يصوت مجلس النواب الفرنسي، اليوم (الثلاثاء) على إقرار مشروع القانون الحكومي المسمى حالياً «تعزيز مبادئ الجمهورية» وسابقاً «قانون محاربة الانفصالية الإسلاموية»، وذلك بعد شهر كامل من المناقشات في لجنة خاصة بداية وداخل الجمعية (البرلمان) طيلة أسبوعين كاملين شهدا انقسامات حادة بين اليمين واليسار ومزايدات لا تنتهي. ومع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية التي ستجرى ربيع العام المقبل، يحمى أكثر فأكثر، وطيس الجدل، خصوصاً أن استطلاعات الرأي تبين بشكل شبه ثابت أن انتخابات 2022 الرئاسية ستشبه انتخابات عام 2017، حيث يتوقع أن يتواجه، مجدداً، في جولتها الثانية، الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون ومرشحة اليمين المتطرف ورئيسة حزب «التجمع الوطني» مارين لوبان. من هنا، فإن موقع الإسلام في المجتمع الفرنسي وكيفية مجابهة التيارات الإسلاموية التي تدعو إلى الانطوائية وتغليب قيم تبتعد عن قيم الجمهورية، وهو ما يسمى، في الأدبيات السياسية، «الانفصالية الإسلاموية» سيكونان حاضرين بقوة في الجدل الذي سيشتعل بين الأحزاب المتنافسة. وليس ما حصل من نقاشات حادة داخل قبة البرلمان طيلة 135 ساعة، إلا عينة لما سيعيشه المواطن الفرنسي في الأسابيع والأشهر المقبلة. وبعد البرلمان حيث جرى إدخال 300 تعديل على مشروع القانون الحكومي المشكل من 51 مادة، سينتقل النقاش إلى مجلس النواب في قراءة ثانية ليتم بعدها تشكيل لجنة «توفيقية» بين المجلسين للاتفاق على صيغة موحدة ليصدر القانون بعدها عن السلطة التنفيذية.
ومرة أخرى، نزل المتظاهرون إلى الشارع أول من أمس تعبيراً عن رفضهم القانون القادم الذي يطلق النار عليه من جهتين متقابلتين: من اليمين واليمين المتطرف اللذين يعتبران أنه «لا يذهب بعيداً في محاربة الانفصالية الإسلاموية» ومن اليسار الحكومي المعتدل واليسار المتشدد اللذين يريان فيها استهدافاً للمسلمين وأنه يخدم طموحات سياسية.
كذلك، ثمة انقسامات داخل مجموعة نواب «الجمهورية إلى الأمام» التي تشكل العمود الفقري للأكثرية النيابية الداعمة للحكومة وللرئيس ماكرون. وفي باريس، حصل تجمع في ساحة التروكاديرو الشهيرة، المواجهة لبرج إيفل بدعوة من منسقية تجمع العديد من نشطاء حقوق الإنسان والجمعيات، مثل اتحاد الديمقراطيين المسلمين الفرنسيين والاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام. رفع المتظاهرون شعارات تهاجم سياسة الحكومة. وقال مؤسس اتحاد الديمقراطيين المسلمين الفرنسيين نجيب أزرقوي، إنه «بعد الانتخابات الرئاسية عام 2017، لم نعتقد أن هذه الحكومة ستتبع سياسة مارين لوبان من خلال استغلال الإرهاب لإخفاء عدم كفاءتها في إدارة الأزمات الصحية والاجتماعية والاقتصادية». وفي حسن ندد العديد من المتظاهرين بـ«السياسة التمييزية» التي تتبعها الحكومة، عد مهدي مفتاح من «حزب الأصليين»، أن مشروع القانون «يمنح الحكومة إمكانية حل أو حظر الجمعيات وفق ما تراه مناسباً، وقد رأينا بالفعل أنه قام تعسفاً بحَل جمعيات إنسانية أو جمعيات حقوق إنسان التي لم يكن لديها ما تخجل به، وكانت تساعد الناس بالفعل، وهذه إشارة مروعة للمسلمين». وندد مهدي مفتاح بما يسميه «عنصرية للدولة» الفرنسية. وبالمقابل، فإن الوزراء الذين تعاقبوا من أجل الدفاع عن مشروع القانون ردوا الاتهامات من هذا النوع، وأكدوا أن القانون المنتظر ليس موجهاً ضد المسلمين، بل ضد التطرف الإسلاموي ولمحاربة الراديكالية.
ومن أبرز المدافعين عنه وزير الداخلية وشؤون العبادة جيرالد درامانان، الذي قامت ضده حملة داخل صفوف الحكومة والحزب عقب مواجهته التلفزيونية مع مارين لوبان الأسبوع الماضي، حيث أعطى انطباعاً أنه «أكثر تطرفاً» منها في الملف الإسلاموي.
حقيقة الأمر، أنه رغم تراجع العمليات الإرهابية في فرنسا، ما زالت الصورة التي تربط بين الإرهاب و«التطرف الإسلاموي» هي المسيطرة على المجتمع الفرنسي. ودأبت الحكومة، في الأشهر الأخيرة، على دفع ممثلي المسلمين إلى القيام بخطوات ملموسة لتصحيح الصورة وإدانة التطرف والراديكالية من خلال تبني «شرعة مبادئ» تؤكد على قبول مبدأ العلمانية ونبذ التطرف والمساواة بين الرجل والمرأة ورفض تدخل الخارج في شؤون المسلمين دينياً وسياسياً وتمويلياً؛ ما فتح الباب من أجل إنشاء «مجلس الأئمة» الذي ستناط به مهمة «تفويض» الأئمة للقيام بمهامهم الدينية والتخلي عن استجلاب أئمة من الخارج «تحديداً المغرب والجزائر وتركيا» الذين يقدر عددهم بـ300 إمام.
في هذا السياق، يندرج مشروع القانون الجديد الذي يراد منه بشكل رئيسي توفير «الأساس القانوني» لمواجهة النزعات الانفصالية والإسلام السياسي الذي يعمد إلى تسخير الديانة لأهداف سياسية. وتنص «مقدمة» مشروع القانون على أن الهدف منه مواجهة «التسلل الطوائفي الذي يغلب عليه الطابع الإسلاموي من أجل غرض سياسي واضح ومحدد ذي طابع ديني - سياسي، هدفه تغليب المعايير الدينية على القوانين العامة»، وهو بذلك «يوفر الأرضية الخصبة» لاعتداءات إرهابية، ولدينامية انفصالية تقوم على التخريب في الأحياء، ومنها المدارس والجمعيات والبنى الخاصة بممارسة العبادات، في إشارة إلى المساجد وقاعات الصلاة.
البرلمان الفرنسي يصوت اليوم على قانون محاربة «الانفصالية الإسلاموية»
مظاهرة في العاصمة باريس أول من أمس ضد مشروع قانون «الانفصالية الإسلامية»... وهو نص يهدف إلى تعزيز قدرة الحكومة في مواجهة المتطرفين (أ.ف.ب)
البرلمان الفرنسي يصوت اليوم على قانون محاربة «الانفصالية الإسلاموية»
مظاهرة في العاصمة باريس أول من أمس ضد مشروع قانون «الانفصالية الإسلامية»... وهو نص يهدف إلى تعزيز قدرة الحكومة في مواجهة المتطرفين (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

