كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

مجموعة جديدة تزيل الألفة عن كاتب ظننا أننا نعرفه

فرانز كافكا
فرانز كافكا
TT

كافكا... التشظي بوصفه حالة مركزية

فرانز كافكا
فرانز كافكا

رواية «القلعة»، الرواية الثالثة والأخيرة، لفرانتز كافكا تنتهي عند منتصف جملة. لكن حين دخل النص إلى العالم لأول مرة كان قد حرر ليكون مكتملاً. ماكس برود، صديق كافكا ومنفذ وصيته الأدبية، الذي هيأ الطبعة الأصلية عام 1926، ذكر لاحقاً أن «هدفه كان أن يقدم في شكل قابل للقراءة عملاً غير تقليدي ومقلقاً، عملأً لم ينتهِ تماماً: لذا بذلت كل المحاولات لتفادي كل ما يمكن أن يبرز كونه عملاً متشظياً». لكي ينجز هذه التعمية لشكل رواية لم تكتمل، قام برود باجتزاء خمس النص. في النهاية وجد أن ما اختاره كان أفضل، فقام في الطبعة الثانية باستعادة معظم ما اجتزأه - لكن في تلك الفترة كان نجاحه في اجتذاب الاهتمام بعمل كافكا قد أدى إلى وضعه على القائمة النازية «للأعمال المضرة وغير المرغوب بها». أدى ذلك إلى منع الطبعة الأكثر وفاء من الوصول إلى القراء الألمان إلى أن سقط الرايخ الثالث. في تلك الأثناء كان قراء كافكا قد ازدادوا في الخارج نتيجة لتراجمه إلى الإنجليزية عام 1930 التي قام بها ويلا وإدوين ميور، اللذان أسسا ترجمتهما للقلعة على طبعة برود الأصلية - مقدمين الرواية على أنها عمل مكتمل بدلاً من أن يكون متشظياً.
الحالة التي ترك كافكا رواية «القلعة» عليها تمثل الوضع السائد في أعماله كلها. لقد نشر أثناء حياته قليلاً من القصص في مجلات ودفع بمجموعة سردية واحدة، مهيئاً أخرى لم تظهر إلا بعد وفاته. لكنه ترك النسبة الكبرى من أعماله ناقصة - بملاحظة، كما هو مشهور للأسف، يطلب فيها من برود إحراق كل كلمة. نظر برود إلى الروايات الأخرى التي رفض إتلافها بالطريقة نفسها التي نظر بها إلى «القلعة»، حاذفاً فصولاً غير مكتملة من «المحاكمة» ومعدلاً نهاية رواية كافكا الأولى «الرجل الذي اختفى» (التي عدل اسمها) إلى «أميركا». أما بالنسبة للكم الكبير من القصص والعبارات والأقوال المأثورة، فقد وضع برود عناوين لما يفتقر إلى ذلك منها وأصلح النهايات الملغاة.
على مدى العقود التالية، اعترضت أجيال من الباحثين والمترجمين على النسخة المصقولة من كافكا كما بناها برود. اتضحت حالة التشظي بوصفها مركزية في أعمال كافكا منذ عام 1949، حين لاحظ المنظّر موريس بلانشو في كتابه «عمل النار»، الذي ترجمته شارلوت مانديل، أن «قصص كافكا الرئيسية شظايا، وأن العمل بكليته متشظٍ». لكن في العالم الأدبي الأنغلوفوني، طورت هذه المراجعة في أقصى دلالاتها على مدى العشرين عاماً الأخيرة تقريباً: كما في ترجمة مارك هارمان لـ«القلعة» (1998) وترجمة بريون متشل لـ«المحاكمة» (1999). الشاعر والمترجم مايكل هوفمان انضم إلى الداعين إلى كافكا غير مصقول، في النسخة التي قدمها من رواية كافكا الأولى، إذا أخذنا في الاعتبار عنوانها المعدل «أميركا: الرجل الذي اختفى» (2017)؛ والآن «الكتابات المفقودة».
