الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي» (1 - 9)

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات
TT

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

* كانت العسكرة مبكرة في مساري الثورة الليبية والسورية تحديدا حيث برزت في الأولى عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة
* نجح الحوثيون منذ أوائل عام 2014 في عسكرة المسار وإعاقة التحول في اليمن ومحاولة ابتلاع الدولة

تبدأ «الشرق الأوسط» اعتبارا من اليوم نشر حلقات من فصول كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي»، من تأليف الكاتب والباحث السياسي المصري هاني نسيره الذي يعمل حاليا مديرا لمعهد العربية للدراسات بقناة «العربية» بدولة الإمارات. ورصد المؤلف في كتابه الصادر عن «وكالة الأهرام للصحافة» - والتي حصلت «الشرق الأوسط» على حق نشر حلقات من فصوله - سنوات الثورات العربية الأربع وتابع الكاتب تشابهاتها واختلافاتها، وحاول تفسير أسباب تعثر ثورات ونجاح أخرى في إسقاط من ثارت بوجهه، حين اشتعلت من جسد بوعزيزي بتونس ومن أشباهه في مصر، إلى الانتقال من دعوى الربيع العربي ووعده وأمنياته إلى حقيقة «داعش» الداهمة.
يقول المؤلف الذي أهدى كتابه إلى «أطفال درعا مفجري الثورة السورية»: «إن في هذا الكتاب كثيرا من السياسية وكثيرا من الاجتماع وكثيرا من الأحداث المؤلمة ولكن الأهم أنه إعادة اعتبار للفكر النظري والفلسفي في فضاء وواقع عربي صعدت فيه أصوات الضجيج دون اعتبار لهدوء الفكر وبصره».
للمؤلف هاني نسيره عدد من الكتب منها: الآيديولوجيا والقضبان: نحو أنسنة للفكر القومي العربي، والليبراليون الجدد في مصر إشكالات الخطاب والممارسة، وأزمة النهضة العربية وحرب الأفكار، والحنين إلى السماء والمتحولون دينيا ومذهبيا. كما شارك مع آخرين في عشرات الكتب حول الفكر العربي وحقوق الإنسان والتاريخ الثقافي، وله العديد من الدراسات حول الحركات الآيديولوجية والتيارات الفكرية والفلسفية العربية، ومئات المقالات نشرت بالعربية والإنجليزية في العديد من المواقع الأكاديمية العربية والغربية، وترجمت بعض أعماله للغات الإنجليزية والفرنسية والتركية والفارسية.
وفيما يلي الحلقة الأولى من 9 حلقات تنشرها «الشرق الأوسط» ابتداءً من اليوم:

* موضوع الكتاب
* يسعى هذا الكتاب لمراجعة 4 سنوات من الثورات العربية، بعد عام 2011 وحتى تاريخ تأليف هذا الكتاب، لعلها الأهم في تاريخ العرب الحديث، ونشير ابتداء أنه بينما حاولت الثورات العربية عند ولادتها استعادة روح الحداثة العربية واستئناف نهضتها العالقة والمأمولة، على حوامل معلوماتية ما بعد حداثية، إلا أن توترها البنيوي والفكري والفراغ الذي أعقبها وغياب الرأس أو العقل حيث كانت ثورات بلا رأس، أتت في حقبة ما بعد الآيديولوجيات، وصلت وتحاول التغلب عليها محطة الداعشية التي تهدد الحداثة العربية التي بدأت قبل قرنين من الزمان، كما أن غياب مقولات حاكمة ومائزة لها، جعلها سهلة السرقة والفشل في آن، وهو ما أنتج في النهاية موجات متتابعة لها..
