«آي ماك» الجديد من «آبل».. عودة إلى أجهزة «بي سي» ومجدها السابق

يصمم بشاشة جميلة عالية الوضوح ويناسب المحترفين

«آي ماك» الجديد من «آبل».. عودة إلى أجهزة «بي سي» ومجدها السابق
TT

«آي ماك» الجديد من «آبل».. عودة إلى أجهزة «بي سي» ومجدها السابق

«آي ماك» الجديد من «آبل».. عودة إلى أجهزة «بي سي» ومجدها السابق

قبل عام من وفاته سئل ستيف جوبز في أحد المؤتمرات عن توقعاته حول مستقبل سوق الكومبيوترات الشخصية. وكان جوبز وبوصفه مؤسسا ورئيسا تنفيذيا لـ«آبل» في أواخر السبعينات على رأس من ساهم في ولادة صناعة الكومبيوترات الشخصية (بي سي). لكنه وفيما بعد وبعد أن ازدادت مبيعات «آيفون» و«آيباد» بشكل هائل، خرج بوصف للأعمال التقنية على أنها قد دخلت «عصر ما يعقب الـ«بي سي»، فهل كان يعتقد فعلا أن الكومبيوترات المكتبية واللابتوب باتت على شفير الانقراض؟
وكان قد عرض نوعا من التشبيه بقوله: «عندما كنا مجتمعا زراعيا، كانت جميع المركبات عبارة عن شاحنات، لأنها هي التي نحتاجه في المزارع»، ولكن مع زوال هذا المجتمع، وقيام الناس في المناطق المدنية بشراء السيارات العادية، تجزأت سوق السيارات إلى فئات متميزة. فقد كان منها ما هو سهل الاستخدام، لا تحتاج نسبيا إلى أي صيانة، وذلك للسائقين العاديين كل يوم، ثم هنالك المركبات القوية، مثل الشاحنات للأشخاص الذين بحاجة إلى قضاء أعمالهم. إذن الكومبيوترات المكتبية واللابتوب ستكون كالشاحنات، كما تكهن جوبز: «فهي ستظل حولنا، وسيظل لها قيمة كبيرة، لكنها ستكون قيد الاستخدام من قبل شخص واحد من أصل الكثيرين».

* نهوض الكومبيوتر
وبعد مرور 4 سنوات، أثبتت توقعات جوبس صحتها. إذ تقدر بينيديكت إيفانز المحللة في مؤسسة «أندرسن هوروتز» لاستثمار رؤوس الأموال أن عدد الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية التي هي قيد الاستخدام على نطاق العالم كله، بنحو مليارين في العام الفائت، وهو ما يفوق عدد الأجهزة المكتبية واللابتوب. لكن كما جادل جوبز، فإن نمو عدد الأجهزة الجوالة لم يفض إلى موت هذه الأجهزة، ففي العام الماضي شرع هبوط مبيعات أجهزة «بي سي» بالتوقف ليستقر عند مستوى معين. وبصورة ما، شهد العام الماضي انتعاشا للكومبيوترات الشخصية بعدما اكتسبت هذه المعدات قوة مدهشة جديدة حولتها إلى الأفضل مما سبق.
فقد رأينا نهضة «كرومبووك» Chromebook، جهاز اللابتوب الذي يشغله نظام «غوغل»، والذي يعمل على نظام تشغيل يعتمد على متصفح «كروم ويب»، والذي يباع أحيانا بسعر 200 دولار. ولكونه رخيص السعر، وسهل الصيانة، شرع هذا الجهاز يشق طريقه في القطاع الأدنى من سوق الكومبيوترات في العام الفائت. وقد أثبت جدواه وشعبيته في قطاع التعليم بعد حصوله على تقدير المعلمين وذوي التلاميذ نظرا إلى تصميمه البسيط.
وردا على التهديد هذا الذي فرضه «كرومبوك»، أطلقت «مايكروسوفت» من جهتها نسخة من نظام تشغيلها «ويندوز» التي شرع صناع الكومبيوترات باعتمادها في الأجهزة غير المكلفة. فـ«هيوليت - باكرد» مثلا أطلقت «ستريم 11» Stream 11 الذي هو عبارة عن لابتوب «ويندوز» بسعر 200 دولار، والذي يأتي باشتراك مجاني مع تطبيقات «مايكروسوفت أوفيس»، فضلا عن سعة تخزين على الشبكة تبلغ تيترابايت واحد.
ويمكن التفكير في «كرومبوك»، وكذلك الأجهزة العاملة على «ويندوز» غير المكلفة، والهواتف الجوالة، والأجهزة اللوحية، على أنها سيارات الأعمال التقنية، لكن في العام الماضي ساعدت أجهزة «كرومبوك» والأجهزة العاملة على «ويندوز» صناعة «بي سي» أن تظل ثابتة أمام ارتفاع مبيعات الهواتف. لكن السؤال الذي يتردد هو جدوى ذلك على المدى الطويل؟ أي إلى متى ستظل قدرة صانعي أجهزة الـ«بي سي» مستمرة على البقاء والاستمرار، عن طريق بيع أجهزة رخيصة السعر؟