هذا المجلد الجديد يجمع 74 نصاً قصيراً - بعضها أطول من صفحتين، وكثير منها لم يكتمل - اعتنى بها راينر ستاش، مؤلف السيرة ثلاثية الأجزاء لكافكا. في مقدمته يجادل ستاش أنه على الرغم من أن «السمة الهشة والمتشظية» لأعمال كافكا تركت أثراً بالغاً، بل «جعلتنا ننظر إلى الشظية الأدبية بجدية»، فإن أكثر نصوص الكاتب تشظياً ظلت مختفية عن الأنظار: يندر أن تُترجم، غالباً غير مطبوعة، بالكاد تقرأ، وهكذا، حتى لو لم تغب تماماً، فإنها «مفقودة» أساساً. قول ستاش إننا ندين لكافكا باهتمامنا بالشظية الأدبية كما هي يتضمن بعض المبالغة التي لا تخلو من التنميق؛ قبل ولادة كافكا بمائة عام، لاحظ الفيلسوف فريدرك شليغل ساخراً أن «كثيراً من أعمال القدماء صارت شظايا. كثير من أعمال المحدثين تصير شظايا بمجرد كتابتها». لكن من المؤكد أن كافكا كان أساسياً لاكتشاف الحداثيين وما بعد الحداثيين لقيمة العمل غير المكتمل. بالنظر إلى الغموض المؤسف لكثير من نصوصه الأكثر تشظياً، تكتسب مهمة ستاش وهوفمان أهميتها: دفع مزيج من هذه النصوص، التي تؤلف ما يسميه ستاش «القاعدة العملاقة» لـ«جبل الجليد» المتمثل بأعمال كافكا، إلى السطح.
مع أن ستاش يعترف بتنازلات معينة لبرود - فإنه يكتب قائلاً: «تسعى المختارات قبل أي شيء إلى أن تكون سهلة المتناول»، إذ تقدم «نصوصاً سهلة المقاربة والقراءة إلى حد بعيد» - كتاب «الكتابات المفقودة» يتجنب منتشياً أي بنية تنظيمية يمكن أن توجهنا، من العناوين إلى التقسيمات إلى صفحة المحتويات. إلى جانب المختارات والخاتمة، هناك فقط كشاف للأسطر الأولى. هذه المقاربة االتي تقف عند الحد الأدنى تغرق القراء مباشرة في عالم كافكا. الصفحة الأولى نفسها تثبتنا في أحد فخاخ كافكا الشهيرة: «أستلقي على الأرض أسفل جدار، أتلوى من الألم، أحاول أن أختبئ في جحر من الأرض الرطبة».
يمكننا تقسيم النصوص المجموعة في «الكتابات المفقودة» إلى مجوهرات وكِسَر - الأولى تبدو مكتملة بصورة مفهومة، الأخيرة واضحة الانكسار - في كل واحدة نوع خاص من الغموض. ضمن ذلك التقسيم، يأتي النص الأول جوهرة؛ الجمل التي تؤلف بقية الحكاية تقدم صورة مختصرة للمشهد، فارشة الألم الذي تتضمنه البداية. ها هو الراوي بوصفه ضحية، عربة مجهزة بسائق وكلاب تشعر بالملل مما تم اصطياده، وصياد «ينخز بجشع عجول (الراوي)». ومما يثير الاستغراب أكثر تعبير وحشي عن رغبة كبتت: «عطِشٌ، بفم مفتوح، تنفست في سحب من الغبار».
