييز الطائفي والاستعانة بالميليشيات والجهاديات الشيعية الموالية لهما.. ولكنها أعاقت الثورة واستهدفت قواها المعتدلة وأعطت للأسد الذي لم تستهدفه غير شرعية جديدة! وهو للأسف ما أدركته الولايات المتحدة متأخرا كما أتى في خطاب أوباما في مايو سنة 2014.

* المؤتلف والمختلف: مسارات ومآلات الثورات العربية
* إذا كان عام 2011 هو عام الثورات العربية ووعود ربيعها المنتظر.. فإن عام 2012 كان اختبارها الصعب الذي تعثرت فيه مساراتها، واتجهت بقوة نحو العسكرة وسيطرة الإسلاميين والجهاديين، وكان عام 2013 هو إعلان نتائج موجتها الثانية في البلدان التي نجحت فيها، ثم كان العام الرابع عام 2014 هو عام صعود الإرهاب كتحد كبير لها جميعا، مصريا وليبيا ويمنيا وسوريا الذي استمر تحديا مضافا مع بقاء نظامها الذي ما زال يصر على البقاء..
ولكن بينما صار الواقع أفظع وأسوأ من سابق الثورات في بعض البلدان، بل ثمة نوستالجيا صاعدة لعودة الأنظمة التي سقطت بفعلها في بعض البلدان، أو لحد أبعد بعودة الملكية في الدول التي أسقطت ثورات الضباط في الخمسينات والستينات في القرن الماضي، وهو ما يعبر في حقيقته عن عمق الأزمة والفشل والمخاطر المختلفة، أمنية أو اقتصادية أو طائفية، وفقدت الثورات جاذبية التصدير، وصارت شعاراتها وأسئلتها على شفا التبخر، كما تبخر شبابها ذاتيا، في ظل الطلب على الدولة والأمن والمصالحة بينها وبين الثورات، لتعود نفس الأسئلة التي طرحت في بداية نهضتنا قبل قرنين من الزمان!
سؤال النهضة والحداثة! وعلاقتها بالدين، وكما كانت بعض القوى التقليدية والأصولية والعنيفة عائقا أوليا في بناء النهضة ومساراتها وتحقيق وعودها كانت بعض الحركات الأصولية السياسية والعنفية كذلك سببا رئيسيا من فشل الربيع العربي وتحقيق وعوده! وتسعى هذه الدراسة التي كتبت عام 2013 قبل سقوط جماعة الإخوان المسلمين والرئيس المعزول محمد مرسي لمحاولة تفسير التشابه والاختلاف في مسار الثورات العربية حتى تاريخها..
لكن بنية هذا الزلزال بوعزيزية اجتماعية وليست فيسبوكية في المقام الأول، كما أراد البعض تسطيحها، انطلقت شرارتها من الجسد البوعزيزي المنهك في 17 ديسمبر سنة 2010 وآتت ثمارها - أو أهدافها - برحيل زين العابدين بن علي في 14 يناير سنة 2011، وامتدت إلهاماتها وتداعياتها مصريا لتنطلق شرارتها في 16 يناير بمحاولات ستة أفراد مصريين حرق أجسادهم لتكون شرارة ثورية مصرية، التقطها عدد من شباب المواقع التواصلية لتلتهب الشرارة اجتماعيا وتكون ثورة 25 يناير سنة 2011 التي انتهت برحيل مبارك في 11 فبراير، لتنتقل الشرارة بعد ذلك إلى ليبيا التي اشتعلت شراراتها في 17 فبراير سنة 2011 في ذكرى مذبحة سجن أبو سليم في مصراتة وانتشرت انتفاضات مدنها مع استمرار التجاوزات الأمنية لنظام القذافي السابق[1].