* «آي ماك»
فإذا ما توجهت صوب «آبل»، هنالك جهاز «آي ماك» الجديد العالي السعر، الذي كشفت النقاب عنه في الخريف الماضي، ذو الشاشة الجميلة العالية التحديد. فإذا كانت أجهزة «كرومبوك»هي السيارات، فإن «آي ماك» الجديد هو أفضل شاحنة في العالم. فقد صنع ليناسب المحترفين، وليس المستخدمين العفويين. وهو يمهد طريقا أمام عودة صناعة أجهزة «بي سي» إلى سابق عهدها التي عانت كثيرا منه.
ومع تحول الهواتف والأجهزة اللوحية إلى أدوات أكثر قوة وفائدة، وشرعت في ملء المزيد من أوقاتنا، توجب على منتجي أجهزة «بي سي» إنتاج كومبيوترات تستغل شكل هذه الأجهزة، وحجمها وقوتها. وتوجب عليهم العثور على مميزات جديدة التي لا يمكن محاكاتها أو تقليدها من قبل الهواتف الذكية. ومع وجود شاشة فيها لا يمكن مقارنتها مع أي جهاز كومبيوتري آخر، يمكن اليوم شراء «آي ماك» الجديد هذا الذي يحتوي على مثل هذه الشاشة. لذلك اعتبرت هذا الجهاز هو المفضل لدي، من بين عشرات الأجهزة التقنية الجديدة التي قمت بتجربتها في العام الفائت.
وقد أثبت إنتاج المعدات والأجهزة المتطورة العالية الجانب أنه أمر مثمر بالنسبة إلى «آبل». ففي الربع الثالث من عام 2014. أصبحت «آبل» خامسة أكبر مسوقة لأجهزة «بي سي» في العالم، وفقا إلى تقديرات مؤسسة الأبحاث «آي دي سي». وعلى الرغم من أن حصتها في السوق قد تقلصت بسبب جهاز «بي سي لينوفو» العامل على «ويندوز»، وأجهزة «هيوليت - باكرد»، و«ديل»، و«إيسر»، يتوقع أن تحصد اليوم نحو نصف أرباح صناعة «بي سي». «فالشركة ناجحة في عملها جدا، وأعتقد أنها ستستمر في النجاح»، وفقا إلى توم مينيلي الذي يدرس سوق أجهزة الـ«بي سي» في مؤسسة «آي دي سي».
ويقول مينيلي، إن توفر الهواتف الذكية قد زاد من جاذبية أجهزة «ماك». فلكون أن الأفراد شرعوا يتحولون أكثر إلى الأجهزة الجوالة، باتوا ينتظرون أكثر لدى استبدالهم لأجهزة «بي سي». فالفترة الطويلة التي امتلكوا خلالها لهذه الأجهزة قبل التفكير بتغييرها من شأنها تبرير شراء أجهزة «آبل» الراقية المتطورة. إذ يقول هؤلاء المستهلكون: «حسنا، لأننا سنستخدم هذا الجهاز لفترة 5 سنوات، أو أكثر، يتوجب علينا شراء واحد جيد وممتاز، وقد استفادت (آبل) من ذلك كثيرا»، كما يضيف مينيلي.

* شاشة مطورة
وجهاز «آي ماك» الجديد هذا مزود بشاشة «ريتينا 5 كيه» قياس 27 بوصة، مما يعني أنها بتحديد 5000 سطر أفقي، ونحو 15 مليون بيكسل عبر الشاشة برمتها. وهذا يعني أنها 7 أضعاف ما تجده في التلفزيونات العالية التحديد، وعدة ملايين أكثر مما تجده في التلفزيونات الحديثة العالية التحديد جدا.
وكل هذه البيكسلات تكون صورة بوضوح عالي جدا، فالنصوص تلمع، والصور وكأنها تقفز وتبرز من مكانها، وعند عودتك لاستخدام الكومبيوتر ذي الشاشة العادية، تطالبك عيناك بالعودة إلى هذه الشاشة الأولى، وهذا ما دفعني بجنون إلى شراء جهاز «ريتينا 5 كيه آي ماك» خاص بي.
ومثل هذه الآلات ليست رخيصة، فسعرها يبدأ بـ2500 دولار، أي أكثر بـ700 دولار عن سعر «آي ماك» بشاشة عادية غير «ريتينا» قياس 27 بوصة، وأكثر بآلاف الدولارات من سعر كومبيوتر مكتبي عادي. بيد أن «ديل» طرحت شاشة «5 كيه» مستقلة من المقرر بيعها بسعر 2500 دولار، وهو سعر كومبيوتر «آبل» برمته، غير أنه إثر الإعلان عن «آي ماك»، قامت «ديل» بتخفيض سعر الشاشة إلى 2000 دولار. لكن لدى إقران هذه الشاشة بكومبيوتر يكون من القوة الكافية لكي يتولى أمرها، يتوجب عليك إنفاق أكثر مما ستنفقه على جهاز «آبل» الكامل. فإذا كنت تبحث عن كومبيوتر مكتبي بشاشة بهذه الجودة، فما يزال على جهاز «آبل» المكتبي مراحل طويلة يتوجب قطعها. ومن غير المحتمل أن تقوم «آبل» ببيع «آي ماك» الجديد بكميات كبيرة، فهو مخصص لنخبة من المصورين، ومحرري الفيديوهات، ومنتجي الرسوم المتحركة، والمنتجين الرقميين، أي الأشخاص الذين يقضون فترات طويلة على أجهزتهم، والمستعدين أن ينفقوا مبالغ كبيرة على أجهزة متطورة.
في أي حال إذا كنت من مستخدمي الكومبيوتر العاديين من الذين يتصفحون الإنترنت، والكشف على البريد الإلكتروني، والقيام بالعمال الخفيفة الأخرى، فلن تكون بحاجة إلا إلى جهاز مثل «كرومبوك»، أو جهاز لوحي، وقد تستطيع قضاء كل هذه الأعمال حتى بواسطة الهاتف.

* خدمة «نيويورك تايمز»



دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.