كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

مجموعة جديدة تزيل الألفة عن كاتب ظننا أننا نعرفه

فرانز كافكا
فرانز كافكا
TT

كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

فرانز كافكا
فرانز كافكا

رواية «القلعة»، الرواية الثالثة والأخيرة، لفرانتز كافكا تنتهي عند منتصف جملة. لكن حين دخل النص إلى العالم لأول مرة كان قد حرر ليكون مكتملاً. ماكس برود، صديق كافكا ومنفذ وصيته الأدبية، الذي هيأ الطبعة الأصلية عام 1926، ذكر لاحقاً أن «هدفه كان أن يقدم في شكل قابل للقراءة عملاً غير تقليدي ومقلقاً، عملأً لم ينتهِ تماماً: لذا بذلت كل المحاولات لتفادي كل ما يمكن أن يبرز كونه عملاً متشظياً». لكي ينجز هذه التعمية لشكل رواية لم تكتمل، قام برود باجتزاء خمس النص. في النهاية وجد أن ما اختاره كان أفضل، فقام في الطبعة الثانية باستعادة معظم ما اجتزأه - لكن في تلك الفترة كان نجاحه في اجتذاب الاهتمام بعمل كافكا قد أدى إلى وضعه على القائمة النازية «للأعمال المضرة وغير المرغوب بها». أدى ذلك إلى منع الطبعة الأكثر وفاء من الوصول إلى القراء الألمان إلى أن سقط الرايخ الثالث. في تلك الأثناء كان قراء كافكا قد ازدادوا في الخارج نتيجة لتراجمه إلى الإنجليزية عام 1930 التي قام بها ويلا وإدوين ميور، اللذان أسسا ترجمتهما للقلعة على طبعة برود الأصلية - مقدمين الرواية على أنها عمل مكتمل بدلاً من أن يكون متشظياً.
الحالة التي ترك كافكا رواية «القلعة» عليها تمثل الوضع السائد في أعماله كلها. لقد نشر أثناء حياته قليلاً من القصص في مجلات ودفع بمجموعة سردية واحدة، مهيئاً أخرى لم تظهر إلا بعد وفاته. لكنه ترك النسبة الكبرى من أعماله ناقصة - بملاحظة، كما هو مشهور للأسف، يطلب فيها من برود إحراق كل كلمة. نظر برود إلى الروايات الأخرى التي رفض إتلافها بالطريقة نفسها التي نظر بها إلى «القلعة»، حاذفاً فصولاً غير مكتملة من «المحاكمة» ومعدلاً نهاية رواية كافكا الأولى «الرجل الذي اختفى» (التي عدل اسمها) إلى «أميركا». أما بالنسبة للكم الكبير من القصص والعبارات والأقوال المأثورة، فقد وضع برود عناوين لما يفتقر إلى ذلك منها وأصلح النهايات الملغاة.
على مدى العقود التالية، اعترضت أجيال من الباحثين والمترجمين على النسخة المصقولة من كافكا كما بناها برود. اتضحت حالة التشظي بوصفها مركزية في أعمال كافكا منذ عام 1949، حين لاحظ المنظّر موريس بلانشو في كتابه «عمل النار»، الذي ترجمته شارلوت مانديل، أن «قصص كافكا الرئيسية شظايا، وأن العمل بكليته متشظٍ». لكن في العالم الأدبي الأنغلوفوني، طورت هذه المراجعة في أقصى دلالاتها على مدى العشرين عاماً الأخيرة تقريباً: كما في ترجمة مارك هارمان لـ«القلعة» (1998) وترجمة بريون متشل لـ«المحاكمة» (1999). الشاعر والمترجم مايكل هوفمان انضم إلى الداعين إلى كافكا غير مصقول، في النسخة التي قدمها من رواية كافكا الأولى، إذا أخذنا في الاعتبار عنوانها المعدل «أميركا: الرجل الذي اختفى» (2017)؛ والآن «الكتابات المفقودة».
هذا المجلد الجديد يجمع 74 نصاً قصيراً - بعضها أطول من صفحتين، وكثير منها لم يكتمل - اعتنى بها راينر ستاش، مؤلف السيرة ثلاثية الأجزاء لكافكا. في مقدمته يجادل ستاش أنه على الرغم من أن «السمة الهشة والمتشظية» لأعمال كافكا تركت أثراً بالغاً، بل «جعلتنا ننظر إلى الشظية الأدبية بجدية»، فإن أكثر نصوص الكاتب تشظياً ظلت مختفية عن الأنظار: يندر أن تُترجم، غالباً غير مطبوعة، بالكاد تقرأ، وهكذا، حتى لو لم تغب تماماً، فإنها «مفقودة» أساساً. قول ستاش إننا ندين لكافكا باهتمامنا بالشظية الأدبية كما هي يتضمن بعض المبالغة التي لا تخلو من التنميق؛ قبل ولادة كافكا بمائة عام، لاحظ الفيلسوف فريدرك شليغل ساخراً أن «كثيراً من أعمال القدماء صارت شظايا. كثير من أعمال المحدثين تصير شظايا بمجرد كتابتها». لكن من المؤكد أن كافكا كان أساسياً لاكتشاف الحداثيين وما بعد الحداثيين لقيمة العمل غير المكتمل. بالنظر إلى الغموض المؤسف لكثير من نصوصه الأكثر تشظياً، تكتسب مهمة ستاش وهوفمان أهميتها: دفع مزيج من هذه النصوص، التي تؤلف ما يسميه ستاش «القاعدة العملاقة» لـ«جبل الجليد» المتمثل بأعمال كافكا، إلى السطح.
مع أن ستاش يعترف بتنازلات معينة لبرود - فإنه يكتب قائلاً: «تسعى المختارات قبل أي شيء إلى أن تكون سهلة المتناول»، إذ تقدم «نصوصاً سهلة المقاربة والقراءة إلى حد بعيد» - كتاب «الكتابات المفقودة» يتجنب منتشياً أي بنية تنظيمية يمكن أن توجهنا، من العناوين إلى التقسيمات إلى صفحة المحتويات. إلى جانب المختارات والخاتمة، هناك فقط كشاف للأسطر الأولى. هذه المقاربة االتي تقف عند الحد الأدنى تغرق القراء مباشرة في عالم كافكا. الصفحة الأولى نفسها تثبتنا في أحد فخاخ كافكا الشهيرة: «أستلقي على الأرض أسفل جدار، أتلوى من الألم، أحاول أن أختبئ في جحر من الأرض الرطبة».
يمكننا تقسيم النصوص المجموعة في «الكتابات المفقودة» إلى مجوهرات وكِسَر - الأولى تبدو مكتملة بصورة مفهومة، الأخيرة واضحة الانكسار - في كل واحدة نوع خاص من الغموض. ضمن ذلك التقسيم، يأتي النص الأول جوهرة؛ الجمل التي تؤلف بقية الحكاية تقدم صورة مختصرة للمشهد، فارشة الألم الذي تتضمنه البداية. ها هو الراوي بوصفه ضحية، عربة مجهزة بسائق وكلاب تشعر بالملل مما تم اصطياده، وصياد «ينخز بجشع عجول (الراوي)». ومما يثير الاستغراب أكثر تعبير وحشي عن رغبة كبتت: «عطِشٌ، بفم مفتوح، تنفست في سحب من الغبار».
هذه الأمثولة الافتتاحية حول العجز المحكوم عليه تسير بتمتمة إلى الأمثولة التالية - جوهرة أخرى تتغير فيها الظروف والأسلوب تماماً، لكن الدينامية الأساسية للمفترس والضحية لا تتغير. هنا يضع الراوي نفسه في موضع استقواء قاسٍ تحتله حاشية الصياد في القطعة الأولى. يخاطب الواقعين في المصيدة:
«إذن تريدون أن تتركوني؟ حسناً، إن القرارات لا تختلف. أين ستذهبون؟ أين هو البعيد عني؟ القمر؟ حتى ذاك ليس بعيداً بما يكفي، ولن تصلوا إلى هناك. لِمَ الضجيج إذن؟ أليس من الأجدى أن تجلسوا في زاوية ما بهدوء؟ ألن يكون ذلك أفضل؟ زاوية دافئة ومظلمة؟ هل تسمعون؟ تتحسسون الباب. حسناً، أين هو؟ ما أتذكره هو أن هذه الغرفة بلا باب».
يتكرر غياب المخارج عبر نصوص المجموعة، مثلما تتكرر الممرات التي يستحيل المرور عبرها، ولا يزيد حضور الباب الذي لا جدوى منه سوى زيادة التوتر في أجواء المصيدة. في بقايا نص تالٍ يعود قطيع مشتت من الوحوش إلى موطنه بعد سرقة شربة من الماء من بركة ليتعقبهم من يعاقبهم بسياط فيدخلون «قاعة الأسلاف حيث الباب مغلق وبقينا وحدنا». في آخَر، وهو جوهرة أيضاً، يذرع الراوي، دون سبب واضح، «قاعة حجمها كبير كالمعتاد ومضاءة بالضوء الكهربائي». يقول: «كان للغرفة أبواب، لكن إذا فتحتَ أحدها وجدت نفسك في مواجهة جدار مظلم من الصخر الأصم لا يبعد عن الحافة بأكثر من عرض اليد، ويمتد إلى الأعلى على الجانبين على امتداد النظر. لم يكن ثمة مخرج هناك».
