تورتشين... التاريخ والبيانات الكبيرة

تورتشين... التاريخ والبيانات الكبيرة

توقع عام 2012 أن اضطرابات كبرى ستحصل في الولايات المتحدة عام 2020
الخميس - 29 جمادى الآخرة 1442 هـ - 11 فبراير 2021 مـ رقم العدد [ 15416]

صارت البيانات الكبيرة (Big Data) في عصرنا هذا (عصر الثورة التقنية الرابعة) بمثابة الوقود الذي يديم حركة كل المناشط البشرية، وراحت المباحث المعرفية تنزاح مبتعدة عن الأنماط القديمة المعروفة التي تشبه جزراً معرفية متناثرة نحو شكل نسقي يضم الحافات المعرفية المتقدمة بعضها مع بعض. ويمكن إجمال الوضع بالصيغة التالية: غدت المعارف البشرية تميل أكثر فأكثر نحو الأنساق المعرفية الشاملة التي تمثل البيانات الكبيرة مادتها الأولية، وتعمل نماذج المحاكاة الرياضياتية على تحويلها إلى خرائط عمل لرسم التضاريس الفكرية المستقبلية، ومآلات تشكل الوضع البشري، بفضل تعاظم قدرة المعالجة الحاسوبية المتاحة أمامنا.

أحد هذه الأنساق المعرفية المستجدة الكليوداينامكس (Cliodynamics) (أي الديناميات التاريخية؛ مفردة clio تشير إلى ربة التاريخ في الميثولوجيا الإغريقية)، وهو دراسة نسقية مشتبكة تضم مباحث معرفية من حقول التطور الثقافي والتاريخ الاقتصادي والسوسيولوجيا. ويطمح هذا المسعى الشامل إلى الحصول على نمذجة رياضياتية للفعاليات التاريخية بغية تخليق قواعد بيانات تاريخية كبيرة يمكن استثمارها في تشكيل نماذج لاحقة.

واضحٌ أن «الكليوداينامكس» يتعامل مع التاريخ بصفته علماً، بدلاً من كونه وقائع تاريخية متناثرة، ويسعى البحاثة في هذا الحقل المعرفي لتطوير نظريات من شأنها تقديم توضيحات مسببة عن الانعطافات المفصلية في التاريخ، مثل: صعود الإمبراطوريات وسقوطها، والانفجارات السكانية، وما يصاحبها من اختلالات هيكلية شاملة. ويُعد بيتر تورتشين (Peter Turchin) المولود عام 1957، وهو عالم أميركي روسي المولد، الرائد في مبحث «الكليوداينامكس». ويعمل تورتشين حالياً أستاذاً في جامعة كونيكتكت الأميركية في أقسام الدراسات البيئية والبيولوجيا التطورية والأنثروبولوجيا والرياضيات معاً! كما أنه يديرُ معهد التطور في الجامعة ذاتها، وهذا مؤشر حيوي لنا في النمط المشتبك الذي صارت عليه الدراسات الجامعية العالمية.

ألف تورتشين عدداً من الكتب التي تكشف عن مقاربته الجديدة للتاريخ، منها: «رسمُ معالم الماضي: 3495 إحصائية حيوية توضح التاريخ العالمي - 2020»، و«عبر نافذة مكسورة - 2020»، و«الديناميات التاريخية: لماذا تصعد الأمم وتتهاوى؟ - 2018»، و«حرب وسلام وحرب: صعود الإمبراطوريات وسقوطها - 2007».

وتتجوهر مقاربة تورتشين للتاريخ في أننا ما لم نتحصل على فهم للأخطاء التي ارتكبناها في تاريخنا البشري، فإننا سنعيد ارتكاب تلك الأخطاء لا محالة، لكن هذا الأمر لا يحصل بفعل التفكر المجرد في الحالة البشرية، أو انتظار زيادة مناسيب الحكمة البشرية، بل نتيجة القدرة المتزايدة على استخدام العلم من أجل هدفين متلازمين: الفهم الأفضل للماضي، والتوقعات الأفضل حول ما يمكن حصوله في المستقبل.

وقد كتب البروفسور تورتشين مقالة بحثية عام 2012 تنبأ فيها بأن اضطرابات كبرى ستحصل في الولايات المتحدة الأميركية عام 2020، إذ ستعاني الولايات المتحدة من ذروة في عوامل اللااستقرار الخطيرة. ويبدو لنا هذا المسار التنبؤي اليوم مكتوباً من طرف مراقب يشهد الوقائع وهي تحصل أمام عينيه: ثمة جائحة خطيرة تضرب الولايات المتحدة، وتزايد في القلاقل المجتمعية، خاصة أن الأمة الأميركية تدشن عهداً تبدو سياساته متخالفة تماماً مع السياسات الترمبية، والواقع الأميركي مفتوح على مشاهد فوضوية تماماً، مثلما توقع تورتشين في ورقته البحثية ذات القيمة التاريخية العالية.

