كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

مجموعة جديدة تزيل الألفة عن كاتب ظننا أننا نعرفه

فرانز كافكا
فرانز كافكا
TT

كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

فرانز كافكا
فرانز كافكا

رواية «القلعة»، الرواية الثالثة والأخيرة، لفرانتز كافكا تنتهي عند منتصف جملة. لكن حين دخل النص إلى العالم لأول مرة كان قد حرر ليكون مكتملاً. ماكس برود، صديق كافكا ومنفذ وصيته الأدبية، الذي هيأ الطبعة الأصلية عام 1926، ذكر لاحقاً أن «هدفه كان أن يقدم في شكل قابل للقراءة عملاً غير تقليدي ومقلقاً، عملأً لم ينتهِ تماماً: لذا بذلت كل المحاولات لتفادي كل ما يمكن أن يبرز كونه عملاً متشظياً». لكي ينجز هذه التعمية لشكل رواية لم تكتمل، قام برود باجتزاء خمس النص. في النهاية وجد أن ما اختاره كان أفضل، فقام في الطبعة الثانية باستعادة معظم ما اجتزأه - لكن في تلك الفترة كان نجاحه في اجتذاب الاهتمام بعمل كافكا قد أدى إلى وضعه على القائمة النازية «للأعمال المضرة وغير المرغوب بها». أدى ذلك إلى منع الطبعة الأكثر وفاء من الوصول إلى القراء الألمان إلى أن سقط الرايخ الثالث. في تلك الأثناء كان قراء كافكا قد ازدادوا في الخارج نتيجة لتراجمه إلى الإنجليزية عام 1930 التي قام بها ويلا وإدوين ميور، اللذان أسسا ترجمتهما للقلعة على طبعة برود الأصلية - مقدمين الرواية على أنها عمل مكتمل بدلاً من أن يكون متشظياً.
الحالة التي ترك كافكا رواية «القلعة» عليها تمثل الوضع السائد في أعماله كلها. لقد نشر أثناء حياته قليلاً من القصص في مجلات ودفع بمجموعة سردية واحدة، مهيئاً أخرى لم تظهر إلا بعد وفاته. لكنه ترك النسبة الكبرى من أعماله ناقصة - بملاحظة، كما هو مشهور للأسف، يطلب فيها من برود إحراق كل كلمة. نظر برود إلى الروايات الأخرى التي رفض إتلافها بالطريقة نفسها التي نظر بها إلى «القلعة»، حاذفاً فصولاً غير مكتملة من «المحاكمة» ومعدلاً نهاية رواية كافكا الأولى «الرجل الذي اختفى» (التي عدل اسمها) إلى «أميركا». أما بالنسبة للكم الكبير من القصص والعبارات والأقوال المأثورة، فقد وضع برود عناوين لما يفتقر إلى ذلك منها وأصلح النهايات الملغاة.
على مدى العقود التالية، اعترضت أجيال من الباحثين والمترجمين على النسخة المصقولة من كافكا كما بناها برود. اتضحت حالة التشظي بوصفها مركزية في أعمال كافكا منذ عام 1949، حين لاحظ المنظّر موريس بلانشو في كتابه «عمل النار»، الذي ترجمته شارلوت مانديل، أن «قصص كافكا الرئيسية شظايا، وأن العمل بكليته متشظٍ». لكن في العالم الأدبي الأنغلوفوني، طورت هذه المراجعة في أقصى دلالاتها على مدى العشرين عاماً الأخيرة تقريباً: كما في ترجمة مارك هارمان لـ«القلعة» (1998) وترجمة بريون متشل لـ«المحاكمة» (1999). الشاعر والمترجم مايكل هوفمان انضم إلى الداعين إلى كافكا غير مصقول، في النسخة التي قدمها من رواية كافكا الأولى، إذا أخذنا في الاعتبار عنوانها المعدل «أميركا: الرجل الذي اختفى» (2017)؛ والآن «الكتابات المفقودة».
هذا المجلد الجديد يجمع 74 نصاً قصيراً - بعضها أطول من صفحتين، وكثير منها لم يكتمل - اعتنى بها راينر ستاش، مؤلف السيرة ثلاثية الأجزاء لكافكا. في مقدمته يجادل ستاش أنه على الرغم من أن «السمة الهشة والمتشظية» لأعمال كافكا تركت أثراً بالغاً، بل «جعلتنا ننظر إلى الشظية الأدبية بجدية»، فإن أكثر نصوص الكاتب تشظياً ظلت مختفية عن الأنظار: يندر أن تُترجم، غالباً غير مطبوعة، بالكاد تقرأ، وهكذا، حتى لو لم تغب تماماً، فإنها «مفقودة» أساساً. قول ستاش إننا ندين لكافكا باهتمامنا بالشظية الأدبية كما هي يتضمن بعض المبالغة التي لا تخلو من التنميق؛ قبل ولادة كافكا بمائة عام، لاحظ الفيلسوف فريدرك شليغل ساخراً أن «كثيراً من أعمال القدماء صارت شظايا. كثير من أعمال المحدثين تصير شظايا بمجرد كتابتها». لكن من المؤكد أن كافكا كان أساسياً لاكتشاف الحداثيين وما بعد الحداثيين لقيمة العمل غير المكتمل. بالنظر إلى الغموض المؤسف لكثير من نصوصه الأكثر تشظياً، تكتسب مهمة ستاش وهوفمان أهميتها: دفع مزيج من هذه النصوص، التي تؤلف ما يسميه ستاش «القاعدة العملاقة» لـ«جبل الجليد» المتمثل بأعمال كافكا، إلى السطح.
مع أن ستاش يعترف بتنازلات معينة لبرود - فإنه يكتب قائلاً: «تسعى المختارات قبل أي شيء إلى أن تكون سهلة المتناول»، إذ تقدم «نصوصاً سهلة المقاربة والقراءة إلى حد بعيد» - كتاب «الكتابات المفقودة» يتجنب منتشياً أي بنية تنظيمية يمكن أن توجهنا، من العناوين إلى التقسيمات إلى صفحة المحتويات. إلى جانب المختارات والخاتمة، هناك فقط كشاف للأسطر الأولى. هذه المقاربة االتي تقف عند الحد الأدنى تغرق القراء مباشرة في عالم كافكا. الصفحة الأولى نفسها تثبتنا في أحد فخاخ كافكا الشهيرة: «أستلقي على الأرض أسفل جدار، أتلوى من الألم، أحاول أن أختبئ في جحر من الأرض الرطبة».
يمكننا تقسيم النصوص المجموعة في «الكتابات المفقودة» إلى مجوهرات وكِسَر - الأولى تبدو مكتملة بصورة مفهومة، الأخيرة واضحة الانكسار - في كل واحدة نوع خاص من الغموض. ضمن ذلك التقسيم، يأتي النص الأول جوهرة؛ الجمل التي تؤلف بقية الحكاية تقدم صورة مختصرة للمشهد، فارشة الألم الذي تتضمنه البداية. ها هو الراوي بوصفه ضحية، عربة مجهزة بسائق وكلاب تشعر بالملل مما تم اصطياده، وصياد «ينخز بجشع عجول (الراوي)». ومما يثير الاستغراب أكثر تعبير وحشي عن رغبة كبتت: «عطِشٌ، بفم مفتوح، تنفست في سحب من الغبار».
هذه الأمثولة الافتتاحية حول العجز المحكوم عليه تسير بتمتمة إلى الأمثولة التالية - جوهرة أخرى تتغير فيها الظروف والأسلوب تماماً، لكن الدينامية الأساسية للمفترس والضحية لا تتغير. هنا يضع الراوي نفسه في موضع استقواء قاسٍ تحتله حاشية الصياد في القطعة الأولى. يخاطب الواقعين في المصيدة:
«إذن تريدون أن تتركوني؟ حسناً، إن القرارات لا تختلف. أين ستذهبون؟ أين هو البعيد عني؟ القمر؟ حتى ذاك ليس بعيداً بما يكفي، ولن تصلوا إلى هناك. لِمَ الضجيج إذن؟ أليس من الأجدى أن تجلسوا في زاوية ما بهدوء؟ ألن يكون ذلك أفضل؟ زاوية دافئة ومظلمة؟ هل تسمعون؟ تتحسسون الباب. حسناً، أين هو؟ ما أتذكره هو أن هذه الغرفة بلا باب».
يتكرر غياب المخارج عبر نصوص المجموعة، مثلما تتكرر الممرات التي يستحيل المرور عبرها، ولا يزيد حضور الباب الذي لا جدوى منه سوى زيادة التوتر في أجواء المصيدة. في بقايا نص تالٍ يعود قطيع مشتت من الوحوش إلى موطنه بعد سرقة شربة من الماء من بركة ليتعقبهم من يعاقبهم بسياط فيدخلون «قاعة الأسلاف حيث الباب مغلق وبقينا وحدنا». في آخَر، وهو جوهرة أيضاً، يذرع الراوي، دون سبب واضح، «قاعة حجمها كبير كالمعتاد ومضاءة بالضوء الكهربائي». يقول: «كان للغرفة أبواب، لكن إذا فتحتَ أحدها وجدت نفسك في مواجهة جدار مظلم من الصخر الأصم لا يبعد عن الحافة بأكثر من عرض اليد، ويمتد إلى الأعلى على الجانبين على امتداد النظر. لم يكن ثمة مخرج هناك».
الجملة الخانقة نفسها «لا مخرج» - وهي جملة متشظية كافكاوية بحد ذاتها - تظهر في نص آخر، حوار بين محاور وشمبانزي اسمه «رد بيتر» سبق أن تم اصطياده من غابته على يد بشر وتعلم في النهاية كيف يتصرف كالبشر. الشمبانزي هو أيضاً الراوي لقصة «تقرير لأكاديمية»، إحدى القصص القليلة التي أنهاها كافكا ونشرها أثناء حياته. في القصة بصورتها المكتملة يعبّر «رد بيتر» عن رغبته في «مخرج» ويكرس بعض الوقت للبحث عن معنى لجملة: «أخشى أنك لا تفهم تماماً ما أعنيه حين أقول (مخرج)»، يقول هذا لمستمعيه في ترجمة ويلا وإدوين ميور.