الجملة الخانقة نفسها «لا مخرج» - وهي جملة متشظية كافكاوية بحد ذاتها - تظهر في نص آخر، حوار بين محاور وشمبانزي اسمه «رد بيتر» سبق أن تم اصطياده من غابته على يد بشر وتعلم في النهاية كيف يتصرف كالبشر. الشمبانزي هو أيضاً الراوي لقصة «تقرير لأكاديمية»، إحدى القصص القليلة التي أنهاها كافكا ونشرها أثناء حياته. في القصة بصورتها المكتملة يعبّر «رد بيتر» عن رغبته في «مخرج» ويكرس بعض الوقت للبحث عن معنى لجملة: «أخشى أنك لا تفهم تماماً ما أعنيه حين أقول (مخرج)»، يقول هذا لمستمعيه في ترجمة ويلا وإدوين ميور.
ويضيف: «إنني أستخدم العبارة في معناها الأكمل والأكثر شيوعاً. إنني أتعمد عدم استخدام كلمة (حرية). لا أقصد الشعور الفضائي بالحرية من كل الجوانب» - تركنا نستنتج أي لون من الحرية المقيدة نسبياً يبحث عنه ليكون البديل. في النسخة المتضمنة في «الكتابات مفقودة»، يروي «رد بيتر» وهو في حالة حزن قصة اصطياده، وكيف أنه قبل ذلك «لم يعرف ما يعنيه ذلك: ألا يكون هناك مخرج». ويمضي شارحاً أنه كان محتجزاً ليس في «قفص ذي أربعة جوانب بقضبان»؛ بدلاً من ذلك «كانت هناك ثلاثة جدران، وكانت مربوطة بصندوق، وفي الصندوق الجدار الرابع». كل شيء يعتمد، كما يبدو، على هذا الجدار الرابع. في الرؤية الكونية لكافكا، ثمة افتراض مسبق للثلاثة جدران. المأساة المرعبة هي الطريقة التي يشكل بها وجودُ الإنسان الحاجزَ الرابع.
شبح هذا الجدار الرابع الغائب يطارد «الكتابات المفقودة». يعود مرة أخرى في نص ناقص آخر يصف فيه الراوي الفضاء حيث ألقي عليه القبض. يخبرنا في السطر الأول أنه «لم يكن زنزانة، لأن الجدار الرابع كان مفتوحاً تماماً». هنا يعبر عن العائق الذاتي ليس من خلال المأزق الجسدي الفعلي للشخصية، وإنما من خلال تفسيره له: انفتاح الجدار الرابع ليس إلا لإبراز أنه لا يحاول حتى تحرير نفسه.
بل إن الراوي يقول إنه من الأفضل أن عريه يمنعه من تحويل ملابسه إلى حبل للهروب؛ بالنظر إلى «النتائج الكارثية» المحتملة، من «الأفضل ألا يكون لديه شيء وألا يفعل شيئاً».
في مواضع أخرى يجد كافكا طرقاً أخرى لتمثيل بنية الهزيمة الذاتية. في واحد من النصوص الناقصة، يتحدث الراوي عن عجزه بشكل غامض عن البقاء مع فتاة يحبها. يدعي في البدء «أنه كما لو أنها كانت محاطة بحلقة من الرجال المسلحين الذين يشهرون رماحهم في كل اتجاه»، لكنه يراجع روايته فيما بعد: «أنا أيضاً كنت محاطاً برجال مسلحين، مع أنهم وجهوا رماحهم إلى الداخل، باتجاهي. حين اقتربت من الفتاة، أمسكتني مباشرة رماح رجالي ولم أستطع أن أمضي قدماً».
في المجمل، لا تقدم «كتابات مفقودة» كافكا بصورة جديدة أو تعمق فهمنا له بقدر ما تقدم تعبيراً مكثفاً عن ذات الدينامية، والموتيفات، والانشغالات التي تحتل أعماله الأطول والأكثر مألوفية... إن من المدهش كيف أن قراءة الأشكال المكسّرة، واحدة تلو الأخرى والمجموعة هنا تترك شعوراً لا يختلف، مثلاً، عن «التحول» أو «المحاكمة»، التي على الرغم من وحدتها النسبية وديناميتها السردية، تتبع البنية نفسها كما في التراكم الذي تتألف منه «الكتابات المفقودة»: في كل واحدة مسيرة قصصية لمآزق، تتابع لطموحات محبطة، فظيعة ورائعة.
إن من المناسب، وإن تم تجاهله بدبلوماسية في الختام، أن هذه المجموعة هي نفسها مشروع محبط. كانت «الكتابات المفقودة» في الأصل مجموعة موثقة على أنها نصوص لم تترجم إلى الإنجليزية من قبل، وهي دعوى جرت مراجعتها حين ظهرت نسخ أخرى في مجلدات لم تكن مطبوعة. الآن تؤكد النسخة على الغلاف الورقي أن اثنين من السبعة وأربعين نصاً لم يسبق أن نشرا بالإنجليزية. كانت النقلة دون شك مخيبة للناشر، وربما للقراء الباحثين عن الجديد والعظيم - لكن على المخلصين لكافكا أن يدركوا جاذبية الآمال الخائبة والادعاءات المتواضعة.
* مراجعة للكتابات المفقودة لفرانز كافكا، ترجمة مايكل هوفمان
في «ذا بافلر» (أكتوبر، 2020)



سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي
TT

سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي

(إلى الكبير محمد العلي في أبديته)

هي والقصيدةُ حيث كنْتَا

هي والقصيدةُ عمرُكَ المكتوبُ في أوراق ذاكرةٍ

ملأتَ جرارَها بصداكَ حتَّا

فاضتْ بها أشواطُ أحْرفِكَ التي

أخذتْكَ نحو مدائنِ العشَّاقِ فانْشطرَتْ بها شفتاكَ

بين مرافئِ الكلماتِ والقُبلاتِ

لكن ما برحْتَا

تُملي فتكتُبكَ السنينُ مفازةً

تعبَ الحُداةُ وهم يجُوبونَ القصائدَ

ربما انْتجعوكَ بيتَا

يا سيِّدَ النايات

يا ابنَ نبوءةِ الشجرِ المُحرَّز بالرياحِ

متى تماثلَ سردُه للبوحِ

محْمولًا بأطرافِ الحكاياتِ انْعتَقْتا

يا سيِّدَ الأقداحِ

منذُ سُلالةِ الماء الذي أرْخى أعِنَّتهُ

فغادرَ في شُقوقِ الغيْم

مُنتظرًا لأرضٍ لم تُضاجعْها الخُطى يومًا

فكيف عرفتَ أنَّ الدربَ لم يعرفْ ظلالكَ حين عدتَا

يا أيُّها العَرَّافُ

كم حجرًا لنردِكَ ضلَّ وجهتَه فعادَ

وما رميتَا؟

---------------

* شاعر سعودي.


لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

ميشيل سير
ميشيل سير
TT

لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

ميشيل سير
ميشيل سير

هذا هو السؤال الذي طرحه ميشيل سير يوماً ما. والمذكور هو أحد أهم فلاسفة فرنسا في القرن العشرين وحتى وفاته عام 2018. والبعض يرى أنه أهم من كل أولئك الذين سيطروا على الساحة الباريسية أيام صرعات البنيوية وما بعد البنيوية من أمثال فوكو، ودريدا، وديلوز، وسواهم. ولكن الشهرة ذهبت إليهم أكثر مما ذهبت إليه. وربما كان السبب يعود إلى أنه أمضى معظم حياته التدريسية في جامعات أميركا لا جامعات فرنسا. ولكنه حظي بالشهرة العريضة لاحقاً بل وأصبح عضواً بارزاً في الأكاديمية الفرنسية. على أي حال المسألة ليست هنا. المسألة هي أن ميشيل سير بعد أن اطلع على تاريخ الفلسفة الفرنسية على مدار العصور اكتشف الحقيقة التالية: وهي أن قسماً كبيراً من فلاسفة فرنسا تعرضوا في أثناء حياتهم للقمع والمنع والملاحقات. لقد كتبوا في أجواء من الرعب والخوف بل وحتى التهديد بالقتل أحياناً. بمعنى آخر لقد خاطروا بحياتهم من أجل تدبيج مؤلفاتهم والتعبير عن حقيقتهم وأفكارهم. ولكنهم الآن أصبحوا يشكلون مجد الفكر الفرنسي وعظمته. وأكبر دليل على ذلك ديكارت نفسه: أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. ولكنه ليس الوحيد. في الواقع إن فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر بل وحتى التاسع عشر كانوا يعيشون على حافة الخطر في معظم الأحيان ودون أي ضمانات مادية أو معنوية. ولكن بما أن الفيلسوف الفرنسي المعاصر ما عاد يعاني من أي مشكلة من هذا النوع فإننا نتوهم أن أسلافه كانوا دائماً هكذا. وهذا خطأ ما بعده خطأ. في الواقع إن فلاسفة فرنسا المعاصرين يتمتعون بكل أنواع الحريات الفكرية والضمانات المادية والمناصب الجامعية والرواتب المريحة، إلخ. ولا أحد يهددهم أو يخيفهم. وعلى هذه النعمة يحسدهم مثقفو عالم الجنوب.

فولتير

أما فلاسفة الماضي فشأن آخر. لنضرب على ذلك مثلاً شخصاً يدعى دولاميتري (1709-1751). وهو طبيب وفيلسوف مادي فرنسي. بمعنى أنه كان يعيش خارج إطار عقائد الكنيسة الكاثوليكية الجبارة المهيمنة على العقول آنذاك. ولذلك أدين كتابه «الإنسان الآلي» بعد نشره مباشرة من قبل كلية اللاهوت الكاثوليكي ورجال الدين. بل واضطر إلى الهرب من فرنسا آنذاك خوفاً من الاغتيال أو الاعتقال. لا ريب في أنه بالغ في التصور المادي والإلحادي للوجود ولذلك صدم عصره. وينبغي أن نتفهم ذلك. ماذا فعل هذا الفيلسوف عام 1749؟ لقد نشر كتاباً بعنوان: الإنسان الآلي. لقد راح يدرس الإنسان بصفته آلة بيولوجية وفيزيولوجية مؤلفة من وظائف عضوية مثله في ذلك مثل جميع الحيوانات والكائنات الحية. ولكن هذا التصور العلمي الفج كان سابقاً لأوانه. وكان يشكل صدمة كبيرة للوعي المسيحي الإيماني السائد. ولذلك ردوا عليه بعنف. فلم يكتفوا بحرق الكتاب علناً وإنما هموا باغتيال صاحبه. ولذلك هرب من فرنسا والتجأ إلى ملك بروسيا المستبد المستنير فريدريك الثاني الملقب بفردريك الكبير. ومعلوم أن هذا الملك الجبار كان متحرراً من العقائد التقليدية القديمة إلى حد كبير. ولهذا السبب كان يجمع حوله كل المفكرين الهاربين من القمع الأصولي الكاثوليكي الفرنسي أو المسيحي بشكل عام. ومعلوم أن فولتير ذاته لجأ عنده في فترة من الفترات. وكان معجباً بفولتير إلى أقصى الحدود ويعتبره أستاذه وقدوته. وهذا أكبر دليل على أن السلطة يمكن أن تكون معجبة بالمثقفين وبخاصة إذا كانت مستنيرة حتى ولو كانت مستبدة في تلك العصور. وهذا يعني أنه يوجد فرق كبير بين المستبد المستنير ملك ألمانيا والمستبد الظلامي لويس الخامس عشر ملك فرنسا.

وهناك أيضاً الفيلسوف دولباك صديق ديدرو والموسوعيين. وهو صاحب الصالون الباريسي الشهير الذي كان يجتمع فيه المثقفون وتدور فيه المناظرات والمناقشات الفلسفية الأكثر جرأة. وقد منعت أكثر كتبه أو حرقت على رؤوس الأشهاد من قبل الأصوليين العتاة الذين اتهموه بمعاداة الدين والخروج عليه كلياً. والواقع أن تصوره للعالم والتاريخ كان علمياً وفلسفياً محضاً ولا علاقة له بالتالي بالرؤية الدينية أو اللاهوت المسيحي المهيمن.

ونضرب على ذلك مثلاً ديكارت نفسه الذي لم يكن ملحداً قط على عكس البارون دولباك. وإنما كان مؤمناً بالله والقيم الدينية والأخلاقية العليا إيماناً قوياً لا يتزعزع. ومعلوم أنه أشهر فيلسوف أنجبته فرنسا على مدار تاريخها كله. ولكن على الرغم من كل إيمانه واحترامه للدين فإنه اضطر للعيش خارج فرنسا هرباً من ضغط الأصوليين المتشددين؛ وذلك لأن إيمان الفلاسفة غير إيمان عامة الشعب. لقد عاش معظم حياته في هولندا الليبرالية المتسامحة دينياً. وهناك نشر كتابه الشهير «مقال في المنهج» دون توقيع، خوفاً من ملاحقات رجال الكنيسة وكليات اللاهوت والشريعة.

ولا ينبغي أن ننسى ذلك المسكين جان جاك روسو الذي تآلبت عليه الظروف من كل النواحي وأقضت مضجعه. لقد لاحقوه حتى جننوه. ومعلوم أنه دبج مؤلفاته التنويرية والعبقرية الكبرى في جو من الرعب والوحدة الكاملة والعزلة المطلقة. كانوا ينظرون إليه شزرا من عدة جهات وكانت الظروف ضده والسكاكين تسن عليه وتتربص به. ومع ذلك فقد أتحفنا بروايته الخالدة: «هيلويز الجديدة» أي قصة مجنون ليلى الجديدة بشكل من الأشكال. كما أتحفنا بكتاب «التربية إميل»، وكتاب «العقد الاجتماعي»، وكتاب «الاعترافات» أو المذكرات الشهير الذي يبلى الزمن ولا يبلى. وكل ذلك تم في جو من الخوف والملاحقات البوليسية الضارية. وقد وصل بهم الأمر إلى حد أنهم رجموه بالحجارة وكسروا نافذة بيته، بل ووصلت الحجارة لحجرة كبيرة إلى جانب السرير الذي ينام عليه. وكل ذلك حصل لأنه يكتب شيئاً جديداً مخالفاً للأفكار الشائعة عن الدين والعقيدة والتربية والسياسة.