ولكن على كل.. لا شك أن الثورات العربية حققت تغييرا ما، جزئيا أو كليا، في منطق السلطة، وفي علاقة الشعب بالحاكم والحاكم بالشعب، بل وفي علاقة السلطة بالدين والمجتمع، وتصالحت مع تطوراتها ومحطاتها التالية ثنائية الثورة والدولة، ولولا عوائق بنيوية فيها وخارجة عنها أعاقتها، نظرا لغياب رؤيتها وهشاشة وسيولة مرجعيتها، لتمت المصالحة بين هذه الثنائيات بشكل كامل، ولرأينا واقعا ومشهدا عربيا مختلفا عن هذه الحقبة الداعشية الراهنة.
4 سنوات و4 محطات: 4 سنوات، هي عمر الثورات العربية، يمكننا تقسيمها لـ4 محطات أو اتجاهات رئيسية، تداخلت مقولاتها وتصارعت فيها، بعد مرور المرحلة الأولى.

* المحطة الأولى:
* الولادة المدنية اللاعنفية: ويمكن أن نصفها بإرهاصات الربيع العربي وهي أقصر المحطات زمنا، وكانت أكثرها وعدا، ويمكن تحديدها بما شاهدته تونس بعد وفاة بوعزيزي في 17 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2010، حتى هروب بن علي في 14 يناير (كانون الثاني) والمظاهرات المصرية في 25 يناير حتى تخلي مبارك عن السلطة في 11 فبراير (شباط)، وكانت أطول في سوريا حيث اندلعت ثورة درعا البريئة في 15 مارس (آذار) سنة 2011 ولم تتم عسكرتها إلا مع المنشقين عن جيش بشار الأسد منذ أواخر يونيو (حزيران)، ورغم إرهاصاتها المبكرة في 14 فبراير باجتماع 213 شخصية ممثلة لمجموعة من الفصائل والقوى السياسية والتنظيمات والهيئات الحقوقية الليبية، مطالبة بتنحي معمر القذافي، مؤكدين على حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه بمظاهرات سلمية دون أي مضايقات أو تهديدات من قبل النظام ثم اندلاعها في 17 فبراير سنة 2011 في ليبيا إلا أن قمع الأجهزة الأمنية ونظام القذافي حولها سريعا منذ البداية، وخاصة في بنغازي لحرب الأهلية، حتى سقوطه ومقتله في 20 أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام.

* المحطة الثانية:
* الصراع بين العسكرة وحكم الإسلاميين: كانت العسكرة مبكرة في مساري الثورة الليبية والسورية تحديدا، حيث برزت في الأولى عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة، رغم مصالحتها مع نظام القذافي واعتذارها عن سابق أفعالها ومجابهتها له، كما أنها بدأت مع اعتقال فتحي تربل محامي مذبحة أبو سليم (راح ضحيتها 1200 قتيل) في 15 فبراير التي كان عناصر الجماعة المقاتلة وغيرهم من الجهاديين ضحاياها، وكون هذه الجماعات هي من عانت في مذبحة أبو سليم المشار إليها في تسعينات القرن الماضي، وسوريا، فجاءت ردا على الميليشيات الطائفية التي استعان بها نظام بشار الأسد ورفضا للقمع الذي مارسته قواته، حين أصرت على إعدام الثورة واستخدمت القوات البرية في مايو (أيار) ثم الجوية في يونيو (حزيران)، وتلت ذلك باستخدام الكيماوي والبراميل الحارقة! ووجد الإسلاميون الليبيون فرصا كبيرة للصعود والسيطرة على المجلس الانتقالي ثم الفوز سياسيا ثم الانكسار والهزيمة والدخول في مرحلة صراع مع البرلمان المنتخب والحكومة الشرعية المنبثقة عنه في يونيو ويوليو (تموز) سنة 2014.
ويمنيا نجح الحوثيون منذ أوائل عام 2014 في عسكرة المسار وإعاقة التحول في اليمن، ومحاولة ابتلاع الدولة وهو ما كان بالتعاون والتحالف غير المعلن مع عدوهم السابق الرئيس السابق على عبد الله صالح، ونجحوا في السيطرة على المحافظة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) سنة 2014 في مراوغة واضحة ومكشوفة لابتلاع الدولة اليمنية وتحديد مسارها كما يشاءون..