انتقلت الشرارة بهدوء لسوريا حين حمل لواءها ببراءة وشجاعة أطفال درعا في 15 مارس سنة 2011 وكتبوا الشجاعة وكسروا الخوف قبل الشيوخ على جدران مدارسهم «ارحل يا دكتور» فاستقبلتهم آلة النظام البعثي الغبية، واستمرت مدينتهم تناضل وحدها شهورا، حتى انتقلت الثورة إلى جميع أنحاء سوريا!! ولكن لم تتحقق أهدافها بعد رغم فقدانه السيطرة على معظم الأرض السورية، وتدخل الثورة عامها الرابع بلا نجاح، وصار المشهد فيها حربا أهلية بين النظام والإرهاب المتمثل في «داعش» وأخواتها كـ«النصرة» و«جند الأقصى» و«الحسبة» من جهة، وفصائل الثورة المعتدلة غير المدعومة خارجيا من جهة أخرى، في مشهد ميليشياوي صراعي بين الميليشيات الطائفية المؤيدة له أو المعادية للثورة في عمومها، زاد منه تقدم «داعش» وارتباكات القوى الإقليمية والتعاطي الدولي وكذلك أداء المعارضة السياسي الذي لا زال ذاتيا واستعراضيا في كثير منه ومشتتا في مجموعاته.
لم تكن ثورات فيسبوكية أو تواصلية في عمقها وميلادها بل كانت القابلية للثورة ساكنة خفية في طبقات عميقة، اجتماعية وسياسية وتواصلية، من وجدان وعقول الشعوب، لم تستطع مراكز التفكير ولا الدوائر الاستخبارية التنبؤ به، كان القرار بوعزيزيا - ولم يكن أميركيا - حين أحرق محمد بوعزيزي نفسه احتجاجا وغضبا في سيدي بوزيد، وتوالت الأحداث ليفاجأ الجميع بهروب بن علي وأسرته وأصهاره في 14 يناير من نفس العام، وهو الهروب الذي تكرر مشهده بعد ذلك.
لا نرى شرعية لتصريحات بعض بقايا الآيديولوجيين الذين رحبوا بثورات مصر وتونس وتوقفوا خاصة أمام الثورة السورية محاولين ترويج خيالات تفكيرهم التآمري بأنها سايكس بيكو جديد لتقسيم المنطقة ليس أكثر![2]. رغم ذلك لا ينكر أنه مع طول بعض الثورات ولجوء القذافي وبشار الأسد إلى حرب شعبيهما، وكذلك تحول اليمن لما يشبه الحرب الأهلية قبل رحيل صالح وفق المبادرة الخليجية، بانشقاق الفرقة الأولى مدرع، التي كان يقودها رفيق صالح السابق، اللواء المنشق علي محسن الأحمر بعد مجزرة جمعة الكرامة في ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء في 18 مارس سنة 2011، وهكذا كانت العسكرة في مسار الثورات العربية من انشقاقات الجيوش على قادتها في سوريا واليمن وليبيا، ثم مع الاستنفار الآيديولوجي والشعبوي الديني والطائفي في هذه المناطق وغيرها.
لم تقف القوى الدولية والإقليمية مكتوفة الأيدي تأييدا أو معارضة، أو توسطا لحل أو تدخل، مع مفاجأة الثورتين الكبيرتين في تونس ومصر، ولكن مع طول الثورات، واستخدام العنف المفرط من القذافي والأسد وصالح في اليمن، كان التدخل عبر وسائله المختلفة.
كذلك يمكن القول إنه لم تقف القوى الدولية مكتوفة الأيدي من السلطات الناشئة الحاكمة فيما بعد الثورات، التي تتعارض مع بعضها آيديولوجيا وتهدد أو تهادن مصالح البعض الآخر، وهو ما يمكن أن يفسر قرار البرلمان الأوروبي في 14 مارس سنة 2013 على دعوة وقف منح مصر المزيد من المساعدات إلى السلطة الانتقالية في مصر؛ حتى يتحقق التقدم واحترام حقوق الإنسان وحرية الدين واحترام المرأة[3] وكانت المواقف الدولية أكثر وضوحا وتباينا في الموجة الثانية التصحيحية بعد سيطرة الإسلاميين، وبينما وقفت السعودية والإمارات والكويت والبحرين موقفا مؤيدا لحراك 30 يونيو في مصر بكل قوة وسند ودعم مادي ومعنوي ودولي، بعد أن ناصبها حكم الإخوان العداء ووجه لها سهام عنفه الكلامي والعملي، وحالفته في ذلك دولة قطر التي عدلت بعض مواقفها بعد اتفاق الرياض عام 2014، مر الموقف الأميركي والأوروبي بمراحل في تأييدها رغم انتقاداته لحكم الإخوان ورغم كثرة التوقعات بسقوطه وعواقبه الوخيمة على مصر، حين أتى بديمقراطية لم يلتزم بها ودستورية كان أول من أسقطها!