ونضرب على ذلك مثلاً «لامارك» مكتشف نظرية التطور حتى قبل داروين. فقد حاصره منافسوه وحساده المدعومون من قبل السلطة. وقد شاهده أحدهم وهو يشهق بالبكاء أمام نابليون طالباً العفو والمغفرة. لقد أذلوه وسحقوه بسبب عبقريته المتفجرة التي لم يستطيعوا تحملها. ألم يقل المتنبي:

أزل حسد الحساد عني بكبتهم

فأنت الذي صيرتهم لي حسدا

ودع كل صوت غير صوتي فإنني

أنا الطائر المحكي والآخر الصدى

وأما عن أوغست كونت فحدث ولا حرج. فمؤسس الفلسفة العلمية الوضعية التي سيطرت على فرنسا لاحقاً لم يعش حياة هادئة على عكس ما نتوهم. فقد طردوه من مدرسة البوليتكنيك الباريسية الشهيرة فعاد مقهوراً ومدحوراً إلى مدينته الأصلية في مونبلييه على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. ومن كثرة ما لاحقوه واضطهدوه بعدئذ أوصلوه إلى حافة الجنون. بل ودخل مستشفى الأمراض العقلية لفترة قبل أن يصحو ويسترد توازنه وعافيته. ولكن كل هذا لم يمنعه من تأليف كتبه الأساسية وبخاصة مؤلفه الكبير: دروس في الفلسفة الوضعية.

والقائمة طويلة: قائمة المثقفين المنبوذين والملاحقين والمضطهدين لسبب أو لآخر. ولا نستطيع تعدادهم جميعاً هنا. ولكن سوف نتوقف مع ميشيل سير عند هذه الملاحظة القيمة. يقول الفيلسوف الكبير ما يلي: إن أبناء العائلات والذوات لا يمكن أن يصبحوا فلاسفة أو عباقرة إلا فيما ندر. لماذا؟ لأنهم يعيشون في بحبوحة من العيش ولا يعانون من عراقيل الحياة وصعوباتها ومشقاتها. وحدهم أولئك الذين عركتهم الحياة وصهرتهم في أتونها مرشحون لإنجاز الأعمال الفلسفية الكبرى. كيف يمكن لشخص لم يعرف من الحياة إلا وجهها السهل المريح أن يصبح فيلسوفاً؟ كيف يمكن لشخص لم يمت ألف موتة قبل أن يكتب حرفاً واحداً أن يصبح مفكراً عبقرياً؟


الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

جناح السعودية في المعرض (واس)
جناح السعودية في المعرض (واس)
TT

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

جناح السعودية في المعرض (واس)
جناح السعودية في المعرض (واس)

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه الأربعاء الماضي، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف. ويسعى القائمون على هذه التظاهرة الثقافية، في دورتها التاسعة والعشرين، إلى استعادة رسالتها الأساسية المتمثلة في جعل الكتاب فضاءً للحوار والتواصل، وهي الفكرة التي اختُصرت في شعار «الغد بين دفتَي كتاب».

بات الصالون، المعروف اختصاراً بـ«سيلا»، موعداً سنوياً بارزاً؛ إذ يوفر فضاءً لاكتشاف الكتب والكتّاب، وتنظيم لقاءات معهم. ويمكن للزوار التجول بين أجنحة دور النشر، واكتشاف الإصدارات الجديدة، والتعرف على مختلف الفاعلين في عالم الأدب. كما تسهم اللقاءات والندوات والنقاشات وجلسات التوقيع والأنشطة الثقافية في جعل الصالون فضاءً حيوياً تتلاقى فيه الأفكار والأجيال والاهتمامات المختلفة.

وبعيداً عن تنوع المؤلفات المعروضة، يذكّر الصالون بالدور الأساسي الذي تؤديه القراءة في المجتمع؛ إذ يشجع على الفضول المعرفي، ويدعم الإبداع الأدبي، ويعزز التبادل بين المهنيين والعاملين في قطاعَي النشر والكتاب.

وبالنسبة إلى القراء الشباب وعشاق الأدب على حد سواء، يشكّل الصالون فرصة لاكتشاف إصدارات جديدة وتقاسم متعة القراءة. وبذلك يرسّخ «الصالون الدولي للكتاب» مكانته باعتباره محطة بارزة في الحياة الثقافية الجزائرية، ودعوة متجددة إلى القراءة والحوار والاحتفاء بغنى الكلمة.