هذه الأمثولة الافتتاحية حول العجز المحكوم عليه تسير بتمتمة إلى الأمثولة التالية - جوهرة أخرى تتغير فيها الظروف والأسلوب تماماً، لكن الدينامية الأساسية للمفترس والضحية لا تتغير. هنا يضع الراوي نفسه في موضع استقواء قاسٍ تحتله حاشية الصياد في القطعة الأولى. يخاطب الواقعين في المصيدة:
«إذن تريدون أن تتركوني؟ حسناً، إن القرارات لا تختلف. أين ستذهبون؟ أين هو البعيد عني؟ القمر؟ حتى ذاك ليس بعيداً بما يكفي، ولن تصلوا إلى هناك. لِمَ الضجيج إذن؟ أليس من الأجدى أن تجلسوا في زاوية ما بهدوء؟ ألن يكون ذلك أفضل؟ زاوية دافئة ومظلمة؟ هل تسمعون؟ تتحسسون الباب. حسناً، أين هو؟ ما أتذكره هو أن هذه الغرفة بلا باب».
يتكرر غياب المخارج عبر نصوص المجموعة، مثلما تتكرر الممرات التي يستحيل المرور عبرها، ولا يزيد حضور الباب الذي لا جدوى منه سوى زيادة التوتر في أجواء المصيدة. في بقايا نص تالٍ يعود قطيع مشتت من الوحوش إلى موطنه بعد سرقة شربة من الماء من بركة ليتعقبهم من يعاقبهم بسياط فيدخلون «قاعة الأسلاف حيث الباب مغلق وبقينا وحدنا». في آخَر، وهو جوهرة أيضاً، يذرع الراوي، دون سبب واضح، «قاعة حجمها كبير كالمعتاد ومضاءة بالضوء الكهربائي». يقول: «كان للغرفة أبواب، لكن إذا فتحتَ أحدها وجدت نفسك في مواجهة جدار مظلم من الصخر الأصم لا يبعد عن الحافة بأكثر من عرض اليد، ويمتد إلى الأعلى على الجانبين على امتداد النظر. لم يكن ثمة مخرج هناك».
الجملة الخانقة نفسها «لا مخرج» - وهي جملة متشظية كافكاوية بحد ذاتها - تظهر في نص آخر، حوار بين محاور وشمبانزي اسمه «رد بيتر» سبق أن تم اصطياده من غابته على يد بشر وتعلم في النهاية كيف يتصرف كالبشر. الشمبانزي هو أيضاً الراوي لقصة «تقرير لأكاديمية»، إحدى القصص القليلة التي أنهاها كافكا ونشرها أثناء حياته. في القصة بصورتها المكتملة يعبّر «رد بيتر» عن رغبته في «مخرج» ويكرس بعض الوقت للبحث عن معنى لجملة: «أخشى أنك لا تفهم تماماً ما أعنيه حين أقول (مخرج)»، يقول هذا لمستمعيه في ترجمة ويلا وإدوين ميور.
ويضيف: «إنني أستخدم العبارة في معناها الأكمل والأكثر شيوعاً. إنني أتعمد عدم استخدام كلمة (حرية). لا أقصد الشعور الفضائي بالحرية من كل الجوانب» - تركنا نستنتج أي لون من الحرية المقيدة نسبياً يبحث عنه ليكون البديل. في النسخة المتضمنة في «الكتابات مفقودة»، يروي «رد بيتر» وهو في حالة حزن قصة اصطياده، وكيف أنه قبل ذلك «لم يعرف ما يعنيه ذلك: ألا يكون هناك مخرج». ويمضي شارحاً أنه كان محتجزاً ليس في «قفص ذي أربعة جوانب بقضبان»؛ بدلاً من ذلك «كانت هناك ثلاثة جدران، وكانت مربوطة بصندوق، وفي الصندوق الجدار الرابع». كل شيء يعتمد، كما يبدو، على هذا الجدار الرابع. في الرؤية الكونية لكافكا، ثمة افتراض مسبق للثلاثة جدران. المأساة المرعبة هي الطريقة التي يشكل بها وجودُ الإنسان الحاجزَ الرابع.