نرفض وهما يسكن طرفا من الوعي العربي أننا الفاعلون وحدنا، وغيرنا مفعول به، وفق الاستعلاء الآيديولوجي أو العزلة اللاشعورية، وأننا نعيش في العالم وحدنا، كما نرفض الطرف المضاد الذي يختصرنا في المفعولية فقط، وفق نظرية المؤامرة التي تديرنا وتصنع لنا فشلنا دون التفات لمسؤولية منا.
وما نريده هنا تأكيد المجتمعات على أنه في حال الثورات تكون فاعلا أولا وليس مفعولا به، ولا يمكن تفسير الثورات العربية في السياقات الدولية والإقليمية وفق خشبية الحديث عن مؤامرة سابقة ولاحقة أنتجتها واستولدتها من عربة بوعزيزي أو شظية فيسبوكية، لكن التدخل والضغط الدولي لا يمكن إنكار جدواه في نجاحات بعضها، أو رسم خارطة الطريق الانتقالية في اليمن أو ليبيا التي كان من الممكن أن يحرقهما الاحتراب الأهلي بين المجموعات المسلحة لسنوات طويلة، ولعل تأخره هو ما أتاح مثول هذا الخطر في المشهد السوري الآن، وهو ما أقرت به هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، في مذكراتها التي نشرتها عام 2014[4]، فما كان من انتشار جديد لمجموعات «القاعدة» أو تنظيمها فيها، مثلت «داعش» وأخواتها فيما بعد، إلا نتيجة للفظائع السورية واللعب بالورقة الدينية إيرانيا، والتمددات في الفراغ، وهو ما فجر هواجس لا تنتهي من الصراع المسلح بعد سقوط نظام الأسد كما هو ماثل من أجل إسقاطه.
ولكن مع عودة الصراع الأهلي والحزبي المسلح بين الفرقاء في ليبيا واليمن خلال عام 2014 بعد انتهاء صلاحية المؤتمر الوطني الليبي العام في فبراير من نفس العام، وإرادة الإسلاميين المسيطرين عليه الاستمرار بالقوة، لحين عقد انتخابات جديدة، وبعد أن حدث هذا وخسارتهم إياها في يونيو لم يستجيبوا للحوار وقرروا الدخول في صراع ضد البرلمان والحكومة المنتخبة، وهو ما نراه شبيها بما حدث في اليمن من قبل جماعة الحوثي التي تحركت منذ بدية عام 2014 للسيطرة على المدن باتجاه صنعاء التي سيطرت عليها في 21 سبتمبر من نفس العام، وتراوغ في تسليم أسلحتها مصرة على أن الطائفة قبل الوطن بالنسبة لها. هكذا صنعت مسارات الثورات العربية مآلاتها، مؤكدة أن الشعارات أوضح في مخاض الثورات والانتفاضات من الاستراتيجيات! والشعارات تصنع إجماعها وجماهيرها ولكن الاستراتيجيات والحسابات تصنعها تنظيماتها وقواعدها المؤمنة بها أو المستفيدة منها، والتي تظل تفكر تنظيما لا وطنيا، فتكون الجماعة قبل الدولة في مصر في عهد الإخوان وحلفائهم، وكذلك تكون في فكر «النصرة» و«داعش» التي تصر على الصدام المستمر مع فصائل الثورة المعتدلة، كما كان في جبل الزاوية أو درعا في أكتوبر سنة 2014، مع تجنبها المتكرر للصدام مع نظام الأسد، أو التضامن والنصرة لفصائل الثورة في معاركها ضد بقاياه، بل تواتر الحديث عن تعاون في مجال النفط بين الأسد و«داعش»، وتنازلت «النصرة» في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 عن شرط انسحاب حزب الله من سوريا، في شروطها لإطلاق سراح الجنود المخطوفين.

* (يتبع غدا بالحلقة الثانية)
* ينشر بترتيب مع «وكالة الأهرام للصحافة»



أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».


لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.