ويضيف: «إنني أستخدم العبارة في معناها الأكمل والأكثر شيوعاً. إنني أتعمد عدم استخدام كلمة (حرية). لا أقصد الشعور الفضائي بالحرية من كل الجوانب» - تركنا نستنتج أي لون من الحرية المقيدة نسبياً يبحث عنه ليكون البديل. في النسخة المتضمنة في «الكتابات مفقودة»، يروي «رد بيتر» وهو في حالة حزن قصة اصطياده، وكيف أنه قبل ذلك «لم يعرف ما يعنيه ذلك: ألا يكون هناك مخرج». ويمضي شارحاً أنه كان محتجزاً ليس في «قفص ذي أربعة جوانب بقضبان»؛ بدلاً من ذلك «كانت هناك ثلاثة جدران، وكانت مربوطة بصندوق، وفي الصندوق الجدار الرابع». كل شيء يعتمد، كما يبدو، على هذا الجدار الرابع. في الرؤية الكونية لكافكا، ثمة افتراض مسبق للثلاثة جدران. المأساة المرعبة هي الطريقة التي يشكل بها وجودُ الإنسان الحاجزَ الرابع.
شبح هذا الجدار الرابع الغائب يطارد «الكتابات المفقودة». يعود مرة أخرى في نص ناقص آخر يصف فيه الراوي الفضاء حيث ألقي عليه القبض. يخبرنا في السطر الأول أنه «لم يكن زنزانة، لأن الجدار الرابع كان مفتوحاً تماماً». هنا يعبر عن العائق الذاتي ليس من خلال المأزق الجسدي الفعلي للشخصية، وإنما من خلال تفسيره له: انفتاح الجدار الرابع ليس إلا لإبراز أنه لا يحاول حتى تحرير نفسه.
بل إن الراوي يقول إنه من الأفضل أن عريه يمنعه من تحويل ملابسه إلى حبل للهروب؛ بالنظر إلى «النتائج الكارثية» المحتملة، من «الأفضل ألا يكون لديه شيء وألا يفعل شيئاً».
في مواضع أخرى يجد كافكا طرقاً أخرى لتمثيل بنية الهزيمة الذاتية. في واحد من النصوص الناقصة، يتحدث الراوي عن عجزه بشكل غامض عن البقاء مع فتاة يحبها. يدعي في البدء «أنه كما لو أنها كانت محاطة بحلقة من الرجال المسلحين الذين يشهرون رماحهم في كل اتجاه»، لكنه يراجع روايته فيما بعد: «أنا أيضاً كنت محاطاً برجال مسلحين، مع أنهم وجهوا رماحهم إلى الداخل، باتجاهي. حين اقتربت من الفتاة، أمسكتني مباشرة رماح رجالي ولم أستطع أن أمضي قدماً».
في المجمل، لا تقدم «كتابات مفقودة» كافكا بصورة جديدة أو تعمق فهمنا له بقدر ما تقدم تعبيراً مكثفاً عن ذات الدينامية، والموتيفات، والانشغالات التي تحتل أعماله الأطول والأكثر مألوفية... إن من المدهش كيف أن قراءة الأشكال المكسّرة، واحدة تلو الأخرى والمجموعة هنا تترك شعوراً لا يختلف، مثلاً، عن «التحول» أو «المحاكمة»، التي على الرغم من وحدتها النسبية وديناميتها السردية، تتبع البنية نفسها كما في التراكم الذي تتألف منه «الكتابات المفقودة»: في كل واحدة مسيرة قصصية لمآزق، تتابع لطموحات محبطة، فظيعة ورائعة.
إن من المناسب، وإن تم تجاهله بدبلوماسية في الختام، أن هذه المجموعة هي نفسها مشروع محبط. كانت «الكتابات المفقودة» في الأصل مجموعة موثقة على أنها نصوص لم تترجم إلى الإنجليزية من قبل، وهي دعوى جرت مراجعتها حين ظهرت نسخ أخرى في مجلدات لم تكن مطبوعة. الآن تؤكد النسخة على الغلاف الورقي أن اثنين من السبعة وأربعين نصاً لم يسبق أن نشرا بالإنجليزية. كانت النقلة دون شك مخيبة للناشر، وربما للقراء الباحثين عن الجديد والعظيم - لكن على المخلصين لكافكا أن يدركوا جاذبية الآمال الخائبة والادعاءات المتواضعة.
* مراجعة للكتابات المفقودة لفرانز كافكا، ترجمة مايكل هوفمان
في «ذا بافلر» (أكتوبر، 2020)



الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.