ملصق المعرض

يقول أحد المنظمين، الذي التقيناه في «جناح فلسطين»: «على الرغم من الحضور المتزايد للشاشات في حياتنا اليومية، لا يزال الكتاب يحتفظ بسحره ومكانته. فبينما تتيح الأجهزة الرقمية قراءة الكتب في أي وقت، تظل القراءة من كتاب ورقي تجربة لها خصوصيتها ومتعتها اللتان لا تضاهيهما أي شاشة». ويوضح أن الكتاب «يمنح قارئه فرصة للابتعاد عن إيقاع الحياة المتسارع والتفاعل مع النص على مهل. فعلى عكس المحتوى الرقمي الذي يتدفق باستمرار ويزاحم الانتباه، تتيح القراءة الورقية التوقف عند فكرة تستحق التأمل، أو إعادة قراءة عبارة لافتة، أو استعادة مقطع سابق، وهو ما يعزز التركيز ويمنح القارئ فرصة للانغماس في عوالم القصص والأفكار والمعارف بعيداً عن المشتتات».

وخلال مراسم الافتتاح، التي جرت بحضور رئيسة «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى للبرلمان)، خليدة بوفدش، وعدد من أعضاء الحكومة، ألقى عزوز ناصري، رئيس «مجلس الأمة» (الغرفة العليا للبرلمان)، كلمة بالمناسبة، أكد فيها أن الكتاب «سيظل الجسر الذي يربط الأجيال بالمستقبل»، مشدداً على أن «(الصالون الدولي للكتاب بالجزائر) أصبح واحداً من أكبر المواعيد الأدبية والنشرية في أفريقيا والعالم العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط، كما يؤدي دوراً أساسياً في الارتقاء بمستوى القراءة، ودعم صناعة الكتاب، وتعزيز الدبلوماسية الثقافية».

وتفتح الجزائر أبواب صالونها الدولي للكتاب لعام 2026 أمام المملكة العربية السعودية، التي تحل ضيفَ شرف في مقام يليق بمكانتها، من خلال وفد ثقافي رفيع يقوده وزير الثقافة، الأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود.

وتأتي المشاركة السعودية بتمثيل رفيع المستوى، يضم نخبة من الكتّاب والأدباء والناشرين والمفكرين، بما يعكس أهمية هذه التظاهرة الثقافية ومكانتها. كما يتضمن برنامج المشاركة عرض مجموعة من أحدث الإصدارات الأدبية والفكرية السعودية، إلى جانب تنظيم ندوات فكرية وأمسيات شعرية وعروض فلكلورية وتراثية، تسلط الضوء على ثراء الثقافة السعودية وتنوع مكوناتها، وتتيح للزوار فرصة التعرف على جوانب مختلفة من الموروث الثقافي للمملكة وإبداعاتها المعاصرة.

ولا تقتصر هذه المشاركة على عرض الكتب والإصدارات، بل تتجاوز ذلك لتشكل فرصة لتعزيز التبادل الثقافي وتطوير صناعة النشر، من خلال فتح قنوات التواصل بين دور النشر الجزائرية والسعودية، واستكشاف فرص التعاون وتأسيس شراكات ثقافية مستدامة، وهو ما يمنح حضور المملكة بُعداً يتجاوز المشاركة الرمزية، ليجعل منه مناسبة لتقريب المبدعين والناشرين، وتبادل الخبرات والتجارب.

وتكتسب المشاركة السعودية أهمية إضافية بالنظر إلى حجم هذه الدورة من الصالون، التي تعرف حضور أكثر من 1567 عارضاً، وتضم ما يزيد على 285 ألف عنوان، في أرقام تعكس اتساع التظاهرة ومكانتها ضمن أبرز المواعيد الثقافية في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يشكّل حضور المملكة ضيفَ شرف أحد أبرز محاور البرنامج الثقافي المصاحب، بما يحمله من تنوع في الأنشطة والفعاليات، وما يتيحه من فرص لتعميق التقارب الثقافي.