ويتعامل المنافحون عن «الكليوداينامكس» مع السجلات التاريخية مثلما يتعامل أنصار البيولوجيا التطورية مع السجلات الأحفورية، حيث يتم تأسيس النظريات التاريخية اعتماداً على مبادئ عامة، ثم يجري اختبار دقتها بالاستعانة بقواعد بيانات ضخمة؛ المقاربة هنا شبيهة بالطريقة المنهجية العلمية التي لطالما عملت بطريقة بارعة في حقول الفيزياء والبيولوجيا وكثير من العلوم الاجتماعية.

وفي ورقته التاريخية المشار إليها أعلاه، يقدم تورتشين فحصاً شاملاً لتاريخ اللااستقرارية السياسية - المجتمعية في الولايات المتحدة منذ 1780 (نشأة الولايات المتحدة الأميركية وإعلان الدستور الأميركي) حتى 2010. وقد وظف في دراسته المسحية هذه بيانات تخص 1600 واقعة عنف سياسي في التاريخ الأميركي، مثل الاضطرابات المجتمعية ووقائع التمرد والإرهاب. وعمد تورتشين بعد ذلك إلى إقران هذه البيانات مع نموذج حاسوبي يضع في حسبانه دور القوى المجتمعية المؤثرة، مثل: الأجور المتناقصة، واللاعدالة في توزيع الثروة، والتغيرات الديمغرافية (السكانية)، والتنافسية المتغولة على وظائف النخبة الأعلى دخلاً. وكشف نموذج المحاكاة الحاسوبية نتائج تفيد بأن العنف السياسي الأميركي يميل إلى الحصول في دورات منتظمة (شبيهة بالأزمات الدورية في النظام الرأسمالي والأسواق الحرة)، مع ملاحظة وجود أعوام ذروة يصل فيها العنف واللاستقرار السياسي أعلى مستوياته.

واحدة من تلك الفترات التاريخية الدورية هي تلك الدورات القصيرة التي تحصل كل خمسين سنة (تقريباً)، ومثالها أعوام ذروة الااستقرارية السياسية التي حصلت أعوام 1870 و1920 و1970. ويدعو تورتشين هذه الفترات الدورية «دورة الأب - الابن» (Father - Son Cycle)، حيث يتسلم جيل الآباء نمطاً مجتمعياً تسوده اللاعدالة الاجتماعية والتمردات الشاملة، ثم يحصل لاحقاً أن يتعامل جيل الأبناء مع المفاعيل الناجمة عن هذه التمردات، ويبدأ التحضير لمفاعيل خلخلة جديدة في الأوضاع المجتمعية الأميركية، ثم يأتي الجيل الثالث ليعيد هذه الدورة التاريخية من جديد...

ويشيرُ تورتشين إلى نمط ثانٍ من الدورات التاريخية أطول بكثير من النمط الأول، تحصل ذروته مرة كل قرنين إلى 3 قرون. وتبدأ هذه الدورة التاريخية الطويلة بمجتمعٍ يسوده نمط معقول من المساواة، لكن مع الزيادات الكبرى في أعداد السكان، وتناقص فرص العمل المتاحة، تصبح اللاعدالة الفاحشة في نمط توزيع الثروة غير محتملة، الأمر الذي يؤدي إلى انهيار المجتمعات أو معاناتها المريرة من لااستقرارية سياسية واسعة النطاق.

ويقيمُ تورتشين نموذجه الحاسوبي على نظرية ديمغرافية هيكلية (Structural-Demographic Theory) تسعى لفهم القوى العامة التي تتسبب في توهين المجتمعات وجعلها عُرضة لعوامل اللااستقرار السياسي. وقد أبانت نظريته أن الدورات المنتظمة من اللااستقرار السياسي ليست محصورة على الولايات المتحدة الأميركية، بل تشمل أيضاً الإمبراطورية الرومانية والصين وروسيا. ولكي نفهم هذه النظرية بطريقة أفضل، يقدمُ تورتشين في أحد مقالاته تشبيهاً للثورات المجتمعية بالفعاليات التكتونية التي تحصل بين الصخور المكونة للقشرة الأرضية، والتي تنشأ عنها الزلازل، ويكتب في هذا الشأن: «في كل من الثورات المجتمعية والزلازل الأرضية، من المفيد دوماً تمييز الضغوطات الهيكلية التي تتراكم بطيئاً عن (القوادح) triggers التي تجعل هذه الضغوطات تتفجر بطريقة غير متوقعة».

هذا عصر البيانات الكبيرة والنمذجة الحاسوبية والأنساق الدينامية المعقدة المتداخلة، ولم يعد لائقاً النظر إلى التاريخ أو مقاربته بطريقة السلاسل الوقائعية الخطية التي تبدو أفعالاً عبثية غير مسببة، فضلاً عن كونها تعيقنا عن النظر إلى التاريخ بصفته وحدة نسقية يمكن اجتناء فائدة عظمى منها في رسم الصورة المتوقعة والممكنة للمستقبل.

* كاتبة روائية مترجمة عراقية تقيم في الأردن


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة