كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

مجموعة جديدة تزيل الألفة عن كاتب ظننا أننا نعرفه

فرانز كافكا
فرانز كافكا
TT

كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

فرانز كافكا
فرانز كافكا

رواية «القلعة»، الرواية الثالثة والأخيرة، لفرانتز كافكا تنتهي عند منتصف جملة. لكن حين دخل النص إلى العالم لأول مرة كان قد حرر ليكون مكتملاً. ماكس برود، صديق كافكا ومنفذ وصيته الأدبية، الذي هيأ الطبعة الأصلية عام 1926، ذكر لاحقاً أن «هدفه كان أن يقدم في شكل قابل للقراءة عملاً غير تقليدي ومقلقاً، عملأً لم ينتهِ تماماً: لذا بذلت كل المحاولات لتفادي كل ما يمكن أن يبرز كونه عملاً متشظياً». لكي ينجز هذه التعمية لشكل رواية لم تكتمل، قام برود باجتزاء خمس النص. في النهاية وجد أن ما اختاره كان أفضل، فقام في الطبعة الثانية باستعادة معظم ما اجتزأه - لكن في تلك الفترة كان نجاحه في اجتذاب الاهتمام بعمل كافكا قد أدى إلى وضعه على القائمة النازية «للأعمال المضرة وغير المرغوب بها». أدى ذلك إلى منع الطبعة الأكثر وفاء من الوصول إلى القراء الألمان إلى أن سقط الرايخ الثالث. في تلك الأثناء كان قراء كافكا قد ازدادوا في الخارج نتيجة لتراجمه إلى الإنجليزية عام 1930 التي قام بها ويلا وإدوين ميور، اللذان أسسا ترجمتهما للقلعة على طبعة برود الأصلية - مقدمين الرواية على أنها عمل مكتمل بدلاً من أن يكون متشظياً.
الحالة التي ترك كافكا رواية «القلعة» عليها تمثل الوضع السائد في أعماله كلها. لقد نشر أثناء حياته قليلاً من القصص في مجلات ودفع بمجموعة سردية واحدة، مهيئاً أخرى لم تظهر إلا بعد وفاته. لكنه ترك النسبة الكبرى من أعماله ناقصة - بملاحظة، كما هو مشهور للأسف، يطلب فيها من برود إحراق كل كلمة. نظر برود إلى الروايات الأخرى التي رفض إتلافها بالطريقة نفسها التي نظر بها إلى «القلعة»، حاذفاً فصولاً غير مكتملة من «المحاكمة» ومعدلاً نهاية رواية كافكا الأولى «الرجل الذي اختفى» (التي عدل اسمها) إلى «أميركا». أما بالنسبة للكم الكبير من القصص والعبارات والأقوال المأثورة، فقد وضع برود عناوين لما يفتقر إلى ذلك منها وأصلح النهايات الملغاة.
على مدى العقود التالية، اعترضت أجيال من الباحثين والمترجمين على النسخة المصقولة من كافكا كما بناها برود. اتضحت حالة التشظي بوصفها مركزية في أعمال كافكا منذ عام 1949، حين لاحظ المنظّر موريس بلانشو في كتابه «عمل النار»، الذي ترجمته شارلوت مانديل، أن «قصص كافكا الرئيسية شظايا، وأن العمل بكليته متشظٍ». لكن في العالم الأدبي الأنغلوفوني، طورت هذه المراجعة في أقصى دلالاتها على مدى العشرين عاماً الأخيرة تقريباً: كما في ترجمة مارك هارمان لـ«القلعة» (1998) وترجمة بريون متشل لـ«المحاكمة» (1999). الشاعر والمترجم مايكل هوفمان انضم إلى الداعين إلى كافكا غير مصقول، في النسخة التي قدمها من رواية كافكا الأولى، إذا أخذنا في الاعتبار عنوانها المعدل «أميركا: الرجل الذي اختفى» (2017)؛ والآن «الكتابات المفقودة».
هذا المجلد الجديد يجمع 74 نصاً قصيراً - بعضها أطول من صفحتين، وكثير منها لم يكتمل - اعتنى بها راينر ستاش، مؤلف السيرة ثلاثية الأجزاء لكافكا. في مقدمته يجادل ستاش أنه على الرغم من أن «السمة الهشة والمتشظية» لأعمال كافكا تركت أثراً بالغاً، بل «جعلتنا ننظر إلى الشظية الأدبية بجدية»، فإن أكثر نصوص الكاتب تشظياً ظلت مختفية عن الأنظار: يندر أن تُترجم، غالباً غير مطبوعة، بالكاد تقرأ، وهكذا، حتى لو لم تغب تماماً، فإنها «مفقودة» أساساً. قول ستاش إننا ندين لكافكا باهتمامنا بالشظية الأدبية كما هي