شبح هذا الجدار الرابع الغائب يطارد «الكتابات المفقودة». يعود مرة أخرى في نص ناقص آخر يصف فيه الراوي الفضاء حيث ألقي عليه القبض. يخبرنا في السطر الأول أنه «لم يكن زنزانة، لأن الجدار الرابع كان مفتوحاً تماماً». هنا يعبر عن العائق الذاتي ليس من خلال المأزق الجسدي الفعلي للشخصية، وإنما من خلال تفسيره له: انفتاح الجدار الرابع ليس إلا لإبراز أنه لا يحاول حتى تحرير نفسه.
بل إن الراوي يقول إنه من الأفضل أن عريه يمنعه من تحويل ملابسه إلى حبل للهروب؛ بالنظر إلى «النتائج الكارثية» المحتملة، من «الأفضل ألا يكون لديه شيء وألا يفعل شيئاً».
في مواضع أخرى يجد كافكا طرقاً أخرى لتمثيل بنية الهزيمة الذاتية. في واحد من النصوص الناقصة، يتحدث الراوي عن عجزه بشكل غامض عن البقاء مع فتاة يحبها. يدعي في البدء «أنه كما لو أنها كانت محاطة بحلقة من الرجال المسلحين الذين يشهرون رماحهم في كل اتجاه»، لكنه يراجع روايته فيما بعد: «أنا أيضاً كنت محاطاً برجال مسلحين، مع أنهم وجهوا رماحهم إلى الداخل، باتجاهي. حين اقتربت من الفتاة، أمسكتني مباشرة رماح رجالي ولم أستطع أن أمضي قدماً».
في المجمل، لا تقدم «كتابات مفقودة» كافكا بصورة جديدة أو تعمق فهمنا له بقدر ما تقدم تعبيراً مكثفاً عن ذات الدينامية، والموتيفات، والانشغالات التي تحتل أعماله الأطول والأكثر مألوفية... إن من المدهش كيف أن قراءة الأشكال المكسّرة، واحدة تلو الأخرى والمجموعة هنا تترك شعوراً لا يختلف، مثلاً، عن «التحول» أو «المحاكمة»، التي على الرغم من وحدتها النسبية وديناميتها السردية، تتبع البنية نفسها كما في التراكم الذي تتألف منه «الكتابات المفقودة»: في كل واحدة مسيرة قصصية لمآزق، تتابع لطموحات محبطة، فظيعة ورائعة.
إن من المناسب، وإن تم تجاهله بدبلوماسية في الختام، أن هذه المجموعة هي نفسها مشروع محبط. كانت «الكتابات المفقودة» في الأصل مجموعة موثقة على أنها نصوص لم تترجم إلى الإنجليزية من قبل، وهي دعوى جرت مراجعتها حين ظهرت نسخ أخرى في مجلدات لم تكن مطبوعة. الآن تؤكد النسخة على الغلاف الورقي أن اثنين من السبعة وأربعين نصاً لم يسبق أن نشرا بالإنجليزية. كانت النقلة دون شك مخيبة للناشر، وربما للقراء الباحثين عن الجديد والعظيم - لكن على المخلصين لكافكا أن يدركوا جاذبية الآمال الخائبة والادعاءات المتواضعة.
* مراجعة للكتابات المفقودة لفرانز كافكا، ترجمة مايكل هوفمان
في «ذا بافلر» (أكتوبر، 2020)



كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟


دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين
TT

دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي. وهي عمل سردي يستكشف العلاقة المعقدة بين الذاكرة والهوية والكتابة، عبر بناء روائي متعدد المستويات يمزج بين السرد النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي.

تدور الرواية حول شخصية «الكهل»؛ رجل فاقد للذاكرة يقيم في مصحّة غامضة تحت إشراف طبيب عسكري، بينما تراقبه سلطة غامضة يمثلها «العقيد». بالتوازي، يتتبع العمل مسار «سمير»، الكاتب الذي يعاني عجزاً إبداعياً قبل أن يتلقى دعوة للانضمام إلى «دائرة الكُتّاب المجهولين»، وهي فضاء سري يسعى إلى تحرير المبدعين من فشلهم. ومع تداخل هذين المسارين، تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل البحث عن الماضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته.

سمير قسيمي روائي جزائري عمل محامياً ومحرّراً ثقافياً وأدبياً في عدّة منابر عربيّة. صدرت له عدة أعمال سردية، من بينها «يوم رائع للموت» و«حبّ في خريف مائل» و«الحماقة كما لم يروِها أحد».

في ما يلي مقتطف حصري من الرواية:

دائرة الكُتّاب المجهولين

أخبرتُ الطبيب بكلّ ذلك، أو ربّما كان قد قرأه في أوراقي قبل أن يزورني. كنتُ قد هيّأتُ نفسي لأجيبه عن سؤال أعرف أنّه على طرف لسانه: «كيف تتحدّث عن كلّ ذلك كأنّه حقيقة؟ أنت لا تعرف اسمك، لا تذكر وجه أمّك ولا شكل أبيك. لا تعرف لمَ أنت هنا، ولا حتّى من أحضرك».

هيّأتُ نفسي لأجيبه، لكنّه لم يسأل.

ظلّ صامتاً للحظة، ثمّ قال بصوتٍ لم يعد يشبه صوته المعتاد:

– قلتَ إنّ تلك الدعوة وصلتك في لحظة انهيارٍ صامت. ماذا تقصد بذلك؟

– لأنّها وصلتني بعد عودتي من رحلة عملٍ قادتني إلى الشارقة. فقد انتدبني مديري لأمثّل شركتنا في ملتقى دوليٍّ هناك، وهو يتوقّع منّي أن أعتذر، فأنا لا أحبّ السفر. أراه مضيعةً للوقت في عصرٍ يمكنك فيه زيارة العالم من شاشة حاسوبك دون مغادرة أريكتك. لكنّني هذه المرّة قبلت، هرباً من واقعٍ عجزت عن مواجهته بشجاعة، واقع رحيل زوجتي إلى أهلها، رغبةً في التفكير في مستقبلنا معاً.

سبق لها أن فعلت ذلك، ترحل لكنّها تعود إليَّ بعد أيّام، لتعتذر وتقول لي إنّها في لحظة ضعفٍ استسلمت لوساوسها، وساوس الوحدة القاتلة، وإنّها بعدما فكّرت مليّاً أدركت أنّنا، بعدما تجاوز كلانا الخمسين، لم نعد معنيّين بمستقبلٍ لا يعنينا. كانت تقصد، دون أن تذكر ذلك صراحة، عجزنا عن الإنجاب، واستحالة أن نتمكّن من تبنّي طفل وقد أصبحنا في عمرٍ لا يسمح لنا برعايته كما يستحقّ.

هذه المرّة، لم تعُد. تسعة أشهر مرّت دون أن تردّ على مكالماتي المتكرّرة، وإذا حدث والتقينا صدفة، تُشعرني بأنّني أتحدّث إلى غريبةٍ لا أعرفها، كأنّ روحها هاجرت من جسدها وحلّت محلّها روحٌ أخرى.

– سافرت إذن إلى الشارقة وحضرت الملتقى؟

– سافرت، لكنّني لم أحضر الملتقى. لقد كان مجرّد قناعٍ أرتديه أمام العالم، وأمام نفسي. لم أقرأ ورقتي البحثيّة المملّة التي أعددتها على عجل، ولم أحضر جلساته التي بدت كطقوسٍ جنائزيّة لعقولٍ محنّطة.

بعد اليوم الأول، أعلمتُ المنظّمين ببرودٍ مصطنع أنّني سأقدّم مداخلتي مكتوبة، مدّعياً التهاباً حادّاً في الحلق يمنعني من الكلام، ويجبرني على البقاء في غرفتي الفندقيّة الفاخرة والموحشة كقبرٍ مُكيّف. كذبةٌ صغيرة استمتعت بها، ربّما لأنّها كانت الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرّة منذ زمن.

تخلّصت من التزامات الملتقى، وبقي أمامي يومٌ كامل قبل موعد العودة؛ يومٌ بدا لي أطول من حياةٍ بأكملها، فارغ كصفحة بيضاء تنتظر كلمة لن تُكتب. فكّرت في البداية أن أقضيه في الفندق، محدّقاً في السقف المزخرف بسخافة، أو متابعاً قنواتٍ إخباريّةً تردد نفس الكوارث بنفس الوجوه الشاحبة. لكنّ معرض الكتاب كان قد افتتح أبوابه للتوّ، فقرّرت، بدافعٍ من عادةٍ قديمة لم أستطع التخلّص منها، أو ربّما من يأسٍ مقنّع يبحث عن أيّ قشّة، أن أذهب لأستمع لكتّابٍ يقدّمون تجاربهم، كأنّني ما زلت أبحث عن تلك الوصفة السحريّة للكتابة.

حضرت ندوتين، لم أستفد منهما شيئاً سوى الشعور بالمزيد من الإحباط والضآلة، ثمّ رحت أجول في أروقة المعرض المزدحمة والصاخبة، أتصفّح أغلفة الكتب الجديدة بعينين متعبتين، أبحث لاشعورياً عن كتبٍ تشرح الكتابة للمبتدئين أو تعلّم الإبداع بخطواتٍ سهلة ومضمونة. وجدت الكثير، بعضها يَعِد بتحويلك إلى روائي عالمي في ستّة أشهر، وأخرى في شهرين، كأنّها وصفات طبخٍ سريعة لطبقٍ معقّد. لم أشترِ شيئاً، وفضّلت العودة إلى عزلتي في الفندق، إلى صمت الغرفة الذي بدا لي أرحم من ضجيج الآمال الكاذبة.

في طريقي إلى المخرج، وكالمُنوَّم مغناطيسيّاً، وجدت نفسي أقف أمام جناح دار نشرٍ طالما حلمت بالوصول إليها، دار نشرٍ كانت تمثّل لي القمّة البعيدة، الحلم المستحيل. كنت قد أرسلت إليهم عشر مخطوطات على مدى أعوام، وكلّها رُفضت برسائل نمطيّةٍ باردة كأنّها كُتبت بواسطة آلة. كتبها لا تصل إلى الجزائر إلّا نادراً، وبأسعارٍ خياليّة.

لحظة جنونٍ عابرة، أو ربّما شجاعة وُلدت من رحم اليأس المطبق، دفعتني للتفكير: ماذا لو تحدّثت إلى صاحبها؟ لعلّه يخبرني، وجهاً لوجه، بسرّ هذا الرفض المتكرّر، بالعيوب الحقيقيّة التي لم تجرؤ لجان القراءة على تسميتها. لعلّي أستدرك أخطائي، أو ربّما أتوقّف عن هذه المهزلة نهائيّاً.

اشتريت روايتين من الجناح بشكلٍ عشوائي، إحداهما مترجمة لكاتبٍ لم أسمع به من قبل، والأخرى لكاتبةٍ ناشئة بدا غلاف كتابها حزيناً كوشاح أرملة. ثمّ سألت الشابّ الذي كان يقف خلف طاولة البيع عن صاحب الدار، فدلّني عليه بإشارةٍ مقتضبة من رأسه، دون أن يرفع عينيه عن هاتفه.

تقدّمت نحوه بخطواتٍ متردّدة، أثقل من خطوات سجينٍ يُساق إلى حبل المشنقة. كان يقف منتصب القامة، أنيقاً في بدلته الدكناء، يتحدّث بابتسامةٍ محترفة ومصقولة مع رجلٍ يبدو من هيئته أنّه شخصيّةٌ مهمّة. انتظرت على بعد خطوات، أشعر بالغرابة والخجل، كأنّني متسوّلٌ يقف على باب قصرٍ فخم، لا ليطلب صدقة، بل ليطلب اعترافاً بفشله. انتظرتُ حتّى انصرف الرجل المهمّ، فاقتربت، وقلبي يدقّ ببطءٍ مقلق، كأنّه يستعدّ للتوقّف. شعرت ببرودةٍ في أطرافي، وبجفافٍ في حلقي.

حين التقت نظراتنا، رفعت صوتي قليلاً لأتغلّب على الضجيج المحيط:

– مساء النور، أستاذ.

ومددت يدي لأصافحه. يدٌ باردة ورطبة قليلاً. أضفت بسرعة، كمن يلقي اعترافاً أخيراً قبل أن يغيّر رأيه:

– في الحقيقة، كنت منصرفاً، لكنّني رأيت جناح دار نشركم، فتوقفت. اشتريت هذين الكتابين، وخطر لي أن أتعرّف إليك شخصيّاً.