وجد ربيع الجهاديين فرصة في ضعف الدولة وثغرات الفوضى والملاذات الآمنة، في الموجة الأولى من الثورات أو الموجة الثانية، ولكن بدأ ربيع الإسلام السياسي الذي هادنه ولم يصطدم به عبر الانتخابات التي تحالفا فيها تحالفات مؤقتة، أو عبر التحالف والتحول نحو الجهادية في بعض البلدان أبرزها ليبيا وبدرجة ما مصر، ولكن فشل الإسلام السياسي في أن يتجاوز فقه الجماعة نحو فقه الدولة فانقلب على الثورة وقواها وأصر على الانفراد بالحكم فسقط ممثله الأشهر وهو جماعة الإخوان سقوطا قسريا عنيفا، كما اضطر ممثله الأكثر مرونة منها للخروج خروجا ناعما في تونس، ولا زال التحالف الجهادي الإخواني في ليبيا يصارع للبقاء بأدوات العنف بعد خسارته الانتخابات البرلمانية في يونيو 2014، وهو ما سنفصله في هذا الكتاب في مواضعه.

* المحطة الثالثة:
* عودة الدولة والموجة الثانية من الثورات: وهو الحراك الذي مهد لانتهاء حكم الإسلاميين، الذين سعوا لإنشاء أنظمة شمولية دينية جديدة، عبر حراك شعبي أو خروج طوعي، وعودة الطلب على الدولة في هذه المرحلة التي يمكن التأريخ لها بـ30 يونيو مصريا، و23 أكتوبر سنة 2013 تونسيا، ويوليو سنة 2014 ليبيا وإن كان التحالف الإخواني الجهادي فيها وفي غيرها لا زال يصارع من أجل بقائه واسترداده السيطرة على السلطة والحكم فيها.
لم تولد هذه الموجة الثانية للثورات العربية إلا نتيجة لفشل الموجة الأولى في هذه البلاد، فاستدعت بعد فترة موجة ثانية في بعضها، تقدم فيها مطلب الاستقرار على مطلب الحرية ومطلب الأمن والدولة على مطلب الثورة والفوضى الخلاقة بعد أن تحولت لفوضى غير خلاقة، واستعادت فكرة النظام والدولة حضورا وشرعية سلبت منهما مع شعارات إسقاط النظام، في بواكير الثورات، بل وإسقاط بقاياه «فلول النظام» التي كانت شعارات حاكمة خلال المراحل الانتقالية الموجة الأولى لهذه الثورات بشكل كبير..

* المحطة الرابعة:
* زمن «داعش» وأخواتها: هذه المحطة أكثر صلابة، فقد اخترقت سوابقها، اخترقت الثورة السورية مبكرا، واستغل ظهورها نظام بشار الأسد، وقد ولدت بعد أن عسكر صراعه وانشق عنه عسكره، كما لا زالت تنازع الدول والثورات معا في عدد من البلدان، حيث تسعى لإقرار محطتها الخاصة «الخلافات والإمارات الدينية» مستغلة الأنظمة الهشة والبنى الفاشلة، في العراق وسوريا، وإرهاقا لغيرها.
ظهر تنظيم داعش في أبريل (نيسان) سنة 2013، بعد أن كان يحمل اسم «القاعدة في العراق»، وكان سوريًا جزءا من جبهة النصرة المرتبطة بـ«القاعدة»، وكانت صحوته الأكبر عراقيا وسوريا في 9 و10 يونيو سنة 2014 حيث نجح في السيطرة على المحافظات السنية في العراق، ثم أعلن خلافته في 29 يونيو، وواصل تمدده سوريا وعراقيا وهدد دول الجوار، وطالب الجهاديات العالمية بمبايعته، واستنفر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بعد تواصل تهديداته وتمدداته للحرب عليه في العراق وسوريا معا.. وهو ما يجعله خاتمة غير مريحة وصادمة لـ4 سنوات من الثورات العربية، قد أعاقت الثورة السورية ووأدت كل وعود الربيع العربي، ولا زالت تفتحنا على أسئلة مفتوحة في صددها.