يتضمن بعض المبالغة التي لا تخلو من التنميق؛ قبل ولادة كافكا بمائة عام، لاحظ الفيلسوف فريدرك شليغل ساخراً أن «كثيراً من أعمال القدماء صارت شظايا. كثير من أعمال المحدثين تصير شظايا بمجرد كتابتها». لكن من المؤكد أن كافكا كان أساسياً لاكتشاف الحداثيين وما بعد الحداثيين لقيمة العمل غير المكتمل. بالنظر إلى الغموض المؤسف لكثير من نصوصه الأكثر تشظياً، تكتسب مهمة ستاش وهوفمان أهميتها: دفع مزيج من هذه النصوص، التي تؤلف ما يسميه ستاش «القاعدة العملاقة» لـ«جبل الجليد» المتمثل بأعمال كافكا، إلى السطح.
مع أن ستاش يعترف بتنازلات معينة لبرود - فإنه يكتب قائلاً: «تسعى المختارات قبل أي شيء إلى أن تكون سهلة المتناول»، إذ تقدم «نصوصاً سهلة المقاربة والقراءة إلى حد بعيد» - كتاب «الكتابات المفقودة» يتجنب منتشياً أي بنية تنظيمية يمكن أن توجهنا، من العناوين إلى التقسيمات إلى صفحة المحتويات. إلى جانب المختارات والخاتمة، هناك فقط كشاف للأسطر الأولى. هذه المقاربة االتي تقف عند الحد الأدنى تغرق القراء مباشرة في عالم كافكا. الصفحة الأولى نفسها تثبتنا في أحد فخاخ كافكا الشهيرة: «أستلقي على الأرض أسفل جدار، أتلوى من الألم، أحاول أن أختبئ في جحر من الأرض الرطبة».
يمكننا تقسيم النصوص المجموعة في «الكتابات المفقودة» إلى مجوهرات وكِسَر - الأولى تبدو مكتملة بصورة مفهومة، الأخيرة واضحة الانكسار - في كل واحدة نوع خاص من الغموض. ضمن ذلك التقسيم، يأتي النص الأول جوهرة؛ الجمل التي تؤلف بقية الحكاية تقدم صورة مختصرة للمشهد، فارشة الألم الذي تتضمنه البداية. ها هو الراوي بوصفه ضحية، عربة مجهزة بسائق وكلاب تشعر بالملل مما تم اصطياده، وصياد «ينخز بجشع عجول (الراوي)». ومما يثير الاستغراب أكثر تعبير وحشي عن رغبة كبتت: «عطِشٌ، بفم مفتوح، تنفست في سحب من الغبار».
هذه الأمثولة الافتتاحية حول العجز المحكوم عليه تسير بتمتمة إلى الأمثولة التالية - جوهرة أخرى تتغير فيها الظروف والأسلوب تماماً، لكن الدينامية الأساسية للمفترس والضحية لا تتغير. هنا يضع الراوي نفسه في موضع استقواء قاسٍ تحتله حاشية الصياد في القطعة الأولى. يخاطب الواقعين في المصيدة:
«إذن تريدون أن تتركوني؟ حسناً، إن القرارات لا تختلف. أين ستذهبون؟ أين هو البعيد عني؟ القمر؟ حتى ذاك ليس بعيداً بما يكفي، ولن تصلوا إلى هناك. لِمَ الضجيج إذن؟ أليس من الأجدى أن تجلسوا في زاوية ما بهدوء؟ ألن يكون ذلك أفضل؟ زاوية دافئة ومظلمة؟ هل تسمعون؟ تتحسسون الباب. حسناً، أين هو؟ ما أتذكره هو أن هذه الغرفة بلا باب».
يتكرر غياب المخارج عبر نصوص المجموعة، مثلما تتكرر الممرات التي يستحيل المرور عبرها، ولا يزيد حضور الباب الذي لا جدوى منه سوى زيادة التوتر في أجواء المصيدة. في بقايا نص تالٍ يعود قطيع مشتت من الوحوش إلى موطنه بعد سرقة شربة من الماء من بركة ليتعقبهم من يعاقبهم بسياط فيدخلون «قاعة الأسلاف حيث الباب مغلق وبقينا وحدنا». في آخَر، وهو جوهرة أيضاً، يذرع الراوي، دون سبب واضح، «قاعة حجمها كبير كالمعتاد ومضاءة بالضوء الكهربائي». يقول: «كان للغرفة أبواب، لكن إذا فتحتَ أحدها وجدت نفسك في مواجهة جدار مظلم من الصخر الأصم لا يبعد عن الحافة بأكثر من عرض اليد، ويمتد إلى الأعلى على الجانبين على امتداد النظر. لم يكن ثمة مخرج هناك».
الجملة الخانقة نفسها «لا مخرج» - وهي جملة متشظية كافكاوية بحد ذاتها - تظهر في نص آخر، حوار بين محاور وشمبانزي اسمه «رد بيتر» سبق أن تم اصطياده من غابته على يد بشر وتعلم في النهاية كيف يتصرف كالبشر. الشمبانزي هو أيضاً الراوي لقصة «تقرير لأكاديمية»، إحدى القصص القليلة التي أنهاها كافكا ونشرها أثناء حياته. في القصة بصورتها المكتملة يعبّر «رد بيتر» عن رغبته في «مخرج» ويكرس بعض الوقت للبحث عن معنى لجملة: «أخشى أنك لا تفهم تماماً ما أعنيه حين أقول (مخرج)»، يقول هذا لمستمعيه في ترجمة ويلا وإدوين ميور.
ويضيف: «إنني أستخدم العبارة في معناها الأكمل والأكثر شيوعاً. إنني أتعمد عدم استخدام كلمة (حرية). لا أقصد الشعور الفضائي بالحرية من كل الجوانب» - تركنا نستنتج أي لون من الحرية المقيدة نسبياً يبحث عنه ليكون البديل. في النسخة المتضمنة في «الكتابات مفقودة»، يروي «رد بيتر» وهو في حالة حزن قصة اصطياده، وكيف أنه قبل ذلك «لم يعرف ما يعنيه ذلك: ألا يكون هناك مخرج». ويمضي شارحاً أنه كان محتجزاً ليس في «قفص ذي أربعة جوانب بقضبان»؛ بدلاً من ذلك «كانت هناك ثلاثة جدران، وكانت مربوطة بصندوق، وفي الصندوق الجدار الرابع». كل شيء يعتمد، كما يبدو، على هذا الجدار الرابع. في الرؤية الكونية لكافكا، ثمة افتراض مسبق للثلاثة جدران. المأساة المرعبة هي الطريقة التي يشكل بها وجودُ الإنسان الحاجزَ الرابع.
شبح هذا الجدار الرابع الغائب يطارد «الكتابات المفقودة». يعود مرة أخرى في نص ناقص آخر يصف فيه الراوي الفضاء حيث ألقي عليه القبض. يخبرنا في السطر الأول أنه «لم يكن زنزانة، لأن الجدار الرابع كان مفتوحاً تماماً». هنا يعبر عن العائق الذاتي ليس من خلال المأزق الجسدي الفعلي للشخصية، وإنما من خلال تفسيره له: انفتاح الجدار الرابع ليس إلا لإبراز أنه لا يحاول حتى تحرير نفسه.
بل إن الراوي يقول إنه من الأفضل أن عريه يمنعه من تحويل ملابسه إلى حبل للهروب؛ بالنظر إلى «النتائج الكارثية» المحتملة، من «الأفضل ألا يكون لديه شيء وألا يفعل شيئاً».
في مواضع أخرى يجد كافكا طرقاً أخرى لتمثيل بنية الهزيمة الذاتية. في واحد من النصوص الناقصة، يتحدث الراوي عن عجزه بشكل غامض عن البقاء مع فتاة يحبها. يدعي في البدء «أنه كما لو أنها كانت محاطة بحلقة من الرجال المسلحين الذين يشهرون رماحهم في كل اتجاه»، لكنه يراجع روايته فيما بعد: «أنا أيضاً كنت محاطاً برجال مسلحين، مع أنهم وجهوا رماحهم إلى الداخل، باتجاهي. حين اقتربت من الفتاة، أمسكتني مباشرة رماح رجالي ولم أستطع أن أمضي قدماً».
في المجمل، لا تقدم «كتابات مفقودة» كافكا بصورة جديدة أو تعمق فهمنا له بقدر ما تقدم تعبيراً مكثفاً عن ذات الدينامية، والموتيفات، والانشغالات التي تحتل أعماله الأطول والأكثر مألوفية... إن من المدهش كيف أن قراءة الأشكال المكسّرة، واحدة تلو الأخرى والمجموعة هنا تترك شعوراً لا يختلف، مثلاً، عن «التحول» أو «المحاكمة»، التي على الرغم من وحدتها النسبية وديناميتها السردية، تتبع البنية نفسها كما في التراكم الذي تتألف منه «الكتابات المفقودة»: في كل واحدة مسيرة قصصية لمآزق، تتابع لطموحات محبطة، فظيعة ورائعة.
إن من المناسب، وإن تم تجاهله بدبلوماسية في الختام، أن هذه المجموعة هي نفسها مشروع محبط. كانت «الكتابات المفقودة» في الأصل مجموعة موثقة على أنها نصوص لم تترجم إلى الإنجليزية من قبل، وهي دعوى جرت مراجعتها حين ظهرت نسخ أخرى في مجلدات لم تكن مطبوعة. الآن تؤكد النسخة على الغلاف الورقي أن اثنين من السبعة وأربعين نصاً لم يسبق أن نشرا بالإنجليزية. كانت النقلة دون شك مخيبة للناشر، وربما للقراء الباحثين عن الجديد والعظيم - لكن على المخلصين لكافكا أن يدركوا جاذبية الآمال الخائبة والادعاءات المتواضعة.
* مراجعة للكتابات المفقودة لفرانز كافكا، ترجمة مايكل هوفمان
في «ذا بافلر» (أكتوبر، 2020)



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».