قلتها بلهجتي الجزائريّة، متعمّداً هذه المرّة، لا بكبرياء زائفة، بل كإعلانٍ عن هويّتي الضائعة في هذا المكان الغريب. كثيرٌ من كتّابنا يتحاشون لهجتنا في المحافل العربيّة، ليس ليفهمهم الجميع، فالفصحى تكفي لذلك، بل لشعورٍ دفين بالنقص يدفعهم لاستعارة لهجات تبدو لهم أكثر «رقيّاً» أو «عروبة».

توقّعت أن يطلب ترجمة، أو أن يبتسم بسخريةٍ خفيفة، أو أن يتجاهلني ببساطة. لكنّه فهم، أو تظاهر بالفهم ببراعة. قال مبتسماً ابتسامةً مدرّبة كشفت عن أسنانٍ ناصعة البياض بشكلٍ مبالغ فيه:

– آه، جزائري! يا أهلاً وسهلاً! مرحباً بك، يسعدني التعرّف إليك. أتمنّى أن تجد في كتبنا ما يمتعك ويثري تجربتك.

أضاف وهو يصافحني بحرارةٍ وقوّة كادت تسحق عظام يدي:

– أحبّ لهجتكم كثيراً، مزيجٌ فريد ورائع من التاريخ والجغرافيا، من الفرنسيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والتركيّة والعربيّة طبعاً، وحتّى بعض الأمازيغيّة أحياناً. مزيجٌ غير متجانسٍ تماماً، أعترف، لكنّه ساحر في تركيبته. دائماً ما أقول لأصدقائي العرب ممّن يزعمون أنّها غير مفهومة: إنّها تحتاج فقط إلى بعض الثقافة والقلب المفتوح للاستمتاع بها، كقطعة موسيقى جاز معقّدة.

ابتسمت ابتسامةً باهتةً، مقدّراً لباقته المصطنعة، لكنّني لم أصدّق حرفاً واحداً خرج من فمه، فقد شعرت بكلماته كأنّها جزءٌ من نصٍّ محفوظ يلقيه على مسامع كلّ جزائريٍّ محتمل.

قلت معلّقاً بصوتٍ خافت، كأنّني أحدّث نفسي: «من ذوقك الراقي». ثمّ استجمعت شجاعتي الباقية وقدّمت نفسي:

– أنا كاتب، أو بالأحرى... أحاول يائساً أن أكون كاتباً. كتبت عشر روايات، سبق أن أرسلتها إليكم على مدى سنوات.

اتّسعت عيناه بدهشةٍ مصطنعة ومبالغٍ فيها. قال وهو يتقدّم نحوي بخطوة:

– عشر روايات؟ يا إلهي! واو! هذا إصرارٌ مذهل! عددٌ هائل بالفعل!

– عشر روايات، وكلّها رفضتها لجنتكم الموقّرة للقراءة.

قلتها بمرارة لم أستطع إخفاءها هذه المرّة، مرارة تسرّبت إلى صوتي رغماً عنّي.

انكمش وجهه قليلاً، كقناعٍ مطّاطي فقد بعض الهواء، لكنّ ابتسامته المحترفة لم تتلاشَ تماماً.

سأل بهدوءٍ حذر، كمن يسير في حقل ألغامٍ يعرف مكان كلّ لغمٍ فيه:

– وتعتقد أنّنا أخطأنا في تقييم أعمالك؟ أنّنا ظلمناك ربّما؟

– على العكس تماماً... أظنّ أنّها كانت غير صالحةٍ للنشر. ربّما كانت مجرّد أصداءٍ باهتة لكتّاب آخرين أحببتهم وقرأتهم حتّى حفظت إيقاع جملهم.

أجبت بلا تردّد، بصدقٍ فاجأني أنا نفسي، صدقٍ نابع من قاع اليأس.