من خلال هذه المحطات نحاول هنا استخلاص قوانين لطفرة ما عرف بالثورات العربية، والتي لم يتوقع أحد شرقا وغربا انبجاسها، كما لم يتوقع صناع هذه الثورات ما بعدها، لعل مراجعة التاريخ ومراجعة المسارات يساعدنا في استكشافها لتجيب على الأسئلة الثقيلة التي لا نبوح بها من المسكوت عنه في فضاء وطني وإقليمي صار مهددا ومرتبكا بامتياز..

* الثورات آحاد وليست واحدة:
* كانت ثورات العرب التي اندلعت سنة 2011 آحادا ولم تكن واحدة، تشابهت واختلفت في المخاضات ولكن تعثرت جميعها في المسارات، فانتقلت من المدنية بمعناها الحرياتي إلى الأصولية في شكلها الدوغمائي والعنيف، كما انتقلت من المدنية بمعناها اللاعنفي إلى فوضى السلاح والتنظيمات والميليشيات وهو ما مثل مخاض موجتها الثانية التي أشرنا إليها وفقدان جاذبيتها ونموذجها لدى الشعوب التي عاشت أو لم تعش تجربتها.
وأول دروس وقوانين هذه الثورات العربية أنها حققت نجاحها بالإجماع الثوري وروح التوافق، ولكن بعد نجاحها انتقلت إلى نزوعات الهيمنة والاحتكار والإقصاء من قبل من يملكون السلاح أو التنظيم! واستمر الشتات المدني في عدد منها غير قادر على تحقيق ما رمت إليه وحلمت به.
وصلنا لمرحلة خطيرة، غدا ممكنا وجائزا فيها الحديث عن دبلوماسية عشوائية بين دول وبين مجموعات مسلحة صغيرة تسيطر على مناطق ما، أو تقوم بعمليات خطف لدبلوماسيين وسفراء، كما حدث في ليبيا، حادث خطف ثم استعادة سفير المملكة الأردنية الهاشمية في 15 أبريل سنة 2014، وحدث مع نيف وعشرين دبلوماسيا آخرين من قبل الميليشيات المسيطرة في غرب ليبيا خلال العامين المنصرمين، 2013 و2014، تمددت فيها التنظيمات في عالم الواقع، على الفيسبوكيات والنخب المنعزلة في العالم الافتراضي.
أخطر ما كان في هذه الثورات، واعتبره البعض - أسفا - ميزة لها، أنها كانت ثورات بلا عقل أي بلا فلسفة للثورة، احتجاجية فقط في دعواها، كما كانت أيضا بلا رأس..أي بلا زعيم.. وإن التمس لها الكثيرون في فضاء المواقع التواصلية، «فيسبوك» و«تويتر»، زعيما أو زعماء، كما طرح البعض الآخر وجوها سريعا ما تبخرت واندثرت أو آثرت العزلة، ولم تكن إلا التنظيمات ومرشدوها الأقدر على إثبات قيادتها، فقد حضرت بعد النجاح مرحلة الفرز السياسي حيث التنظيمات والآيديولوجيات، التي تنتصر بقوانين الواقع لا قوانين العالم الافتراضي، ولا تصمد أمامها شظاياه التواصلية غير المنظمة المتاحة للجميع مؤمنا بالحداثة التي أنتجتها أم كافرا بها..
من الخطأ الذي وقع فيه الكثير من المراقبين للثورات العربية أنهم قرأوها ابتهاجا ما بعد حداثيا دون انتباه لبنيويتها وواقعها وتوتراتها التي أنتجت حالة ما قبل حداثية في النهاية، تستعصي على البنية والتنظيم وتهدد فكرة الاستقرار ودولة القانون لتصعد مكانها إمارة دينية أو سلطة جماعة دون الجميع.
