تورتشين... التاريخ والبيانات الكبيرة

توقع عام 2012 أن اضطرابات كبرى ستحصل في الولايات المتحدة عام 2020

تورتشين
تورتشين
TT

تورتشين... التاريخ والبيانات الكبيرة

تورتشين
تورتشين

صارت البيانات الكبيرة (Big Data) في عصرنا هذا (عصر الثورة التقنية الرابعة) بمثابة الوقود الذي يديم حركة كل المناشط البشرية، وراحت المباحث المعرفية تنزاح مبتعدة عن الأنماط القديمة المعروفة التي تشبه جزراً معرفية متناثرة نحو شكل نسقي يضم الحافات المعرفية المتقدمة بعضها مع بعض. ويمكن إجمال الوضع بالصيغة التالية: غدت المعارف البشرية تميل أكثر فأكثر نحو الأنساق المعرفية الشاملة التي تمثل البيانات الكبيرة مادتها الأولية، وتعمل نماذج المحاكاة الرياضياتية على تحويلها إلى خرائط عمل لرسم التضاريس الفكرية المستقبلية، ومآلات تشكل الوضع البشري، بفضل تعاظم قدرة المعالجة الحاسوبية المتاحة أمامنا.
أحد هذه الأنساق المعرفية المستجدة الكليوداينامكس (Cliodynamics) (أي الديناميات التاريخية؛ مفردة clio تشير إلى ربة التاريخ في الميثولوجيا الإغريقية)، وهو دراسة نسقية مشتبكة تضم مباحث معرفية من حقول التطور الثقافي والتاريخ الاقتصادي والسوسيولوجيا. ويطمح هذا المسعى الشامل إلى الحصول على نمذجة رياضياتية للفعاليات التاريخية بغية تخليق قواعد بيانات تاريخية كبيرة يمكن استثمارها في تشكيل نماذج لاحقة.
واضحٌ أن «الكليوداينامكس» يتعامل مع التاريخ بصفته علماً، بدلاً من كونه وقائع تاريخية متناثرة، ويسعى البحاثة في هذا الحقل المعرفي لتطوير نظريات من شأنها تقديم توضيحات مسببة عن الانعطافات المفصلية في التاريخ، مثل: صعود الإمبراطوريات وسقوطها، والانفجارات السكانية، وما يصاحبها من اختلالات هيكلية شاملة. ويُعد بيتر تورتشين (Peter Turchin) المولود عام 1957، وهو عالم أميركي روسي المولد، الرائد في مبحث «الكليوداينامكس». ويعمل تورتشين حالياً أستاذاً في جامعة كونيكتكت الأميركية في أقسام الدراسات البيئية والبيولوجيا التطورية والأنثروبولوجيا والرياضيات معاً! كما أنه يديرُ معهد التطور في الجامعة ذاتها، وهذا مؤشر حيوي لنا في النمط المشتبك الذي صارت عليه الدراسات الجامعية العالمية.
ألف تورتشين عدداً من الكتب التي تكشف عن مقاربته الجديدة للتاريخ، منها: «رسمُ معالم الماضي: 3495 إحصائية حيوية توضح التاريخ العالمي - 2020»، و«عبر نافذة مكسورة - 2020»، و«الديناميات التاريخية: لماذا تصعد الأمم وتتهاوى؟ - 2018»، و«حرب وسلام وحرب: صعود الإمبراطوريات وسقوطها - 2007».
وتتجوهر مقاربة تورتشين للتاريخ في أننا ما لم نتحصل على فهم للأخطاء التي ارتكبناها في تاريخنا البشري، فإننا سنعيد ارتكاب تلك الأخطاء لا محالة، لكن هذا الأمر لا يحصل بفعل التفكر المجرد في الحالة البشرية، أو انتظار زيادة مناسيب الحكمة البشرية، بل نتيجة القدرة المتزايدة على استخدام العلم من أجل هدفين متلازمين: الفهم الأفضل للماضي، والتوقعات الأفضل حول ما يمكن حصوله في المستقبل.
وقد كتب البروفسور تورتشين مقالة بحثية عام 2012 تنبأ فيها بأن اضطرابات كبرى ستحصل في الولايات المتحدة الأميركية عام 2020، إذ ستعاني الولايات المتحدة من ذروة في عوامل اللااستقرار الخطيرة. ويبدو لنا هذا المسار التنبؤي اليوم مكتوباً من طرف مراقب يشهد الوقائع وهي تحصل أمام عينيه: ثمة جائحة خطيرة تضرب الولايات المتحدة، وتزايد في القلاقل المجتمعية، خاصة أن الأمة الأميركية تدشن عهداً تبدو سياساته متخالفة تماماً مع السياسات الترمبية، والواقع الأميركي مفتوح على مشاهد فوضوية تماماً، مثلما توقع تورتشين في ورقته البحثية ذات القيمة التاريخية العالية.