ضحك هذه المرّة بصوتٍ أعلى، ضحكة بدت حقيقيّةً للحظةٍ خاطفة، كشرارةٍ في عتمة، ثمّ تماسك بسرعة، ودعاني للجلوس إلى طاولةٍ صغيرة منعزلة في زاوية الجناح، كأنّه يخشى أن يسمع أحدٌ حديثنا.

بادرني وهو يشير لنادلٍ افتراضي لم يكن موجوداً:

– أصدقائي الجزائريّون يفضّلون القهوة القويّة، السوداء، بلا سكّر. وأنت؟ قهوة أم شاي؟

– لا هذه ولا تلك، شكراً جزيلاً.

أضفتُ شارحاً: لا أحبّ المنبّهات. أفضّل عقلاً يعمل بإيقاعه الطبيعي، أو على الأقلّ، لا يعمل بفعل منبّهٍ خارجي يملي عليه ما يجب أن يشعر به.

ابتسم شابكاً أصابع يديه:

– قد تكون أول كاتبٍ ألتقيه يفضّل عقله هكذا، صافياً. وبلا شكّ، أنت أول كاتبٍ أعرفه لا يغضب كالثور الهائج إذا أُخبر أنّ كتابه سيّئ.


قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ
TT

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بين أدب الرحلة والتحليل الحضاري والرؤية التنموية، مسلطاً الضوء على إقليم شينجيانغ في الصين، بوصفه نموذجاً مركزياً في التحولات المعاصرة.

الكتاب لا يكتفي بوصف الجغرافيا الممتدة من جبال تيان شان المكسوة بالثلوج إلى صحراء تاكلامكان الذهبية، بل ينفذ إلى عمق التجربة الإنسانية في منطقة تشكّل نحو سدس مساحة الصين. إنه قراءة في المكان كهوية، وفي الإنسان كحامل لذاكرة حضارية، وفي التنمية كخيار استراتيجي.

من خلال زياراته إلى أورومتشي وكاشغر، يرصد المؤلف مشاهد الحياة اليومية: الأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، والموسيقى الشعبية، وثقافة الضيافة، وحضور المساجد والعمارة التاريخية... ويبرز كيف استطاعت القوميات المختلفة - الأويغور والكازاخ والهوي وغيرهم - الحفاظ على خصوصياتها الثقافية ضمن إطار دولة حديثة تسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلى قراءة أعمق في التحول التنموي الذي شهده شينجيانغ. فهو يتناول مسار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والسكك الحديدية إلى المناطق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسين التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.ويضع المؤلف هذه التحولات ضمن رؤية سياسية أوسع تقودها الدولة الصينية، تقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وبين النمو والاندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، برز شينجيانغ كبوابة استراتيجية للصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ومحور لوجيستي يعيد إحياء الروابط التاريخية لـ«طريق الحرير»، ولكن بروح تنموية معاصرة.

ويعالج الكتاب سؤالاً محورياً في التجربة الصينية: كيف يمكن تحقيق الازدهار في منطقة متعددة الأعراق والثقافات دون المساس بالهوية؟ وكيف تتحول التنمية إلى أداة للتماسك الاجتماعي لا مصدر للتوتر؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف قراءة عربية لتجربة شينجيانغ بوصفه مختبراً حياً لإدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية.

ويتضمّن الكتاب تقديمين؛ الأول للدكتور شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، والثاني للإعلامي حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، ما يمنح العمل بعداً أكاديمياً وإعلامياً يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني.

وارف قميحة هو باحث في الشأن الصيني، ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني - الصيني، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد الأصوات العربية البارزة في مجال تعزيز الحوار الحضاري وبناء الجسور المعرفية بين العالم العربي والصين.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة يتزايد فيها اهتمام القارئ العربي بالنموذج التنموي الصيني، ليقدّم قراءة عربية مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جمال الطبيعة، وعمق التقاليد، ومسار القضاء على الفقر، مع رؤية سياسية وتنموية تسعى إلى بناء مجتمع مستقر ومزدهر في إطار دولة حديثة متعددة الثقافات.