وكذلك قراءتها كحالة واحدة، وعدم قراءتها آحادا، فقد اختلفت طولا وقصرا، انسيابا وتعثرا من بلد لآخر، بحكم بنيوية وطبيعة الأنظمة حينا وبنيوية وخارطة المعارضة حينا آخر، اختلفت حين صدرت من الميدان الواحد (التحرير – القصبة)، وحين صدرت من ميادين وأزقة متفرقة (مثال الحالة السورية)، كما اختلفت حين تصدر تظاهراتها المدنيون والإجماع الثوري في البداية، عنها حين حضر الفرز الآيديولوجي والمدني/ الإسلامي عند انطلاقها وهو ما أعاق بعضها.. كما اختلفت حسب خارطة المواقف في الداخل وخارطة المواقف في الخارج، وكانت كل ثورة تؤثر مباشرة وبشكل غير مباشر في التي بعدها.. هذا الاختلاف وهذه العوامل وحدها - كما سيوضح هذا الكتاب - هو ما يفسر اختلاف خرائطها الانتقالية وموجاتها الثانية، من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن، ولا زالت تعالج تعثر موجتها الأولى في سوريا..
لم ينتبه الفاعلون في الثورات المدنية للبعد السياسي والاجتماعي الخطير في مقولة إسقاط النظام، أو إقصاء فلوله وأنصاره! فكان الانتقال انتقاما متبادلا أحيانا كثيرة، يفتقد لأول مبادئ العدالة الانتقالية ذاتها، وهي المصالحة وكشف الحقيقة..
كانت تجربة الثورات العربية وموجتها الأولى مختلفة عن ثورة مانديلا، الذي كان أكثر نجاحا.. كانت الثورات دعوات انتقال مشروعة في بلدانها ولكن تعثرت في بعضها بفعل طبيعة الفاعلين فيها حينا وطبيعة الأنظمة التي واجهتها حينا.. وتحولت بعد النجاح من ثورات مدنية إلى ربيع إخواني أو جهادي..! مصريا وليبيا وتونسيا..
وبعد هذا التحول من المدني إلى الديني ومن السلمي إلى الإقصائي والعنيف صعد التساؤل: أين ذهب شباب هذه الثورات؟ ولماذا تعثرت وتحولت الموجة الأولى لهذه الثورات لفوضى غير خلاقة، مصريا وتونسيا وليبيا استدعت موجة ثورية ثانية ضد مخرجاتها وانحرافاتها ضد العسكرية واستعادة الاستبداد، كانت تعديلا أو تصحيحا للسابق، وثالثة ورابعة اشتعلت شرارتها شعبيا ومؤسساتيا في مصر في 30 يونيو 2012 خرج الإخوان ومرشحهم على أثرها قسرا من الحكم، بينما خرجت حركة النهضة التونسية من الحكومة خروجا ناعما في 14 يناير (كانون الثاني) سنة 2014، ورفض إسلاميو ليبيا الخروج عبر صناديق الانتخابات بعد انتهاء مدة المؤتمر الوطني العام الذي كانوا يسيطرون عليه، ولا زالت هذه الموجة الثانية تعاني مخاضا صعبا للسيطرة على الأمور ليبيًا بالخصوص، ومصريا وتونسيا بدرجة أقل.
هذا بينما لا تزال الثورة السورية تعالج تعثرها بعد أن أنتجت دموية الأسد والانشقاقات عليه عسكرتها في البداية، وأنتجت صحوة «النصرة» و«داعش»، التي تشربت نموها عراقيا من سياسات رئيس الوزراء العراقي الراحل نوري المالكي، وأخذت شرعيتها كجهادية سنية من القمع والتمييز الطائفي والاستعانة بالميليشيات والجهاديات الشيعية الموالية لهما.. ولكنها أعاقت الثورة واستهدفت قواها المعتدلة وأعطت للأسد الذي لم تستهدفه غير شرعية جديدة! وهو للأسف ما أدركته الولايات المتحدة متأخرا كما أتى في خطاب أوباما في مايو سنة 2014.

* المؤتلف والمختلف: مسارات ومآلات الثورات العربية
* إذا كان عام 2011 هو عام الثورات العربية ووعود ربيعها المنتظر.. فإن عام 2012 كان اختبارها الصعب الذي تعثرت فيه مساراتها، واتجهت بقوة نحو العسكرة وسيطرة الإسلاميين والجهاديين، وكان عام 2013 هو إعلان نتائج موجتها الثانية في البلدان التي نجحت فيها، ثم كان العام الرابع عام 2014 هو عام صعود الإرهاب كتحد كبير لها جميعا، مصريا وليبيا ويمنيا وسوريا الذي استمر تحديا مضافا مع بقاء نظامها الذي ما زال يصر على البقاء..
ولكن بينما صار الواقع أفظع وأسوأ من سابق الثورات في بعض البلدان، بل ثمة نوستالجيا صاعدة لعودة الأنظمة التي سقطت بفعلها في بعض البلدان، أو لحد أبعد بعودة الملكية في الدول التي أسقطت ثورات الضباط في الخمسينات والستينات في القرن الماضي، وهو ما يعبر في حقيقته عن عمق الأزمة والفشل والمخاطر المختلفة، أمنية أو اقتصادية أو طائفية، وفقدت الثورات جاذبية التصدير، وصارت شعاراتها وأسئلتها على شفا التبخر، كما تبخر شبابها ذاتيا، في ظل الطلب على الدولة والأمن والمصالحة بينها وبين الثورات، لتعود نفس الأسئلة التي طرحت في بداية نهضتنا قبل قرنين من الزمان!
سؤال النهضة والحداثة! وعلاقتها بالدين، وكما كانت بعض القوى التقليدية والأصولية والعنيفة عائقا أوليا في بناء النهضة ومساراتها وتحقيق وعودها كانت بعض الحركات الأصولية السياسية والعنفية كذلك سببا رئيسيا من فشل الربيع العربي وتحقيق وعوده! وتسعى هذه الدراسة التي كتبت عام 2013 قبل سقوط جماعة الإخوان المسلمين والرئيس المعزول محمد مرسي لمحاولة تفسير التشابه والاختلاف في مسار الثورات العربية حتى تاريخها..
لكن بنية هذا الزلزال بوعزيزية اجتماعية وليست فيسبوكية في المقام الأول، كما أراد البعض تسطيحها، انطلقت شرارتها من الجسد البوعزيزي المنهك في 17 ديسمبر سنة 2010 وآتت ثمارها - أو أهدافها - برحيل زين العابدين بن علي في 14 يناير سنة 2011، وامتدت إلهاماتها وتداعياتها مصريا لتنطلق شرارتها في 16 يناير بمحاولات ستة أفراد مصريين حرق أجسادهم لتكون شرارة ثورية مصرية، التقطها عدد من شباب المواقع التواصلية لتلتهب الشرارة اجتماعيا وتكون ثورة 25 يناير سنة 2011 التي انتهت برحيل مبارك في 11 فبراير، لتنتقل الشرارة بعد ذلك إلى ليبيا التي اشتعلت شراراتها في 17 فبراير سنة 2011 في ذكرى مذبحة سجن أبو سليم في مصراتة وانتشرت انتفاضات مدنها مع استمرار التجاوزات الأمنية لنظام القذافي السابق[1].
انتقلت الشرارة بهدوء لسوريا حين حمل لواءها ببراءة وشجاعة أطفال درعا في 15 مارس سنة 2011 وكتبوا الشجاعة وكسروا الخوف قبل الشيوخ على جدران مدارسهم «ارحل يا دكتور» فاستقبلتهم آلة النظام البعثي الغبية، واستمرت مدينتهم تناضل وحدها شهورا، حتى انتقلت الثورة إلى جميع أنحاء سوريا!! ولكن لم تتحقق أهدافها بعد رغم فقدانه السيطرة على معظم الأرض السورية، وتدخل الثورة عامها الرابع بلا نجاح، وصار المشهد فيها حربا أهلية بين النظام والإرهاب المتمثل في «داعش» وأخواتها كـ«النصرة» و«جند الأقصى» و«الحسبة» من جهة، وفصائل الثورة المعتدلة غير المدعومة خارجيا من جهة أخرى، في مشهد ميليشياوي صراعي بين الميليشيات الطائفية المؤيدة له أو المعادية للثورة في عمومها، زاد منه تقدم «داعش» وارتباكات القوى الإقليمية والتعاطي الدولي وكذلك أداء المعارضة السياسي الذي لا زال ذاتيا واستعراضيا في كثير منه ومشتتا في مجموعاته.
لم تكن ثورات فيسبوكية أو تواصلية في عمقها وميلادها بل كانت القابلية للثورة ساكنة خفية في طبقات عميقة، اجتماعية وسياسية وتواصلية، من وجدان وعقول الشعوب، لم تستطع مراكز التفكير ولا الدوائر الاستخبارية التنبؤ به، كان القرار بوعزيزيا - ولم يكن أميركيا - حين أحرق محمد بوعزيزي نفسه احتجاجا وغضبا في سيدي بوزيد، وتوالت الأحداث ليفاجأ الجميع بهروب بن علي وأسرته وأصهاره في 14 يناير من نفس العام، وهو الهروب الذي تكرر مشهده بعد ذلك.
لا نرى شرعية لتصريحات بعض بقايا الآيديولوجيين الذين رحبوا بثورات مصر وتونس وتوقفوا خاصة أمام الثورة السورية محاولين ترويج خيالات تفكيرهم التآمري بأنها سايكس بيكو جديد لتقسيم المنطقة ليس أكثر![2]. رغم ذلك لا ينكر أنه مع طول بعض الثورات ولجوء القذافي وبشار الأسد إلى حرب شعبيهما، وكذلك تحول اليمن لما يشبه الحرب الأهلية قبل رحيل صالح وفق المبادرة الخليجية، بانشقاق الفرقة الأولى مدرع، التي كان يقودها رفيق صالح السابق، اللواء المنشق علي محسن الأحمر بعد مجزرة جمعة الكرامة في ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء في 18 مارس سنة 2011، وهكذا كانت العسكرة في مسار الثورات العربية من انشقاقات الجيوش على قادتها في سوريا واليمن وليبيا، ثم مع الاستنفار الآيديولوجي والشعبوي الديني والطائفي في هذه المناطق وغيرها.
لم تقف القوى الدولية والإقليمية مكتوفة الأيدي تأييدا أو معارضة، أو توسطا لحل أو تدخل، مع مفاجأة الثورتين الكبيرتين في تونس ومصر، ولكن مع طول الثورات، واستخدام العنف المفرط من القذافي والأسد وصالح في اليمن، كان التدخل عبر وسائله المختلفة.
كذلك يمكن القول إنه لم تقف القوى الدولية مكتوفة الأيدي من السلطات الناشئة الحاكمة فيما بعد الثورات، التي تتعارض مع بعضها آيديولوجيا وتهدد أو تهادن مصالح البعض الآخر، وهو ما يمكن أن يفسر قرار البرلمان الأوروبي في 14 مارس سنة 2013 على دعوة وقف منح مصر المزيد من المساعدات إلى السلطة الانتقالية في مصر؛ حتى يتحقق التقدم واحترام حقوق الإنسان وحرية الدين واحترام المرأة[3] وكانت المواقف الدولية أكثر وضوحا وتباينا في الموجة الثانية التصحيحية بعد سيطرة الإسلاميين، وبينما وقفت السعودية والإمارات والكويت والبحرين موقفا مؤيدا لحراك 30 يونيو في مصر بكل قوة وسند ودعم مادي ومعنوي ودولي، بعد أن ناصبها حكم الإخوان العداء ووجه لها سهام عنفه الكلامي والعملي، وحالفته في ذلك دولة قطر التي عدلت بعض مواقفها بعد اتفاق الرياض عام 2014، مر الموقف الأميركي والأوروبي بمراحل في تأييدها رغم انتقاداته لحكم الإخوان ورغم كثرة التوقعات بسقوطه وعواقبه الوخيمة على مصر، حين أتى بديمقراطية لم يلتزم بها ودستورية كان أول من أسقطها!
نرفض وهما يسكن طرفا من الوعي العربي أننا الفاعلون وحدنا، وغيرنا مفعول به، وفق الاستعلاء الآيديولوجي أو العزلة اللاشعورية، وأننا نعيش في العالم وحدنا، كما نرفض الطرف المضاد الذي يختصرنا في المفعولية فقط، وفق نظرية المؤامرة التي تديرنا وتصنع لنا فشلنا دون التفات لمسؤولية منا.
وما نريده هنا تأكيد المجتمعات على أنه في حال الثورات تكون فاعلا أولا وليس مفعولا به، ولا يمكن تفسير الثورات العربية في السياقات الدولية والإقليمية وفق خشبية الحديث عن مؤامرة سابقة ولاحقة أنتجتها واستولدتها من عربة بوعزيزي أو شظية فيسبوكية، لكن التدخل والضغط الدولي لا يمكن إنكار جدواه في نجاحات بعضها، أو رسم خارطة الطريق الانتقالية في اليمن أو ليبيا التي كان من الممكن أن يحرقهما الاحتراب الأهلي بين المجموعات المسلحة لسنوات طويلة، ولعل تأخره هو ما أتاح مثول هذا الخطر في المشهد السوري الآن، وهو ما أقرت به هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، في مذكراتها التي نشرتها عام 2014[4]، فما كان من انتشار جديد لمجموعات «القاعدة» أو تنظيمها فيها، مثلت «داعش» وأخواتها فيما بعد، إلا نتيجة للفظائع السورية واللعب بالورقة الدينية إيرانيا، والتمددات في الفراغ، وهو ما فجر هواجس لا تنتهي من الصراع المسلح بعد سقوط نظام الأسد كما هو ماثل من أجل إسقاطه.
ولكن مع عودة الصراع الأهلي والحزبي المسلح بين الفرقاء في ليبيا واليمن خلال عام 2014 بعد انتهاء صلاحية المؤتمر الوطني الليبي العام في فبراير من نفس العام، وإرادة الإسلاميين المسيطرين عليه الاستمرار بالقوة، لحين عقد انتخابات جديدة، وبعد أن حدث هذا وخسارتهم إياها في يونيو لم يستجيبوا للحوار وقرروا الدخول في صراع ضد البرلمان والحكومة المنتخبة، وهو ما نراه شبيها بما حدث في اليمن من قبل جماعة الحوثي التي تحركت منذ بدية عام 2014 للسيطرة على المدن باتجاه صنعاء التي سيطرت عليها في 21 سبتمبر من نفس العام، وتراوغ في تسليم أسلحتها مصرة على أن الطائفة قبل الوطن بالنسبة لها. هكذا صنعت مسارات الثورات العربية مآلاتها، مؤكدة أن الشعارات أوضح في مخاض الثورات والانتفاضات من الاستراتيجيات! والشعارات تصنع إجماعها وجماهيرها ولكن الاستراتيجيات والحسابات تصنعها تنظيماتها وقواعدها المؤمنة بها أو المستفيدة منها، والتي تظل تفكر تنظيما لا وطنيا، فتكون الجماعة قبل الدولة في مصر في عهد الإخوان وحلفائهم، وكذلك تكون في فكر «النصرة» و«داعش» التي تصر على الصدام المستمر مع فصائل الثورة المعتدلة، كما كان في جبل الزاوية أو درعا في أكتوبر سنة 2014، مع تجنبها المتكرر للصدام مع نظام الأسد، أو التضامن والنصرة لفصائل الثورة في معاركها ضد بقاياه، بل تواتر الحديث عن تعاون في مجال النفط بين الأسد و«داعش»، وتنازلت «النصرة» في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 عن شرط انسحاب حزب الله من سوريا، في شروطها لإطلاق سراح الجنود المخطوفين.

* (يتبع غدا بالحلقة الثانية)
* ينشر بترتيب مع «وكالة الأهرام للصحافة»



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.