ويتعامل المنافحون عن «الكليوداينامكس» مع السجلات التاريخية مثلما يتعامل أنصار البيولوجيا التطورية مع السجلات الأحفورية، حيث يتم تأسيس النظريات التاريخية اعتماداً على مبادئ عامة، ثم يجري اختبار دقتها بالاستعانة بقواعد بيانات ضخمة؛ المقاربة هنا شبيهة بالطريقة المنهجية العلمية التي لطالما عملت بطريقة بارعة في حقول الفيزياء والبيولوجيا وكثير من العلوم الاجتماعية.
وفي ورقته التاريخية المشار إليها أعلاه، يقدم تورتشين فحصاً شاملاً لتاريخ اللااستقرارية السياسية - المجتمعية في الولايات المتحدة منذ 1780 (نشأة الولايات المتحدة الأميركية وإعلان الدستور الأميركي) حتى 2010. وقد وظف في دراسته المسحية هذه بيانات تخص 1600 واقعة عنف سياسي في التاريخ الأميركي، مثل الاضطرابات المجتمعية ووقائع التمرد والإرهاب. وعمد تورتشين بعد ذلك إلى إقران هذه البيانات مع نموذج حاسوبي يضع في حسبانه دور القوى المجتمعية المؤثرة، مثل: الأجور المتناقصة، واللاعدالة في توزيع الثروة، والتغيرات الديمغرافية (السكانية)، والتنافسية المتغولة على وظائف النخبة الأعلى دخلاً. وكشف نموذج المحاكاة الحاسوبية نتائج تفيد بأن العنف السياسي الأميركي يميل إلى الحصول في دورات منتظمة (شبيهة بالأزمات الدورية في النظام الرأسمالي والأسواق الحرة)، مع ملاحظة وجود أعوام ذروة يصل فيها العنف واللاستقرار السياسي أعلى مستوياته.
واحدة من تلك الفترات التاريخية الدورية هي تلك الدورات القصيرة التي تحصل كل خمسين سنة (تقريباً)، ومثالها أعوام ذروة الااستقرارية السياسية التي حصلت أعوام 1870 و1920 و1970. ويدعو تورتشين هذه الفترات الدورية «دورة الأب - الابن» (Father - Son Cycle)، حيث يتسلم جيل الآباء نمطاً مجتمعياً تسوده اللاعدالة الاجتماعية والتمردات الشاملة، ثم يحصل لاحقاً أن يتعامل جيل الأبناء مع المفاعيل الناجمة عن هذه التمردات، ويبدأ التحضير لمفاعيل خلخلة جديدة في الأوضاع المجتمعية الأميركية، ثم يأتي الجيل الثالث ليعيد هذه الدورة التاريخية من جديد...
ويشيرُ تورتشين إلى نمط ثانٍ من الدورات التاريخية أطول بكثير من النمط الأول، تحصل ذروته مرة كل قرنين إلى 3 قرون. وتبدأ هذه الدورة التاريخية الطويلة بمجتمعٍ يسوده نمط معقول من المساواة، لكن مع الزيادات الكبرى في أعداد السكان، وتناقص فرص العمل المتاحة، تصبح اللاعدالة الفاحشة في نمط توزيع الثروة غير محتملة، الأمر الذي يؤدي إلى انهيار المجتمعات أو معاناتها المريرة من لااستقرارية سياسية واسعة النطاق.
ويقيمُ تورتشين نموذجه الحاسوبي على نظرية ديمغرافية هيكلية (Structural-Demographic Theory) تسعى لفهم القوى العامة التي تتسبب في توهين المجتمعات وجعلها عُرضة لعوامل اللااستقرار السياسي. وقد أبانت نظريته أن الدورات المنتظمة من اللااستقرار السياسي ليست محصورة على الولايات المتحدة الأميركية، بل تشمل أيضاً الإمبراطورية الرومانية والصين وروسيا. ولكي نفهم هذه النظرية بطريقة أفضل، يقدمُ تورتشين في أحد مقالاته تشبيهاً للثورات المجتمعية بالفعاليات التكتونية التي تحصل بين الصخور المكونة للقشرة الأرضية، والتي تنشأ عنها الزلازل، ويكتب في هذا الشأن: «في كل من الثورات المجتمعية والزلازل الأرضية، من المفيد دوماً تمييز الضغوطات الهيكلية التي تتراكم بطيئاً عن (القوادح) triggers التي تجعل هذه الضغوطات تتفجر بطريقة غير متوقعة».
هذا عصر البيانات الكبيرة والنمذجة الحاسوبية والأنساق الدينامية المعقدة المتداخلة، ولم يعد لائقاً النظر إلى التاريخ أو مقاربته بطريقة السلاسل الوقائعية الخطية التي تبدو أفعالاً عبثية غير مسببة، فضلاً عن كونها تعيقنا عن النظر إلى التاريخ بصفته وحدة نسقية يمكن اجتناء فائدة عظمى منها في رسم الصورة المتوقعة والممكنة للمستقبل.
* كاتبة روائية مترجمة عراقية تقيم في الأردن



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً